بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ملاحظات حول البيان الشيوعي

« السابق التالي »

7. تأثير البيان بعد 1848

كان للبيان تأثيراً مباشراً ضئيلاً علي الثورات نفسها في 1848. فقد كانت قد اندلعت فعليا بقوة عندما نشر الكتاب وكان لأحداث فرنسا أثراً في نشر الثورة إلي ألمانيا في الشهر التالي اكبر بكثير مما كان لأي نشرة معينة أن تفعل. ورغم ذلك بدل الثوريون أقصي ما بوسعهم من أجل ضمان قراءة واسعة للبيان الذي كان علي وشك الصدور في طبعة ثانية بحلول أبريل. وهكذا ثم شحن 100 نسخة إلي العمال الألمان في امستردام في مارس، ثم أرسلت 1000 نسخة إلي باريس. وفي بداية أبريل أعطي الشيوعيون في باريس نسخاً من البيان لثلاثة أو أربعة آلاف من المهاجرين الألمان العائدين إلي وطنهم للانضمام للثورة. وفي مارس 1848 قامت صحيفة المهاجرين دويتش لوندنر زايتونج بإصدار الكتاب في سلسلة من المقالات. وعندما عاد ماركس وحلفاؤه إلي كولون وزعوا البيان هناك، وفي أوائل 1849 صدر في سلسلة مقالات في الصحيفة اليسارية داي هورنيسه. وكانت هناك خطط طموحة لترجمته إلي لغات أخري، لم تتحقق بسرعة. وبرغم المطالبة في البيان نفسه، لم تتوافر ترجمة فرنسية منشورة إلا عقب كومونة باريس في عام 1871. وكانت الترجمة الوحيدة المؤكدة في عام 1848 هي الترجمة السويدية. بينما صدرت الترجمة الإنجليزية الأولي في سلسلة في صحيفة الجمهوري الأحمر Red Republican التي صدرها الشارتيون اليساريون في نوفمبر 1850، وقد ترجمته الاشتراكية هليين ماكفرلين؛ وجاءت جملته الافتتاحية (التي ترجمت فيما بعد “شبح يخيم علي أوروبا”): “إن عفريتاً مرعباً يتسلل في أرجاء أوروبا”(44). إن تدهور الحركات اليسارية والراديكالية في أعقاب هزيمة ثورات 1848 لم يوفر الظروف من أجل ترجمات أخري. فكما أوضح إنجلز “إن للبيان تاريخا يخصه… فقد دفع فوراً إلي الوراء بسبب التراجع الذي بدأ مع هزيمة عمال باريس في يونيو 1848… ” ومع اختفاء حركة العمال عن المسرح، والتي بدأت مع ثورة فبراير، انتقل البيان أيضاً الخلفية،(45). وفقط مع انتعاش الاشتراكية عالمياً منذ ثمانينات القرن 19 وما بعدها أنجزت الترجمات الهامة، بما فيها الترجمة الفرنسية التي قامت بها ابنة ماركس لورا لافارج والترجمة الإنجليزية المعتمدة التي قام بها سام مور والتي من الواضح أن إنجلز تدخل فيها.(46)
كان مصير البيان مرتبطا بالوضع السياسي. لقد كان سابقا لعصره، مثلاً، في وصفة لتطور الصناعة. ولقد حولت الصناعة الحديثة الورشة الصغيرة للسيد البطريركي إلي مصنع كبير للرأسمالي الصناعي، جماهير من العمال، المكدسين داخل المصنع، منظمين مثل الجنود… وهم يستعبدون يوميا وكل ساعة بواسطة الآلة، والملاحظين، وفوق ذلك، بواسطة الصناعي البرجوازي نفسه،(47) لم تكن الصورة بعد هذا النحو في معظم أجزاء العالم عندما كتب ذلك؛ ولكنها أصبحت واقعاً خلال الخمسين سنة التالية، وبعد ذلك فقط في ألمانيا والولايات المتحدة وفرنسا إلي جانب بريطانيا.
إن ثورات 1848 علمت ماركس وإنجلزالكثير. وقد كتب لينين في 1907:

“في نشاط ماركس وإنجلز نفسيهما، تنفرد فترة مشاركتهما في الصراعات الثورية الكبرى في 1848 – 1849 بكونها نقطة مركزية. كانت هذه نقطة انطلاقهما عند تحديدها للصورة المستقبلية للديمقراطية والحركة العمالية في مختلف البلدان. وكانا دائماً يعودان لهذه النقطة تحديداً من أجل تحديد الطبيعة الجوهرية للطبقات المختلفة واتجاهاتها في إبراز وأنقي صورة. ومن منطلق الفترة الثورية في ذلك الوقت كانا يقيمان دائماً التكوينات والمنظمات السياسية والأهداف والصراعات السياسية اللاحقة والأقل شأنا”(48).

وبالإضافة إلي فائدتها كمدرسة للاستراتيجية والتكتيك الثوري، كشفت لهما تجربة 1848 أيضا الطبيعة الحقيقية للطبقة الرأسمالية. فقد أقام البيان خطته الثورية علي أساس الثورات البرجوازية السابقة، خاصة الإنجليزية والفرنسية، التي أنتجت قادة مثل كرومويل وروبسبير اللذين إدراكا الحاجة إلي الحسم والفعل الشجاع لدفع أهداف الثورة وتدمير النظام القديم. ولكن البرجوازية في 1848 كشفت عن عجزها عن توفير مثل هذه القيادة الحاسمة. وكانت الحركة العمالية الجنينية وحدها – بقيادة الشيوعيين في أجزاء من ألمانيا – هي القادة علي ذلك. وكان أساس جبن البرجوازية هو الخوف من تصعيد صدام سياسي جاد والذي ربما يهدد الملكية نفسها. لذلك ساومت منذ البداية وتقربوا من قوي الاستبداد القديم وانضموا إليهم دفاعاً عن القانون والنظام والملكية ضد أي تغيير جوهري. كان ماركس وإنجلز قبل الثورة يخشيان من إمكانية حدوث ذلك. فقد كتب إنجلز قبل انفجار أحداث 1848 بفترة وجيزة أن البرجوازية لن تحكم إلا لفترة قصيرة في أعقاب ثورة برجوازية ناجحة.”فعشماوي يقف علي الأبواب” ، كما قال اقتباسا عن الشاعر هاينرخ هاين – أن الطبقة العاملة سرعان ما تستولي علي الحكم من الرأسماليين.(49)

ومع ذلك، في البيان يبدو أيضا أن البرجوازية ستضطر عما منها لاتخاذ إجراءات اكثر حسماً بكثير مما تريد. ولكن خلال 1848 اتضح تماماً مدي ضآلة ما يمكن أن ينتظر منها، فقد أوضحت أيام يونيو في باريس، عندما هزمت الطبقة العاملة، كما كب ماركس فيما بعد: “أول معركة كبري بين الطبقتين الكبيرتين اللتين ينقسم إليهما المجتمع الحديث. لقد كانت حربا من أجل بقاء أو دمار النظام البرجوازي”(50). لم تغب انعكاسات ذلك عن أي ممن شاركوا في الثورة في ألمانيا. ومع حلول الخريف أصبحت المواجهة اكثر وضوحا عندما قوبلت الانتفاضة في فرانكفورت ومخاطرها في كولون بالقمع الشديد من الدولة، بما تضمنه من الحظر المؤقت لجريدة ينو راينيش زايتونج. وفي أكتوبر اندلعت الانتفاضة في فينيا اعتراضاً علي التدخل العسكري ضد المجر. ونجحت لمدة ثلاثة أسابيع حتى إخمادها علي أيدي الجنرال جالاسيك والجنرال ويند يتشجراتس. لقد حذر ماركس فعلاً من أن الثورة في فينيا كانت “تعاني من خطر، إن لم يكن الدمار، فعلي علي الأقل خطر إعاقة تطورها، بسبب عدم ثقة البرجوازية في الطبقة العاملة”(51).

