بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإخوان المسلمون – رؤية اشتراكية

« السابق التالي »

2- النشأة والصعود

1) تناقضات التطور الرأسمالي في مصر
كانت مصر خلال العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين تتعرض لتطورات اقتصادية واجتماعية وسياسية مليئة بالتناقضات. وبدون فهم طبيعة تلك التطورات المتناقضة لن نتمكن من فهم كيف ولماذا ظهرت جماعة الإخوان المسلمين في نهاية العشرينات وكيف أصبحت خلال عقدين أكبر التنظيمات السياسية في البلاد.

كانت هناك قيوداً هائلة تعرقل التطور الرأسمالي في مصر. فخلال تلك الفترة كانت مصر بلداً زراعياً يعتمد اقتصادها أساساً على إنتاج وتصدير القطن ويعيش الغالبية من سكانها في الريف. وتعرض الاقتصاد المصري لظروف كارثية في نهاية العشرينات ومطلع الثلاثينات. فقد انخفضت أسعار القطن المصري في الأسواق العالمية بنسبة 70% بين عامي 1927 و1933. حدث ذلك نتيجة للأزمة الحادة التي واجهتها صناعة النسيج البريطانية والتي كانت في ذلك الوقت المستورد الرئيسي للقطن المصري.(1)
ويجب الانتباه هنا إلى أن القطن كان يشكل العمود الفقري للاقتصاد المصري في ذلك الوقت. كان القطن يمثل حتى بداية الأربعينات ما بين 40 و50% من إجمالي الإنتاج الزراعي وما بين 80 و90% من إجمالي الصادرات.(2)

وقد أدى انهيار أسعار القطن إلى موجة واسعة من الطرد للفلاحين من الأرض من قبل كبار الملاك المصريين والأجانب. وأدى أيضاً إلى تضخم عبء الضرائب والإيجارات والديون للمرابين والتجار.

كانت إحدى النتائج المباشرة لأزمة أسعار القطن أن عشرات الآلاف من الفلاحين لم يعد بمقدورهم تسديد الديون. واستغلت البنوك والشركات الأجنبية الوضع، وقامت بطرد الفلاحين من أراضيهم بسبب الديون التي لم يسددوها. وقد بلغت مساحات الأرض التي تم إخلاؤها بقوة القانون من الفلاحين: 22.600 فدان عام 1929 و21.900 فدان عام 1930 و36.000 فدان عام 1931 و30.000 فدان عام 1932. (3)

وقد وصل تركيز ملكية الأرض في أيدي عدد قليل من الملاك إلى أقصاه خلال فترة الثلاثينات حيث أصبح 96.5% من مالكي الأرض يملكون 46% فقط من الأراضي الزراعية، في حين يملك 3.5% من أصحاب الأرض 54% من الأراضي.(4)

ويجب الانتباه هنا إلى الدور المحوري الذي كان يلعبه رأس المال الأجنبي في الريف المصري، ففي منتصف الثلاثينات كان حوالي ألف مالك أجنبي يملكون نفس مساحة الأرض التي يملكها حوالي مليون ونصف المليون فلاح، الذين كان يملك كل منهم أقل من فدان. أي أن رأس المال الأجنبي لم يكن محصوراً في البنوك والصناعة بل كان أيضاً أحد محاور ملكية الأرض الزراعية. ولذا فبالنسبة لغالبية الفلاحين ارتبطت كراهية كبار ملاك الأرض والمرابين والتجار بكراهية الاحتلال الأجنبي وبكل ما أتى به.

لم يكن الفلاحين الفقراء وحدهم ضحايا تلك التطورات فقد كان لها تأثيراً مدمراً على الطبقة الوسطى الريفية. ففي الأعوام الثلاثون الأولى من القرن العشرين انخفض عدد الملكيات الزراعية المتوسطة (بين 10 و30 فدان) من 891.425 إلى 817.324، في حين زاد عدد الملكيات الزراعية الصغيرة جداً (أقل من فدان) من 780.789 في 1910 إلى 1.428.271 في 1928. (5)

إلى جانب انهيار أسعار القطن والعبء المتنامي للإيجارات، كان عذاب الفلاحين الرئيسي له مصدرين: الضرائب والديون. فالفلاحون كانوا يدفعون ما بين 25 و30% من دخلهم كضرائب، مما شكل عبئاً رهيباً على الغالبية العظمى منهم. أما الديون فصارت لعنة لا تحتمل بسبب فوائدها المرتفعة وعواقب عدم الدفع قاسية. وقد وصل متوسط دين العائلة الفلاحية في منتصف الثلاثينات إلي 40.5% في حين لم يتعدى متوسط دخلها سبعة جنيهات في الموسم. (6)

وقد انعكست تلك الأوضاع بالطبع على الصراع الطبقي في الريف في شكل انفجارات عفوية وهجمات فردية. وقد وصل عدد مخازن الغلال التي تعرضت للحرق على يد الفلاحين إلى 5.760 مخزن عام 1928/1929 و7.820 مخزن عام 1931. ووصل عدد العمد الذين تم قتلهم في الفترة من 1931 إلى 1933 لـ 2200 عمدة.
كانت السيطرة الأجنبية على كافة القطاعات الاقتصادية الحديثة إحدى الخصوصيات الأساسية للاقتصاد المصري حتى الأربعينات. فطبقاً لإحدى التقديرات مثلاً كان إجمالي قيمة رأس المال (باستثناء الأرض الزراعية) في عام 1937 ما يوازي 963 مليون جنيه إسترليني منهم 450 مليون جنيه رأس مال أجنبي. أي أن رأس المال الأجنبي كان يملك 47% من إجمالي رأس المال في مصر.(7)

رأس المال الأجنبي كان يتحكم بشكل مباشر في كافة مجالات النقل والكهرباء والبنوك والصناعة والرهونات الزراعية. كما أنه كان يتسم بدرجة عالية من التركيز والارتباط المباشر بالمراكز الرأسمالية المتقدمة. أما رأس المال المصري فكان من جانب مجرد شريك صغير أو وكيل لرأس المال الأجنبي المهيمن ومن الجانب الآخر أصبح مرتبط عضوياً بكبار ملاك الأرض.

على جانب آخر كانت الطبقة العاملة تشكل نسبة صغيرة من السكان، رغم نموها السريع منذ بداية القرن. ففي عام 1937 كان في مصر حوالي نصف مليون عامل صناعي مما شكل أقل من 8% من إجمالي القوة العاملة في البلاد. ورغم ذلك الحجم الصغير، ورغم أيضاً حداثة نشأتها إلا أنها لعبت دوراً محورياً في الحياة السياسية في البلاد منذ ثورة 1919.

وقد أدت تلك الطبيعة لتطور الرأسمالية في مصر إلى بطء شديد في عملية التراكم الرأسمالي، وعرقلة للتطور الصناعي. وكان السبيلين الوحيدين لتوسيع وتعميق الصناعة الحديثة في مصر إما توسيع السوق المحلي لاستهلاك المنتجات الصناعية أو توسيع أسواق التصدير لتلك المنتجات. وقد رأينا كيف كان الحل الأول مستحيل بسبب تحكم كبار الملاك المصريين والأجانب في الأرض الزراعية وبالتالي الإفقار الشديد للفلاحين وهم غالبية السكان. أما الحل الثاني فكان الاستعمار، وتحكم رأس المال الأجنبي، وهيمنة الرأسماليات المتقدمة على أسواق الصادرات الصناعية، وفرض تصدير سلعة زراعية وحيدة هي القطن على الاقتصاد المصري، كلها تقف عقبات أمامه.

إذن فقد كان خروج المجتمع المصري من أزمته الطاحنة يستلزم تحقيق عدد من الخطوات الضرورية: أولاً التحرر من الاستعمار وتحقيق الاستقلال الوطني، وثانياً القضاء على سيطرة الملكيات الكبيرة في الريف بتنفيذ إصلاح زراعي يحرر الفلاحين من قيودهم الخانقة، وثالثاً إنهاء السيطرة الاحتكارية لرأس المال الأجنبي على مراكز الاقتصاد المصري.

