بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإخوان المسلمون – رؤية اشتراكية

« السابق التالي »

3- من ناصر إلى مبارك

1) بداية الحكم الناصري والموقف من الانقلاب
لم يكن الوضع القائم في مصر بعد حرب فلسطين 1948 قابلاً للاستمرار. فالنظام الملكي كان يتهاوى وحزب الوفد صار مفتقداً لكل مصداقية وشرعية بعد أن فشل في تخليص البلاد من الاستعمار البريطاني ومن سيطرة رأس المال الأجنبي، بالإضافة إلى عجزه عن حل المسألة الزراعية. ولم يعد كبار الملاك والرأسماليين بأحزابهم قادرين على مواجهة الغليان الجماهيري المتصاعد. وفي ظل هذه الأجواء المحملة برياح التغيير والثورة لم تتمكن لا الحركة الشيوعية ولا جماعة الإخوان من البروز كبديل قادر على حسم الأمور. فقد ظل الشيوعيون أسرى لاستراتيجية الثورة الوطنية الديمقراطية التي أملاها الاتحاد السوفيتي على الأحزاب التابعة له والمتأثرة به. وبدلاً من النضال من أجل دور قيادي ومستقل للحركة العمالية المتصاعدة يجذب خلفه الفلاحين الفقراء والفئات الدنيا من الطبقة المتوسطة ظل القطاع الأكبر من الشيوعيين في موقع التذيل للبرجوازية المصرية وحزب الوفد، وقد أكدت منظمة حدتو وهي أكبر التنظيمات الشيوعية موقفها بوضوح في جريدة الجماهير:

“إذا كانت أسلحة الاستعمار موجهة ضد الوفد والحركة العمالية فإن ذلك يربط بين الحركتين في حلف جماهيري يستند إلى برنامج وطني مشترك”. (1)

وقد شل الإخوان ـ كما أوضحنا سابقاً ـ تذبذبهم الدائم بين مهادنة النظام ومواجهته، وبين العمل المسلح والعمل الإصلاحي، وبين العداء للملكية والوفد وبين التودد والتقرب إليهما، وبين قدرتهم على تعبئة الجماهير وخوفهم من تجاوز الجماهير الحدود الوسطية والإصلاحية لبرنامجهم، وهو ما ظهر بوضوح في مواقفهم المعادية للإضرابات العمالية المستقلة وللهجمات الفلاحية ضد كبار ملاك الأرض، هذا رغم كونهم أكبر التنظيمات السياسية وقتها من حيث العضوية والنفوذ الجماهيري. وقد زاد من تخبط الإخوان موجة القمع التي تعرضوا لها بعد عام 1948 وغياب البنا، مما أضعف قيادة الجماعة وفتح المجال داخلها للانقسامات والتفكك.

كان الظرف إذن مهيئاً لاستيلاء ضباط الجيش على السلطة في يوليو عام 1952. وما يهمنا في هذا المجال هو فهم المنعطفات الرئيسية في علاقة النظام الجديد بجماعة الإخوان المسلمين.

لقد بدأ الإخوان في تجنيد ضباط في الجيش منذ مطلع الأربعينات، وخلال الأربعينات كان الإخوان الأنجح بين القوى السياسية في خلق وجود تنظيمي داخل صفوف الجيش. وقد أسسوا مجموعة “جنود الجيش الأحرار” التي أصدرت عدداً من البيانات التحريضية في عامي 1941 و1942. (2) وفي 1944 شكل مكتب الإرشاد تنظيمان داخل الجيش والشرطة خارج نطاق التنظيم الخاص. وقد عين حسن البنا الضابط صلاح شادي للإشراف على خلايا الإخوان في الشرطة، ومحمود لبيب في الجيش. (3) لكن موجة القمع في عام 1948 ومقتل البنا أدى إلى تقلص النفوذ الإخواني داخل الجيش، لكنه ظل النفوذ السياسي الأكبر حتى انقلاب عام 1952.

وقد شهدت العلاقة بين الإخوان والضباط الأحرار ثلاثة مراحل متميزة. في الشهور الأولى بعد الانقلاب مباشرة حاول الضباط أن يحافظوا على علاقات ودية مع الإخوان، لكن دون التحالف المباشر معهم، فقد كان موقف النظام الجديد من الإخوان خليط من الخوف والاحتياج. الخوف بسبب قوة الإخوان الجماهيرية والاحتياج بسبب عزلة النظام عن أي قواعد جماهيرية مؤثرة. ومع تحرك النظام للقضاء على الأحزاب السياسية القديمة توطدت العلاقة بينه وبين الإخوان في محاولة منه لكسب تأييداً جماهيرياً لإجرائاته السياسية. لكن حتى ذلك التقارب كان مليئاً بالحذر والشكوك من الجانبين. فقد حاول عبد الناصر استغلال حالة الارتباك والانقسام داخل الجماعة بالتقرب من القيادات الشابة المناهضة للهضيبي في محاولة لإضعاف سيطرته وتعميق الانقسامات. إلا أن الهضيبي كان لديه تقديراً صحيحاً لنية النظام في استغلال نفوذ الإخوان الجماهيري للسيطرة على السلطة، ثم التخلي عنهم والانقضاض عليهم. وهكذا لم يقبل النظام أن يكون للإخوان أي دور قيادي مشارك للضباط في رسم السياسات، واكتفى بعرض مناصب ثانوية على بعض رموز الإخوان كمنح منصب وزير الأوقاف للباقوري الذي سرعان ما انقلب على الإخوان لصالح النظام. (4)

وعلى الرغم من الدور الذي لعبه الإخوان في تأييد ودعم النظام الجديد خلال العام الأول من الانقلاب إلا أن شهر العسل لم يدم طويلاً، ففي أكتوبر 1954 وبعد سيطرة النظام على الوضع السياسي في أعقاب أزمة مارس جاءت محاولة اغتيال عبد الناصر على يد شاب من الإخوان المسلمين، التي عرفت بحادثة المنشية الشهيرة. وقد وفرت هذه المحاولة المناخ الذي احتاجه عبد الناصر للانقضاض على الإخوان، وتصفية تشكيلاتهم التنظيمية وعلى رأسها الجهاز السري بطريقة قمعية. وسواء قبلنا تفسير الإخوان للحادث بأنه مدبر من قبل النظام، أو قبلنا التفسير الناصري بأنه كان جزء من مؤامرة لقلب النظام، أو اعتمدنا على التفسير الأكثر منطقية وهو أن الحادث جاء كمبادرة فردية من مجموعة إخوانية صغيرة دون علم المرشد، فالنتيجة النهائية كانت تمكن النظام من تدمير البنية التنظيمية للجماعة ليس فقط بالاعتقالات والمحاكمات والاعدامات لكن أيضاً بتأميم المؤسسات الخيرية والأهلية التي كان الإخوان قد بنوها عبر عقدين من النشاط المكثف.

إلا أن القمع وحده لا يكفي في الحقيقة لتفسير الانهيار الذي حدث في قوة ونفوذ ووجود الإخوان خلال الحقبة الناصرية. ولا يمكن فهم ما حدث دون فهم طبيعة النظام الناصري والسياسات التي تبناها، التي لعبت دوراً كبيراً في استيعاب القاعدة الاجتماعية للإخوان، أي الطبقة الوسطى الحديثة، وكسب تأييدها للنظام.

