بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ملاحظات حول البيان الشيوعي

« السابق التالي »

4. أسئلة وأجوبة

يقف هذا القسم الأول من البيان متحدياً أولئك الذين يدعون أن الماركسية لا تستطيع فهم العالم الحديث. فقد تنبأ بسرعة واتجاه التطور الرأسمالي الفعلي في بلاد مثل الولايات المتحدة وألمانيا قبل حدوثه بعشرات السنين وتنبأ برأسمالية القرن العشرين،وخاصة في العديد من البلاد الشهيرة بالعالم الثالث. “كما إن وصفه لنمو البروليتاريا، وتراكم رأس المال وانفجار الأزمة، كل ذلك يمكن أن ينطبق علي التاريخ الحديث وللنمور الآسيوية. ولذا فليس غريباً أن عدداً متزايداً من الناس ينظرون مرة أخرى إلي أفكار الماركسية والاشتراكية في محاولة لتفسير مشكلة هذا العالم.

كان ماركس وإنجلز ثوريين نشيطين وجدا جمهوراً من الاشتراكيين بالإمكانية والذين كانوا شديدي الغضب مما تفعله الرأسمالية في حياة العمال ويبحثون عن بديل. ويحاول القسم الثاني من البيان مناقشة أفكارهم. فهو فعلياً سلسلة من الأسئلة والأجوبة عن الاشتراكية والشيوعية وعما سوف تحققه. والكثير منها معتاد بالنسبة للاشتراكيين اليوم الذين يجدون أنفسهم مواجهين بأسئلة من أولئك الذين تجذبهم أفكار الثورة ولكن يعتقدون أنها لن تحدث أبداً. لنأخذ مثلا مسألة الملكية الخاصة. إن الحاجة إلي إلغاء الملكية الخاصة مركزية في رأي ماركس وإنجلز عن الشيوعية، حيث أنها تقوم علي استغلال الغالبية العظمي، إلا أنهما واجها اعتراضا لازال يثار اليوم وبشكل عام – وهو أليس معني هذا أنك تريد أن تصادر الممتلكات الشخصية للأفراد، وأنك تنكر عليهم وسيلتهم الشخصية في اختيار كيفية التعبير عن أنفسهم؟ وما هو الحافز للعمل لو لم يكن للناس ممتلكات خاصة بهم؟ إن البيان يوضح أن رأس المال – أو الملكية – ليس قوة شخصية وإنما قوة اجتماعية: “كون شخص رأسماليا معناه أن يكون له ليس فقط مركزا شخصياً وإنما أيضا مركزا اجتماعيا في الإنتاج”(14). ويضيف لذلك لا يؤدي إلغاء الملكية الخاصة إلي مصادرة كل شئ يملكه العامل. وبدلاً من ذلك سوف يتغير الجانب الاجتماعي للملكية: فلن يسيطر عليها أقلية طبقية ضئيلة ولن تشكل الأساس لاضطهاد الآخرين. وفي الحقيقة “لا تحرم الشيوعية أي إنسان من حقه في تملك منتجات المجتمع: فكل ما تفعله حرمانه من سلطة إخضاع عمل الآخرين بواسطة هذا التملك”(15).

إن الشكوى حول الملكية هي علي كل حال نفاق من جانب الرأسماليين. فقد دمرت الرأسمالية ملكية صغار الفلاحين، والحرفيين وصغار رجال الأعمال. وأضطر الكثير منهم إلي بيع قوة عملهم في السوق؛ كما إن أجور العمال، والتي تغطي بالكاد تكاليف إعادة الإنتاج لهم ولأسرهم، لا تسمح لهم بحيازة ملكية شخصية ذات شأن:

“يستولي عليكم الرعب لأننا نريد إلغاء الملكية الخاصة. ولكن في مجتمعكم القائم ألغيت الملكية بالفعل بالنسبة لتسعة أعشار السكان. إن وجودها عند الأقلية إنما يرجع فحسب لعدم وجودها في أيدي أولئك التسعة أعشار. انتم تلوموننا إذن لرغبتنا في إلغاء شكل الملكية، الشرط الضروري لوجوده هو عدم وجود أي ملكية بالنسبة للأغلبية الساحقة من المجتمع. باختصار، أنتم تلوموننا علي رغبتنا في إلغاء ملكيتكم أنتم. تماما، هذا هو ما نريد بالضبط”(16).

فبرغم الحديث عن ديمقراطية الملكية في الرأسمالية الحديثة، لازال تركز الملكية بين أيدي أقلية ضئيلة يثير الاندهاش، خاصة عندما نستبعد السكن – أو الدين في شكل الرهن العقاري. ففي بريطانيا في الثمانينات، مثلا كان نصيب أغني 1% من السكان من الثروة القابلة للتسويق يبلغ 28%، بينما كان نصيب أغني 5% يبلغ 53% من الثروة (17). من الاعتراضات الشائعة الأخرى على الشيوعية هي أن أحداً لن يعمل إذا لم توجد الملكية الخاصة. ويجيب ماركس وإنجلز بأنه إذا كان الوضع كذلك لكان المجتمع قد انهار منذ زمن بعيد حيث “أولئك الذين يعملون لا يملكون شيئاً، وأولئك الذين يملكون، لا يعملون (18).

