بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الكاتب بقلم كريس هارمان

• اسم الكتاب: تحرر المرأة والاشتراكية الثورية
نُشر هذا المقال سنة 1984 في العدد رقم 23 من مجلة “الاشتراكية العالمية”، وهي دورية اشتراكية يصدرها “حزب العمال الاشتراكي البريطاني”.
• بقلم: كريس هارمان
• ترجمة: فاطمة فرج ـ هالة دحروج
• الناشر: مركز الدراسات الاشتراكية

تحرر المرأة والاشتراكية الثورية

« السابق التالي »

11- التراجع وخطورة الحركية

لقد ذكرنا مسبقاً أن التراجع في الصراع الطبقي منذ منتصف السبعينات قد أدى الى انصراف الكثير من مناضلات الحركة النسوية عن التوجه العمالي إلى الاصلاحية والإنفصالية. وقد أثّر التراجع أيضا على مواقف المناضلين داخل المنظمات الثورية في الكثير من الدول.

لقد رأوا التصاعدات الفجائية في الحركات ذات القضية الواحدة في الوقت الذي ظلّت فيه جماهير العمال تتراجع في مواجهة هجمات رأس المال. على سبيل المثال، مظاهرات “المهمشين” في إيطاليا في 1977، نمو الحركة ضد الحرب النووية في فرنسا والمانيا في نهاية السبعينات، الصراع ضد العنصرية في بريطانيا في 1977 و1978 وحركة السلام في بداية الثمانينات. كان من السهل اهمال دور عن الطبقة العاملة والتركيز على تلك الحركات.

لقد اجتذبت تلك الحركات شرائح جديدة من الناس إلى النشاط السياسي. ولكن نظرا لغياب الطبقة العاملة ككل عن النضال كان من الصعب كسبهم إلى الموقف الماركسي الثوري. وكثيرا ما كسبت تلك الحركات عناصر من اليسار الثوري لتوجّهها بعيداً عن الطبقة العاملة، بدلا من كسب اليسار الثوري لناس جديدة من تلك الحركات. بدأ الثوريون بتقديم التنازلات أمام امكانية تحقيق تلك الحركات لأهدافها بدون حركة الطبقة العاملة.

أصبح الوضع أكثر تعقيدا نظرا للنموذج الذي يتحتم على تلك الحركات احتذاؤه. يمكن أن يبادر المشاركون في تلك الحركات بسرعة شديدة نتيجة لعدم انغماسهم في عملية الانتاج، لكن عدم انغماسهم في حد ذاته يعني افتقارهم للقوة الحقيقية. بالتالي، تبدأ الحركة بالهبوط الختامي في اللحظة التي تصل فيها الى قمة التصاعد. وإذ بالاشتراكيين الثوريين الذين أخذهم الحماس مع تصاعد الحركة، يجدون أنفسهم مواجهين بالاحباط المرير والناجم عن الإنحدار. كثرت الضغوط على نشطاء الحركة للإتجاه يمينا بحيث أصبحوا يقدمون التنازلات للمجتمع القائم – لأنهم وجدوا أنهم لن يتمكنوا من تحقيق أهدافهم بمحاربته. فينجذب الثوريون الذين قدموا التنازلات لصالح أطروحات الحركة الى التيار اليميني.

إنّ في التخلي عن رؤيتك السياسية لأجل حركة نشطة وحماسية ومتنامية ما يكفي من الفساد. لكن الأسوأ هو أن تفعل ذلك في حركة منهكة ومحبطة ومنطوية على ذاتها بشكل متزايد. إنّ هذا يفسر العلاقة بين “الحركية” وما نسميه نحن “بالمستنقع” ـ الوسط الذي ينتمي إليه اليساريون السابقون الذين انزلقوا إلى اليمين من خلال تبنيهم للإصلاحية وبيروقراطية النقابات والإنفصالية النسوية اللاعقلانية. لا يمكنك مقاومة الضغوط التي تدفع بالمناضلين السابقين الى اليمين إلا إذا بدأت بفهم واضح للحدود القصوى للحركات ذات القضية أو المطلب الواحد – مهما كانت درجة الحيوية التي تتمتع بها تلك القضية. يجب أن تؤكد على أنهم لن يستطيعوا نيل مطالبهم إلا إذا ارتبطوا بصراعات جميع العمال. وهذا يعني أن تطرح بشكل واضح ومسموع أهمية المنظمة الاشتراكية الثورية التي تصنع تلك الصلات على المستوى النظري والعملي. إن النظريات التي تفصل أي صراع – سواء كان من أجل السلام، أو ضد اضطهاد المرأة أو ضد العنصرية – عن الصراع الطبقي الأعم تمنع خلق تلك الصلات. ولذلك، تقوم أفكار بعض الأشخاص مثل تومسون بعرقلة النضال ضد الحرب النووية. وتقوم النظرية البطريركية ومنظرو النسوية الاشتراكية باعاقة الصراع من أجل تحرر المرأة. وكذلك، فإن أفكار السود القومية والإنفصالية تعوق الصراع من أجل تحرر السود. يجدر بالداعين لتلك الأفكار أن يلعبوا دوراً مهماً حقاً ـ ولو لفترة – في تشجيع الجماهير على محاربة بعض سمات النظام. فاذا لم تتم محاربة أفكارهم ستؤدي بالصراع – عاجلاًَ أو آجلاً – إلى طريق مسدود. لذلك يجب أن يكون الاشتراكيون الثوريون على درجة عالية من الثبات السياسي لكي يتمكنوا من منع النشطاء من الانقياد ـ معصوبي الأعين – إلى “المستنقع”.