2) طبيعة السياسات الناصرية
كان الإصلاح الزراعي هو محور سياسات النظام الناصري في مراحله الأولى. فالقضاء على طبقة كبار ملاك الأرض وإعادة توزيع الأرض الزراعية كانت شروطاً أساسية لحل الأزمة السياسية والاقتصادية في البلاد. لكن الإصلاح الزراعي الذي تم لم يؤدي إلى اشباع عطش فقراء الفلاحين ومعدمي الريف إلى ملكية الأرض، ذلك أن مصر لم تشهد إصلاحاً زراعياً راديكالياً كالذي حدث في بلدان أخرى عديدة وقتها. فمثلاً لو أن ما جرى أدى إلى انتزاع ملكية جميع الأراضي الزراعية وإعادة توزيعها على الـ2.1 مليون عائلة فلاحية الموجودة عام 1952، لحصلت كل عائلة على فدانين. لكن ما تم وقتها كان مختلفاً، ولم يتعدى كونه سلسلة من الإصلاحات المحدودة أثرت فقط على 16% من الأراضي الزراعية وتم توزيع 13% من هذه الأراضي على حوالي 10% من العائلات الفلاحية. (5)

ما يهمنا هنا هو أن المستفيد الأساسي من الإصلاح الزراعي لم يكن الفلاحين الفقراء بل كان الفئات الوسطى من ملاك الأرض الذين شكلوا الجذور الريفية للطبقة الوسطى الحديثة. فقد زادت المساحة الزراعية التي في حوزة هؤلاء من حوالي 1.8 مليون فدان عام 1952 إلى حوالي 2 مليون فدان عام 1965. ولم يحتفظ الملاك المتوسطين فقط بنصيبهم من الأرض بل اكتسبوا نفوذاً اجتماعياً وسياسياً في المجالات التي كانت خاضعة لسيطرة كبار الملاك من قبل. (6)

ولعل أكثر المجالات الإصلاحية التي سمحت للنظام الناصري بالاستيعاب السياسي والاجتماعي للطبقة الوسطى الحديثة كان مجال التعليم. فكما في حالة الزراعة لم يكن المستفيد الأساسي من التوسع التعليمي هو الفقراء الأميين من عمال وفلاحين، وإنما كان المستفيد هم أبناء الطبقة الوسطى ذوي التعليم المتوسط والعالي. ففي عام 1954 تم تخفيض المصاريف الجامعية وتحويل جزء من ميزانية التعليم الأساسي إلى التعليم الجامعي. وخلال الفترة ما بين عامي 1954 و1962 تضاعفت ميزانية الجامعات عدة مرات (ثمانية أضعاف) في حين زادت ميزانية التعليم ككل بنسبة 200%. وزادت نسبة التعليم العالي من الميزانية الكلية للتعليم في نفس الفترة من 14% إلى 22%. (7)

وخلال الحقبة الناصرية زاد عدد الطلاب في المرحلة الابتدائية بنسبة 234% في حين زاد عدد الطلاب الجامعيين بنسبة 325%. وكان عدد الذين التحقوا بالجامعة في العام الدراسي 1952-1953 51.681 طالب وصلوا في العام الدراسي 1969-1970 إلى 161.517 طالب. (8) ولم تكن هذه الزيادة الضخمة مرتبطة باحتياجات سوق العمل بقدر ما كانت مرتبطة برغبة النظام الناصري في الاستيعاب السياسي والاجتماعي للطبقة الوسطى الحديثة. وقد ظلت هذه الفئة من الجامعيين وخريجي المعاهد محدودة بالنسبة إلى مجمل المواطنين (8% من نفس الفئة العمرية) إلا أن حجم تأثيرها السياسي فاق ذلك بكثير.

وإلى جانب التوسع في التعليم العالي والمتوسط كان على النظام الناصري استيعاب هؤلاء الخريجين في سوق العمل. ومع الخطة الخمسية الأولى والتوسع الكبير في القطاع العام مع مطلع الستينات أصدر النظام القانون رقم 185 المعروف بسياسة التعيين، الذي يلزم الحكومة بتعيين كافة خريجين الجامعات والمعاهد في وظائف حكومية أو في القطاع العام. وقد وصل عدد المعينين في وظائف داخل القطاع العام والحكومة من ذوي المؤهلات العليا والمتوسطة 450 ألف موظف خلال عام 1969 منهم 153 ألف خريج جامعي، أو ما يوازي 60% من إجمالي عدد الخريجين. وقد شمل ذلك أكثر من 90% من المهندسين والعلماء و87% من الأطباء وأكثر من 60% من المحاميين. (9)

3) أزمة الناصرية
إلا أن خطة الاستيعاب هذه كانت تعتمد بالكامل على نجاح النمو الاقتصادي والخطة الخمسية. لكن رأسمالية الدولة الناصرية لم تتمكن أبداً من تحقيق النجاح الذي يسمح لها بالاستمرار. لقد وُضعت الخطة الخمسية الأولى في عام 1960-1961 كخطة تستهدف الدولة من خلالها تركيز كل الاستثمارات على عملية التصنيع، وعلى بناء السد العالي لزيادة الإنتاج الزراعي وتوفير الطاقة للصناعة. فلسفة الخطة قامت على التصنيع السريع وإحلال الواردات للبدء في خلق أرضية متكاملة تسمح بالتنمية المستقلة وتحويل مصر من دولة زراعية إلى دولة صناعية. وهي خطة اعتمدت على تجارب الاتحاد السوفيتي والصين والهند في خلق اقتصاد مستقل وسوق محلية تستوعب الإنتاج الصناعي.

لكن الواقع كان بعيداً كل البعد عن الأهداف المرجوة، وبدلاً من أن تصبح الخطة الأولى بداية الطريق في سلسلة من الخطط الخمسية تهدف إلى تحقيق نمو اقتصادي يُخرج البلاد من أزمتها، سرعان ما انهارت التجربة وتأزمت وتحولت إلى أحد أشد التجارب فشلاً في بناء رأسمالية الدولة.

الخطة مثلاً كانت تهدف إلى تخفيض قيمة الواردات خلال سنواتها الخمسة من 229 مليون جنيه إلى 215 مليون جنيه (بأسعار عام 1964) لكن ما حدث في الواقع هو أن قيمة الواردات زادت لتصل إلى 413 مليون جنيه عام 1965، ووصل العجز في الميزان التجاري إلى 166 مليون جنيه وزادت نسبة الواردات من إجمالي الناتج المحلي من 15% في بداية الخطة إلى 20% في نهايتها.(10)

ليس هنا مجال تحليل أسباب وتفاصيل فشل رأسمالية الدولة الناصرية. أما ما يهمنا الآن هو معرفة تأثير ذلك الفشل على الطبقة الوسطى الحديثة التي تمكن النظام من استيعابها سابقاً بسياساته التعليمية والتوظيفية. فقد أدى انكماش الاقتصاد المصري بعد فشل الخطة الخمسية الأولى إلى انهيار سريع في المستوى المعيشي وفرص التشغيل لخريجي الجامعات وبدأت الشروخ تظهر في قدرة النظام على استمرار استيعابه لتلك الطبقة.

ومن مفارقات تلك الفترة أنه في اللحظة التي بدأ فيها انهيار المشروع الناصري قرر الحزب الشيوعي، الذي كان غالبية كوادره في المعتقلات، أن يحل نفسه ويندمج في التنظيمات السياسية التابعة للنظام الناصري. حدث ذلك ـ كما هي العادة ـ بتعليمات من الاتحاد السوفيتي الذي أصبحت له علاقات وطيدة بالنظام الناصري في ذلك الوقت، وبينما ـ على جانب آخر ـ كان سيد قطب يحاكم ويعدم شنقاً لمحاولته إحياء تنظيم الإخوان ومعارضته العنيفة للنظام. هذه المفارقة: “التقدميون” يتواطئون مع النظام ويندمجون فيه، و”الرجعيون” يناهضونه ويموتون على مشانقه (!) لعبت دوراً كبيراً في تشكيل الوعي السياسي المعارض خلال العقدين التاليين.

أتت بعد ذلك هزيمة 1967 بالدفعة الأخيرة في أزمة النظام الناصري، وأدت إلى اندفاع شباب الطبقة الوسطى الحديثة للبحث عن بدائل سياسية وأيديولوجية. وقد تزامن ذلك مع محاولات إعادة إحياء الحركة الإسلامية، وظهور مجموعات يسارية مستقلة عن الحزب الشيوعي في أوساط الطلاب الجامعيين.
انفجرت الحركة الطلابية ضد النظام الناصري عام 1968 بقيادة عناصر يسارية حيث انعدم تقريباً الوجود الإسلامي داخل الجامعات وقتها. فما تعرض له الإخوان من قمع وحشي خلال عامي 1965 و1966 أضعف قدرتهم على الحركة وعطل محاولاتهم لإعادة البناء داخل الجامعات. حدثت بعض الاستثناءات بالطبع حيث نجحت عناصر إخوانية في المنصورة من التسرب داخل التنظيمات الشبابية للاتحاد الاشتراكي، وقادوا مظاهرات المنصورة في نوفمبر عام 1968 ضد محاولات الإدارة في تخفيض أعداد الطلاب، وانتهت المظاهرات التي خرجت من المعهد الأزهري في المنصورة بمقتل أربعة من الطلاب الإسلاميين. (11) إلا أن الهيمنة في تلك الحقبة ظلت في يد الطلاب اليساريين.

