بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ملاحظات حول البيان الشيوعي

« السابق التالي »

6. خلفية الثورة

واكب نشر البيان الشيوعي في فبراير 1848، تقريباً في نفس الوقت، انفجار الثورة في كافة أنحاء أوربا. كانت علامات التمرد موجودة قبل ذلك بكثير. فقد كان الحكام القدماء في كل أوروبا عاجزين عن تقديم أشد الإصلاحات الديمقراطية أساسية، أو كفالة مستويات معيشة ملائمة. في إيطاليا وألمانيا، حيث لم تكونا بعد موحدة كأمم وإنما كانت تضم عدداً من الدويلات الصغيرة، وكذلك في جزء كبير من الإمبراطورية النمساوية التي كانت تضم عدداً كبيراً من القوميات، كان الشعور طاغيا بضرورة التحرر الوطني، كما كان في بولندا والإمبراطورية الروسية. وفي كل مكان ظهرت المطالبة بنهاية الأوتوقراطية والسلطات المطلقة للملوك والأفراد. وعكست الاحتجاجات السياسية حالة التأييد للجمعيات التأسيسية والبرلمانات والإصلاحات القانونية. وكانت المطالب الإصلاحية تعكس الصدام بين الطريقة القديمة في تنظيم العالم وبين الطريق الجديدة. فكما تنبأ ماركس وإنجلز بالفعل إن انتشار التطور الرأسمالي كان يزيد من الشعور بتأثيره سياسيا واجتماعياً فلما حدث بالنسبة للاقتصاد. فقد اتجهت المدن والأحياء الجديدة والصناعات والحرف الجديدة لأن تشكل مراكز لمعارضة الإقطاعية، التي كانت تعتمد علي الكنيسة الكاثوليكية، والملكية والأرستقراطية وكبار ملاك الأرض. وكانت الطبقة الرأسمالية الناشئة، وصغار أصحاب العمل، والمحامون والطلاب وفقراء الفلاحين، الأعداد المتزايدة من العمال، تحتك في صراع مع هذه القوي المحافظة. واعتقد مؤلفا البيان أن تحالفا من هذه الطبقات المختلفة سيشكل أساس الثورة الديمقراطية التي كانت علي الأبواب.

لم يكن ممكنا أن يتعزز الحماس من أجل الثورة في أوروبا إلا بسبب الظروف الاقتصادية والاجتماعية الفظيعة التي وجد كثيرون أنفسهم فيها في أواخر أربعينات القرن التاسع عشر. فكانت هناك مجاعة في أوروبا، وكانت اكثر شهرة في أيرلندا، ولكنها وجدت أيضاً في بلجيكا. وفي ربيع 1847 كانت هناك اضطرابات تتعلق بنقص الطعام في اسكتلندا، وجنوب غرب إنجلترا، وبروكسل وبرلين وأولم وفيينا وفي المناطق الإيطالية جنوه، وتوستاني ورومانا ولومباردي.(35) وفاقم كساد عام 1847 من المشكلات حيث عاني الملايين من تخفيض الأجور، والبطالة والإفلاس.

اندلعت الثورة أولاً في حصني الرجعية الكبيرين في أوروبا، مملكة الصقليتين، والتي كانت تضم صقلية ومعظم أجزاء جنوب إيطاليا الحديثة. وقد أدي التمرد ضد الملكية في العاصمة الصقلية باليرمو إلي أن يمنح ملك نابلس دستوراً في 10 فبراير 1848. غير أن الانفجار الكبير حدث في فرنسا. ففي النصف الثاني من عام 1847 كان التذمر يتزايد ضد نظام “الملك البرجوازي” لويس فيليب وكان هناك ضجيج حول إصلاح انتخابي وبرلماني. وشارك الآلاف في “ولائم الإصلاح” في أنحاء الريف. كان هدف الجزء الأكبر من معارضي الطبقة الوسطي هو الحصول علي إصلاحات معتدلة دون الاضطرابات إلي الشوارع. وتم الإعداد لوليمة إصلاح هائلة في يوم 22 فبراير 1848 في باريس. كانت هذه الوليمة ستكون الواحدة والسبعين من نوعها ولكن الحكومة منعتها. تجمعت الجماهير وعلي مدار اليومين التاليين انتشرت المظاهرات ووضعت المتاريس. فاعتزل لويس فيليب العرش وأعلنت الجمهورية الثانية. وضمت الحكومة الجديدة اشتراكيين وراديكاليين وكان برنامجها متأثراً بالأفكار الراديكالية التي أزاحت الملكية من السلطة. “ومنذ 25 فبراير حتى 2 مارس عاشت الحكومة في خوف دائم من أن يطاح بها، سواء من قبل الجماهير المتجمعة أمام فندق المدينة التي حسب آخر الإشاعات، إما أن ترحب بها أو تحتقرها وترفضها، أو من قبل الوفود التي استغلتها وطالبت برد فوري”(36).