لا يوجد مجال للشك في كوننا مع حركة السلام ضد المؤسسة العسكرية، لكن هذا لا يعني أن نلقي جانباً بنقدنا اللاذع لأفكار تومسون. وبنفس الطريقة، نحن نقف إلى جانب جميع النساء في نضالهن ضد اضطهادهن بدون أن نتوقف عن صراعنا الدؤوب ضد الأفكار الخاطئة لنسوية الطبقة الوسطى.

لا يوجد ما هو أكثر خطورة من تقديم الصيغ التي تخفي الفرق بين الماركسيين الثوريين وهؤلاء الناس. نحن نختلف تماماً مع الثوريين الذين يضعون صيغاً تنظيمية تحاول، من وجهة نظرنا، أن تصل مالا يمكن وصله ـ فكرة حزب ثوري من جانب والأفكار الانفصالية لدى الكثير من عناصر الحركة النسائية من جانب آخر. إنهم يتحدثون عن “حركة نسائية مستقلة” تكون “جزءاً من حركة الطبقة العاملة ككل”. يتحدثون عن حركة تكون “متميزة ولكن غير منفصلة” عن الحزب الثوري، بحيث ” ننظم أنفسنا بشكل مستقل ولكن كجزء من الحركة الاشتراكية الأوسع”. تتميز تلك الصيغ بالغموض الشديد. فهل المقصود بالاستقلال هو الاستقلال عن المجتمع الرأسمالي، عن الإصلاحية أم عن أفكار الماركسية الثورية؟

إن لم يكن الاستقلال المقصود عن الأفكار الماركسية فهل يسمح إذن للحزب الثوري أن يتدخل في “الحركة المستقلة”؟ وإن لم يكن، فكيف ستحارب تأثير الأفكار البرجوازية والإصلاحية على نضالات المرأة؟ هل تعني هذه الصيغة أنه يتوجب على الاشتراكيين الثوريين أن ينظموا العمال النساء بشكل منفصل عن العمال الرجال؟ الأمر هنا شديد الخطورة. فهذا يعني التنظيم بشكل منفصل عن الصراعات الأساسية للطبقة العاملة ـ تلك الصراعات التي يشترك فيها الرجال والنساء في الأغلب (وإن كان بنسب مختلفة في الصناعات المختلفة). وينتهي الأمر بتنظيم نساء الطبقة العاملة فى الأماكن التى يصعب عليهن فيها خوض تجربة النضال الجماعي وكسب الثقة لمواجهة النظام وأفكاره ـ بما في ذلك الأفكار التي تؤكد تبعيتهن للرجال. انهم يركزون على البيت أو المجتمعات التي تكون فيها النساء أكثر انعزالا بدلا من المصنع أو المكتب حيث يبدأن بادراك القوة الجماعية للطبقة.

وفي أحسن الأحوال، أنتن تشتركن في حركة صاعدة، لكن بمجرد تراجع الحركة تكتشفن انغماسكن داخلها بدون أي ساحة أخرى للصراع. انكن تنزلقن إلى الاعتقاد بأن هذه هي “الحركة النسائية المستقلة” التي يجب المحافظة عليها كمسالة مبدأ، بصرف النظر عن العدد الذي يمكنكن تحريكه. وبذلك تصيبن أنفسكن والنساء الأخريات بالاحباط.

بالكاد يستطيع الثوريون الذين يحاولون العمل من خلال هذا الإطار تفادي التقاط العدوى من الاتجاهات السائدة فيما تبقى من الحركة النسائية – الإتجاهات التي ترى امكانية تغييرالأفكار من خلال تنمية الوعي – وليس من خلال النضال – الذي يستبدل محاربة النظام بالسياسات الفردية ويؤدي الى قدر أكبر من السلبية.

يتحدد الوعي بدرجة التواجد الاجتماعي. فعندما تقطعن صلاتكن بالساحات الرئيسية للصراع الطبقي من خلال الاصرار على منظمة المرأة “المنفصلة”، تبتعدن ـ بلا شك ـ عن الأفكار التي تنتج من الصراع الطبقي. على الرغم من أنفسكن، ينتهي بكن الأمر منتشرات حول “المستنقع”. من غير الصحيح أن وجود المنظمات “المنفصلة” يؤدي الى تطور الثقة لدى الاشتراكيات الثوريات لخوض النضال. فعلى العكس من ذلك، هذا التواجد يعني التخلي عن قيادة ـ الغالبية العظمى ـ من تلك النضالات التي يشترك فيها الرجال والنساء على حد سواء.

« السابق التالي »