بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإخوان المسلمون – رؤية اشتراكية

« السابق التالي »

4- استنتاجات

لقد ارتكب اليسار المصري أخطاء فادحة في تحليله وتعامله مع جماعة الإخوان المسلمين. فقد اتخذ موقفاً يعتبرها حركة رجعية ظلامية تعادي الحداثة والديمقراطية. ووفق هذا التحليل فهي حركة معادية للجماهير وتخدم بشكل مباشر وكامل مصالح أكثر قطاعات البرجوازية رجعية ويمينية. وكان الاستنتاج العملي لهذا التحليل هو ضرورة محاربة هذه الحركة ومنع وصولها للسلطة حتى وإن كان ذلك بالتحالف مع السلطة البرجوازية في مواجهتها. وقد حاولنا في هذا الكراس الصغير أن نقدم قراءة بديلة تظهر الطبيعة المعقدة والمتناقضة والمتغيرة للإخوان في سياق تطورها التاريخي وتفاعلاتها السياسية والاجتماعية.

فظهور الإخوان في النصف الأول من القرن العشرين كان نتاجاً لتناقضات التطور الرأسمالي التي خلقت طبقة وسطى حديثة مأزومة مرتبطة أخلاقياً بجذورها الريفية وعملياً بعالم المدينة الرأسمالية بصراعاته وتناقضاته. وقد استطاع حسن البنا أن ينظم صفوف تلك الطبقة وأن يجعل جماعته منبراً للتعبير عن تطلعاتها الطوباوية.

ولأن الخطاب الذي بلوره البنا كان خطاباً دينياً مثالياً فقد كان يجذب للجماعة ليس فقط الطبقة الوسطى الحديثة والتي شكلت العمود الفقري للجماعة بل أيضاً قطاعات من الأغنياء الذين جذبتهم الشعارات الدينية المحافظة وقطاعات من الفقراء الذين رأوا في شعارات الجماعة المبهمة حول العدالة الاجتماعية ومحاربة الظلم والفساد خلاصاً من معاناتهم.

ولم يكن باستطاعة الإخوان أن يصبح لهم ذلك النفوذ الجماهيري الهائل دون أخطاء اليسار التاريخية في الأربعينات حيث أدت تبعيته للاتحاد السوفيتي إلى تبني استراتيجية الثورة الوطنية الديمقراطية، التي أدت في نهاية المطاف إلى تذيل حزب الوفد والتخلي عن استقلالية وقيادية الطبقة العاملة.

وخلال الفترة الناصرية استطاع النظام بمزيج من القمع والاستيعاب من سحب البساط من تحت أقدام الإخوان، فقد مكنته سياساته الاقتصادية من دمج الطبقة الوسطى الحديثة في مشروع رأسمالية الدولة. لكن فشل تلك التجربة وكارثة حرب 1967 وغياب اليسار الذي باع نفسه للنظام بحله الحزب الشيوعي جعل الأرض ممهدة لعودة الإخوان.

وقد كانت السبعينات فترة انتقالية بالنسبة لتطور الإخوان فقد خرجت القيادات القديمة من المعتقلات وهي فاقدة لأية علاقة بقواعدها الاجتماعية ولم يبقى لها سوى الارتباط بكوادر أمضت الفترة الناصرية في الخليج وكونت ثروات ضخمة مما دفع بخطاب ومواقف الإخوان إلى أقصى اليمين. لكن مع النمو السريع للجماعات الإسلامية في الجامعات ودخول تلك الجماعات في صفوف الإخوان تغيرت التركيبة الطبقية للجماعة وعادت بالتدريج لمنهج حسن البنا في البناء التنظيمي.

وقد اعتمد النمو الواسع النطاق للجماعة خلال الثمانينات والتسعينات على عدة عوامل أهمها تفاقم أزمة خريجي الجامعات والمعاهد وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية وغيرها في المناطق الشعبية. ومن خلال العمل الدءوب في الجامعات والنقابات المهنية والعمل الخيري وتقديم الخدمات في المناطق الشعبية استطاع الإخوان من إعادة بناء شبكة كوادرهم وجذورهم الاجتماعية. وكلما تحول النظام إلى الليبرالية الجديدة وتخلت الدولة عن دورها في تقديم الخدمات كلما استطاع الإخوان ملء الفراغ وتوسيع نفوذهم.