انتهزت الملكية البروسية فرصة تحرك الثورة المضادة لتعيين وزارة براند نبرج الرجعية في برلين. وكان تأثير ذلك علي ماركس هو زيادة عدائه ضد البرجوازية. وبحلول ديسمبر كان واضحا تماما بالنسبة له أن البرجوازية ينقصها قوة الإرادة أو الرغبة في القيام بالثورة وأن أي ثورة لابد أن تتم بدونها. فمهما فلصت الطبقة العاملة من مطالبها أو حاولت المساومة، فإن وجودها نفسه كان كافيا لتندفع البرجوازية هلعاً إلي المساومة مع الحكم المطلق. لذلك، ليس غريباً أن ماركس في كتاباته التي أعقبت هزيمة ثورات 1848 – 1849 عدد كثيراً علي استقلال دور الطبقة العاملة. ويكرر الإشارة إلي “ديمومة الثورات” أو “الثورات لدائمة” بمعني الثورات التي تستمر أو الثورة المستمرة. وكان ذلك تحولاً في الرؤية السياسية من “وقت اندلاع الثورة” إلي واقع الحرب الطبقية المكشوفة في ظل الرأسمالية – كان عام 1848 علامة علي نقطة تحول حقيقية في هذا المضمار.

لم يقع ماركس في خطأ الاعتقاد بأن طبقة عاملة ضعيفة نسبياً تستطيع أن تقوم فوراً بثورة بروليتارية في ألمانيا المتخلفة في عام 1848، ولكنه أدرك أنه لم يعد يمكنا أن نتوقع من البرجوازية أن تلعب دوراً ثورياً في قيادة النضالات الجماهيرية ضد بنية الاضطهاد في المجتمع، وسوف ينتقل هذا الدور باستمرار غلي الطبقة العاملة. وفي خطابه إلي اللجنة المركزية للعصبة الشيوعية من لندن في 1850 أكد أن العمال الألمان سيكون عليهم أن يمروا بفترة من التطور كطبقة ثورية قبل أن يتمكنوا من القيام بثورة، ولكنه رأي كذلك أنهم لا يمكنهم أن يثقوا في “الديمقراطية” كما كان ممكنا في 1848؛ “فعليهم أن يشاركوا بأنفسهم بالجانب الأكبر من أجل تحقيق انتصارهم النهائي، بأن يدركوا مصالحهم الطبقية الخاصة، وبأن يتخذوا موصفات سياسياً مستقلاً في أسرع وقت ممكن، وبأن لا يسمحوا لأنفسهم بأن تخدعهم العبارات المنافقة للبرجوازية الصغيرة الديمقراطية فيشكون ولو للحظة واحدة في ضرورة أن يكون للبروليتاريا حزبا مستقلا ومنظما. فلابد أن يكون شعارهم في المعركة الثورة الدائمة”(52).
كانت هزيمة الثورة تعني ضرورة فهم قضايا أخري. فقد أجبر ماركس وإنجلز علي مغادرة ألمانيا وانتهي بهم الحال للإقامة في إنجلترا. وكانت لندن تكتظ بالمهاجرين الألمان الذين كان معظمهم، بما فيهم ماركس وإنجلز، يعتقدون أن الثورة في أوروبا كانت وشيكة.ولكن ماركس توصل في النهاية أن الأمر لم يكن كذلك، وسوف يكون علي الثوريين العمل في ظل ظروف عصيبة من استقرار وتوسع رأسمالي وعلي خلفية من هزائم الطبقة العاملة. ودفعة ذلك في خلاف سياسي مع الكثير من رفاق 1848، وظل في عزلة سياسية لعدة سنوات. واستقر إنجلز في مانشستر حيث عمل في الشركة التي تملكها عائلته وكان يقدم دعما معنويا وماليا لماركس. ومضي ماركس وقته في الدراسة من أجل كتابة رأس المال. ويعود الرأي الشائع حول ماركس بأنه أكاديمي، ودارساً حافا للاشتراكية، إلي هذه الفترة. ولكن الخبرة السياسية المباشرة لكل من ماركس وإنجلز والتي اكتسباها في 1848، تكذب هذا الرأي، مثل العديد من تحركات ماركس اللاحقة. وكانت حساباته حول احتمال حدوث انتفاضة سياسية تتميز بالحذر، ولكن حماسة لقضايا اليسار لم يتزعزع. فعلي سبيل المثال أيد ماركس استمرار المعركة من أجل استقلال بولندا. وتابع كذلك كبت الحرب الأهلية الأمريكية، التي اندلعت في 1861، وكان من المتحمسين لانتصار الشمال وإلغاء العبودية. رأي أن نتيجة هذا الصراع لها أهمية مركزية بالنسبة لمستقبل الرأسمالية وكذلك بالنسبة لمستقبل الطموحات الثورية.

