بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإخوان المسلمون – رؤية اشتراكية

التالي »

1- مقدمة

النتائج التي حققتها جماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات الأخيرة فجرت من جديد قضية موقف اليسار منها. كيف نفهم الإخوان المسلمين وكيف نفسر نجاحاتهم المتتالية؟ ما هي طبيعتهم الطبقية؟ هل هم عدو لليسار أم منافس له؟ كيف نتفاعل مع هذه الجماعة؟ نحاول في هذا الكراس الصغير الإجابة على هذه الأسئلة كمساهمة أولية في السجال الحالي في أوساط اليسار حول هذه القضية الملحة. وبالطبع ففي كراس بهذا الحجم لن نتمكن من تناول تحليلاً تفصيلياً لجماعة بحجم وتاريخ الإخوان المسلمين. سنحاول فقط إلقاء الضوء على بعض المنعطفات الهامة في ذلك التاريخ الطويل.

يطرح المفكر والاقتصادي الماركسي الكبير سمير أمين في مقال له حول الإسلام السياسي تلخيصاً لما يمكن اعتباره الموقف المهيمن في أوساط اليسار المصري حول طبيعة الإخوان. فهو يقدم عدة أطروحات أساسية تمثل رؤية متكاملة تجاه الإسلام السياسي المعاصر على الوجه التالي:

أولاً: أن جماعات الإسلام السياسي بمختلف أنواعها هي مجرد تنظيمات سياسية تستهدف الوصول إلى السلطة وتستخدم الدين بشكل انتهازي لتحقيق أغراضها.

ثانياً: أن الإسلام السياسي هو مجرد أداة من أدوات الطبقة الرأسمالية التابعة وهي لا تخدم سوى مصالح هذه الطبقة.

ثالثاً: أن الانقسام بين الجماعات الإصلاحية مثل الإخوان المسلمين والجماعات المسلحة مثل الجهاد ليس إلا تقسيم عمل بين استخدام العنف من جانب والتسلل داخل مؤسسات الدولة من الجانب الآخر والهدف في الحالتين هو الاستيلاء على السلطة.

رابعاً: أن المواجهة بين هذه الجماعات والأنظمة ليست إلا تنافساً بين قطاعات مختلفة من الطبقة الحاكمة، وهو تنافس وصراع حول السلطة سواء حدث ذلك بشكل مسلح كما في الجزائر أو بشكل سياسي كما في حال الإخوان المسلمين في مصر.

خامساً: لا يوجد أي تناقض بين الإسلام السياسي والعولمة الرأسمالية والليبرالية الجديدة بل أن هناك تكاملاً بينهم.

وسادساً: أن الإسلام السياسي ليس معادياً للإمبريالية بأي شكل من الأشكال بل أنه أفضل من يخدم الإمبريالية وأن الاستثناءات مثل حماس وحزب الله ليست سوى نتيجة طبيعية للجغرافيا السياسية التي تضع مثل هذه الحركات في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وبالتالي في خانة العداء للدور الأمريكي في المنطقة.

يتفق حول هذه الأطروحات قطاع واسع من اليسار المصري والعربي، مع تنويعات في هذه النقطة أو تلك بالطبع. وبالتأكيد فإن مثل هذا التحليل يؤدي إلى استنتاجات سياسية وعملية خطيرة. فهو يعني أن جماعة مثل الإخوان المسلمين عدو سياسي لليسار يجب محاربته على كافة الأصعدة ولا مجال لأي نوع من التنسيق معها أو أي شكل من أشكال العمل المشترك. وهو يؤدي أيضاً إلى رؤية تضع الجماهير المصرية في موقع تخلف وتخبط شديد في الوعي الاجتماعي والسياسي، فكيف نفسر هذا التناقض بين طبيعة الحركة الإسلامية كما يصفها سمير أمين كحركة معبرة عن البرجوازية التابعة، خادمة للإمبريالية ومعادية للديمقراطية ومعتنقة لليبرالية الجديدة، وبين التأييد الشعبي واسع النطاق الذي تتمتع به جماعة مثل الإخوان المسلمين؟

ولعل رأس حربة المدافعين عن هذه الرؤية للحركة الإسلامية هو رفعت السعيد، الذي كرس جهده خلال العقدين الأخيرين للتشهير بما يسميه “المتأسلمين”. ولأن تحليلات السعيد كان لها نفوذاً في أوساط اليسار وخاصة التجمع والحزب الشيوعي المصري فسيكون من المفيد تناول أطروحاته ببعض التفصيل.
وإذا كانت تعليقات سمير أمين تتناول الإسلام السياسي المعاصر فرفعت السعيد في كتاباته يتناول الحركة الإسلامية منذ بداياتها في نهاية العشرينات. وهو يضع في سلة واحدة، ليس فقط الجماعات الإصلاحية مثل الإخوان مع الجماعات المسلحة مثل الجهاد بل يضع في نفس السلة مختلف الجماعات في المراحل التاريخية المختلفة. فحسن البنا والهضيبي وسيد قطب والتلمساني وأيمن الظواهري ومهدي عاكف كل هؤلاء بالنسبة للسعيد أجزاء من حركة رجعية إرهابية واحدة معادية للتقدم والحداثة والتنوير.

