بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ملاحظات حول البيان الشيوعي

« السابق التالي »

8. أهمية البيان اليوم

من طبعة رخيصة من البيان نشرت في 1996 بيعت عشرات الآلاف النسخ. ومع نهاية 1997 ظهرت مقالات في مجلات شديدة التنوع، مثل مجلة نيو يوركر ومجلة مودرن تايمز، تمتدح أفكار ماركس. هناك جيل جديدة يبدأ في التطلع إلي ماركس مرة أخري غالبا ما يمون البيان الأول. إن ديمومة البيان تعود جزئياً إلي طبيعته الشاملة. فهو يقدم صورة واسعة عن التطور الرأسمالي وطبيعة البرجوازية والبروليتاريا. وقد استنتج من مؤشرات ما يحدث في منتصف القرن التاسع عشر نحو الحاضر نظرة محددة وواضحة للمستقبل، ولأنها أشارت علي اتجاهات في الرأسمالية، لازالت قادرة علي مساعدتنا في فهم نظام عالمي فيه تمتد أذر رأس المال في كل ركن في العالم، حيث يتم تدمير الطرق التقليدية في العمل بتأثير الإنتاج السلعي. إن انتشار رأس المال العالمي والثورة التكنولوجية جعلنا هذا التحليل أكثر أهمية بكثير. فالآن يشتري الناس فاكهة غريبة من كل أنحاء العالم بمجرد الذهاب إلي محلات سانزبيريز. وتأتي الملابس من الفلبين أو ماليزيا، والسلع الكهربائية من كوريا. وينتقل العمال المهاجرون في كل أنحاء العالم وأصبحت الاتصالات الدولية فورية. وأصبح ممكنا أن تبث الأحداث التي تجري في أي مكان في العالم علي شاشات التلفزيون عن طريق الأقمار الصناعية في وقت حدوثها. ولكن الانتشار العالمي لرأس المال لم يقدم الكثير من أجل التغلب علي مظالم الرأسمالية. بل أن الإنتاج الصناعي أو الحاصلات الزراعية، التي توجه لمحلات السوبر ماركت في البلاد الرأسمالية المتقدمة، غالبا ما يدمر وسائل الحياة بدلاً من زيادتها وتدعيمها. فيحرم ملايين البشر من مزايا الإنتاج العالمي، بينما لم تقترب وسائل الزراعة الحديثة من أجزاء كثيرة في العالم. وفي الصين تعمل مصانع النسيج بطريقة تشبه تلك التي وصفها إنجلز في مانشستر في أربعينيات القرن التاسع عشر. فالتطور المركب واللامتكافئ للرأسمالية يعكس قدرات الرأسمالية وقوتها، ولكنه يعكس كذلك جوانب ضعفها الأساسية. ففي مناطق كثيرة من العالم توجد العربات التي تجرها الثيران إلي جانب القطارات الحديثة، والاعتماد علي مياه الآبار إلي جانب التليفون المحمول.

في نفس الوقت، لا يخلو رأس المال العالمي من الأزمة، كما برهنت علي ذلك الأحداث الأخيرة في الشرق الأقصى. فقد ضربت أزمة فائض الإنتاج بلاداً مثل كوريا الجنوبية وإندونيسيا والصين، وأدت إلي خسارة وبؤس ملايين البشر ممن توقعوا عصراً جديداً مفترضاً من رأسمالية “بلا أزمات” تغدق عليهم. وفي كل مكان استغلت الطبقات الحاكمة مرحلة التوسع العالمي الأخيرة للهجوم علي العمال، وتخفيض الأجور وزيادة معدل الاستغلال بصفة عامة. وحتى في البلاد الفنية، يكتشف العمال أن حياتهم أصبحت أكثر بؤساً وأشد انحساراً. فمتكأ الرفاهية الذي تم إدخاله في هذه البلاد خلال فترة الانتعاش الطويل بعد الحرب يتعرض لهجوم متواصل، بما يترتب علي ذلك من نتائج أخري في استنزاف الأجر الاجتماعي، وأولئك الذين رأوا أن الرأسمالية يمكنها إصلاح وتحسين نفسها تدريجيا وببطء، برهنت الأحداث علي خطأ أفكارهم.

في نفس الوقت، تحققت تنبؤات البيان حول نمو الطبقة العاملة بصورة تجاوزت كل التوقعات. ففي كل أنحاء العالم أصبحت الطبقة العاملة، حفار قبر الرأسمالية، اكبر حجما وأعلي تنظيماً واشد قوة من أي وقت سابق. وعمال المكاتب، والممرضات، والمدرسون، وعمال البنوك جميعهم انضموا إلي عمال النقل وعمال البريد ليصبحوا جزءاً من الطبقة العاملة الجديدة. وشهدت بلاد مثل البرازيل وجنوب أفريقيا تطور أجيال جديدة من العمال أقوي كثيراً من أي عهد مضي.

كانت الفكرة الأساسية وراء البيان هي الدفاع عن فكرة ثورة الطبقة العاملة. بل أنه يذكر أن انهيار البرجوازية وانتصار البروليتاريا كلاهما حتمي بنفس الدرجة.(53) برهنت الأحداث اللاحقة عن خطأ هذه العبارة فقد ظلت الرأسمالية قائمة بعد ذلك مائة وخمسين عاماً ولم تستولي الطبقة العاملة بصورة دائمة وناجحة بعد علي السلطة – وحتى اكثر الثورات العمالية نجاحاً استمرت بالكاد عشر سنوات قبل صعود الستالينية. وكثير من الناقدين يفهمون هذه العبارة بأنها تعني أن ماركس وإنجلز أقاما نظريتهما المادية في الثورات علي أساس حتمية تاريخية. ورغم ذلك، نجد تفنيداً لهذه الفكرة في متن البيان الشيوعي نفسه، حين يري أن ليس هناك انتقال مضمون من نمط إنتاج معين إلي نمط آخر. فإما أن يستطيع المجتمع أن ينطلق للأمام أو أن إخفاق أحد الطرفين في تحقيق انتصار حاسم يمكن أن يؤدي إلي “الدمار المشترك للطبقات المتصارعة”(54). فلا يوجد قدر مسبق حول حدوث الثورة أو نجاحها: وعجلات التاريخ لا تتحرك بشكل أوتوماتيكي. إن التغيرات التاريخية تعتمد علي الصدام الموضوعي بين القوي الاجتماعية المختلفة ولكن أيضاً علي الأفعال الذاتية للرجال والنساء.

ومن خلال الخبرة التاريخية نستطيع أن ندرك أن دور الدولة الرأسمالية، ودور الأحزاب الإصلاحية في الطبقة العاملة، ورفض عدد من تلك الأحزاب المشاركة في عمل موحد ضد العدو الرأسمالي المشترك، كان لها جميعاً تأثير حاسم في أوقات معينة في انحراف أو هزيمة الهبات الثورية. إن الحاجة إلي التعلم من دروس التاريخ وفهمها، وإلي الانتظام حول استراتيجية وتكتيكات حزب عمالي ثوري مستقل كانت أحد التطويرات الهامة للماركسية الثورية والتي ساهم فيها لينين بشكل ملحوظة، بعد موت ماركس وإنجلز. غير أنه، في تطوير هذه الأفكار كان الأساس الذي قدمه البيان الشيوعي أساساً قيماً في توفير مقدمة فريدة للرؤية السياسية الماركسية ولنظرية الثورة. ويظل البيان واحداً من أعظم الكتب السياسية والذي لازال ملهماً لأجيال جديدة من الاشتراكية ولازال قادراً أن يلعب دوره كمرشد للعمل.

« السابق التالي »