2) الصراع السياسي
إلا أن تحقيق هذه الأهداف يحتاج بالطبع إلى تعبئة سياسية واسعة النطاق للفلاحين والعمال والطبقة المتوسطة. فبدون حركة جماهيرية واسعة النطاق كيف يمكن التخلص من تلك القبضة الخانقة للاستعمار ورأس المال الأجنبي وكبار ملاك الأرض؟

كان من المستحيل على البرجوازية المصرية أن تقوم بذلك الدور. فهي غير قادرة على تحرير البلاد من الاستعمار بسبب ارتباطها الوثيق والعضوي برأس المال الأجنبي، وهي أيضاً غير قادرة على حل المسألة الزراعية بسبب ارتباط مصالحها مع مصالح كبار ملاك الأرض. وفي الحالتين لا تستطيع حشد جماهير العمال والفلاحين الفقراء، وهو شرط أساسي لنجاح عملية التحرر، بسبب خوفها العميق من جماهير الفقراء، التي تدرك جيداً أنهم لن يكتفوا بالقضاء على الاستعمار والملكية وكبار الملاك، في حال تحركهم، بل سيهددون الملكية الخاصة والنظام الطبقي وبالتالي الوجود الاجتماعي للبرجوازية. البرجوازية المشلولة إذن لا يمكنها أن تلعب أي دور ثوري حتى لتحقيق المطالب الوطنية والديمقراطية التي تحتاجها كطبقة. فهي تفضل التحالف مع الاستعمار والتمترس في معسكر الرجعية الملكية عن قيادة الجماهير بشكل ثوري.

وقد ظهر ذلك بوضوح في أعقاب ثورة 1919. فقد خلقت الثورة آمالاً ضخمة لدى الجماهير في جلاء المحتل وحل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي أوردناها في الفقرات السابقة. وكما يذكر طارق البشري في مقدمة كتابه “الحركة السياسية”: “تعلقت هذه الآمال بالوفد خلال العشرينات ليقود الجماهير نحو تحقيق هذه الأهداف. ولكن الوفد خيب الآمال وثار الشك حول قدرته على إحداث التغييرات المطلوبة، وتحول تفاؤل العشرينات إلى تشاؤم وحيرة وخوف وبحث عن البدائل.” (8)

حزب الوفد كان ممثلاً للبرجوازية المصرية، ورغم قيادته للحركة الوطنية لم يتمكن أبداً من تصعيد المواجهة مع الاستعمار وتعميق مضمونها الاجتماعي، فخوفه من تعبئة الجماهير أولاً وارتباطه بالرأسمالية الأجنبية وكبار ملاك الأرض ثانياً جعلا منه خصماً سهلاً أمام الرجعية والاستعمار البريطاني. ولابد أن نتذكر في هذا السياق أن عشرة من أعضاء الهيئة العليا الأولى للوفد التي تكونت من 14 عضو كانوا من كبار ملاك الأرض.(9)

أما الفلاحين، ورغم هباتهم الاحتجاجية الكثيرة، كانوا غير مؤهلين لبلورة حركة موحدة قادرة على تحدي الاستعمار وكبار الملاك بسبب انعزالهم عن بعضهم البعض في قرى متباعدة، والتناقضات الواسعة بين فئاتهم المختلفة ما بين معدمين وصغار ملاك وأغنياء، وهي تناقضات كما أوضحنا سابقاً كانت تزداد عمقاً. أوضاع الفلاحين هذه أدت، كما يحدث دائماً، إلى احتياجهم لقيادة من إحدى الطبقات المدينية لتعبئتهم وتنظيم حركتهم.

على جانب آخر ظهرت في المدن المصرية في ذلك الوقت طبقة عاملة جديدة، كأحد نتائج التطور الرأسمالي. تركزت في شركات ومؤسسات كبرى، ولعبت دوراً محورياً في ثورة 1919 وخلال النصف الأول من العشرينات عبر موجة من الاضرابات الكبرى قادها عمال الترام والسكك الحديدية وعمال شركة قناة السويس. ونتج عن هذه الموجة نشوء حركة عمالية حديثة وواعدة. لكن الطبقة العاملة حديثة الولادة لم يكن باستطاعتها أن تلعب دوراً قيادياً ومستقلاً في تلك الفترة الثورية. فإلى جانب القمع الذي تعرضت له كانت تعاني من عدة نقاط ضعف جوهرية: أولاً، كانت معظم المؤسسات والشركات التي تعمل بها مملوكة ومدارة من قبل أوروبيين، بل أن نسبة كبيرة من العمال المهرة والتقنيين كانت من الأجانب مما أضعف من قدرة العمال المصريين على بلورة وعي طبقي مستقل، واختلط وعيهم بالمشاعر الدينية والوطنية. وثانياً، ظلت الحركة الشيوعية النشطة، التي ظهرت في مطلع العشرينات، أسيرة للعمل النقابي الضيق، وغير قادرة على الربط ما بين استقلالية الطبقة العاملة وبين ضرورة أن تلعب الحركة العمالية دوراً محورياً في قيادة الفلاحين الفقراء، والنضال من أجل الاستقلال الوطني.
في ذات الوقت كانت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية تعصف ـ بالإضافة إلى العمال وفقراء الفلاحين ـ بشرائح مدينية أخرى صارت تعاني بشدة. فالتطور الرأسمالي المأزوم والمتناقض في مصر أحاط ما يمكن تسميتهم بالطبقة المتوسطة التقليدية، من الحرفيين وأصحاب الدكاكين وصغار التجار، بأزمات خانقة، وصار يقذف بالكثيرين منهم إلى صفوف العمال. وكما يؤكد طارق البشري “فعندما يحس هؤلاء بأن المستقبل في غير مصلحتهم يتجهون إلى الماضي يلتمسون منه العون، وبقدر ما ينغلق أفق المستقبل أمامهم بقدر ما ينمو الخيال مستمد من الماضي مدينته الفاضلة. وكانت الدعوة السلفية ما يجذب هؤلاء بفكر غامض كالأحلام ظنوه مخرجاً”.(10)

أما الطبقة المتوسطة الحديثة التي شملت الموظفين في المؤسسات الحديثة الحكومية والخاصة، من مدرسين ومحامين ومحاسبين وغيرهم من المهنيين، فقد كانت تعاني من أزمة متعددة الجوانب. فمن المفترض أن هؤلاء، بسبب تميزهم التعليمي، مؤهلين لمستوى معيشة ومكانة اجتماعية متميزة. لكن التناقض بين التوسع التعليمي السريع داخل تلك الفئة وبطء تطور المؤسسات الرأسمالية الحديثة القادرة على استيعابهم، بالإضافة إلى سيطرة الأجانب على الوظائف العليا في المؤسسات الحديثة حول أحلام غالبية تلك الطبقة إلى كوابيس. وبدلاً من المكانة ومستوى المعيشة المتميز واجه الكثيرون منهم ضغوط دفعتهم إلى العيش بطريق لا تختلف عن الطبقة العاملة التي حلموا بالتميز عنها. وزاد من هذه الضغوط الأزمة العنيفة التي باتت تعاني منها الشرائح المتوسطة التقليدية في الريف والمدينة التي ظلوا مرتبطين بها أسرياً وثقافياً.

وعلى المستوى الثقافي والأيديولوجي واجهت الطبقة المتوسطة الحديثة أزمة حادة، فمنظومة القيم الريفية والتقليدية للبرجوازية الصغيرة التي تربوا عليها تنهار سريعاً بسبب التطور الرأسمالي، لكن لأن هذا التطور يحدث بشكل مليء بالتناقضات فقد صاروا يشعرون بحالة ضياع ثقافي. العالم القديم بتقاليده واستقراره ومثله ومبادئه ينهار، والعالم الجديد مشوه ومتناقض ومخيف.