4) السادات والتلمساني والدعوة
أدى القمع الذي عانى منه الإخوان خلال الحقبة لناصرية إلى تغييرات هامة في تكوين وخطاب الجماعة عند خروج قياداتها من المعتقلات خلال فترة السبعينات. لقد باتوا يفتقدون إلى الصلة مع الواقع السياسي وقواعدهم الاجتماعية التقليدية بعد عقدين كاملين داخل المعتقل. القيادات والكوادر التي نجت من الاعتقال أمضت الفترة الناصرية في دول الخليج، وكونت ثروات من عملها هناك ومن علاقاتها مع النظام السعودي الرجعي الشديد العداء للناصرية. ومع اطلاق سياسة الانفتاح الاقتصادي التي تبناها السادات عاد الكثير من هؤلاء إلى مصر، ووجدوا أمامهم فرص ضخمة لاستثمار مدخراتهم. وتحول العمود الفقري للجماعة من الطبقة الوسطى الحديثة قبل الحقبة الناصرية إلى رجال أعمال ذوي صلات وطيدة بالنظام السعودي. انعكس ذلك بالطبع على مواقف الإخوان وخطابهم السياسي وهم يعيدون تشكيل صفوفهم تحت قيادة عمر التلمساني.

أصبح عمر التلمساني أهم شخصية إخوانية بعد وفاة حسن الهضيبي عام 1973. وقد التقى به صالح عشماوي عام 1976 ووضع مجلة الدعوة تحت تصرفه، وتصرف الإخوان. وظهرت الدعوة في شكلها الجديد بتمويل الشركة الإسلامية للنشر والتوزيع التي رأس التلمساني مجلس إدارتها. (12)

وقد سمح نظام السادات بصدور المجلة بلا أي تدخل. ومن المهم ملاحظة أن النصيب الأكبر من هذه المجلة من حيث المضمون والتوجه كان للإخوان الأوائل الذين أبعدهم الهضيبي عام 1953 بسبب تقاربهم مع النظام مثل: صالح عشماوي ومحمد الغزالي ويوسف القرضاوي الذين ارتبطوا جميعاً بعلاقات وثيقة مع النظام السعودي.(13) يشير جيل كيبل في دراسته “النبي والفرعون” إلى دور الإعلانات في تلك المجلة:

“من حوالي مئة وثمانين صفحة من الإعلانات الملونة في مجلة الدعوة، اشترى 49 صفحة مقاولون وشركات عقارية و52 صفحة اشترتها شركات لإنتاج الكيماويات والبلاستيك و20 صفحة لمستوردي السيارات و12 صفحة لبنوك إسلامية وشركات استثمار”. (14)

ثم يشير إلى أن حوالي نصف الإعلانات كانت لثلاثة شركات هي الشريف للبلاستيك وشركة مسرة للمقاولات ومودرن موترز وإلى أن “هذه الشركات الثلاثة كان يمتلكها إخوان مسلمون كونوا ثرواتهم في المملكة العربية السعودية خلال الأعوام الثلاثين السابقة واستثمروها بشكل مكثف في مصر منذ عام 1975، خاصة في قطاعات الاستيراد والبضائع الاستهلاكية”.(15)

وقد تميزت مقالات وموضوعات مجلة الدعوة بمواقف شديدة الرجعية وبالابتعاد التام عن نقد النظام الاجتماعي والاقتصادي في مصر. وكان هناك هوساً في المجلة بأربع مصادر للخطر على الأمة الإسلامية: اليهودية والشيوعية والصليبية والعلمانية. وقد اتسم التحليل المطروح لهذه المخاطر على إثارة الذعر والاعتماد على نظرية المؤامرة. ولم تكن هذه العناوين مجرد ترجمة دينية للمخاطر الحقيقية الآتية مثلاً من الاتحاد السوفيتي (الشيوعية) والكيان الصهيوني (اليهودية) والإمبريالية الأمريكية (الصليبية) بل كانت في الحقيقة تعكس مضامين شديد الرجعية. ففي حالة الشيوعية كان الموقف يتضمن نقداً عنيفاً للمضمون الاجتماعي للحقبة الناصرية، وعداء شديد لكافة أشكال التأميم والإصلاح الزراعي ودور الدولة في الاقتصاد. وقد تأكد هذا المضمون اليميني حين اندلعت انتفاضة يناير 1977 وبعثت المجلة برسائل تضامن مع السادات واعتبرت الانتفاضة دليلاً على مؤامرة شيوعية!

أما الموقف من الصليبية فقد تجاوز التقابل التقليدي بين الغرب المستعمر والصليبية ليتضمن هجوماً على الأقباط وتحريضاً صريحاً ضدهم. وفي عدة مقالات تناولت أحداث الفتنة الطائفية في الزاوية الحمراء عام 1981 انصبت الاتهامات على الأقباط وعلى الكنيسة القبطية:

“أقباط مصر هم أسعد الأقليات على ظهر الأرض وكل حقوقهم المادية والأدبية ميسرة بل مضاعفة .. وسارت الأمور على أفضل ما يكون إلى أن تعين السيد شنودة بطريركاً لأقباط مصر”.(16)

وحتى مسألة اليهودية، وهي الأكثر اختلاطاً في الخطاب الإسلامي عموماً مع الصهيونية، تركز الهجوم فيها على “طبيعة” اليهودي، والمؤامرة اليهودية الكبرى، والأصل اليهودي لكافة مآسي الأمة بل والعالم، فاليهود منبع الشيوعية (كارل ماركس كان يهودي) والعلمانية في منطقتنا (نظرية تأثير جماعة يهودية على أتاتورك) والصليبية (تأثير اللوبي اليهودي ورأس المال اليهودي في واشنطن).

وبالطبع ابتعدت هذه التحليلات والدعاية الغارقة في الرجعية بالقارئ تماماً عن أي أسباب حقيقية للمعاناة، فالرأسمالية وحرية السوق والتفاوت الطبقي المتزايد لم تكن تحصل إلا على إشارات عابرة. كانت مجلة كهذه بالطبع كنزاً لنظام السادات، فهي تهاجم أعدائه من اليسار والناصريين، وتشغل الرأي العام بمؤامرات وهمية، وتشعل حينما يريد نار الفتنة الطائفية، وتؤيد سياساته الاقتصادية. وظل التلمساني يؤكد دوماً مواقفه المعادية لكافة أشكال الصراع الطبقي وللمواجهة الجماهيرية مع النظام، وكل ما كان يريده من النظام هو تطبيق الشريعة الإسلامية. وقد لخص رؤيته لدور الإخوان كما يلي:

1. إننا نربي الشعب، وخاصة الشباب، على الأسس التي عز بها المسلمون وسادوا.
2. إننا نقول الحق وندعو الناس جميعاً إلى الوقوف بجانبه، ومساندته في أحلك المواقف.
3. نحن نجمع الناس في المناسبات العامة لنقول لهم ما يجب أن يفعلوه وما يجب أن يتجنبوه.
4. نحن نحذر الناس من العلمانية التي تلبس ثوب الإسلام لتباعد بين الإسلام وشباب الإسلام في ظل كلمات معسولة ومسمومة، مطعمة بألفاظ العقل والمنطق والعلم والتقدمية وحرية الفكر. (17)
5. الجماعات الإسلامية والاندماج مع الإخوان المسلمين

إلا أن مجموعة التلمساني لم تكن وحدها في ساحة العمل السياسي الإسلامي خلال السبعينات التي شهدت أيضاً النمو السريع للجماعات الإسلامية في الجامعات المصرية. في نهاية الستينات لم يكن الطلاب الإسلاميين إلا أقلية صغيرة في فعاليات الحركة الطلابية المتصاعدة. وحظيت دائماً اقتراحاتهم بإضفاء تعديلات ذات طابع أخلاقي وديني على برنامج “اللجنة الوطنية الطلابية” برفض غالبية الطلاب. حتى ذلك الوقت لم يكونوا قد نظموا أنفسهم في الجماعات الإسلامية، وظلوا يتجمعون داخل الأسر الطلابية التي سرعان ما أصبحت مراكز هامة لتجنيد الكوادر الإسلامية.

