بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الأناركية – رؤية نقدية من المنظور الماركسي

« السابق التالي »

2. مقدمة الكاتب

اندلعت أثناء كتابتي لهذه الكراسة الثورة التونسية والمصرية في شتاء 2010\2011 تبعتها معارك ملحمية تستمر في ليبيا والبحرين واليمن وسوريا وأنا أكتب. وإذ تربطني علاقة قديمة باليسار المصري كان من الطبيعي أن تشتت الأحداث انتباهي عن نقد الأناركية لبعض الوقت إلا أن سريعًا ما تلاها تطورات زادت من أهمية وضرورة هذا النقد وأشير هنا إلى حركة احتلال الميادين في أسبانيا.

احتل آلاف الأسبان في 15 مايو2011 ساحة بويرتا ديل سول، الميدان الرئيسي في مدريد، مستلهمين ميدان التحرير وذلك أسبوع قبل بدء الانتخابات المحلية على مستوى البلاد، احتجاجًا على البطالة وأزمة السكن والنظام السياسي الفاسد بأكمله. وقد أطلقوا على أنفسهم لوس إنديجنيادوس أو الغاضبون وشجبوا التيارات الرئيسية من الساسة والأحزاب. كان شعارهم “إنهم لا يمثلوننا” وطالبوا بـ”ديمقراطية حقيقية الآن!”. وفي ظرف أيام كانت هذه الاعتصامات أو المخيمات قد انتشرت في 100 مدينة في أنحاء البلاد بل وأيضًا في ساحة كاتالونيا المحورية ببرشلونا. وانضمت جماعات أسبانية على بُعد يماثل المسافة بين بروكسل ودابلن في احتجاجات تضامنية. وفي 19 من يونيو تظاهر ما يقرب من مليون شخص، منهم 250 ألف في برشلونة، تضامنا مع الغاضبون. وما إلى ذلك ففي 25 مايو أقيم مخيمًا مشابهًا في ساحة سينتاجما بأثينا كمركز لاحتجاجات جماهيرية وإضرابات عامة متواصلة ضد التدابير التقشفية القاسية التي يفرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي على الشعب اليوناني.

اتسمت هذه الحركة بشكل عام بالشبابية والسلمية وكانت شديدة الحيوية والحماس، كما تأثرت بأشكال كثيرة من الأناركية أو على الأقل بأفكارها فقد اعتمدت أسلوب الديمقراطية المباشرة في اتخاذ القرارات في جمعياتها العامة ومنعت كل الأحزاب السياسية براياتها وأعلامها وصحفها، إلخ، من دخول الساحات.

إن نضال لوس إنديجنادوس los Indignados (الغاضبون) جزء من موجة دولية صاعدة من النضالات ردًا على أزمة الرأسمالية العالمية التي بدأت مع انهيار المؤسسة المالية الأمريكية ليمان براذرز Lehman Brothersفي أغسطس 2008 وهي الموجة التي كانت قد ضمت المقاومة المستدامة للطبقة العاملة اليونانية، ونضال العمال الفرنسيين ضد رفع سن التقاعد، وتمرد الطلبة البريطانيين في أواخر عام ،2010 والثورات المدهشة في تونس ومصر وباقي دول الربيع العربي، والحركة الجماهيرية في ولاية ويسكونسن في الولايات المتحدة، والمظاهرات الضخمة للعمال البريطانيين في 26 مارس وإضرابات 30 يونيو وغيرها الكثير. ونأمل أنه عند نشر هذا الكتيب تكون نضالات أخرى قد تطورت.

في وضع كهذا لا محال من عودة أفكار أو أمزجة أناركية للظهور. هكذا كان الأمر في النضالات العظيمة في عام 1968 وبالأخص في أحداث مايو في باريس والحركة الطلابية العامة في تلك الحقبة، ثم الحركة الدولية المناهضة للرأسمالية التي بدأت في سياتل 1999. فالقضايا المُميزة للأناركية – من رفضها القاطع للدولة والسلطة والممارسات النيابية الفاسدة وللأحزاب السياسية التي تخدم مصالحها الذاتية – لها صدى قوي لدى للشباب المتمرد التلقائي وحديثي العهد بالعمل الراديكالي. وهذا ما يحدث بالأخص مع وجود هذا الفراغ الكبير في اليسار الذي خلفه الانحسار والاختفاء التاريخي للأحزاب الشيوعية القديمة، والنقلة الكبيرة للأحزاب الاشتراكية الإصلاحية الأوروبية باتجاه اليمين (الممثلة للآن في شخص توني بلير البغيض، الصديق الصدوق لجورج بوش وبرلسكوني).