دائماً ما لعبت هذه الفئة ـ الطبقة الوسطى الحديثة ـ دوراً سياسياً استثنائياً في بلدان العالم الثالث بسبب كونهم المصدر الأساسي للكوادر السياسية. هم يظهرون دائماً وكأنهم خارج إطار الصراعات الطبقية لأنهم لا ينتمون للبرجوازية ولا ينتمون أيضاً للطبقة العاملة أو الفلاحين وبالتالي يمكنهم الظهور كممثلين أنقياء للوطن ككل. ولأنهم بحكم تعليمهم وتخصصاتهم، كأطباء ومهندسين ومدرسين وموظفين في مؤسسات مدينية حديثة، يتفاعلون مع التقدم التقني والعلمي للغرب، حتى وإن كان بشكل جزئي، فهم أكثر القطاعات الاجتماعية تأثراً وغضباً للتأخر الذي تعاني منه بلادهم في هذه المجالات.

أدت جميع هذه العوامل في الحالة المصرية إلى بحث كثير من هؤلاء عن بديل سياسي وأيديولوجي يعبر عنهم وعن رغبتهم في تغيير الوضع القائم. بديل يحقق الاستقلال الوطني ويضع نهاية للسيطرة الأجنبية وهو ما فشل في تحقيقه حزب الوفد والتشكيلات السياسية التابعة للبرجوازية وكبار الملاك. بديل يوقف انهيار الطبقة المتوسطة في الريف والمدينة وأخلاقياتها التقليدية القائمة على الأسرة والملكية الصغيرة. بديل يحقق درجة من العدالة الاجتماعية دون المساس بالملكية الخاصة التي شكلت العمود الفقري لجذورهم الطبقية. بديل يمكن البلاد من التقدم التقني والاقتصادي والعلمي دون المساس بالمنظومة الأخلاقية والثقافية التقليدية التي باتت تنهار أمام أعينهم.

3) نشأة وتطور جماعة الإخوان
في سياق ومن خلال كل ما سبق تشكلت الرؤية السياسية لحسن البنا. ذلك المدرس البسيط ذو الأصول البرجوازية الصغيرة الذي سرعان ما أصبح زعيم أكبر التنظيمات السياسية في البلاد. وقد بدأت رؤيته في التبلور برفض ما رآه كانحلال أخلاقي وضعف معنوي تعاني منه المدن المصرية نتيجة للهجمة الاستعمارية الغربية: “أنه الوقت الذي تأرجحت فيه الأمة المصرية في حياتها الاجتماعية بين إسلامها الغالي العزيز الذي ورثته وحمته وألفته .. وبين هذا الغزو الغربي العنيف المسلح المجهز بكل الأسلحة الماضية الفتاكة من المال والجاه والمظهر والمتعة ووسائل الدعاية”. (11)

وقد ربط البنا بين الانحلال الأخلاقي وبين الأفكار والمفاهيم التحررية الغربية:

“وعقب الحرب الماضية (1914م – 1918م) وفي هذه الفترة التي قضيتها بالقاهرة، اشتد تيار موجة التحلل في النفوس، وفي الآراء والأفكار باسم التحرر العقلي، ثم في السلوك والأخلاق والأعمال باسم التحرر الشخصي، فكانت موجة إلحاد، وإباحية قوية جارفة طاغية، لا يثبت أمامها شيء تساعد عليها الظروف والحوادث. ( الإمام الشهيد حسن البنا، مذكرات الدعوة والداعية، القاهرة: دار التوزيع والنشر الإسلامية، ص 57)”. (12)

أمام هذه الهجمة وذلك الانحلال بدأ البنا في بلورة بديل قائم على الإحياء الديني والمحافظة الأخلاقية والعمل الخيري. وهو لم يكن ـ في الحقيقة ـ يقدم جديداً، فقد امتلأت مصر في ذلك الوقت بالعديد من الجمعيات الدينية المحافظة والخيرية المرتبطة بالمساجد في القرى والأحياء الفقيرة.

أما القضية العامة الأولى التي تبنتها جماعة الإخوان المسلمين فكانت التصدي للتبشير المسيحي. فكما هو الحال في الكثير من المستعمرات وقتها ارتبط نشاط التبشير المسيحي الأوروبي في ذهن الجماهير الفقيرة عموماً، وفي ذهن المتعلمين خصوصاً بالاستعمار. وقد تركز النقاش في مؤتمر الجماعة الأول المنعقد في مايو 1933 على المشكلة الخاصة بنشاط البعثات التبشيرية المسيحية وأساليب مواجهتها. وأرسلت الجماعة خطاباً إلى الملك فؤاد أعربت فيه عن اعتقادها بضرورة اخضاع البعثات التبشيرية الأجنبية للرقابة الحكومية الصارمة.(13)

4) بناء التنظيم
إلا أن جماعة الإخوان المسلمين تجاوزت سريعاً حدود الدعوة الدينية المحافظة، وبدأ حسن البنا في تحويل الجماعة من جمعية دينية إلى تنظيم سياسي جماهيري حديث. وعلينا لفهم الطبيعة الطبقية للإخوان المسلمين ألا نعتمد فقط على تحليل دعايتهم أو تكتيكاتهم، وإنما يجب علينا أيضاً التدقيق في الأساليب والمناهج والاستراتيجيات التي تبنتها الجماعة من أجل النمو والانتشار وخلق الجذور الجماهيرية.

التجنيد المكثف كان أول مرحلة في عملية البناء التنظيمي من خلال الدعاية والاتصال والإعلام. وقد تركز المؤتمر الثاني (نهاية عام 1933) حول مسائل الإعلام والدعاية للجماعة. وأقر تأسيس شركة لإنشاء مطبعة خاصة للإخوان المسلمين. وأصدرت الجماعة بعد المؤتمر عدة صحف: في البداية صدرت جريدة “الإخوان المسلمون” الأسبوعية وبذل الإخوان جهداً ضخماً لزيادة توزيعها (وقد استمرت الجريدة في الصدور حتى عام 1938 حين توقفت بسبب النزاع بين البنا ورئيس تحريرها محمد الشافعي). ثم أصدرت الجماعة مجلة النذير الناطقة باسم الجماعة، كما قام البنا بإعادة إصدار المنار التي كان يصدرها رشيد رضا فيما سبق. هذا إضافة إلى طباعة “الرسائل”، التي أصبحت المصدر الرئيسي للتثقيف داخل الجماعة. وتتكون الرسائل، التي كتبها حسن البنا، من رسائل الجماعة الموجهة للحكومة المصرية ومسئوليها حول وضع المجتمع المصري والطريق إلى الإصلاح، وأيضاً رسائل كتبت للأعضاء حول الأفكار والمهام والمسئوليات الملقاة على عاتقهم. (14)

وقد نجحت الجماعة من خلال النشاط الدعائي المكثف في وضع أسس نموها السريع خاصة داخل أوساط الطبقة الوسطى الحديثة، التي شكلت جمهور القراء لأدبيات الإخوان المتعددة والمتنوعة. وإذا كانت هناك الكثير من التفسيرات المتباينة لسرعة نمو وانتشار جماعة الإخوان المسلمين، إلا أنه مما لا شك فيه أن القدرات التنظيمية الفذة لحسن البنا، وفهمه لأهمية أساليب الدعاية الحديثة وعملية التجنيد، لعبت دوراً محورياً في تحويل مجموعة صغيرة من الدعاة في نهاية العشرينات إلى أكبر تنظيم سياسي في البلاد مع مطلع الأربعينات.