مع اندلاع الموجة الثانية من الحركة الطلابية في ديسمبر عام 1971 تحولت الأسر الإسلامية من الدور الهامشي ولكن المؤيد للحركة الطلابية إلى العداء المباشر للقيادات اليسارية للحركة. وسرعان ما أصبح واضحاً أن هناك توافق ما بين الحركة الإسلامية في الجامعة وبين نظام السادات. من جانب الجماعات أصبح الطريق لتوسيع نفوذهم هو التعاون التكتيكي مع النظام لكسر نفوذ اليسار داخل الجامعات. وكان من الطبيعي أن يرى النظام في هذه الجماعات الإسلامية فرصة لتفتيت الحركة الطلابية المتصاعدة وضرب اليسار. (18)

ولعل أبرز حلقات ذلك التعاون التكتيكي كان في محافظة أسيوط التي تعاون فيها المحافظ محمد عثمان إسماعيل وبشكل علني مع الجماعات الإسلامية في جامعة أسيوط. وقد سمح نظام السادات للجماعات بتنظيم المعسكرات الصيفية الضخمة التي لعبت دوراً هاماً في تطوير وتثقيف الكوادر الإسلامية الشابة، وكان أيضاً دعم النظام لمثل هذه المعسكرات واضحاً. فقد حضر الأمين العام للاتحاد الاشتراكي حفل ختام المعسكر الإسلامي الذي أقامه الطلاب الإسلاميون من جامعة القاهرة في صيف عام 1973 ولم يكن ذلك التكريم الرسمي استثناءاً. (19)

كان تنظيم مثل هذه المعسكرات جزءاً من تراث الإخوان المسلمين في الثلاثينات والأربعينات، ولم تقتصر بالطبع الأنشطة داخلها على الأنشطة الدينية بل شملت التدريبات الرياضية والاستماع إلى محاضرات الدعاة حول مختلف القضايا السياسية والاجتماعية. وقد انعكس ذلك النجاح في التنظيم والتجنيد داخل الانتخابات الطلابية حيث هيمنت الجماعات الإسلامية على لجنة الإعلام والنشر للاتحاد العام عام 1975 وفازت برئاسة اتحاد الطلاب في جامعة القاهرة والمنيا عام 1976 وبغالبية المقاعد في مجلس الاتحاد العام على المستوى القومي عامي 1978 و1979. وكانت انتصارات الإسلاميين كاسحة على مستوى الكليات والجامعات وعلى المستوى القومي. (20)

مع نهاية السبعينات حدثت تطورات تنظيمية شديدة الأهمية داخل الحركة الإسلامية. فخرج الجناح التكفيري المسلح من صفوف الجماعات الإسلامية الطلابية، وكونوا تنظيماتهم المسلحة المستقلة وبدئوا حربهم البائسة ضد النظام الحاكم. وعلى جانب آخر ازداد التقارب بين الجماعات الإسلامية في الجامعات ومجموعة التلمساني ومجلة الدعوة، وانتهى الأمر بدخول الجماعات جماعة الإخوان المسلمين. وقد كان ذلك تحولاً شديد الأهمية. فبالنسبة للتلمساني والقيادات القديمة للإخوان كان ذلك يمثل فرصة تاريخية لإعادة بناء قواعد الإخوان ومد الجماعة بكوادر شابة قادرة على إحياء التنظيم. وبالنسبة لقيادات الجماعات الإسلامية كانت الوحدة تمثل فرصة للارتباط بالتراث التاريخي للإخوان وخاصة تراث حسن البنا الذي انقطع طوال الخمسينات والستينات.

غيرت الوحدة التكوين الطبقي للإخوان من جديد، فلم تعد مجرد مجموعة من قدامى الإخوان والأثرياء المرتبطين بالسعودية ونظام السادات، بل عادت جماهير الطبقة الوسطى الحديثة من طلاب ومهنيين للتدفق في صفوف الجماعة. وبدأت الجماعة منذ نهاية السبعينات في إعادة بناء تشكيلاتها التنظيمية طبقاً لأساليب ومناهج حسن البنا. لكن فهم النجاح الذي حققته منذ السبعينات يحتاج إلى فهم طبيعة وعناصر المد الإسلامي.

هناك ثلاث مجالات رئيسية شكلت العامود الفقري للمد الإسلامي منذ السبعينات: المساجد الأهلية، والمؤسسات والجمعيات الخيرية الإسلامية (الخدمية والثقافية والصحية والتعليمية) والمؤسسات الرأسمالية الإسلامية (البنوك والشركات والمطابع، الخ). (21)

وقد زاد عدد المساجد الأهلية في مصر من 20 ألف عام 1970 إلى 46 ألف عام 1981. ومن هذه المساجد لم تكن وزارة الأوقاف تشرف إلا على ستة آلاف مسجد. ووصل عدد المساجد الأهلية مع بداية التسعينات إلى أكثر من 60 ألف مسجد وزاوية، وقد قدر العدد في منتصف التسعينات بـ170 ألف مسجد منها 30 ألف تحت الإشراف المباشر لوزارة الأوقاف. وقد أتاح هذا النمو السريع والواسع للمساجد المستقلة أرضية خصبة للإخوان لإعادة نشاطهم الخيري والتنظيمي وتفعيل كوادرهم خارج إطار الجامعات وتوسيع قاعدتهم الاجتماعية. (22)

ومع بداية التسعينات وصل عدد الجمعيات غير الحكومية في مصر إلى 15 ألف جمعية. حوالي ثلث هذه الجمعيات ذات طابع إسلامي. (23) بعض الجمعيات الإسلامية كانت ذات نشاطات دينية تقليدية مثل حفظ القرآن وتنظيم الحج وتوزيع الزكاة وصيانة المساجد، لكن غالبيتها تركز نشاطها على العمل الخدمي مثل المستوصفات والحضانات والمدارس ومراكز التأهيل. وكثير منها كان لها طابع محلي مقتصر على الحي أو القرية، في حين توسعت بعضها لتصبح مؤسسات على المستوى القومي بأفرع متعددة في مختلف المدن والمناطق والمحافظات.

وقد لعبت ثلاثة عوامل رئيسية دوراً في نجاح هذه الجمعيات على المستوى التمويلي. أولاً استخدام أموال الزكاة في حالة الجمعيات المرتبطة بالجوامع والمساجد. ثانياً التبرعات الوفيرة التي كانت تأتي من البنوك والشركات الإسلامية سواء لأسباب ضريبية أو دعائية. وثالثاً إعادة استثمار الأرباح من خلال تقديم الخدمات ذات الأسعار المنخفضة مثل الخدمات العلاجية والتعليمية. وكان تفعيل مثل هذه الآليات الخيرية الأسلوب الذي اتبعه الإخوان في التواصل وخلق العلاقات في الأحياء الشعبية والقرى وقد ساعد الجماعة في توسيع نفوذها في أوساط قطاعات عريضة من الجماهير.

وقد ساهمت الشركات الإسلامية بدرجة مهمة في إعادة إحياء الخطاب والنشاط الإخواني، ليس فقط شركات توظيف الأموال التي وصل رأسمالها في منتصف الثمانينات إلى 16 مليار جنيه ـ التي انهارت سريعاً دون أي تأثير يُذكر على نفوذ الإخوان ـ إنما الأهم منها كان استثمار الإخوان في مجالات النشر. فلقد تأسست عدداً من دور النشر والتوزيع الإسلامية حققت نجاحاً ضخماً مثل الدار الإسلامية ودار الوفاء والالتزام، بالإضافة إلى الصعود السريع للمجلات الإسلامية الشهرية مثل لواء الإسلام والمختار الإسلامي والاعتصام.(24)

لقد أدى النمو والانتشار السريع للمساجد الأهلية والجمعيات الخيرية الإسلامية مع التوسع الهائل في الدعاية الإسلامية المطبوعة إلى إعادة بناء تنظيم الإخوان المسلمين، أولاً من خلال خلق مجال حيوي ليس فقط للارتباط اليومي بالجماهير وإنما الأهم لتفعيل شبكة الكوادر وخلق مجال أيديولوجي مساعد للتجنيد السريع. هذا المجال الإسلامي بمساجده وجمعياته تميز بدرجة عالية من المرونة واللامركزية مما جعل قمعها أو السيطرة عليها من قبل النظام عملية شبه مستحيلة.

6) تفاقم أزمة الطبقة الوسطى الحديثة
كيف نفسر عودة قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى الحديثة إلى صفوف الإخوان؟ لقد ظهر مما سبق كيف تمكن النظام الناصري من استيعاب تلك القطاعات في الخمسينات والستينات، وأيضاً كيف بدأت منظومة الاستيعاب في الانهيار مع الأزمة الاقتصادية وحرب 1967. إلا أن أزمة تلك الطبقة تفاقمت بشكل سريع منذ السبعينات. فسياسة التعليم والتوظيف ظلت كما هي خلال السبعينات والثمانينات وظل التناقض بينها وبين الواقع الاقتصادي المأزوم في ازدياد. وقد زاد عدد المشتغلين في القطاع الحكومي بين عامي 1977 و1981 بمعدل 6.3% في حين كان النمو في إجمالي قوة العمل 2.8%. وبين عامي 1977 و1984 خلقت الدولة 55.3% من الوظائف الجديدة (70.7% إذا استثنينا العمالة خارج البلاد). وفي نفس الفترة تم إنشاء سبعة جامعات جديدة وزادت نسبة المقبولين في الجامعات من 40% من الحاصلين على الشهادة الثانوية إلى 60%. وقد زاد عدد خريجي الجامعات من 41.916 خريج عام 1975 إلى 115.744 خريج عام 1985. (25)

وخلال الفترة بين عامي 1977 و1981 كانت نسبة المعينين في وظائف حكومية من الخريجين تتجاوز 50% في حين لم تكن نسبتهم في سوق العمل تتجاوز 14%. (26) ويظهر من الجدول التالي (27) العلاقة ما بين عدد الخريجين ومعدل النمو خلال الفترة ما بين عامي 1964 و1984 باحتساب عام 1964-1965 هو سنة الأساس.