وإضافة إلى ذلك، يعتبر عودة أفكار أو أمزجة أناركية تطور محمود بشكل عام إذ يُدخِل على الحركة الخيال والروح بالإضافة إلى أنه يقدم تكتيكات جديدة وآمال أكبر لما هو ممكن وهذا أفضل كثيرًا من عُقم البيروقراطية والروتين.

ولكن هذا لا يعني أن هذه الأفكار الأناركية تمثل مُرشدا مفيدًا للنضال – فالأمر ليس كذلك للأسف. وأقول للأسف لأنه لو كان الأمر كذلك لوفر علينا كمًا لا نهائيًا من الجهد السياسي أغلبه مُضني. وبصفتي اشتراكي وماركسي أقول أنه على كل “يساري” وكل اشتراكي أو ثوري أن يعمل بداخل هذه الحركات المتأثرة بالأناركية ومعها بروح من التضامن والتعاون والاستعداد للتعلم – فالماركسيون العظام، بدءًا من ماركس، طالما كانوا يتعلمون من الحركة – ولكن عليهم كذلك الخوض في نقاشات ومحاولات إقناع للناشطين الأناركيين لأن الفكر الأناركي به نقاط ضعف جوهرية. وهذا الكُتيب معني بطبيعة الحال بعرض نقاط الضعف تلك، ولكنني أو د في هذا الصدد أن أستعرض بعض الأمثلة على هذا بُناءًا على الخبرات الأخيرة.

أولا: الكفاح في أسبانيا

كما تمت الإشارة أعلاه فقد كانت أهم الشعارات التي رفعتها هذه الحركة “إنهم (المقصود هنا الحكومة والساسة) لا يمثلوننا” و”ديمقراطية حقيقية الآن”. إن نشر هذه الشعارات بين الجماهير يعتبر إنجازًا عظيمًا. فهي موجهة إلى صميم زيف الديمقراطية النيابية التي يختار من خلالها الناس كل أربع أو خمس سنوات مجموعة السياسيين الذين سيكذبون عليهم وسيمثلونهم على نحو غير صادق وسيخدعونهم في حين أن السلطة الحقيقية في المجتمع لا يتم التصويت عليها ولا يتم محاسبتها وهي السلطة الماكثة في غرف مجالس إدارة الشركات ومكاتب إدارة الدولة.

إلا أن هناك كذلك ثمة مشكل عويص. يطالب لوس إنديجنادوس بـ”الديمقراطية الحقيقية” ولكن كيف سيحصلون عليها عمليًا؟ فمن الواضح أن الطلب في حد ذاته لا يتحقق لمجرد المطالبة به؛ فأقل ما تحتاج إليه تأسيس ديمقراطية “حقيقية” والتي يقصِد بها المحتجون “ديمقراطية مباشرة” أن تحِل الحكومة الأسبانية وجهاز الدولة نفسهما طواعية. وبالطبع يمكن للحركة أن ترد أنها تخلق الديمقراطية الحقيقية الخاصة بها من خلال تجمعاتها العامة في الميادين، وهذا أيضًا من الإنجازات المُبهرة، ولكنها تظل سيطرة ديمقراطية على الميادين فقط وليس على المجتمع الأوسع. كما أنها لن تحقق أي سلطان على الاقتصاد والشرطة والجيش أو أي من مقاليد السلطة الرئيسية في المجتمع الأسباني ولا تقدم إستراتيجية مفيدة أو سبيلا لتحقيق ذلك.

واقع الأمر أن تأسيس ديمقراطية حقيقية في المجتمع، وليس مجرد بشكل مؤقت في الميادين، سيتطلب على الأقل: (أ) إزاحة أو تفكيك نظام الدولة القائم واستبداله بنظام قائم على الديمقراطية المباشرة و(ب) جمع وحشد قوة جماهيرية قادرة على إحداث هذا التغيير أي ثورة سيكون مفروض عليها كسر المقاومة الحتمية من قبل الأثرياء والسلطات القائمة.

وهذا بدوره سيتطلب تطوير إستراتيجية سياسية للوصول لأغلبية من العمال العاديين، وإدخالهم في نضال لا يقتصر على الشارع فحسب بل وأيضا في أماكن عملهم حيث تكمُن السلطة الاقتصادية. بعبارة أخرى، سيتطلب تأسيس ديمقراطية حقيقية في المجتمع تجاوز مجرد الرفض للدولة والقيادة والتنظيم السياسي وهي السمات النمطية للأناركية.

ثانيًا: الثورة في مصر

تبدو هذه الثورة للوهلة الأولى كالبرهان على أحلى أحلام الأناركية: طاغية مكروه أُسُقط بفعل تمرد جماهيري تلقائي قام به الناس، بمعارك ضارية في الشارع، غالبيتهم شباب تم حشدهم عن طريق الفيسبوك والتويتر.