في عام 1933، عندما عقدوا مؤتمرهم الأول في الإسماعيلية، كانت الجماعة تضم 15 فرعاً (فرع في القاهرة، وخمسة أفرع في مدن القناة، والباقي في منطقة الدلتا). وبمجرد النظر إلى الأرقام الخاصة بنمو العضوية والتشكيلات التنظيمية للجماعة سيظهر لنا على الفور أننا أمام ظاهرة استثنائية. ففي منتصف عام 1936 بلغ عدد أفرع الجماعة إلى ما بين 100 و150 فرع. وقد بلغ عدد الأفرع 216 فرع في منتصف عام 1937، ثم 500 في بدايات عام 1941 وأكثر من 1000 عام 1943. وكانت هذه الأفرع مقسمة إلى ثلاثة مستويات طبقاً لدرجة التطور والتماسك (العاملة والمجاهدة والمختارة). (15)

وأيضاً نما حجم العضوية بمعدل سريع منذ بداية الثلاثينات، فقد بلغ عدد أعضاء الجماعة في عام 1935 ألف عضو، وفي عام 1936 وصل إلى ما بين 3 و5 آلاف عضو، ثم إلى 20 ألف عضو في عام 1937. وقد مكن النمو السريع للجماعة في أوساط المتعلمين والمهنيين من إحداث طفرة في حجم وطبيعة العمل الخيري داخل المناطق الفقيرة. ففي عام 1934 صارت هناك مؤسسات ومشاريع خيرية في الغالبية العظمى من أفرع الجماعة. وفي عام 1935 بدأت بعض الأفرع في تقديم خدمات صحية مجانية، وفي نفس العام أنشأ الإخوان أولى عياداتهم الصحية في منوف، ثم أنشؤا أول مستشفياتهم في المنصورة التي أصبحت تعالج ما بين 50 و100 مريض بحلول عام 1938. (16)

وفي نهاية الثلاثينات بادر الإخوان بتأسيس مشروع لمحاربة الأمية، وقاموا بإرسال مجموعات من شبابهم المتعلمين لتعليم القراءة والكتابة في المقاهي الشعبية والنوادي والقرى. وقد امتلك الإخوان القدرة على القيام بكافة تلك المشاريع بسبب نجاحهم في التجنيد الواسع داخل أوساط المتعلمين من طلاب وأطباء ومدرسين. وقد تمكنت الجماعة من خلال تلك النشاطات في تكوين شبكة واسعة من العلاقات والمتعاطفين وسط الأحياء الشعبية والقرى.

وإذا كان الانتشار الواسع للجماعة اعتمد في الفترة الأولى وحتى منتصف الثلاثينات على الدعاية والعمل الخيري فقد أصبح من الضروري تطوير الشكل التنظيمي لها بحيث يتلائم مع الحجم والإمكانيات الجديدة. وقد ناقش المؤتمر الثالث (مارس 1935) شروط العضوية ومسئولياتها والبنية التنظيمية، واتخذ قراراً بتنظيم تشكيلات الجوالة. وقد تقرر فصل التنظيم الإداري للجماعة، ووضعت مستويات للعضوية تبدأ بالأخ المساعد ثم الأخ المنتسب ثم الأخ العامل ثم المجاهد، وتحديد هيئات الجماعة بأنها المرشد العام ومجلس الشورى الذي يتكون من نواب المناطق ونواب الأقسام ونواب الفروع ومجالس الشورى المركزية ومؤتمر المناطق ومندوبي المكاتب وفرق الرحلات وفرق الأخوات. (17)

صار هناك هدفان أساسيان في تلك المرحلة: أولاً خلق آلية مرنة وفعالة للاستمرار في التوسع والتجنيد. وثانياً تكوين آليات تنظيمية لدمج العناصر الجديدة في الجماعة وتوسيع شبكة الكوادر المحترفة وشبه المحترفة. وللمساهمة في تحقيق ذلك تشكلت في صيف 1936 الفرق الصيفية التي كان دورها الرئيسي هو التجنيد وخلق جذور للجماعة في مختلف أنحاء البلاد. وقد تشكلت هذه الفرق بالكامل من الطلاب أعضاء الجماعة. وكان يحدد لكل فرقة منطقة جغرافية (عدد من المراكز) وتتفرغ كل فرقة خلال شهور الصيف للدعوة والتجنيد داخل المنطقة المحددة. وقد تم جمع التبرعات بشكل واسع لتمويل رحلات وتنقلات الفرق الصيفية، كما تم دفع كافة الأفرع لمساعدة وتسهيل مهام الفرق.(18)

وقد تزامن تطور العمل الطلابي للجماعة وتشكيل الفرق الصيفية مع اندلاع الثورة الفلسطينية الأولى عام 1936. دفع ذلك الجماعة إلى القيام بحملة واسعة لجمع التبرعات لدعم الشعب الفلسطيني في مواصلة الإضراب الذي امتد من عام 1936 وحتى عام 1939. وقامت في ذلك الوقت بتنظيم المظاهرات وتوزيع البيانات والكتيبات وإلقاء الخطب دفاعاً عن القضية الفلسطينية. (19)

لقد طور البنا شكلاً تنظيمياً يتميز بدرجة عالية من المركزية. فالمستويات التنظيمية للجماعة تبدأ بالهيئة التأسيسية وهي السلطة الأولى، وتتكون من 150 عضواً، وهي بمثابة مجلس الشورى العام. بعدها تأتي الجمعية العمومية لمكتب الإرشاد وتضم من سبقوا في العمل للدعوة، ومهمتها الإشراف العام على سير الدعوة واختيار أعضاء مكتب الإرشاد ومراجعة الحسابات، وهي من يمنح حق العضوية لنفسها بمعنى أنها شكلت أولاً بالاختيار ثم تتولى هي ضم الأعضاء الجدد لها على طريقة المجامع ولا تأتي عضويتها بالانتخاب من أسفل. والمرشد العام ذو الوضع المتميز عن مكتب الإرشاد: وهما يكونان معاً المركز العام. ويتفرع عن المركز العام المكاتب الإدارية، والمكتب تخضع له المنطقة والمنطقة تخضع لها الشعبة. واللجان التي تدير أياً من مستويات الفروع يتم تعيين المستوى الأعلى فيها ذو المسئوليات الرئيسية وينتخب الآخرون.

كان التنظيم إذن تنظيماً هرمياً يعطي صلاحيات واسعة للمرشد ولمكتب الإرشاد. هذه المركزية الشديدة لا تعود إلى الطابع الديني للحركة كما يصور البعض (على غرار رفعت السعيد) إنما تعود إلى نوع المهام السياسية التي طرحتها الحركة على نفسها في ظل ظروف تاريخية بعينها. والمؤكد أن تلك المركزية الشديدة كانت سمة سادت في ذلك الوقت داخل الكثير من التنظيمات السياسية العلمانية وعلى رأسها المنظمات الشيوعية الستالينية التي، رغم تبنيها لمبادئ المركزية الديمقراطية (أي التوازن بين الديمقراطية في اتخاذ القرار والمركزية في تنفيذه) كانت في الواقع تلغي الديمقراطية من المعادلة، حيث امتلك السكرتير العام في الأحزاب الشيوعية وقتها سلطات لا تختلف عملياً عن سلطات المرشد العام في حالة الإخوان.

5) أزمة ما بعد الحرب
كانت الحرب العالمية الثانية نقطة تحول هامة في التطور الاقتصادي والسياسي في مصر. فعلى المستوى الاقتصادي شكل الوجود الضخم للقوات البريطانية المتمركزة في مصر سوقاً واسعاً لمنتجات الصناعة المصرية، ومن جانب آخر أدى انقطاع كثير من خطوط التجارة العالمية خلال الحرب إلي طفرة في الصناعة لاستبدال الواردات، فشهدت صناعات عديدة كانت نمواً استثنائياً. كما أدت الحرب العالمية إلى نشوء عدد من الصناعات الحديثة مثل صناعة الكيماويات وصناعة الدواء (25 شركة) وصناعة الورق والزجاج والمواسير وقطع غيار الميكنة. وقد توسعت أيضاً صناعة النسيج فزاد إنتاج الغزل بنسبة 65% والأقمشة بنسبة 100% خلال الحرب. (20)

لكن مع انتهاء الحرب وخروج غالبية القوات البريطانية المتمركزة في مصر وعودة التجارة الخارجية إلى وضعها السابق دخل الاقتصاد المصري في أزمة عنيفة، وأغلقت مئات المصانع وشرد الآلاف من العمال. واندلعت حركة عمالية نشطة لعبت في صفوفها الحركة الشيوعية دوراً مؤثراً.