السنة عدد الخريجين النمو
1964/1965 16.268 100 (الأساس)
1969/1970 23.016 141.5
1974/1975 41.916 257.6
1979/1980 76.125 467.9
1984/1985 115.744 711.5

كان متوسط النمو السنوي للسكان بين عامي 1976 و1986: 2.55% (أكبر من 6سنوات) في حين وصل متوسط النمو السنوي لخريجين الجامعات في نفس الفترة إلى 10.69%. (28) ومع زيادة أعداد الخريجين، الذين ظل غالبيتهم يعملون في الحكومة والقطاع الخاص، ازدادت أوضاعهم الاقتصادية سوءاً. ففي خلال عقد السبعينات ورغم الانتعاش الاقتصادي النسبي الذي خلقه ارتفاع أسعار البترول، انخفضت الأجور الحقيقية للعاملين بالقطاع العام بنسبة 8% وللعاملين بالحكومة بنسبة 23%. (29) ومع انخفاض أسعار البترول وأزمة الاقتصاد المصري في الثمانينات انخفض الانفاق العام من 63.5% من إجمالي الناتج المحلي إلى 41.4% بين عامي 1982 و1989. (30)

وبالطبع كانت النتيجة المنطقية لهذه التطورات ولسياسات التحرير الاقتصادي التي تبناها نظام مبارك منذ منتصف الثمانينات حدوث زيادة هائلة في بطالة الخريجين. ففي حين زاد حجم قوة العمل بنسبة 2.2% بين عامي 1976 و1986 زاد عدد خريجين الجامعات والمعاهد بنسبة 7.4% خلال نفس الفترة. لكن هؤلاء لم يعد من الممكن توظيفهم وقد وصلت انتظار الوظائف الحكومية بالنسبة للخريجين إلى ثلاث سنوات عام 1979، ثم إلى 10سنوات عام 1985. (31) وقد زادت نسبة البطالة من 2.2% عام 1969 إلى 7.7% عام 1976 ثم إلى 12% عام 1985. وفي عام 1985 كان الخريجين يمثلون أقل من ثلث إجمالي قوة العمل وأكثر من 70% من العاطلين. وكانت نسبة العاطلين من بين خريجي المعاهد قد وصلت إلى 28.8% ومن بين خريجي الجامعات إلى 25.5% في نفس العام. (32)

هذا الجيش الهائل من المتعلمين العاطلين أو العاملين بأجور لم تعد تكفي احتياجاتهم الضرورية سرعان ما أصبح جمهوراً جاهزاً لدعوة الإخوان. فالفجوة بين تطلعاتهم وتطلعات أسرهم لحياة كريمة ومستوى معيشة متوسط ومكانة اجتماعية متميزة وبين واقع حياتهم من فقر ومديونية وبطالة جعلهم خير متلقيين لرسالة الإخوان.

ولعله يكون مفيداً في هذا المجال أن نلقي نظرة سريعة على أساليب تجنيد وتفعيل فقراء المتعلمين في صفوف الإخوان خلال الثمانينات والتسعينات. ففي المناطق العشوائية مثلاً حيث يمتزج الخريجين الفقراء بالنازحين الجدد من الريف بقطاعات البرجوازية الصغيرة التقليدية وحيث يكون نقصاً حاداً في الخدمات الصحية والتعليمية وغيره من الخدمات الجماهيرية العامة، وجد الإخوان مناخاً مناسباً للربط بين نشر الدعوة (أي الدعاية والتجنيد) والعمل الخيري (طرح الجماعة كبديل لدولة توقفت عمداً عن تقديم الخدمات). في هذه الظروف يكون الدور المركزي للدعاة هو خلق شبكات متسعة من الأعضاء والمتعاطفين.

اتخذت الدعوة ثلاثة أشكال مختلفة ومتداخلة. الشكل الأول هو الدعوة الفردية. فتواجد الكوادر في المساجد أثناء وبعد الصلاة وفي العمل الخيري وتقديم الخدمات يسمح بعملية تعارف طبيعية مع المتعاطفين والمرشحين للتجنيد. ويتم كسب العناصر الجديدة بشكل تدريجي أولاً باقناعها بدرجات متصاعدة من الالتزام الديني والأخلاقي، وثانياً بالمشاركة في نشر هذا الالتزام وسط العائلة ثم في الحي ثم في مكان العمل، وثالثاً بكسب العنصر الجديد إلى مفاهيم الإخوان حول علاقة الدين بالسياسة وحول الضرورة الدينية للعمل السياسي ـ أي ضمه إلى الإخوان.

الشكل الثاني لنشر الدعوة هو الدعوة العامة، ويشمل استخدام خطب الجمعة والدعوة للصلاة الجماعية وللارتباط اليومي بالمسجد والدروس الدينية الأسبوعية. أما الشكل الثالث فهو الدعوة المطبوعة ويستخدم هذا الشكل من خلال تأسيس مكتبات إسلامية في المساجد المستقلة تُعير الكتب والشرائط وتقوم بتوزيع واسع النطاق للكتيبات الصغيرة الشارحة للدعوة. هذه الكتيبات لا تتجاوز في أغلبها 60 صفحة وتتميز ببساطة اللغة وعرض نماذج من التاريخ الإسلامي ومن التجارب الحياتية الشخصية للكاتب. وفي مجال الكتيبات مازال هناك استخدام واسع النطاق لكتيبات حسن البنا ومنها “إلى الطلبة” و”إلى الشباب وخاصة الطلبة” وبعض خطب البنا المطبوعة.(33)

7) النقابات المهنية
كانت النقابات المهنية في مصر منذ الخمسينات تحت سيطرة شبه كاملة من قبل النظام وقد تحولت هذه النقابات على يد النظام الناصري إلى مجرد جزء من جهاز الدولة وأصبح دورها فقط تنظيم شئون المهنة. وبسبب التوسع الهائل في التعليم العالي منذ الستينات تحولت النقابات المهنية من تشكيلات نخبوية إلى مؤسسات ذات طابع جماهيري حيث وصل عدد الأعضاء ببعض النقابات إلى مئات الآلاف. وقد وصل عدد الأعضاء المقيدين بالنقابات المهنية إلى أكثر من مليوني عضو مع بداية التسعينات. وبما أن عضوية النقابات شبه إجبارية للخريجين فقد شملت ليس فقط المهنيين العاملين بل أيضاً الأعداد المتزايدة من المهنيين العاطلين. وتحولت التركيبة الطبقية للعضوية النقابية لتشمل كبار أصحاب الأعمال من مالكي الشركات الهندسية والمستشفيات الخاصة والمكاتب الاستشارية والقانونية وسلاسل الصيدليات إلى جانب القطاع الأوسع من المهنيين العاملين بالحكومة والقطاع العام والدرجات الأدنى في القطاع الخاص، بالإضافة إلى الخريجين العاطلين أو المضطرين لمزاولة عمل مأجور خارج إطار المهنة.

وقد زادت عضوية النقابات المهنية بشكل سريع منذ السبعينات بمعدل 10% سنوياً وهو انعكاس مباشر للتوسع التعليمي. وبالطبع ليس كل من هو مقيد في النقابات المهنية عضو نشط بمعنى قيامه بدفع الاشتراكات ليصبح له بالتالي الحق في التصويت. وقد تراوحت نسبة العضوية النشطة في أوائل التسعينات بين نصف وثلثي العضوية المقيدة. ومن الملاحظ أن أكثر من نصف الأعضاء النشطين في هذه النقابات من الشباب حديثي التخرج.

وقد مثلت النقابات المهنية موقعاً مثالياً للإخوان المسلمين منذ الثمانينات. فمن جانب كان العمل بالنقابات التطور الطبيعي للنجاح الذي حققوه سابقاً في الجامعات. فالخريجين الذين تم كسبهم في الجامعة سرعان ما وجدوا في النقابات المهنية مجالاً خصباً لاستثمار خبرتهم السياسية والتعبوية. والطبيعة الطبقية المتناقضة لعضوية تلك النقابات كانت تتماشى مع وسطية الاخوان ومفاهيمهم الطبقية التوافقية.