كان عام 1848 واحدا من السنوات العظام حين بدت الثورة مرغوبة وممكنة في ذات الوقت. وانتشرت في كل أنحاء أوروبا لتؤثر في كل من النمسا وألمانيا بحلول مارس. ومع تفجر الانتفاضات اندلع الصدام في شوارع فينيا وبرلين بين النظام الإقطاعي والطبقة الرأسمالية الصاعدة. وكان الإحساس بالنشوة منتشراً في كل مكان في الشهور الأولي من عام 1848. وبدا أن العالم القديم المكون من طبقة صغيرة ومستبدة وطفيلية تحكم فقراء الفلاحين كان يقترب من نهايته. (وكان ذلك صحيحاً في كل مكان ولكن بقدر أكبر في ألمانيا). فقد كان تفتتها عائقاً اقتصاديا وسياسياً كبيراً أمام التطور الرأسمالي. ولذلك كان مطلب التوحيد الوطني مركزيا لدي العديد من الديمقراطيين. بينما رأى ماركس وإنجلز أن يكونا علي أقصي يسار الحركة الديمقراطية وأن يؤيدا المطالب التي شعرا بأنها ستؤدي حتما إلي التوحيد.فالثورة البرجوازية في ألمانيا ستقود كما اعتقدا، بسرعة شديدة إلي ثورة الطبقة العاملة. وإن الشيوعيين يعطون انتباههم بشكل رئيسي إلي ألمانيا، لأن هذا البلد علي مشارف ثورة برجوازية، والمحتم أن يتم تحقيقها في ظل أوضاع اكثر تقدماً في الحضارة الأوربية، إلي جانب بروليتاريا اكثر تطوراً بكثير من البروليتاريا في إنجلترا القرن 17، وبروليتاريا فرنسا في القرن 18، ولأن الثورة البرجوازية في ألمانيا لن تكون إلا مقدمة للثورة البروليتارية التي ستليها علي الفور (37).

كانت الثورة البرجوازية ضرورية حتى تحرر المجتمع الألماني من قيود الإقطاعية، وبالتالي تسمح بتطور الرأسمالية وتكون الطبقة العاملة والتي بدورها لديها القدرة علي القيام. بثورتها الخاصة. ومع ذلك تجاوز تبني ماركس وإنجلز للحركة الديمقراطية إلي ما وراء المطالبة بالانتخاب أو إقامة البرلمانات. كانت هذه المطالب الهامة شروطا أولية بالنسبة للتنظيم السياسي في كثير من البلاد، ولكن الديمقراطية السياسية في حد ذاتها لا تعني الكثير بدون حرية اقتصادية. وكانت معظم قطاعات المجتمع في ألمانيا تريد تحقيق الحريات التي أنجزت في فرنسا الثورية بعد عام 1789. فكانت الطبقات الوسطي والمثقفون شديدي الوعي بأنه بعد مرور نصف قرن لم تكن معظم الدول الألمانية قد تحققت لها الحريات القانونية والاجتماعية والسياسية التي أصبحت بديهية في فرنسا. ومع ذلك، ففي نفس الوقت، هناك فرق كبير بين الحركات الثورية في 1789 وبين 1848:فمع حلول منتصف القرن 19 أصبحت الطبقة العاملة قوة حقيقية في عدد من البلدان الأوروبية بشكل خاص في بريطانيا ولكن أيضاً في بلجيكا وفرنسا – وحتى في البلاد التي كانت فيها الرأسمالية أقل تطوراً، كانت الأهمية المتزايدة للطبقة العاملة واضحة. كانت الطبقة العاملة في ألمانيا تؤيد تماماً مطالب الثورة البرجوازية. ولكنها أيضا وبشكل متزايد كانت تريد أبعد من ذلك وهو أن ترفع مطالبها الاقتصادية والاجتماعية الخاصة.