وعلى المستوى السياسي صار الوفد يعاني من فقد ما تبقى له من شرعية بين الجماهير، بعد قبوله لتولي السلطة بإرادة الاستعمار وعبر حصار الدبابات البريطانية للقصر الملكي في أزمة فبراير عام 1942 الشهيرة. هذا إلى جانب فضائح الفساد المتكررة داخله واندفاع قياداته يميناً.(21)

مع نهاية الحرب بدأ الوفد محاولات لاستعادة شرعيته المفقودة بالتعبئة من جديد ضد الاستعمار والملك. وتحرك الإخوان بسرعة لمنافسة الوفد والشيوعيين في الحركة الوطنية المتصاعدة وخاصة في الجامعات. ودعت جماعة الإخوان لمؤتمر شعبي يعقد في القاهرة وفي سبعة مراكز رئيسية في الأقاليم، وذلك في بداية أكتوبر عام 1945 بهدف مناقشة القضية الوطنية وتحديد وصياغة المطالب بصددها. وعلى الفور بدت ملامح صراع وتنافس حول قيادة الحركة الوطنية بين الإخوان والوفد خاصة في الجامعة، العصب الرئيسي للنشاط الوطني.(22)

كان هناك تذبذب دائم في العلاقة بين الوفد والإخوان. فالجناح اليميني للوفد بقيادة فؤاد سراج الدين كان يرى ضرورة الاستفادة من الإخوان ضد خطر الانفجارات الاجتماعية والحركة الشيوعية التي تنامت خلال الحرب. لكن النحاس كان شديد الخوف من أن تؤدي تلك المغامرة إلى مزيد من الخسائر للوفد أمام اكتساح الإخوان.

ومن الواضح أنه خلال فترة العامين 1946 و1947 كان يُنظر لجماعة الإخوان من قبل القصر وحكوماته كأداة لمناهضة الوفد والشيوعيين. حصل البنا من حكومة صدقي على عدد من التسهيلات في هذا السياق منها ترخيص بإصدار جريدة الإخوان المسلمون، وتسهيلات في شراء ورق الطباعة بتوفير من 20 إلى 30% عن سعر السوق، إلخ. (23)

لكن حتى في فترة التقارب تلك كان موقف الجماعة مليء بالتناقضات، وموقف القصر مليء بالمخاوف. فصحافة الجماعة مثلاً أبدت في معظم الحالات عداءاً سافراً لحكومات الأقلية المتعاقبة الموالية للقصر ولسياساتها، واستمرت الصدامات المباشرة بين الأمن والجماعة في المظاهرات والمؤتمرات الشعبية. ولم يكن من الغريب أن تنهار حالة التوافق بين الفريقين بالشكل الدرامي الذي حدث عام 1948. (24)

في هذا الوقت ظهر استقطاب واضح في صفوف الطلبة ـ وقود الحركة الوطنية ـ داخل الجامعة ما بين الوفد والشيوعيين من جانب وبين الإخوان والحزب الوطني ومصر الفتاة من جانب آخر. وقد لعب الإخوان أدواراً سلبية وانقسامية خلال أحداث عام 1946 سواء داخل الحركة الطلابية أو الحركة العمالية، حيث وصلت رغبتهم في منافسة الوفد والشيوعيين إلى حد تخريب الاضرابات وتقسيم المظاهرات، مما دعم الميول داخل القصر والجناح اليميني في الوفد للاهتمام بهم ودعمهم وتأييدهم.

وقبل سفر صدقي إلى لندن للتفاوض في أكتوبر 1946 أرسل البنا خطاباً إلى الملك وإلى صدقي منادياً “دعوة الأمة إلى الجهاد”، بمقاطعة إنجلترا اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً. وفي رسالة إلى “شعب وادي النيل” أعلن محذراً: “إن حكومة صدقي باشا، في إصرارها على إجراء المفاوضات، لا تمثل إرادة الأمة، وأي معاهدة أو تحالف تتوصل إليه مع بريطانيا قبل أن يتم جلاء قواتها، هو إجراء باطل ولن يلزم الأمة”. وفي اليوم السابق على رحيل صدقي إلى إنجلترا دعت الجماعة إلى مظاهرات ضخمة في جميع أنحاء البلاد. (25)

6) حرب فلسطين
بعد تبني الأمم المتحدة قرار التقسيم في نوفمبر عام 1947، أصبحت القضية الفلسطينية من جديد أكثر القضايا السياسية إلحاحاً في الساحة السياسية المصرية. هذا الإلحاح لم ينتج فقط عن الشعور بتهديد الهوية الإسلامية والعربية لفلسطين عموماً والقدس خصوصاً بسبب إنشاء دولة يهودية استيطانية على أرضها، وإنما نتج عن طبيعية دور هذه الدولة الاستيطانية في السياسات الاستعمارية البريطانية ومن بعدها الأمريكية. ولذا لم يكن منطقياً فصل المعركة ضد الاستعمار البريطاني في مصر عن المعركة ضد الصهيونية في شكلها المسلح في فلسطين. وكما ذكرنا من قبل كانت القضية الفلسطينية إحدى المحاور الأساسية لعمل جماعة الإخوان منذ اندلاع ثورة عام 1936. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية مباشرة بدأت الجماعة في إرسال مبعوثين إلى فلسطين، ليس فقط لنشر الدعوة وإنما أيضاً للتدريب وللمساعدة في التحريض والتنظيم والقتال ضد الصهاينة. (26)

وظلت القضية الفلسطينية في قلب العمل الدعائي والسياسي للجماعة في مصر من خلال الإشارة الدائمة لها في الصحف والكتيبات والخطب والأحاديث العامة.(27) وقد اشترك البنا في تشكيل “لجنة وادي النيل” في نوفمبر عام 1947 لجمع المال والسلاح للمتطوعين الذين يتم تجنيدهم “لإنقاذ فلسطين” وكان مصطفى مؤمن هو ممثل الجماعة في تلك اللجنة.(28)

وفي أكتوبر عام 1947 طالب البنا كافة شُعب الجماعة بالبدء في الاستعداد للجهاد. وفي 20 أكتوبر توجهت الكتيبة الأولى إلى فلسطين. وفي أبريل عام 1948 أُرسلت الكتيبة الأولى الرسمية من المتطوعين إلى العريش على الجبهة. وقبل أن يصل المتطوعون الرسميون القادمون تحت إشراف الجامعة العربية كانت كتائب الإخوان قد اشتبكت بالفعل مع الصهاينة في صحراء النقب.(29)

وقد لعب الإخوان دوراً هاماً في مساعدة القوات المصرية المحاصرة في الفالوجا وهو الحصار الذي نشأ بعد خرق الصهاينة للهدنة الثانية في أكتوبر عام 1948. فقد عمل الإخوان أثناء وجودهم في الميدان على نقل المؤن إلى القوات المحاصرة، وفي القاهرة شاركت الجماعة في الضغط على الحكومة المصرية من أجل المزيد من المتطوعين لفك الحصار عن القوة المحاصرة، لكن النقراشي رفض ولم يتم فك الحصار إلا في فبراير التالي. (30)

