بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ملاحظات حول البيان الشيوعي

« السابق التالي »

2. ماذا يقول البيان الشيوعي؟

“إن تاريخ كل المجتمعات الموجودة حتى الآن هو تاريخ الصراع بين الطبقات” إن نقطة البداية بالنسبة للبيان هي كذلك نقطة البداية للنظرية الماركسية في التاريخ. ففي كل المجتمعات السابقة كان يوجد صراع بين الطبقات الذي ينتهي أخيراً إلي الحسم ويؤدي إما إلي خلق طريقة جديدة لتنظيم العمل والحياة، أي تغير ثوري في المجتمع ككل، أو إلي “التدمير المشترك للطبقات المتصارعة”(5). إذا لم تكن نتيجة الصراع بين الطبقات حاسمة، أي إذا لم يستطع أي من الجانبين الانطلاق، إذن فبدلاً من التقدم إلي الأمام، يمكن أن يندفع المجتمع ككل إلي الخلف. كانت هذه الصراعات الحاسمة تميز تطور المجتمع في فترات تاريخية معينة حيث ينتقل من أحد أنماط الإنتاج إلي نمط أخر. وأحدثها، كانت المعارك الكبرى في إنجلترا في أربعينيات القرن السابع عشر وفي فرنسا في ثمانينيات وتسعينات القرن الثامن عشر وتمثل نضال البرجوازية الناجح ضد قوي الإقطاعية.

أن الثورات البرجوازية التي ستنتشر – هكذا افترض ماركس وإنجلز_ في أجزاء أخري من أوروبا سوف تشرع في مرحلة من التطوير السريع لقوي الإنتاج والتي في المقابل سوف تؤدي بسرعة هائلة إلي ثورة الطبقة العاملة أو ثورة بروليتارية. ولذلك يبدأ البيان تحليله بدراسة التقدم الذي تمثله الرأسمالية بالمقارنة بالمجتمعات السابقة، ويدرس بداية، ليس ظهور الطبقة العاملة، وإنما الطابع الثوري للطبقة الرأسمالية ذاتها.

يرسم البيان صورة قوية ومدهشة للرأسمالية كنظام ديناميكي متغير باستمرار والذي يتغير تقريباً أمام أعين المؤلفين. وربما يعكس كذلك الإعجاب غير المتوقع لدي ماركس وإنجلز بكثير من إنجازات التطورالرأسمالي. ربما يكون عسيراً بالنسبة لنا أن نتخيل ذلك بعد مرور مائة وخمسين عاماً – حيث يوجد حيا في ذاكرتنا حربان عالميتان، وأزمات عديدة، والهولوكوست، وحيث الإبادة العرقية، والمجاعات والبؤس الشديد، كلها حقائق في المجتمع الرأسمالي الحديث_ لكن يجب أن نضع في أذهاننا الخلفية التي كتب في ظلها ماركس وإنجلز. فقد كان تطور الرأسمالية بالنسبة لهما تقدماً هائلاً بالنسبة لما كان يحدث من قبل. وبشكل خاص كان المجتمع الألماني متخلفاً بسبب الانقسامات السياسية والإقليمية، والأنظمة السياسية المستبدة، والقوانين التي عفا عليها الزمن وشروط التجارة المقيدة. وكانت العناصر الديناميكية في المجتمع الألماني تعوقها هذه العلاقات الاجتماعية التي كانت تمثل عقبة لمنع المجتمع من التقدم للأمام. وبحلول أربعينيات القرن التاسع عشر كان يوجد بالفعل انقسام واضح بين دينامية بعض المجتمعات، التي تندفع للأمام علي أساس التطور الرأسمالي السريع، وركود بعض المجتمعات الأخرى.