ومن جانب النظام فكان السماح للإخوان بالنشاط داخل النقابات المهنية يشكل مخرجاً من عدة مشكلات. أولاً كانت صعوبة المواجهات مع الحركات الاسلامية المسلحة تستدعي درجة من المرونة مع الإخوان الرافضين للعمل المسلح والمهادنين بشكل عام. وثانياً كان تصور النظام أن دخول الإخوان العمل النقابي المهني سيساعد على استيعابهم والسيطرة عليهم.

شارك الإخوان في انتخابات نقابة الأطباء عام 1984 وخلال عامين أصبح لهم قوائم في انتخابات نقابات المهندسين وأطباء الأسنان والزراعيين والصيادلة والصحفيين والتجاريين والمحاميين. (34) وقد حصل الإخوان في نقابة الأطباء على سبعة مقاعد من ضمن 25 مقعد يشكلون مجلس النقابة عام 1984. بعدها توسع نفوذهم في نقابة الأطباء خلال السنوات الست التالية بصورة مذهلة حيث وصل عدد الإخوان في مجلس النقابة عام 1990 إلى 20 مقعد. ويوضح الجدول التالي تطور وضع الإخوان في نقابة الأطباء بين عامي 1984 و1990. (35)

العام العضوية المسجلة إجمالي الأصوات التيار الإسلامي
1984 60.000 12.600 5000 (40%)
1986 70.000 11.800 6000 (51%)
1988 80.000 19.100 12000 (63%)
1991 90.000 21.000 15000 (71%)

وقد شارك الإخوان في نقابة المهندسين منذ عام 1985. وفي 1987 فاز الإخوان بـ45 مقعد من ضمن 61 مقعد في مجلس النقابة. وقد سيطر الإخوان على واحدة تلو الأخرى من النقابات المهنية حتى توجت تلك الإنتصارات في انتخابات نقابة المحاميين، معقل النشاط السياسي الوطني عام 1992 حيث حققوا فوزاً ساحقاً. (36)

8) الإخوان ونظام مبارك
كان موقف نظام مبارك من الإخوان خلال الثمانينات معتمداً على التوازن بين عدة أهداف. الهدف الأول هو محاولة استخدام الإخوان كبديل مسالم وإصلاحي للجماعات الراديكالية التي كانت تشن ضد النظام حرباً شرسة. والهدف الثاني كان محاولة خلق صمام أمان للنظام من خلال إعطاء بعض حرية الحركة للإخوان في النقابات المهنية والجامعات والعمل الخيري دون أن يصل ذلك إلى تهديد النظام. لكن النجاحات المتتالية للإخوان في الانتخابات الطلابية والنقابية والبرلمانية والمواجهة الدموية مع الحركات الجهادية في بداية التسعينات والنهاية الدموية الخطيرة للانتخابات الجزائرية، كل تلك العوامل دفعت النظام في منتصف التسعينات إلى شن حملة قمعية جديدة ضد الإخوان.

لكن ما مهد أيضاً لتغيير موقف النظام من الجماعة هو التغييرات التي طرأت على مواقف وتكتيكات الجماعة. ففي عام 1990 قاطع الإخوان الانتخابات التشريعية مع باقي قوى المعارضة (طبعاً باستثناء حزب التجمع الذي شارك بحماس). وقد اتخذت الجماعة موقفاً مناهضاً للحرب على العراق ولمشاركة الجيش المصري فيها، وهو ما كلفها علاقاتها السابقة مع النظام السعودي وانشقاق إخوان الكويت. ومع التوقيع على اتفاقات مدريد شنت الجماعة حملة منظمة ضد الاتفاقيات وضد الأنظمة المشاركة فيها بما فيها نظام مبارك.

وقد كان مثل ذلك التصعيد إشارة لاتجاه قد بدأ في التبلور داخل أوساط قادة الجماعة. كان النظام يريد من الجماعة، كما كان الحال في السبعينات وبداية الثمانينات، أن تبقى في إطار الدعوة المحدودة والتركيز على القضايا الأخلاقية وعلى تطبيق الشريعة الإسلامية، وهو ما كان يريده أيضاً البعض من القيادات القديمة والمحافظة في الجماعة. إلا أن الجماعة كانت قد شهدت كما رأينا تغييرات هامة في بنيتها التنظيمية وقواعدها الجماهيرية ولم يصبح ممكناً الحفاظ على تلك القواعد دون التطرق للقضايا السياسية الكبرى ودون أخذ مواقف نقدية من النظام.

لكن التحول حدث وما زال يحدث بشكل تدريجي، فهناك مقاومة من الأجنحة المحافظة داخل الجماعة وهناك من الجانب الآخر تعجلاً من الشباب الغاضب حديث الصلة بها. وبين هذا وذاك تدير القيادة الحالية للجماعة تلك السفينة الضخمة المليئة بالتناقضات. فنجدها أحياناً تتجه للتصعيد ولتقديم أنفسهم كبديل سياسي مباشر للنظام وأحياناً أخرى نجدهم يهادنون النظام ويتراجعون عن مواقفهم السابقة.

9) تناقضات برنامج الإخوان
يركز غالبية منتقدي الإخوان من اليساريين والليبراليين في تناولهم لبرامج الجماعة على مسألتين أساسيتين: مسألة الدولة الدينية وما تعنيه بالنسبة للديمقراطية البرلمانية، ومسألة الموقف من الأقباط والمرأة. هذه بالطبع مسائل بالغة الأهمية لكن لا يمكن فهم المضمون الطبقي لبرامج الإخوان دون التطرق لموقف الجماعة من قضيتين أساسيتين هما الموقف من الإمبريالية والصهيونية والموقف من الاقتصاد الرأسمالي وسياسات الليبرالية الجديدة. فالساحة السياسية مليئة باتجاهات تنادي بالدولة المدنية والديمقراطية البرلمانية والمساواة الكاملة للمرأة والأقباط ولكنها تنادي أيضاً بقبول التطبيع مع الكيان الصهيوني والاندماج في المعسكر الأمريكي وتبني سياسات الليبرالية الجديدة. ومن أخطاء اليسار التاريخية التحالف مع هؤلاء بحجة الدفاع عن العلمانية والدولة المدنية وهو موقف يدفعهم في نهاية الأمر وحتى إن كان ذلك ضمنياً وليس علنياً للاصطفاف في معسكر النظام المصري والإمبريالية الأمريكية.

يجب مثلاً أن ينتقد اليسار بحدة ووضوح مواقف الإخوان من قضية الأقباط وأن يناضل بشجاعة ضد كافة أشكال التمييز ضدهم سواء تلك التي يعاني منها الأقباط في ظل النظام الحالي أو تلك التي ينادي بها الإخوان في برامجهم. لكن عندما ينفصل ذلك النضال عن مضمونه الطبقي وعن النضال ضد الإمبريالية يتحول الأمر إلى شعارات مجردة لا تتميز عن تلك التي تنادي بها الإدارة الأمريكية واليمين الليبرالي ويكون المستفيد الأول من ذلك الإخوان المسلمين الذين يربطون أمام جماهيرهم بين شعارات المساواة وبين المخططات الاستعمارية الأمريكية في المنطقة.

إذن فالقراءة النقدية لبرامج الإخوان يجب أن تبدأ ليس من الهجوم على موقفهم الرجعي من المرأة والأقباط أو موقفهم من الدولة المدنية ولكن من أطروحاتهم حول الموقف من الإمبريالية والرأسمالية الليبرالية الجديدة. هل يطرح الإخوان رؤية عملية لمواجهة الهجمة الإمبريالية والصهيونية في منطقتنا؟ وهل يطرحون مخرجاً من السياسات الاقتصادية التي تجوع وتشرد الملايين من الفقراء في مصر؟
في المبادرة التي طرحها المرشد عام 2004 سنجد عرضاً برنامجياً لمواقف وسياسات الجماعة في الفترة الحالية تجاه مختلف القضايا الخارجية والداخلية. تطرح المبادرة مثلاً أن الهجمة الأمريكية الحالية “تهدف في المقام الأول والأخير لاستمرار هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية وسيطرتها على ثروات ومقدرات المنطقة، وتفوق الكيان الصهيوني المغتصب لأرض فلسطين”. (37) وهذا الموقف لن يختلف اليسار حوله ولكن عندما نقرأ السياسات التي تقترحها المبادرة لمواجهة هذه الهجمة نكتشف على الفور موقفاً مهادناً لا يطرح أي تغيير حقيقي فالمقترحات العملية للمبادرة تشمل: “دعم الجامعة العربية وتفعيلها، وتفعيل آليات العمل العربي، مثل: الدفاع العربي المشترك والسوق العربية المشتركة والوحدة الاقتصادية”. لكن الجامعة العربية والأنظمة التي تمثلها غارقة في التبعية والعمالة للإمبريالية الأمريكية والوحدة الاقتصادية التي تنادي بها المبادرة ليست في الواقع سوى الوحدة بين الطبقات الحاكمة وتحت الوصاية الأمريكية. وإذا كان الإخوان يقصدون وحدة من نوع آخر فلماذا لا يطرحون ذلك؟