ويستخدم السعيد لتبرير موقفه من مَن يسميهم المتأسلمين منهجاً مادياً ميكانيكياً مستمد من التراث الستاليني الذي ينتمي إليه فيطرح مثلاً: “الماركسية إذ تؤكد إمكانية أن يلعب الدين دوراً في حركة التغيير الاجتماعي، أي دوراً سياسياً، فإنها ترى أن ذلك رهن بمستوى محدد من التطور الاجتماعي ومن نمو الوعي الاجتماعي وتحديداً فإن الدور يتناقض بل ويتلاشى مع نمو الوعي الطبقي الذي يحول الصراع بين جماعات تخضع للاستغلال والاضطهاد فتتشبث بدين جديد يخالف ديانة الحكام وتتخذه محوراً لنضالها وخلاصها، وبين جماعات متميزة طبقياً تنتمي جميعاً إلى ذات الدين.”

أي أنه وطبقاً لهذه الرؤية الميكانيكية، كلما تبلورت الطبقات وتطور المجتمع ونما الوعي الطبقي كلما تلاشى التعبير الديني عن الاحتجاج الاجتماعي. ولكن عن أي طبقات يتحدث السعيد وفي أي سياق يحدث ذلك التطور؟ وهل ما ينطبق على المجتمع الفرنسي في القرن التاسع عشر مثلاً ينطبق أيضاً وبنفس الوتيرة ونفس الآليات على المجتمع المصري في القرن العشرين؟

ويعتبر رفعت السعيد الدين دخيلاً على الوعي والصراع الاجتماعي:

“أما استخدام الدين كأداة في الصراع الاجتماعي فإن الماركسية ترى أنه كان وارداً وممكناً بل وثورياً في المراحل الأولى للتطور الاجتماعي، وأنه مع نشوء الطبقات الاجتماعية وتبلورها ووقوفها وجهاً لوجه في معترك الصراع الطبقي فإن ادخال الدين في هذا المعترك يمكنه أن يحرف الأفكار عن المعطيات الواقعية والأرضية لهذا الصراع، بل ويمكنه أن يجعل من المقولات الدينية شعاراً أو أداة يستخدمها الحكام وبعض رجال الدين في تغييب الوعي الاجتماعي والطبقي للجماهير ومن ثم في فرض المزيد من الاستغلال والقهر عليهم”.

طبقاً لهذه الرؤية، التي ينعتها السعيد بـ “الماركسية” وهي مجرد تشويه للماركسية، يصبح الدين مجرد دخيل على الصراع الاجتماعي وليس شكلاً من أشكال التعبير عن الاحتجاج الاجتماعي. وهو يقبل بوجود البعد الديني للوعي في ما يسميه المراحل الأولى للتطور الاجتماعي. وكأن التطور الاجتماعي مسار أحادي يمر به البشر في كل مكان دون تناقضات وتعقيدات وخصوصيات. وإذا كان من الصحيح أن الطبقات الحاكمة استخدمت الدين لتبرير وتوطيد حكمها، فمن الصحيح أيضاً أن الطبقات المقهورة استخدمت الدين في كثير من الأحيان للتعبير عن احتجاجها وعن طموحاتها للتغيير. فالدين قابل لتفسيرات مختلفة بل ومتناقضة، والتعبير الديني للاحتجاج ليس مقصوراً على تلك “المراحل الأولى” فالقرن العشرين مليء بالحركات الاجتماعية والسياسية الحديثة التي لجأت للدين كوسيلة للتعبير. في أمريكا اللاتينية ظهر لاهوت التحرير الذي مزج بين الاشتراكية وتفسير حديث للمسيحية، وفي آسيا امتزجت حركات التحرر الوطني بتفسيرات للبوذية والهندوسية.

وفي تحليله للحركات الإسلامية يصل السعيد إلى استنتاج شديد الغرابة فيقول:

“إن معطيات التوجه الاجتماعي والاقتصادي لجماعات الإسلام السياسي على اختلاف أنواعها (وإن ارتدى بعضها ثياباً أكثر اعتدالاً أو أكثر تطرفاً) فإنها في مجموعها جماعات سياسية تلغي المنظور الطبقي للصراع .. وتقسم البشر ليس على أساس موقفهم من العملية الإنتاجية (رأسماليون وعمال، ملاك أراضي وأجراء) وإنما من منظور فكري ينحصر في مدى ولاء الشخص لفكر الجماعة أو ما تبشر به.”