لقد فسر الكثيرون كفاح الجماعة المسلح ضد الصهيونية بطريقة تآمرية، واعتبروه موقف انتهازي من جانبها يهدف إلى الاستعداد للاستيلاء بالسلاح على السلطة في مصر. هكذا يرى رفعت السعيد مثلاً: “إن القضية الفلسطينية قد أتاحت امكانيات عدة أمام الإخوان .. فمن خلال تأييدها اتضح البعد الإسلامي والعربي للجماعة، ومن خلالها أيضاً أمكن للجماعة أن تمد نشاطها إلى المنطقة العربية كلها .. لكن أكثر ما يعنينا في هذا الفصل هو أن مساندة الثورة الفلسطينية عام 1936 ثم الاستعداد للمشاركة في حرب فلسطين 1948 كانا الفرصة الذهبية أمام الشيخ البنا ليحشد ترسانة ضخمة ويدرب رجاله علناً تحت ستار الإعداد لحرب فلسطين”. (31)

وهكذا أيضاً يشير أحمد حسين إلى أن حرب فلسطين قد أمدت الإخوان

“بفرصة ذهبية لحشد السلاح والتمرن على استعماله بدعوى أنه من أجل فلسطين، وأن الإخوان كان لديهم كميات من الأسلحة والذخائر جمعوها تحت ستار تجهيز المتطوعين إلى فلسطين وهم يعدونها لإحداث انقلاب في مصر بالقوة”. (32)

والغريب أن هذا التفسير التآمري يتغافل دائماً عن حقيقة لا لبس فيها هي ارتباط المعركة ضد الصهيونية بالنضال ضد الاستعمار في وعي الجماهير المصرية، وهكذا كلما ظهر للجماهير في مصر العلاقة بين قضية تحررهم والقضية الفلسطينية كلما نجح الإخوان بسبب دورهم الكفاحي في كسب المزيد من الشباب الغاضب إلى صفوفهم. والمؤكد ـ وهي حقيقة لا يمكن التشكيك فيها ـ أن الجماعة لعبت منذ عام 1936 دوراً محورياً في مساندة الشعب الفلسطيني وفي الكفاح ضد الصهيونية.

هذا لا يعني أن موقف الإخوان من القضية الفلسطينية كان بلا نواقص أو عيوب، لكن عيوب موقفهم لا تكمن في مدى صدق نواياهم أو انتهازيتهم، وإنما تكمن في إضفائهم طابع ديني على القضية يجعلها محض صراع بين اليهود والمسلمين ممتد عبر التاريخ، وبكل ما يتضمنه ذلك من عنصرية تجاه اليهود ككل، وتغييب للجوهر الإمبريالي للمشروع الصهيوني وعلاقته بالمصالح الاقتصادية والاستراتيجية للقوى العظمى.

وإذا كان كفاح الإخوان ضد الصهيونية أدى إلى نجاحهم في ضم جماهير واسعة من الشباب الغاضب إلى صفوفهم، ففي المقابل أدى الموقف المتخاذل لليسار المصري من قرار التقسيم وإنشاء دولة إسرائيل إلى فقدانه لتلك الجماهير وانعزاله عنها.

لقد كان الاتحاد السوفيتي أول من اعترف بقرار التقسيم، ونتج عن ذلك الاعتراف حالة من التخبط الشديد في أوساط اليسار المصري والعربي عموماً. فالمنظمات الشيوعية المصرية وقتها كانت تعتبر الاتحاد السوفييتي قلعة الاشتراكية العالمية، وصارت بالتالي تابعة أيديولوجياً وسياسياً للحزب الشيوعي السوفييتي. وبدلاً من نقد الموقف السوفييتي وفضحه بصفته مناورة تهدف إلى خدمة المصالح الخارجية الاستراتيجية لروسيا في ذلك الحين، تبنت غالبية المنظمات الشيوعية في مصر موقفاً من قرار التقسيم كان مجرد تبرير وترديد للموقف السوفييتي. فنقرأ مثلاً في مقالة بجريدة “الجماهير” هذا التبرير الهزلي:

“إن زعماء العرب وزعماء اليهود قد رفضوا التعاون، ورفضوا اقتراح جروميكو الذي تقدم به منذ 14 مايو الماضي والذي يرمي إلى إنشاء دولة موحدة ثنائية مستقلة .. هناك لم يكن بد أمام الديمقراطيين ومحبي الشعوب، وأعداء الاستعمار إلا أن يقبلوا حل التقسيم كأساس لإعلان استقلال فلسطين”. (33)

وفي رد على انتقاد أحمد حسين لقرار التقسيم بصفته طريقة لمنح الصهاينة فلسطين يقول نفس المقال:
“كلا يا فاشي إننا لا نريد انتزاع فلسطين من يد العرب والمسلمين لنعطيها لليهود، إننا نريد انتزاعها من يد الاستعمار لنعطيها للعرب واليهود دولة مستقلة ديمقراطية ويجب أن يعلم أحمد حسين وأمثاله أننا لا نوافق على مشروع التقسيم إلا مضطرين وكأساس لاستقلال فلسطين”. (الجماهير 19/5/1947) (34)

كان قبول أغلبية الشيوعيين المصريين في ذلك الحين لقرار التقسيم، وبالتالي قبول وجود دولة إسرائيل جريمة لم تغفرها الجماهير المصرية. وقد ساعد موقف الشيوعيين هذا الإخوان كثيراً، فبينما يستشهد مناضلي الإخوان في الصفوف الأمامية خلال حرب 1948 يقوم اليسار بصدمة الجماهير الغاضبة ويعترف بإسرائيل، بل ويعلن أن الحرب ليست إلا مناورة من الاستعمار والرجعية لتحويل أنظار الجماهير المصرية عن معركتهم الوطنية.

موقف الشيوعيين المصريين هذا من القضية الفلسطينية لم ينتج عن ـ كما يدعي طارق البشري وغيره من الكتاب الإسلاميين ـ تواجد بعض اليهود في قيادات الأحزاب الشيوعية المصرية. فكثير من هؤلاء ناضلوا ببسالة ضد الصهيونية وأنشئوا الرابطة اليهودية لمحاربة الصهيونية. هذا الموقف نتج عن الولاء الأعمى للاتحاد السوفييتي، الذي حول الكثير من الأحزاب الشيوعية في مختلف أرجاء العالم إلى مكاتب تخدم السياسة الخارجية الروسية بدلاً من كونها أحزاب ثورية مستقلة.

والغريب أن بعضاً من شيوعيو ذلك الزمن ظلوا يبررون هذا الموقف حتى اليوم. هكذا نقرأ تعقيب لخالد محي الدين نُشر في كتاب رفعت السعيد “تاريخ الحركة الشيوعية المصرية”:

“يجب أن نضع في الاعتبار أن اليسار المصري كان يقبل التقسيم كسبيل لاستقلال فلسطين .. وأيضاً فإن اليسار المصري وهو يقبل مشروع التقسيم، ويؤكد في نفس الوقت أنه حل سيء لكنه المتاح الوحيد .. لابد لي من أن أقرر أن هذا الموقف من جانب اليسار المصري كان في أغلب جوانبه صحيحاً، وكان أيضاً موقفاً شجاعاً، بل ونادر الشجاعة، ذلك أن الشيوعيين المصريين قد تمسكوا به في وجه تيار قوي جارف مشحون بالعواطف القومية والدينية التي رفضت قرار التقسيم .. ويمكنني أيضاً أن أقول بإطمئنان أن الأيام قد أثبتت أن موقف اليسار هذا كان أكثر المواقف تعقلاً وموضوعية والتقاء مع حقائق الوضع وتوازنات القوى”. (35)

7) البرنامج الاقتصادي والاجتماعي
أحد الاتهامات الأساسية التي توجه عادة إلى جماعة الإخوان هو الغموض في تناول القضايا الاجتماعية والسياسية وغياب البرامج الملموسة. وسنجد مثلاً رفعت السعيد في تأريخه للإخوان يطرح: “في رسالته “إلى أي شيء ندعوا الناس” أشار المرشد إلى قضايا العصر قائلاً أن العالمية والقومية والاشتراكية والرأسمالية والبلشفية والحرب وتوزيع الثروة والصلة بين المالك والمستهلك كلها خاض فيها الإسلام. ثم عاد البنا فقال:

“أن المقام لا يسمح بالتفصيل وبأن الأمر يحتاج لجولات”

ووعد أن يفصل فيها القول. ولم يف البنا بوعده أبداً ذلك أنه كان دائماً غامضاً في حديثه عن المقترحات التفصيلية والمتعلقة بالحكومة الإسلامية، وأنه لم يحدث مطلقاً أن شرح نواياه بوضوح”. (36) ويكرر السعيد تأكيده لغياب برنامج محدد في خطاب الإخوان:

“لا يقدم البنا أي برنامج سياسي، بل لعله قد تهرب كثيراً من تحديد أي موقف سياسي واضح من أية قضية قومية أو وطنية أو اجتماعية”. (37)

إلا أن البنا شرح باستفاضة في ورقة هامة بعنوان “مشكلاتنا الداخلية في ضوء النظام الإسلامي: النظام الاقتصادي” برنامج الإخوان الاقتصادي والاجتماعي، وسنلاحظ بوضوح أن مشكلة ما يطرحه البنا ليست في غموضه أو عدم تحديده أو غياب البرنامج عنه، وإنما في الطبيعة الوسطية والمتناقضة لمشروعه التي تنبع في الأصل من الطبيعة الطبقية للإخوان.

فعلى صعيد الموقف من السيطرة الأجنبية على الاقتصاد المصري لا يختلف موقف البنا عن مجمل مواقف القوى الوطنية الأخرى:

“إن الأجانب الذين احتلوا هذا الوطن .. قد وضعوا أيديهم على أفضل منابع الثروات فيه، شركات أو أفراداً، فالصناعة والتجارة والمنافع العامة والمرافق الرئيسية كلها بيد هؤلاء الأجانب”. (38)
والحل الذي يطرحه هو ضرورة تمصير الشركات:

“الأصول التي يقوم عليها النظام الاقتصادي الإسلامي توجب الاهتمام الكامل بتمصير الشركات، وإحلال رؤوس الأموال الوطنية محل رؤوس الأموال الأجنبية كلما أمكن ذلك، وتخليص المرافق العامة من يد غير أبنائها”. (39)

لكنه، بالطبع، لا يطالب بتأميم تلك الشركات وإنما فقط بتحويل ملكيتها من رأس المال الأجنبي إلى رأس المال المصري.

ورؤية البنا حول التفاوتات الطبقية في المجتمع المصري تعبر بصدق ووضوح عن المضمون الطبقي لمشروعه:

“إن التفاوت عظيم والبون شاسع، والفرق كبير، بين الطبقات المختلفة في هذا الشعب، فثراء فاحش وفقر مدقع. والطبقة المتوسطة تكاد تكون معدومة، والذي نسميه نحن الطبقة المتوسطة ليس إلا من الفقراء المعوزين وإن كنا نسميهم متوسطين”. (40)

وهو يقدم في مواجهة ذلك حلاً وسطياً إصلاحياً يهدف إلى تغيير الأمور لكن دون صراع طبقي:

“ضرورة تقريب الشقة بين مختلف الطبقات، تقريباً يقضي على الثراء الفاحش والفقر المدقع”.(41)
الجانب العملي لهذا الهدف الوسطي الإصلاحي من وجهة نظر البنا يتضمن جانبين، الأول هو الإصلاح الزراعي:

“توجب علينا روح الإسلام الحنيف، وقواعده الأساسية في الاقتصاد القومي، أن نعيد النظر في نظام الملكيات في مصر، فنختصر الملكيات الكبيرة، ونعوض أصحابها عن حقهم بما هو أجدى عليهم وعلى المجتمع، ونشجع الملكيات الصغيرة .. وأن نوزع أملاك الحكومة حالاً على هؤلاء الصغار كذلك حتى يكبروا”. (42)

الاقتراح العملي الثاني الذي يطرحه البنا “لتقريب الشقة بين الطبقات” هو الضرائب التصاعدية:
“لابد من العناية بفرض ضرائب اجتماعية على النظام التصاعدي بحسب المال لا بحسب الربح يعفى منها الفقراء طبعاً، وتجبى من الأغنياء الموسرين وتنفق في رفع مستوى المعيشة بكل الوسائل المستطاعة”. (43)

ويعود البنا ليؤكد أن هذه المقترحات يجب ألا تمس قدسية الملكية الخاصة:

“تقرير حرمة المال واحترام الملكية الخاصة ما لم تتعارض مع المصلحة العامة. فقد امتدح الإسلام المال الصالح وأوجب الحرص عليه وحسن تدبيره وتثميره، وأشاد بمنزلة الغنى الشاكر الذي يستخدم ماله في نفع الناس ومرضاة الله”. (44)

هذه النقاط البرنامجية، ورغم عموميتها وعدم تعرضها للتفاصيل، تؤكد بوضوح على الطبيعة الطبقية لرؤية البنا. هو لا يمثل بأي حال مصالح كبار الملاك والرأسماليين، هذا واضح في دعوته للإصلاح الزراعي وفرض ضرائب تصاعدية، وهي أمور كانت الطبقات المالكة تعارضها بشدة. وهو بالتأكيد لا يعبر عن مصالح الاستعمار البريطاني ورأس المال الأجنبي، فهو يدعو وبلا أية مواربة إلى التخلص منهما. لكنه في ذات الوقت لا يعبر عن مصالح الطبقة العاملة وفقراء الفلاحين، فهو يعادي بقوة أي مساس بالملكية الخاصة سواء بالتأميم في حالة الصناعة أو بإصلاح زراعي جذري في حالة الزراعة.

يدافع الإخوان عادة عن هذه الرؤية باعتبارها لا تعبر عن مصالح أية طبقة اجتماعية، وإنما تعبر عن مصلحة الأمة أو الوطن أو صحيح الدين. إلا أنها في واقع الأمر كانت ولازالت تعبر عن مصالح الطبقة الوسطى الحديثة وامتداداتها في أوساط البرجوازية الصغيرة التقليدية في الريف والمدينة. فهؤلاء كانوا يعانون بشدة من سيطرة الملكيات الكبيرة في الريف، لكنهم في ذات الوقت يريدون حماية الملكيات الصغيرة والمتوسطة من مخاطر ثورة فلاحية تطيح بنظام الملكية لصالح الفلاحين الفقراء والمعدمين. وهؤلاء كانوا يعانون أيضاً من سيطرة كبار الرأسماليين ورأس المال الأجنبي على الصناعة والبنوك والمؤسسات الحديثة، لكنهم بالتأكيد لم يكن بينهم من يريد تأميم تلك القطاعات لصالح العمال، مما كان سيهدد المنظومة الطبقية التي ظلوا دائماً يبحثون عن مكانة متميزة لهم فيها.

وتؤكد كتابات محمد الغزالي، الذي كان في النصف الثاني من الأربعينات أحد أهم مفكري الإخوان، على ذلك المضمون الطبقي لخطابهم. ففي كتابه “الإسلام والأوضاع الاقتصادية” ينتقد الغزالي الشيوعية والرأسمالية لموقفهما من الدين:

“فقد أنكرت الشيوعية الدين لأنها حسبته مخدراً للشعوب ومسكناً لآلام الطبقات المظلومة وصارفاً لهمم أبنائها من المطالبة بحقوقهم المضيعة. واحتقرت الرأسمالية الدين إذ توسلت به لإشباع المطامع الجشعة وإقرار الفوارق الجائرة. والدين مظلوم بين من كفروا به ومن جحدوه. بين الشيوعية المتطرفة والرأسمالية المتعجرفة”.(45)

وسرعان ما يتضح الجوهر الطبقي لذلك النقد:

“إن المساواة المطلقة خرافة والتفاوت المفتعل بغير سبب معقول مرفوض من أساسه فالناس سواء في الحقوق العامة”. (46)

ويظل ذلك التضارب بين رفض الظلم والفوارق الطبقية ورفض المساواة وإلغاء الفوارق ملازماً لفكر الغزالي فيقول:

“إن الطبقات المترفة، مصدر فساد عريض، ومثار فتن متجددة. إن أساس التأخر وسبب الدمار الذي يصيب الأوطان والشعوب هو من هذه الطبقات”.