تطرح المبادرة تأكيداً على الالتزام بما يسمى الشرعية الدولية ومنظماتها:

“ترتبط مصر بدول العالم بروابط عديدة، كما أنها عضو في الأسرة الدولية والمنظمات الدولية، وهي من ثم تسعى لتأكيد الشرعية الدولية”. (38)

ولكن أليست هذه الشرعية والمنظمات التي تحمي الكيان الصهيوني ولا تخدم سوى مصالح الدول الإمبريالية الكبرى؟ تكتفي المبادرة بإضافة مطلبها بـ “خروج المنظمات الدولية من وصاية القوى الكبرى” ولكنها لا تطرح كيف يمكن تحقيق ذلك بل أن مطلب كهذا تردده كثير من الأنظمة العربية رغم عمالتها التامة لنفس هذه القوى الكبرى.

وعلى المستوى الداخلي تحدد المبادرة أسباب الأزمة التي تعاني منها مصر بأنها: “الثالوث المدمِر لهذه الأمة من جمود سياسي، وفساد، وظلم اجتماعي، وتخلف علمي وتقني، يهدد مصر الآن في أمنها الوطني، ومكانتها القومية، وريادتها الإسلامية، ودورها العالمي”. (39) لكن ما تطرحه المبادرة من حلول على المستوى الاقتصادي والاجتماعي لن يؤدي إلا لمزيد من الجمود والفساد والظلم والتخلف. وهنا يظهر بوضوح التناقضات الطبقية في خطاب الإخوان فتقول المبادرة:

“فنحن نعمل على تشجيع القطاع الخاص، وذلك من خلال برنامج مدروس للخصخصة، يتسم بتقييم عادل للمشروعات العامة موضع الخصخصة، وشفافية كاملة عنه، مع الحفاظ على الحقوق الكاملة للعمال”. (40)

لكن كيف يمكن الدفاع عن الخصخصة التي تعني قبل كل شيء تكثيف استغلال العمال وتشريد قطاعات واسعة منهم، وهو ما يطرحه المستثمرون كشروط لشراء الشركات العامة وفي ذات الوقت الحديث عن حقوق العمال؟

وتؤكد المبادرة على ذلك الخطاب التقليدي المتناقض للإخوان من مسألة الملكية الخاصة:
“نحن نؤمن بالنظام الاقتصادي، الذي ينبثق من إسلامنا كدين ونظامِ حياةٍ شامل وكامل، يؤكد على حرية النشاط الاقتصادي، وعلى دور الفرد في هذا النشاط، محترمًا للملكية المتعددة، والتي تشمل كأساس الملكية الخاصة، شريطة قيامها بوظيفتها الاجتماعية، وملكية الدولة بالنسبة للمرافق العامة، والمنشآت الحيوية”. (41)

ولا توضح المبادرة طبيعة تلك الوظيفة الاجتماعية للملكية الخاصة ولا تحدد ما هي المنشئات الحيوية التي يجب أن تمتلكها الدولة. هل تشمل مثلاً صناعات الحديد والصلب والألومونيوم والغزل والنسيج والبنوك الكبرى؟ وهل يجب إعادة تأميم ما تم خصخصته من المرافق العامة والمنشئآت الحيوية؟
وفي مجال تحرير التجارة نجد نفس تلك التناقضات:

“نعتمد تحرير التجارة والانفتاح أسلوباً رئيسياً لعلاقاتنا مع الدول الأخرى، في ظل الاعتماد المتبادل، وثورة المعلومات والاتصالات؛ ولكننا ضد الهيمنة والتبعية التي تهدف إليها حركة العولمة المعاصرة، ومن ثم سوف نعمل على تعظيم إيجابيات اتفاقية (الجات)، و(منظمة التجارة العالمية)، والحد من سلبيات هذه الاتفاقيات”. (42)

كيف يمكن الفصل بين حرية التجارة العالمية التي يدافع عنها الإخوان والهيمنة والتبعية التي يعارضونها؟ وما هي القوة التي سيعتمدون عليها لتحقيق حتى ذلك المطلب الشديد التواضع وهو مجرد الحد من سلبيات الاتفاقات التجارية؟ أليست هذه الاتفاقات انعكاساً لتوازن القوى الاقتصادية وهيمنة الدول الرأسمالية الكبرى على الاقتصاد العالمي؟

المبادرة مليئة بمقترحات لحل مشاكل التعليم والفقر والصحة وهي كلها مقترحات لن يختلف حولها أحداً، كتوفير السكن والغذاء والخدمات والرعاية الصحية والخدمات التعليمية الجادة والمجانية. لكن كيف ستمول كل هذه الإصلاحات العظيمة؟ هل بزيادة الضرائب على الأغنياء مثلاً؟ ليس في مبادرة الإخوان شيئاً عن هذا بل أن المبادرة تؤيد تخفيض الضرائب على المستثمرين لتشجيع الاستثمار. ونجد كافة مقترحات المبادرة مثل رفع نسبة الأموال المخصصة للتعليم وللبحث العلمي وتوفير الإمكانات العلمية اللازمة مثلاً. تطرح هكذا دون تحديد لكيفية التمويل. ولذا تظل المقترحات لها تلك الصفة المتناقضة والمثالية. فهي مقترحات تبدو جذابة لقطاعات واسعة من الجماهير ومن الطبقة الوسطى دون أن تكون مزعجة للبرجوازية والمستثمرين. محاولة إرضاء جميع الأطراف في المعادلة الاجتماعية هي سمة دائمة في خطاب الإخوان وتعبر بحق عن طبقة التناقضات ـ الطبقة الوسطى الحديثة.

وحتى عندما نقرأ التحليلات الأكثر عمقاً لمفكري الإخوان المعاصرين حول القضايا الاقتصادية نجد نفس تلك التناقضات والرؤى الوسطية الإصلاحية التي يغلب عليها التصورات الأخلاقية. ففي مقال لعبد الحميد الغزالي حول المنهج الإسلامي في التنمية يطرح أن

“جاء الإسلام ونظامه الاقتصادي ومنهجه في التنمية حربًا حقيقية ومستمرة وناجحة على كل صور الظلم الاقتصادي ـ أي الاستغلال ـ من خلال: تحريم صريح وقاطع للربا والغرر، والاحتكار والاكتناز، والإسراف والتقتير، والتطفيف والبخس، والغش والتدليس، والرشوة والمحسوبية .. إلى آخر كل صور أكل أموال الناس بالباطل، وكل صور الممارسات الخاطئة في النشاط الاقتصادي إنتاجاً وتوزيعًا واستهلاكًا”. (43)
إذن يجب محاربة الظلم الاجتماعي، لكن حين يتناول الكاتب سؤال كيف؟ نجده يكتفي بمبادئ أخلاقية عامة بلا الاقتراب من جوهر الاستغلال الرأسمالي.

ويعيد الكاتب تكرار الطرح الإخواني التقليدي بأن الإسلام يقدم بديلاً للرأسمالية وما سمي بالاشتراكية كنماذج للتنمية الاقتصادية: “ولقد عرفت البشرية وضعياً ـ بعد تجارب طويلة عبر تاريخها ـ نظامين اقتصاديين رأسماليين ماديين: الأول، يتسم بمادية رأسمالية من نوع خاص؛ وهي رأسمالية “الطبقة”، ومن ثم انقسم المجتمع إلى طبقتين: الرأسماليين أو أصحاب الأعمال والعمال. والثاني: يتصف بمادية رأسمالية أيضاً من نوع خاص؛ وهي رأسمالية “الدولة” ومن ثم انقسم المجتمع إلى فريقين: الدولة الآمرة وحزبها المسيطر، والعمال؛ وهم جموع الشعب”. (44)

وبالنسبة للكاتب فالحل يكمن في الإسلام الذي يتجاوز النظم الطبقية المادية ويعود للإنسان. هذه الإنسانية الإسلامية يفترض أنها لا تعبر عن طبقة اجتماعية محددة. وأمام الفشل الذي منيت به نماذج الغرب والشرق يأتي الإسلام بإنسانه الأخلاقي المثالي المجرد من تعريف طبقي. ولكن تجاوز التعريف الطبقي على مستوى الأفكار لا يتجاوز القهر الطبقي في الواقع المعاش.