ولكن ألا تلغي كافة الحركات السياسية البرجوازية والبرجوازية الصغيرة ذلك المنظور الطبقي للصراع؟ ألم تقم مثلاً الحركات الثورية البرجوازية في أوروبا منذ الثورة الفرنسية بإخفاء طابعها الطبقي وراء شعارات الديمقراطية والمساواة أمام القانون وحقوق الإنسان والمواطنة؟ وألم “تلغي” حركات التحرر الوطني في العالم الثالث المنظور الطبقي وركزت شعاراتها ومضمون رؤيتها حول التحرر والاستقلال الوطني وأخفت بالتالي مضمونها الطبقي البرجوازي أو البرجوازي الصغير؟

أليست الطبقة العاملة هي وحدها التي من مصلحتها أن تكشف وتفضح التناقضات الطبقية وتؤسس حركتها على وعي كامل وغير مشوه لتلك التناقضات؟ أليس ذلك ما تطرحه الماركسية التي يحب السعيد التحدث باسمها؟

إذا كان السعيد يقصد أن الحركات الإسلامية ليست حركات عمالية ثورية وبالتالي تعبر عن طبقات أخرى ليس من مصلحتها فضح التناقضات الطبقية في المجتمع، إذا كان هذا ما يقصده فلن نختلف معه. ولكنه يطرح المسألة وكأن الحركات الإسلامية وحدها هي التي تخفي مضمونها الطبقي.

أما الطابع الإحيائي للحركات الإسلامية فيفسره السعيد بشكل تبسيطي وكأن استلهام النماذج من التاريخ لا يمكن أن يشير إلا للطبيعة الرجعية الصرفة لتلك الحركات:

“إذ توجد قوى اجتماعية ترفض الواقع الاجتماعي القائم وتعجز في نفس الوقت عن التلاؤم معه، ولا تمتلك معطيات طبقية لتغييره من منظور طبقي فإنها تعود إلى الوراء لتستلهم ذكريات ونماذج وطموحات وقعت في الماضي وتستدعيها للحاضر أو بالدقة تستجمع الحاضر في محاولة كي تعود به إلى الماضي .. هذه الجماعات لا تمتلك تصوراً محدداً للمستقبل، فهي إذ تستعيد الأسماء والشعارات والزي والرؤية والممارسات فهي تعتقد أن ما سيطبق من نظام اقتصادي واجتماعي (في حالة استلامهم السلطة) هو ذات ما كان مطبقاً أيام الرسول والخلفاء الراشدين، وهم لا يرهقون أنفسهم في استجلاء تفاصيله لأن التفاصيل قد تبدو غير ملائمة للتطبيق اليوم (وهذا طبيعي تماماً) كما أنهم في أغلب الأحيان لا يمتلكون رؤية واضحة لما كان يجري في هذا الزمان.”

ولكن الرغبة في العودة إلى ماضي مثالي لا تعني بأي حال من الأحوال رغبة في إعادة إنتاج مجتمع العصور الإسلامية الأولى ولكنها تعني الرغبة في إعادة تشكيل الواقع المعاش بكل ما يتضمنه من مهانة وطنية وتخلف اقتصادي وما يرونه انهياراً أخلاقياً وحضارياً. إعادة التشكيل هذه لا ترفض الحداثة بشكل مطلق فهي تقبل التكنولوجيا والتقدم العلمي والمستلزمات المادية للحياة العصرية ولكنها تريد استخدامها في إطار منظومة ثقافية مستوحاة بشكل مثالي وانتقائي من التاريخ الإسلامي.

سنحاول في هذه الكراسة أن نطرح تحليلاً مغايراً لجماعة الإخوان المسلمين. هذا التحليل يقوم على فهم ظهور وتطور هذه الجماعة في سياق التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي أحاطت بتلك الجماعة في مراحل تطورها المختلفة. فلا يمكن مثلاً وضع إخوان الأربعينات وإخوان السبعينات وإخوان التسعينات في نفس السلة لمجرد استمرارية الشعارات الأيديولوجية والخطوط العامة لسياسة الجماعة.
ففي مراحل تاريخية مختلفة وفي أوساط طبقية مختلفة تتبلور تفسيرات مختلفة للنصوص الدينية. فالوضع المادي والاجتماعي لأي جماعة أو طبقة أو فئة وعلاقتها بالقوى الاجتماعية الأخرى والصراعات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي ينغمسون فيها كلها تلعب أدوارها في تشكيل تفسيراتهم للنصوص الدينية وللمبادئ والأفكار التي يختارون التركيز عليها حتى وإن تشابهت الشعارات والمبادئ العامة.

ولعل تاريخ الحركات الشيوعية يعطينا نموذج للتحولات الممكنة تحت نفس الشعارات. فهل مثلاً الحزب الشيوعي الروسي الذي قاد الثورة البلشفية في عام 1917 هو نفسه حزب ستالين الذي حكم الاتحاد السوفيتي بالحديد والنار خلال الثلاثينات والأربعينات؟ وهل الحزب الشيوعي الصيني في عصر ماو تسي تونج هو نفسه الحزب الشيوعي الصيني الذي يشكل اليوم رأس حربة الرأسمالية وسياسات السوق؟
إن التحليل المادي التاريخي يتطلب منا تجاوز الشعارات والرايات المرفوعة والتدقيق في الجذور الاقتصادية والاجتماعية لمختلف الحركات السياسية. وإذا استعرنا مع بعض التحوير مقولة لكارل ماركس فعلينا “البحث عن الرجل في المسلم وليس المسلم في الرجل”.

التالي »