(47) ثم يعود ويدافع باستماتة عن قدسية الملكية الخاصة:

“حرية التملك جزء من الحرية الشخصية التي نحترمها ونود لو أحيطت بألف سياج. من حق أي إنسان أن يعمل وأن ينال ثمرة عمله كاملة، وأن يستمتع بنتائج جهده وأن يورث أبناءه ما اكتسب”. (48)
بعد ذلك يعود ليؤكد أن:

“الملك الحلال لابد أن تخرج منه حقوق شتى .. وما بقي بعد ذلك لا يجوز أن يكو سناداً لتطاول أسر متكبرة تحاول بقوة المال أن تحكم وتتصدر وتسوق الجماهير بثرائها وبعصاها. والواقع أن الغنى النظيف الناتج عن الكسب الشريف المبذول في خدمة المثل العليا والنواحي الفاضلة هو لا ريب منتهى ما ينشده الدين لأتباعه في هذه الحياة. لا يكون الغنى طيباً إلا إذا عرفت مصادره فكانت متفقة مع شرعية الله وإلا إذا حسن العمل فيه فجرت نفقته على ما يرضي الله”. (49)

هكذا نجد من جديد وبوضوح الجوهر الطبقي للخطاب الإخواني، والتعبير الصافي عن الطبقة الوسطى بقطاعاتها الحديثة والتقليدية في هذا التوازن الوسطي الإصلاحي بين قبول الملكية الخاصة بل والدفاع عنها، وبين وضع القيود عليها عندما تخرج عن نطاق الملكيات الصغيرة والمتوسطة. ونلاحظ النقد اللاذع للملكيات الكبيرة بكل ما تعني من احتكار وظلم وفساد، وفي ذات الوقت الدفاع المستميت عن الملكية الأخلاقية النظيفة المثالية ـ أي الصغيرة.

والغزالي يصل إلى استنتاجات عملية أكثر راديكالية مما طرحه البنا. هو مثلاً مع تدخل واسع النطاق للدولة في إدارة الاقتصاد:

“أجل فلتفرض الدولة على الأملاك ما تشاء من قيود، وعلى الأموال ما تشاء من ضرائب، وعلى الأوضاع الاقتصادية ما تشاء من النظم، فإن الدين ظهيرها في هذه الوسائل ما دامت تريد من ورائها حماية جمهور الشعب من أن يسقط فريسة سهلة للاستعمار الداخلي أو الخارجي على السواء”. (50)

وبشكل أكثر وضوحاً يطرح الغزالي أنه:

“إذا اتسعت حاجات الناس باتساع الحضارة وتغير الزمن فعلى الحكومة أن تضع يدها ـ باسم الشعب ـ على مصادر الثروة العامة، وأن تقصي المحتكرين أفراداً كانوا أو شركات من محاولة استغلالها لأنفسهم وتسخيرها وتسخير الشعب معها لمطامعهم”. (51)

هذا بالتأكيد لم يكن خطاباً يعبر عن مصالح الرأسمالية الكبيرة أو الملك أو الاستعمار، لكنه أيضاً لم يكن خطاباً ثورياً يريد القضاء على النظام الطبقي القائم.

ولم تكن التناقضات في خطاب الإخوان تقتصر على القضايا الاقتصادية والاجتماعية بل شملت أيضاً موقفهم من الشرعية والدستور، فقد كتبت مجلة النذير في عددها رقم 33:

“ما كان للإخوان المسلمين أن تنكر الاحترام الواجب للدستور بوصفه نظام الحكم المقرر في مصر ولا أن تحاول الطعن فيه أو إثارة الناس ضده وحضهم على كراهيته، ما كان لها أن تفعل ذلك وهي جماعة مؤمنة مخلصة تعلم أن إهاجة العامة ثورة وأن الثورة فتنة وأن الفتنة في النار”.
إلا أن المرشد العام كان قد طرح عام 1938:

“لابد من جديد في هذه الأمة. هذا الجديد هو تغيير النظم المرقعة المهلهلة التي لم تجني منها الأمة غير الانشقاق والفرقة .. هو تعديل الدستور المصري تعديلاً جوهرياً توحد فيه السلطات”. وخاطب الناس بأن يستعدوا فإن استجاب الحكام للأمر كان بها، “وإذا أبوا فجاهدوهم به جهاداً كبيراً”. (52)
وكما يلاحظ طارق البشري عن موقف حسن البنا :

“لم يحسم أبداً في دعوته ما إذا كان يقصد الإصلاح أم الثورة، وإذا كانت الثورة فتنة فكيف يمكن إجراء التغيرات الجذرية في الحكم؟”. (53)

وقد كانت هذه التذبذبات والتناقضات في المواقف وفي الخطاب إحدى أسباب فشل الجماعة في مواجهة القمع الذي انهال عليها بعد حرب فلسطين.

8) المحنة والتفكك
أدى الدور الذي لعبه الإخوان في حرب فلسطين وتصعيد كفاحهم ضد الاحتلال البريطاني، وما واكب ذلك من توسع نفوذهم الجماهيري إلى توفير الأسباب الكافية لانقلاب القصر عليهم. وكما يلاحظ طارق البشري: “الثابت أن الإخوان في مرحلة ما وقفوا مع الملك وأيدوه. والثابت باليقين نفسه أنهم في فترات أخرى تصارعوا معه، فكان الملك على رأس القوى التي حلت الجماعة في عام 1948، واغتالت المرشد العام بعد ذلك بشهرين تقريباً. والراجح أن أحزاب الأقليات الحاكمة أيدت الإخوان حيناً، وأنها صارعتهم من بعد، وألحقت بهم من إجراءات القمع والعذاب ما لم تعرفه قوة سياسية قبلهم في التاريخ الحديث. (54)

وكان القمع بالفعل استثنائياً فتم اعتقال الآلاف من الإخوان وفصل 150 موظفاً وشرد من القاهرة وحدها الى الوجه القبلي 500 موظف وأبعد عن كليات الجامعة والمدارس الثانوية نحو ألف طالب. (55) واتسعت دائرة الاعتقالات في صفوف الإخوان لتشمل 4000 معتقل، وتعرض المعتقلون لأقصى درجات التعذيب الوحشي الذي لم تعرف مصر مثله من قبل. (56)

وقد أدت في نهاية الأمر تلك الوسطية والخطاب المتناقض وانعكاسهما في تكتيكات البنا إلى المحنة والأزمة التي انتهت باغتياله. فرغم تفاقم الأزمة السياسية والاجتماعية في مصر في نهاية الأربعينات، ورغم قوة الإخوان المسلمين كأكبر وأنشط التنظيمات الجماهيرية لم يكن في استطاعة البنا تقبل فكرة الثورة بما تعنيه من تعبئة للعمال وفقراء الفلاحين ومن تهديد لأسس الملكية الخاصة والمجتمع الطبقي، ولم يتقبل أيضاً أن يتحول إلى مجرد أداة في يد القصر لمواجهة الحركة الجماهيرية.

أغتيل البنا وهو في عامه الـ42 ولم يتمكن أبداً من تحقيق وعده للإخوان المسلمين الذي ظل يلهم حركتهم: “في الوقت الذي يكون فيه منكم ـ معشر الإخوان المسلمين ـ ثلاثمائة كتيبة قد جهزت كل منها نفسها روحياً بالإيمان والعقيدة، وفكرياً بالعلم والثقافة، وجسمياً بالتدريب والرياضة. في هذا الوقت طالبوني بأن أخوض بكم لجاج البحار وأقتحم بكم عنان السماء، وأغزو بكم كل عنيد جبار، فإني فاعل إن شاء الله”. (57)

« السابق التالي »