في فرنسا قامت الثورة البرجوازية قبل عام 1848 بفترة طويلة، وكانت الطبقة العاملة نسبياً اكثر تطوراً، لذا فقد كان الاستقطاب الطبقي هنا اكثر حدة – وحدد مصير الثورة الفرنسية في 1848 محصلة الثورة في كافة أنحاء أوروبا. دفعت الطبيعة الهائلة لثورة فبراير في فرنسا الحكومة الجمهورية الراديكالية الجديدة لأن تقوم بعدد من التنازلات لمطالب الطبقة العاملة، وبخاصة فيما يتعلق بحق العمل، مع إقامة ورش قومية لضمان العمل بالنسبة للعاطلين. إلا أن هذه التنازلات بعد فترة وجيزة عارضها بعناد بعض أولئك الذين كانوا يؤيدون ثورة فبراير في البداية. وبمجرد أن برزت في المقدمة قضايا الاقتصاد ومسألة من يتحكم في الثورة، اتضحت التوترات بين الطبقات المختلفة التي قامت بالثورة. ومع حلول أبريل فقد اليسار والثوريون زمام المبادرة. وبقدوم شهر يونيو اتضحت الانقسامات الطبقية واندفع العمال مرة أخري إلي المتاريس للدفاع عن أنفسهم، ولكن هذه المرة ليس ضد الملكية وإنما ضد قوي البرجوازية التي كانت تحكم الجمهورية الجديدة. وبعد أربعة أيام من حرب الشوارع في باريس عاني العمال هزيمة قاسية أمام الحرس الوطني وبدأت عملية الثورة المضادة في فرنسا – وهي العملية التي أدت خلال سنوات قليلة إلي ديكتاتورية لويس بونابرت.

قرر ماركس وإنجلز، إلي جانب كثيرين من الثوريين المنفيين الآخرين، أن يعودا إلي ألمانيا بمجرد أن اندلعت الثورة. ذهب ماركس إلي كولون، وهي جزء من أكثر المناطق تقدما في ألمانيا، أي منطقة الراين، التي كانت ولا تزال يحكمها القانون الصادر خلال الحكم الفرنسي في ظل نابليون. وكان هذا الدستور يسمح بمساحات اكبر للتحريض والنقاش السياسي أكثر مما كان متاحاً في بروسيا. ومع أن أعضاء العصبة الشيوعية عادوا إلي أجزاء مختلفة من ألمانيا كمجرد أفراد، كان تأثيرهم كبيراً خلال شهور الغليان في ربيع وصيف عام 1848. فكما أشار فرانز ميهرنج، كاتب السيرة الذاتية لماركس: “أينما كشفت الحركة الثورية في ألمانيا عن أي علامة علي تطور نشيط نجد أعضاء العصبة هم القوة الدافعة وراءها: شابير في ناساو، وولف في برسلاو، وستيفان بورن في برلين، وأعضاء آخرين في أماكن أخري”. لقد عبر بورن علي الحقيقة بدقة عندما كتب إلي ماركس: “لقد كفت العصبة عن الوجود ومع ذلك موجودة في كل مكان” (38).

وفي كولون جمع ماركس وإنجلز النقود لإصدار صحيفة يحررها ماركس. وظهرت الطبعة الأولي من صحيفة نيو راينيشية زايتونج في أول يونيو. وكانت تتبنى نشر الثورة وتدافع في سجالاتها عن المسار الثوري في أقصي الجناح اليساري. وعلي الفور تقريبا وتصدى ماركس لمهمة تحليل أحداث يونيو في فرنسا. “عامة الشعب يمزقهم الجوع وتهينهم الصحف ويتخلى عنهم الأطباء، ويحتقرهم الشرفاء كلصوص ومخربين وعبيد، ويدفع بنسائهم وأطفالهم إلي بؤس أشد عمقاً، ويرحل أفضل أبنائهم إلي ما وراء البحار: إنه التميز، إنه حق الصحافة الديمقراطية في لف اكاليل الغار حول جباهها العنيدة والمتوعدة”(39).