كانت الرأسمالية في طريقها لتدمير المجتمع الإقطاعي القديم وإقامة سلطتها الخاصة. وهذا بدوره، كما رأي ماركس وإنجلز، سيخلق الشروط الأولي للنضال من أجل الاشتراكية – وعلي وجه الخصوص سوف يخلق إنتاجاً صناعياً كبيراً وطبقة عاملة ثورية جديدة. ويقدم البيان لوحة عبقرية مختصرة لتطور الرأسمالية: من نمو المدن في العصور الوسطي، ورحلات الاستكشاف التي أدت إلي ظهور الرأسمالية التجارية،إلي نمو الصناعة من أجل تلبية الطلب في الأسواق الجديدة:

“إن نظام الصناعة الإقطاعي، والذي تحتكر في ظله الإنتاج الصناعي طوائف حرفية مغلقة، لم يعد كافياً لتلبية الاحتياجات المتزايدة للأسواق الجديدة. وقد حل محل نظام المانيفاكتورة وتنحي جانبا رؤساء الطوائف الحرفية أمام الطبقة الوسطي الصناعية، وتبدد تقسيم العمل بين مختلف الطوائف الحرفية الشاملة في مواجهة تقسيم العامل داخل كل ورشة علي حدة. في نفس الوقت استمرار نمو الأسواق وازدياد الطلب باستمرار. وحتى المانيفاكتورة لم تعد كافية. وعلي هذا حدث تثوير الإنتاج للإنتاج الصناعي عن طريق البخار والميكنة. وحلت الصناعة الحديثة العملاقة محل المانيفاكتورة، ومحل الطبقة الوسطي الصناعية جاء المليونيرات الصناعيون، قادة الجيوش الصناعية الكاملة، أي البرجوازية الحديثة.”(6)

تطور النظام إلي نظام عالمي، حيث يدفعه البحث عن الأسواق إلي السعي للوصول إلي كافة أرجاء الكرة الأرضية، ويجر وراءه المدن والسكك الحديدية ووسائل الاتصال الحديثة. لقد كانت البرجوازية طبقة ثورية لأنها غيرت الإنتاج ودمرت طرقاً للحياة والعمل كانت قائمة علي الأرجح لمئات السنين:

“لا تستطيع البرجوازية أن تستمر في الوجود بدون تثوير مستمر لأدوات الإنتاج، وبالتالي لعلاقات الإنتاج، ومعها كل العلاقات الاجتماعية. إن المحافظة علي أنماط الإنتاج القديمة كانت الشرط الأول لوجود كل الطبقات الصناعية السابقة. أما التثوير الدائم للإنتاج، والاضطراب المستمر في كافة الظروف الاجتماعية، والقلق الدائم وعدم الاستقرار فهو ما يميز عصر البرجوازية عن كل العصور السابقة.”(7)

كان لهذه الثورة في الإنتاج أثر مماثل في كل مجالات الحياة. فاختفت الأديان والمعتقدات والعادات القديمة، وبدأ الرجال والنساء يفكرون بطريقة مختلفة تماما لأنهم يعيشون ويعملون بطريقة مختلفة:

“تزول العلاقات الثابتة والمتجمدة وما كان يتبعها من أهواء وأفكار عتيقة ومحترمة، وتصبح تلك التي تحل محلها عتيقة قبل أن تأخذ في التجمد. فكل ما هو صلب يذوب في الهواء، ويدنس كل ما هو مقدس، وأخيراً يضطر الإنسان لأن يواجه الظروف الحقيقية للحياة وعلاقاته بالإنسان ببصيرة واعية”(8).