يشير البيان كذلك إلي تناقض آخر فبينما تقلب قوي الرأسمالية العالم رأساً علي عقب، وتدمر الكثير من نسيج المجتمعات القديمة، يتمسك الرأسماليون أنفسهم بالعادات والتقاليد والأفكار القديمة كما لو أنها تنبع من طبيعة إنسانية أزلية. فيستطيع الرأسماليون أن يروا بوضوح عيوب المجتمع القديم أو الإقطاعي، ولكن لا يروا عيوب مجتمعهم هم. فلا يرون طريقة أخري للحياة أو العمل. “إن الفهم الأناني الخاطئ الذي يدفعكم إلي تحويل الأشكال الاجتماعية الناتجة عن أسلوب الإنتاج الحالي وشكل الملكية الخاصة بكم، هذه العلاقات التاريخية التي تظهر وتختفي مع تقدم الإنتاج، إلي قوانين أبدية للطبيعة والعقل – هذا الفهم الخاطئ تشتركون فيه مع كل الطبقات الحاكمة التي سبقتكم (19).

ينتقد البيان بعنف تام بعض الأقاصيص البرجوازية الفظيعة عن الشيوعية التي تنتج عن تلك الاتجاهات. فرداً علي الاتهامات بأنهما يحاولان إلغاء العائلة، يجيب ماركس وإنجلز أن النظام الرأسمالي دمر بالفعل مجتمعات بأسرها، ومزق عائلة الطبقة العاملة إرباً، وأجبرهم علي الهجرة ودفع كل أعضاء العائلة، بما فيهم الأطفال الصغار، إلي سوق العمل. وهذا يفسر “غياب العائلة عمليا بين البروليتاريين والدعارة (20). إن تصور البرجوازية عن عائلتها الخاصة وقدسية الحياة العائلية لهو نفاق إلي أبعد الحدود. فهي تقيم عائلتها علي الملكية وآراءها علي الزواج الأحادي وتقيم الأخلاق الجنسية علي الميراث وفكرة النساء كملكية للرجال، يبعن ويشترين. إما كزوجات أو كمومسات. وبدلا من ذلك تحرر الشيوعية النساء من العلاقات الجنسية الإجبارية والخالية من الحب بإزالة القيود الاقتصادية التي تسيطر علي الحب والزواج في ظل الرأسمالية.

إن أساس هذه الأفكار – وكذلك الأفكار الثورية المماثلة لماركس وإنجلز حول الجنسية والدين – هو فهم أنه في عملية تغيير المجتمع والانتقال من أسلوب معين للإنتاج (الرأسمالية) إلي أسلوب آخر (الاشتراكية) يلقي بكل الأفكار القديمة إلي العفن وتحل محلها أشكال جديدة من الوعي:

هل هناك حاجة إلي إدراك ثاقب لفهم أن أفكار الإنسان وآراءه ومفاهيمه، وبكلمة واحدة، وعي الإنسان، إنما يتغير تبعا لكل تغير يحدث في ظروف وجوده المادي، وفي علاقاته الاجتماعية وحياته الاجتماعية ؟.

وماذا يثبت تاريخ الأفكار غير أن الإنتاج الفكري يغير طبيعته بما يتناسب مع تغير الإنتاج المادي ؟. إن الأفكار الحاكمة كانت دائماً أفكار الطبقة الحاكمة في كل عصر”.(21)

إن أي مجتمع يقوم علي استغلال مجموعة معينة من قبل مجموعة أخري، كما يحدث في المجتمعات الطبقية، سيطور أفكاراً تبرر حكم المستغلين. وليس غريباً أن أفكار الرأسماليين تشرع الملكية وتحميها. إن النضال من أجل شكل جديد للمجتمع يتجاوز تلك العداءات الطبقية لا يعني فقط الصراع المادي ضد الاستغلال بل أيضاً تفسير أيديولوجي بديل للعالم. فيجب فهم تاريخ الأفكار، ليس كسلسة من الأديان المتباينة والمفكرين، وإنما بأنها ترتبط بتطور أنماط إنتاج معينة. إن فكرة إمكانية وجود حقائق مطلقة، تتجاوز اختلاف المجتمعات بل وحتى اختلاف العصور لا تتماسك أمام الدراسة التاريخية.

إن التغيرات الاجتماعية الراديكالية التي أعلنها ماركس وإنجلز بل وتأسيس الشيوعية نفسها لا يمكن أن يتحقق إلا عبر إزالة النظام القديم للإنتاج، القائم علي الملكية الخاصة، الذي يسمح لأقلية بمراكمة الثروة بينما تعاني الأغلبية. ولا تستطيع الطبقة العاملة أن تبدأ في القضاء علي العداءات الطبقية التي تنتجها هذه الأوضاع إلا عبر تخليص نفسها منها. وفي النهاية يؤدي الإنتاج لتلبية الحاجات، القائم علي إدارة العمال الذاتية للمجتمع، إلي المجتمع اللاطبقى – أي الشيوعية – حيث يكون “التطور الحر لكل فرد شرط التطور الحر للمجموع”(22).

« السابق التالي »