وهي صورة صحيحة بدرجة ما. فمعظم الثورات العظيمة (بما فيها الثورة الفرنسية وكومونة باريس والثورة الروسية) بدأت بتلقائية؛ وحتى الآن لم توجه الثورة المصرية أو يتزعمها أي حزب أو فصيل سياسي واحد.

إلا أنه صحيح أيضًا أن مزيد من الفحص يظهر وجود كثير من العمل السياسي الشاق من وراء وداخل التلقائية الظاهرة. فالعصيان الذي بدأ في الخامس والعشرين من يناير 2011 لم يأت من فراغ. فقد أشعله نجاح الثورة التونسية في الرابع عشر من يناير؛ كما أن سلسلة من النضالات من أجل الديمقراطية والعمالية والمناهضة للإمبريالية مهدت له على مدار عدة سنين.

لم يكن للأفكار الأناركية تأثير يذكر على هذه النضالات ولكن الأحزاب السياسية، ومن بينها الإخوان المسلمين وحزب الكرامة الناصري وحركة كفاية والاشتراكيين الثوريين، لعبت دورًا هامًا. بالإضافة إلى ذلك أفرزت موجة إضرابات عام 2008 نقابات عمال مستقلة (إذ أن الاتحادات السابقة كانت واقعة تحت سيطرة نظام مبارك) تطورت أكثر في مسار الثورة. أما أثناء الثورة نفسها فقد استمرت هذه الأحزاب في العمل بنشاط كما تم إنشاء أحزاب أخرى.
أما اللافت للنظر على نحو خاص فكان الدور الذي قام به الإخوان المسلمون، الحزب المعارض الأكبر على الإطلاق في مصر. كان الإخوان المسلمون في ظل الحكم الدكتاتوري حزب إصلاحي معتدل محافظ، ذا طابع إسلامي ولكن ليس أصولي متطرف أو إرهابي. وبشكل ما كان الإخوان المسلمون أشبه لحزب العمال البريطاني الإصلاحي منه لتنظيم القاعدة، إلا أنه كان محظورًا ويتعرض باستمرار للملاحقة.

عارض الإخوان المظاهرة الأولى في يوم 25 يناير لكن مع تزايد دعم الجماهير لها رضخ التنظيم للضغوط وسمح لأعضائه من الشباب أن يشارك. وكل الشهادات تشير إلى أن شباب الإخوان حينذاك قاموا بدور بطولي في التصدي للشرطة والدفاع عن ميدان التحرير ضد البلطجية المؤيدين لمبارك في معركة حياة أو موت سُميت بمعركة الجمل في 2 فبراير. وعندما سقط مبارك بانقلاب المجلس العسكري عليه عاد الإخوان لمساندة الحكومة ومعارضة مزيد من الاحتجاجات إلا أن هذا أدى إلى انشقاق العديد من الشباب عنهم.

كل من يريد للثورة المصرية أن تستمر ويريدها أن تتجه نحو”الديمقراطية الحقيقية” بل وإطاحة الرأسمالية، عليه أن يتعامل مع هذه التناقضات من الناحية الإستراتيجية والتكتيكية بقدر ما عليه أن يعرف كيف يعمل مع النقابات العمالية المستقلة في طور الإنشاء، وكيف يجمع بين المطالب الديمقراطية والمطالب الاجتماعية والاقتصادية حتى يتم تركيز وتوحيد الطاقة الثورية الهائلة للجماهير المصرية التي استيقظت حديثًا.

للأسف إن التعامل مع التناقضات والعمل الإستراتيجي والتكتيكي ليست من مواطن قوة الأناركية، والرفض القاطع لكل الأحزاب السياسية والنقابات العمالية والرايات على طريقة لوس إنديجنادوس الأسبانية لن تنجح إلا في العزل التام لأصحاب هذه الرؤية عن الجماهير. كما أن خيار الجلوس مكتوفي الأيدي غير مطروح في مصر اليوم، وقول البعض أن علينا الانتظار حتى تحرر جماهير العمال المصرية نفسها من أوهامها العديدة في التيارات الدينية والجيش والديمقراطية البرجوازية وأن يصبحوا أناركيين بحق هو وصفة للانتحار السياسي. فقبل أن يحدث هذا بكثير ستكون اللحظة الثورية قد تبددت وسيكون من المحتمل أن يجد الاشتراكيون والثوريون – سواء كانوا من الأناركيين أو التروتسكيين أو اللينينيين أو أياُ كان – أنفسهم في السجون المصرية.
بعبارة أخرى فالأحداث الجارية تؤكد الحجة الأساسية لهذا الكتيب وهي أن خبرة الـ150 عام الماضية تبين بما لا يدع مجالا للشك أن الأفكار الأناركية بشتى أشكالها، رغم فضائلها، لا تمثل الطريق الصحيح لتغيير العالم.

جون مولينيو، صيف 2011

« السابق التالي »