لقد أدي تطور الإنتاج السلعي – حيث كل السلع يمكن بيعها وشراءها في الأسواق – بما فيها قوة العمل المأجورة، إلي أن نجد الحرف والمهن القديمة نفسها عاجزة عن منافسة الصناعة الكبيرة.فأصبحت الأعمال يقوم بها عمال مأجورون. وتحول الحرفيون إلي بروليتاريا. ودمرت الرأسمالية المجتمعات القديمة، واكتسحت كل شيء أمامها، ودمرت الوظائف القديمة، ومجتمعات بأكملها، وأقامت مجتمعات جديدة. أن ديناميكية النظام تعني أنه بمجرد أن بدأ انتشاره علي مستوي العالم، كانت له أثار تدميرية: مثلاً، تدمير الطرق التقليدية في الحياة مثل طرق حياة السكان الأصليين في أمريكا الذين وجدوا طريقتهم في الزراعة والحياة القبلية بل وحتى طرقهم في الحرب لا تقارن بالميكنة والسكك الحديدية والتلغراف والبنادق التي غزت القارة الأمريكية في عقود قليلة. وفي الهند دمرت صناعة القطن المحلية عن طريق استيراد القماش الرخيص من لانكشاير.

أدي هذا الانتشار للإنتاج الرأسمالي إلي نهاية الكثير من الصناعات والمجتمعات، ومع ذلك يمنح البيان التقدم المريح للبرجوازية: “لقد أخضعت البرجوازية الريف لحكم المدن، وزادت إلي درجة كبيرة من سكان الحضر بالمقارنة مع سكان الريف، وبهذا أنقذت جزءاً كبيراً من السكان من بلاهة الحياة الريفية. “يسرد ماركس وإنجلز الإنجازات التي حققها الرأسماليون علي مدي قرن من الزمان تقريباً: إخضاع قوي الطبيعة للإنسان، والميكنة، تطبيق علم الكيمياء في الصناعة والزراعة، ملاحة بخارية، وسكك حديدية، والتلغراف الكهربائي، تهيئة قارات بأسرها من أجل الزراعة، ضبط وتوجيه الأنهار، شعوب بأسرها استنهضت من الأرض – أي قرن من القرون الماضية كان يخطر ببال مفكريه أن مثل هذه القوي الإنتاجية كانت كامنة في ثنايا العمل الاجتماعي”.(9)

ورغم ذلك، فهناك خلل جوهري في النظام يدفع ماركس وإنجلز إلي مقارنة المجتمع الرأسمالي بالساحر الذي لم يعد يستطيع السيطرة علي القوي التي قام بتحضيرها. فليس هذا النظام عقلانيا أو خاضعاً للتخطيط – ومحركه الوحيد هو تراكم رأس المال من أجل تراكم رأس المال. وهو لذلك عرضة بصورة دورية لما يصفه البيان بأزمات فائض الإنتاج، والتي وصفها مؤلفاه بصورة تفصيلية: “هناك مدنية أكثر من اللازم، ووسائل معيشة أكثر من اللازم، وصناعة زائدة، وتجارة زائدة.”(10). وينتج فائض الإنتاج عن الطابع الفوضوي لهذا النظام: فالإنتاج القائم علي التراكم الأعمى يصبح هدفا في حد ذاته، وسيلة للحفاظ علي ربح الرأسمالي، بدلاً من أن يكون له أي علاقة بما إذا كانت البضائع المنتجة مطلوبة أم لا.

أن المجتمع الرأسمالي – القائم علي الإنتاج السلعي الخاص وعلي استغلال العمل المأجور- يصبح عائقاً، بدلا من حافز، للإنتاج الجديد. وتمنع الملكية الخاصة قوي الإنتاج من أن تتطور إلي الحد الممكن لتلبية احتياجات البشرية كلها. وبدلاً من ذلك يكون رد فعل الرأسمالية تجاه الأزمة هو تدمير الثروة. فتغلق المصانع، ويترك العمال بلا عمل، وأولئك الذين كان من الممكن أن ينتفعوا بالبضائع المنتجة في تلك المصانع يضطرون إلي الحرمان منها.

لذا فان نفس هؤلاء الناس الذين ينتجون الثروة للرأسماليين لا يحرمون فقط من أي نصيب من ثروات الرأسمالية، بل هم أيضاً ضحاياها في أوقات الأزمة حين يفقدون وسائل معيشتهم. ومع ذلك، يكمن بين أيديهم المخرج من هذا الحرمان.

« السابق التالي »