سنجد أيضاً قضية اقتصادية محورية في الخطاب الإخواني هي قضية الربا. وعادة ما يتم نقد موقف الإخوان من الربا وشكلها المعاصر في الفوائد المصرفية على أنه مجرد موقف رجعي من العصور الوسطى لا يتماشى مع النظم الاقتصادية المعاصرة. ولكن هذا النقد يتجاهل مثلاً التأثير المدمر للقروض البنكية ذات الفوائد العالية على قطاعات واسعة من الفلاحين وبالتالي يتجاهل تأثير الخطاب الإسلامي حول الربا على مثل هذه القطاعات.

في دراسة نشرت في موقع الإخوان الإلكتروني تحت عنوان “الربا .. رؤية اقتصادية لآثاره السلبية” يطرح الباحث ثلاثة أمثلة للتأثير المدمر للفوائد البنكية. المثل الأول يعبر بصدق عن دفاع الإخوان عن الطبقة الوسطى وظلم الشركات الكبرى والاحتكارية فيطرح الباحث:

“فالمشروعات الكبيرة تحصل على قروض أكبر وبسعر فائدة أقل، على عكس المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي قد تكون ذات إنتاجية عالية، وهنا تنشأ مفارقة غريبة، فالمنشأة والمشروع الكبير القادر على تحمل عبء الربا يحمل عبئاً أقل من المشروع الصغير والمتوسط، ولعل هذا هو أحد أسباب نمو المنشآت الكبيرة واختناق المشروعات الصغيرة، وتعزيز الاحتكارية”. (45)

ويمكن أن نفهم تأثير تلك الدعاية السياسية في مصر المعاصرة التي يقترض كبار الرأسماليين فيها مئات الملايين من البنوك بشروط ميسرة، بينما ينهار المقترض الصغير صاحب الدكان أو السيارة الأجرة تحت وطأة الديون وفوائدها.

المثال الثاني الذي يقدمه الباحث هو مأساة الائتمان الزراعي:

“وتعطي تجربة بنك الائتمان الزراعي في مصر ـ ومأساة الفيضانات في بنجلاديش ـ نموذجاً سيئاً في استنزاف البسطاء، ففي بنك الائتمان الزراعي قام البنك بتوسيع حجم القروض الربوية التي يمنحها للفلاحين البسطاء دون أن يحصلوا على أية إرشادات أو توجيهات حقيقية في كيفية الاستفادة من هذا القرض، وكانت نسبة الربا على هذا القرض 13% أضيفت إليه مصاريف إدارية ورسوم وتأمينات حتى انتهى الربا إلى 17% على القرض، وعجز الفلاحون عن السداد؛ لأنهم استخدموا القروض في الجانب الاستهلاكي والبناء على الأرض الزراعية، وأمام إصرار البنك على تحصيل أمواله التي زادت على 1.3 مليار دولار بدأت عمليات جدولة للديون على عشر سنوات، إلا أنها كانت في حقيقتها تعظيم لهذا الدين، فالفلاح المدين بمائة ألف جنيه سوف يردها بعد هذه السنوات 175 ألف جنيه بعد الجدولة. ثم ابتكر البنك أسلوباً جديداً فريداً آخر لتسديد هذه الديون بمنح الفلاحين قروضاً جديدة لتسديد القروض القديمة، وبفوائد ربوية أعلى ومصاريف أخرى وتأمينات، فأثقل كاهل الفلاح الذي وجد أبواب السجون أمامه، والحجز على أرضه ومواشيه خلفه، فبيعت أراضي وحيوانات بثمن بخس”. (46)

هكذا يتحول الرفض الأخلاقي والديني للربا إلى فهم عميق ومعاصر للتأثيرات الكارثية للفوائد البنكية على الفلاحين الصغار والمتوسطين وتصبح جاذبية الخطاب الإخواني لهؤلاء ليست مجرد جاذبية الأفكار الأخلاقية المحافظة بل جاذبية من يفهم معاناتهم الواقعية حتى إن لم يكن يقدم أي بدائل عملية تحررهم من قيود النظام المالي الرأسمالي الحديث.

والمثال الثالث والأخير الذي يقدمه الباحث هو ما يحدث عند اقتراض دول العالم الثالث الفقيرة من الدول الصناعية الكبرى ومؤسساتها المالية:

“وكانت بعض المؤسسات المالية والدول الدائنة تؤجل سداد الدين الأصلي في حين تحصل الفائدة على هذا الدين، وعندما تصل بعض الدول إلى حافة الإفلاس فإن هذه المؤسسات تقرضها لتمكينها من سداد متأخراتها من فوائد الدين القديمة؛ حتى تتجنب الإعسار المؤقت، ومن ثم فإن القروض الجديدة تستخدم لسداد خدمات ديون قديمة، وليس لسداد الدين الأصلي، وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى سرعة استيلاء الدائنين الدوليين على الدين الجديد، ويبقي الدول المدينة في حال من الاستغلال الدائم يعرض قرارها السياسي للتأثيرات والضغوط الخارجية، ويمنع هذه الدول من إتباع سياسة قومية مستقلة”.(47)

إذن نحن أمام خطاب لا يكتفي بالعودة إلى القرآن والسنة لإثبات أن الربا بكافة أشكالها حرام بل يوضح كيف يؤدي النظام الائتماني الرأسمالي الحديث إلى إفقار دول العالم الثالث وإفقادهم للاستقلال، وتشريد الفلاحين المتوسطين والصغار تحت وطأة الديون وفوائدها الباهظة، وإفلاس المشاريع الصغيرة وهيمنة الشركات الاحتكارية الكبرى.

لكن في المقابل لا يطرح هذا الخطاب ضرورة إلغاء ديون العالم الثالث أو رفض تسديدها، ولا إلغاء ديون الفلاحين وإقراضهم دون فوائد، ولا يطرح تصوراً بديلاً لنظام مالي يمنع الاحتكار والظلم والاستغلال. وعندما هلل الإخوان لشركات توظيف الأموال كبديل لنظام الفوائد البنكية سرعان ما اتضح كيف اعتمدت تلك الشركات على المضاربة في البورصات العالمية وأسواق الذهب وسرعان ما انهارت وأخذت معها مدخرات الملايين.

لليسار الثوري تراثاً عريقاً في النضال ضد الرأسمالية المالية وضد قروضها التي تفرضها على صغار الفلاحين بفوائد مدمرة، ولكن أين نضال اليسار المصري اليوم لإسقاط ديون الفلاحين؟ أليس هذا الطريق الأجدى لكسب الجماهير بعيداً عن الخطاب الإخواني؟

لعل أهم تناقض في برامج الإخوان يكمن بين طرحهم الوطني المعادي للهيمنة الأمريكية والصهيونية وطرحهم الاقتصادي الذي يتوافق مع برامج الإدارة الأمريكية والمؤسسات الاقتصادية التابعة لها. فالخصخصة وتحرير التجارة ومجمل السياسات الليبرالية الجديدة التي يتبناها الإخوان هي جزء أصيل من الهجمة الأمريكية على المنطقة التي يعاديها الخطاب الإخواني. كيف يمكن الحديث عن ضرورة الاستقلال الوطني والوقوف في وجه الهيمنة الأمريكية والقبول في ذات الوقت بالسياسات الاقتصادية التي تفرضها تلك الهيمنة بل وتعمقها؟

كيف يمكن للإخوان أن يجذبوا الآلاف من الشباب من الطلاب والخريجين الفقراء ثم يتبنوا سياسات لا يمكن إلا أن تعمق من الأزمة التي يعانني منها هؤلاء الشباب؟

هذا التناقض لا يمكن التعامل معه وكأنه مجرد نتيجة لانتهازية قيادات الإخوان أو خداعهم لقواعدهم وجماهيرهم. فالتناقض في الخطاب يعكس تناقضات البنية الطبقية لحركة الإخوان ونجاحهم في جذب الملايين من الشباب رغم تلك التناقضات. هو أيضاً في واقع الأمر نتيجة لغياب اليسار المناضل القادر على طرح برنامج طبقي يربط بين القضايا الوطنية والقضايا الاقتصادية والاجتماعية وبالتالي يطرح بديلاً ملموساً أمام تلك القطاعات من الفقراء التي يجذبها اليوم الخطاب الإخواني رغم تناقضاته.

« السابق التالي »