كانت الصحيفة بالفعل قد فقدت عدداً من مؤيديها الأيسر حالا well heeled الذين وجدوا عددها الأول أشد يسارية من ميولهم. والآن أوضح ميهرنج، إن هذا المقال وكلف النيوراينش زايتونج العدد الأكبر من المساهمين الذين تبقوا؛(40) كانت المعضلة التي واجهها ماركس وإنجلز شديدة الدلالة في الثورة الألمانية نفسها. فقد كان تأخر التطور الاقتصادي في ألمانيا يعني أن البرجوازية منذ البداية كانت مترددة وخائفة من القيام بالثورة. وفي كل مرحلة كانت تفضل المساومة مع النظام القديم عن ربط نفسها بالقوي الراديكالية لدفع الثورة للأمام. كان ذلك صحيحاً بشكل خاص في برلين حيث كما ذكر مهيرنج “في 18 مارس أطاحت الثورة بالحكومة البروسية، ولكن في الوضع التاريخي المعطي سقطت ثمار النصر في البداية بين يدي البرجوازية، فسارعت الأخيرة إلي خيانة الثورة “(41). وفي أبريل قررت الحكومة البروسية أن يتم صياغة دستور بالاتفاق مع التاج. والجمعية الوطنية التي انعقدت في فرانكفورت في شهر مايو، والتي يفترض أنها مقدمة للتوحيد، لم تكن أكثر من مكان للثرثرة.

لذلك كان النظام القديم قادراً علي البقاء رغم موجة الثورات في ألمانيا، وإن لم يكن في كل جوانبه فعلي الأقل في كل أسسه. إن أحداث يونيو في فرنسا جعلت البرجوازية أكثر خوفاً بكثير وأقل فاعلية، وبعد هزيمة الثورة النمساوية في أكتوبر 1848، أصبحت الثورة المضادة علي جدول الأعمال في كل مكان. وتم تدمير الحركة الثورية خلال الشهور القليلة التالية ودفع بالثوريين إلي المنفي ومن بينهم ماركس وإنجلز. كتب ماركس في 1848 ملخصا طبيعة الرأسمالية الألمانية.

“بينما كان في السنوات 1648 و1789 ثقة غير محدودة بالنفس والتي تنبع من الوقوف علي قمة الإبداع، كان طموح برلين في 1848 أن تبني شيئاً خارج التاريخ.كان بريقها مثل بريق تلك النجوم الذي لا يكاد يصل إلي الأرض حتى تكون الأجسام التي انبثق منها قد انطفأت منذ مئات الآلاف من السنين. كانت ثورة مارس البروسية نجما من هذا النوع بالنسبة لأوروبا – وفقط علي مستوي صغير، بالضبط كما كان كل شئ فيها علي مستوي صغير فكان بريقها بريقاً نابعا من جثة مجتمع تعفن منذ زمن طويل. لقد تطورت البرجوازية الألمانية تطوراً بطيئاً ومتردداً وجبانا لدرجة أن وجدت نفسها مهددة بمواجهة البروليتاريا، وكل تلك القطاعات من سكان الحضر والمرتبطين بالبروليتاريا في المصالح والأفكار، في نفس لحظة تهديدها بمواجهة الإقطاعية والحكم المطلق. وإلي جانب وجود هذه الطبقة خلفها، وجدت في مواجهتها العداء من أوروبا كلها”(42).
هكذا انتهى العام الثوري الجليل بهزيمة أولئك الذين أرادوا ثورة الطبقة العاملة. وكانت كذلك هزيمة لأولئك الذين أرادوا الإطاحة الكاملة بالإقطاعية. فانتصرت الرجعية في ألمانيا واكتمل توحيدهم ليس بواسطة حكومة برجوازية ولكن بواسطة حكومة بسمارك المحافظة. وفي كل من ألمانيا وإيطاليا استغرق اكتمال هذه العملية أكثر من 200 عاماً. وكانت هذه الثورات أول اختبار كبير للأفكار السياسية لماركس وإنجلز. فكيف إذن اتسق التحليل الذي وضع في البيان مع أحداث 1848 وإلي أي مدي يقدم تفسيراً لتطور الرأسمالية في أوروبا بعد الهزيمة ؟.

« السابق التالي »