هناك، بالطبع، قضايا عديدة في السياسة المعاصرة لم يطرحها البيان الشيوعي. وبعض هذه القضايا أزداد وضوحاً خلال ما تبقي من حياة ماركس. ويصدق ذلك بوضوح علي أراء ماركس عقب هزيمة كومونة باريس التي كشفت عن أن أي محاولة لفوز الطبقة العاملة بالديمقراطية والسيطرة علي المجتمع سوف تدمرها البرجوازية لأنها تهدد الملكية الخاصة.وقد استنتج من هذه الخبرة أن علي العمال تدمير آلة الدولة البرجوازية وتكوين مؤسساتهم الديمقراطية الخاصة بسلطة الطبقة العاملة. وبالضبط كما حضر ماركس آراءه الثورية في سارية 1848، كذلك كان في 1871 يؤيد الكوميونيين علنا، حتى وإن كان ذلك لا يعني قطعاً سياسياً مع بعض أولئك الذين عمل معهم في السابق في الأممية الأولي.

ومع ذلك، كان هناك العديد من القضايا التي برزت بعد موت ماركس في 1883. فنمو الإصلاحية كتيار داخل حركة الطبقة العاملة، ودور الأحزاب العمالية الكبيرة والنقابات وبيروقراطيتها كانت بالكاد تكشف عن نفسها بعد موت ماركس. لذا فقد تركت لجيل من الاشتراكيين الذي انخرط في الهبات الثورية التي نتجت عن الحرف العالمية الأولي ليبين علي أساس خبرة وأفكار ماركس.فقد طور الثوري الروسي ليون تروتسكى نظرية الثورة الدائمة. فدفعه فشل الثورة في الروسية في 1905، والتي أدت هزيمتها إلي استمرار تماسك القيصرية رغم ضعفها، إلي أن يري أن البرجوازية في ظروف روسيا كانت شديدة الضعف والجبن لدرجة أنها كانت عاجزة تماماً عن قيادة ثورة من أي نوع. ولابد أن تكون الثورة ضد القيصرية ثورة للطبقة العاملة، رغم ضعفها النسبي عدديا وتنظيمياً، ورغم التخلف الاقتصادي في المجتمع الروسي. وبرهن مسار الأحداث علي ذلك في 1917. وبالمثل أوضحت أحداث ما بين 1914 وحتى 1919 عدداً من القضايا الهامة: أي الحاجة إلي بناء سوفيتات أو مجالس عمالية بدلاً من الاعتماد علي تغيير المجتمع عبر البرلمان، وضرورة بناء أحزاب مستقلة للطبقة العاملة تقوم علي سلطة الطبقة العاملة، واستحالة الاستيلاء علي آلة الدولة الحالية وإدارتها. وفي تطويرهم لهذه النظريات اعتمد الاشتراكيون من أمثال لينين وتروتسكي ولوكسمبرج علي أفكار ماركس وإنجلز، ولكن كذلك كان عليهم تطبيق الخبرة الفعلية للحركة العمالية الصاعدة علي الأوضاع الجديدة.

« السابق التالي »