وما من شك أن غياب اليسار خلال التسعينات قد ترك المجال مفتوحاً أمام نمو الإخوان سواء كان ذلك الغياب بسبب انهيار الاتحاد السوفيتي الذي كان يعتبره غالبية فصائل اليسار نموذجاً وقدوة بل ومصدراً للتعليمات والتمويل في بعض الحالات، أو بسبب تذيل النظام بحجة خطورة المد الإسلامي.

كان الموقف الذي اتخذته غالبية فصائل اليسار من الحركة الإسلامية بمثابة انتحار سياسي فالتحالف مع الدولة قد أفقد هؤلاء لأية مصداقية لدى الجماهير ولعل النتائج التي حققها حزب التجمع في الانتخابات الأخيرة هي أكبر دليل على ذلك. لكن رفض التحالف مع النظام ورفض اعتبار الإخوان كتلة رجعية مصمتة لا يعني على الإطلاق الارتماء في أحضانهم فقد رأينا ما حدث حين تحالف الحزب الشيوعي الإيراني مع الخوميني بحجة أنه يقود النضال في مواجهة الإمبريالية وكانت النتيجة مذبحة للشيوعيين ومذبحة للطبقة العاملة الإيرانية.

فيجب أن يكون هدف اليسار المناضل في مصر اليوم هو بناء بديل اشتراكي مستقل لا يرمي نفسه في خندق النظام ولا يرمي نفسه أيضاً في خندق الإسلاميين. لكن الاستقلال لا يأتي من خلال المواقف السلبية تجاه المعارك الدائرة. فعندما تكون المعركة بين الإخوان والنظام حول المطالب الديمقراطية مثلاً كإلغاء قانون الطوارئ أو استقلال القضاء أو حول مطالب ضد الفساد كالمطالبة بالتحقيق في حادث العبارة، في حالات كهذه سيكون من الغباء الشديد لليسار أن يتخذ موقفاً محايداً بحجة الاستقلال أو أن يؤسس حملاته المستقلة النقية والصغيرة والهامشية بطبيعة الحال بحجة عدم الدخول في عمل مشترك مع الإخوان.

في مثل تلك الحالات على اليسار المناضل أن يدخل في عمل مشترك مع الإخوان. ولكن هذا العمل المشترك لا يجعلنا نتوقف للحظة عن نقد مواقف الإخوان عندما يهادنون من جديد أو عندما يحرفون مسار المعركة نحو قضايا أخلاقية ورجعية. والعمل المشترك لا يجعلنا نتنازل ولو للحظة واحدة عن رايتنا المستقلة.

إن منافسة الإخوان واستعادة الوجود لليسار المناضل في صفوف الجماهير لن يحدث إلا من خلال النضال الطبقي في أوساط العمال والفلاحين الفقراء. والبديل اليساري المستقل عليه إقناع الجماهير، عبر الممارسة الملموسة حول مصالحها الطبقية وليس الدعاية المجردة حول العلمانية والدولة المدنية، أن مصالحها ليست مع الإخوان المسلمين بل مع الاشتراكية. وأن نثبت عملياً أننا الأكثر جذرية في النضال ضد الإمبريالية والصهيونية والأكثر صلابة واتساقاً في مواجهة الاستبداد.

لقد أفقدتنا أخطاء اليسار الاستراتيجية الفادحة الكثير من الوقت والكثير من الجذور الجماهيرية. وقد ساعدت هذه الأخطاء على خلق الفراغ السياسي الذي مكن الإخوان من توسيع نفوذهم وفرض أنفسهم بصفتهم قوة المعارضة الأساسية في مصر. لكن هذا الوضع قابل للتغيير سريعاً إذا ما تمكن اليسار المناضل من بلورة الاستراتيجيات والتكتيكات الصحيحة. فالتصاعد القادم في الصراع الطبقي سيخلق مساحات جديدة لزرع جذور قوية لليسار تمكنه من النمو وتوسيع نفوذه. إلا أن اليسار لن يتمكن من تحقيق شيء طالما ظل حبيساً لمواقف خاطئة لم يجني منها سوى العزلة والتهميش.

« السابق التالي »