بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الكاتب بقلم كريس هارمان

• اسم الكتاب: تحرر المرأة والاشتراكية الثورية
نُشر هذا المقال سنة 1984 في العدد رقم 23 من مجلة “الاشتراكية العالمية”، وهي دورية اشتراكية يصدرها “حزب العمال الاشتراكي البريطاني”.
• بقلم: كريس هارمان
• ترجمة: فاطمة فرج ـ هالة دحروج
• الناشر: مركز الدراسات الاشتراكية

تحرر المرأة والاشتراكية الثورية

« السابق التالي »

3- اضطهاد المرأة في ظل الرأسمالية

إن الأصل المادي لاضطهاد نساء الطبقة العاملة فى ظل الرأسمالية اليوم يكمن فى الطريقة التى تتبعها الأسرة النووية لاعادة انتاج القوى العاملة. فإن عبء تربية الاطفال وشغل البيت يشكلان عائقا أمام اتصال نساء الطبقة العاملة بالعالم خارج البيت ويجعلها معتمدة على رجال الطبقة العاملة، ولهذا فإنه لا يمكن إنهاء اضطهاد نساء الطبقة العاملة بمعزل عن التغيير الاجتماعى الذي يشمل المشاركة فى أعمال المنزل وتربية الاطفال. وبالطبع ، إن الاضطهاد ليس مادياً فقط، فهو مدعم بسد متكامل من العناصر الأيدلوجية. فالاضطهاد لا يتوقف بخروج المرأة من البيت أو في حالة عدم الانجاب أو ببلوغ اطفالها. فقد تجتمع الضغوط المادية والايدلوجية، على سبيل المثال، لاقناعها بالعمل مقابل أجر أقل مما قد يقبله معظم الرجال.

عند الحديث عن أيدلوجية الاضطهاد فيجب أخذ عنصر آخر في الاعتبار. إن هذه الأيدلوجية ليست نتاج للطبقة العاملة نفسها بل مفروضة عليها من فوق، من ممثلي البرجوازية. كما عبر ماركس فان “الأفكار السائدة في مجتمع ما هى أفكار طبقته الحاكمة”. إن رؤية نساء ورجال الطبقة العاملة وعلاقتهم ببعضهم البعض لا تتحدد بالظروف المادية فقط بل بالأيدلوجية التى تنتجها الطبقة الحاكمة.

في ظل الرأسمالية يشمل اضطهاد المرأة نساء الطبقة البرجوازية، على الرغم من الاختلاف الواضح فى أصوله ومحتواه عن نظيره بين الطبقة العاملة. ففى الأسرة البرجوازية الكلاسيكية تخلّصت النساء من الكثير من أعباء تربية الاطفال (من خلال تعيين خدم المنزل)، لكن تم حرمانهن من الانتاج. كان للأزواج الحق فى التحكم فى الفائض واعتبار النساء كسلع للزينة فى منازلهم، الأمر الذي جعل الزواج أشبه بالتجارة بين العائلات التى يسيطر عليها الرجال. تقيد نساء الطبقة الحاكمة بالمنزل بلا جدوى وبلا تعب على عكس وضع نساء الطبقة العاملة. أما الأيدلوجية المتماشية مع هذا الوضع فقد صورت النساء كمختلفين من حيث السمات الأساسية عن الرجال. فوصفت الرجال ” بالمنجزين” و”الواثقين من أنفسهم” و”الجسورين” بينما أعطت النساء صفات ” كالسلبية” و”الرقة ” و”الاهتمام” و”العاطفة” وجميع الصفات التافهة الأنثوية.

لا تتناسب مثل هذه الرؤية مع الواقع الحقيقي الذى تعيشه نساء الطبقة العاملة من كدح في المنزل أو في منازل الآخرين أو فى المصنع. وقد توفرت مجموعة من الصور المقولبة التى يتحتم على رجال ونساء الطبقة العاملة ـ كالطبقة الحاكمة ـ أن يروا بعضهم من خلالها. كلما يسلّم العمال بالمجتمع الموجود تستمر الضغوط الجسيمة للموافقة على تعريف مستغليهم للعالم.

يحلم رجل الطبقة العاملة بما قد يقتنيه وما قد يفعله إذا نجح فى المجتمع البرجوازي – ومن بين ما يستطيع فعله هو امتلاك امرأة كالسلعة. بينما تحلم إمراة الطبقة العاملة “بالنجاح” فى تقمص الصفات المزعوم تواجدها بين نساء الطبقة العليا (على غرار قصص المجلات والمسلسلات التليفزيونية التى تظهر نساء الطبقة العاملة اللواتى استطعن الزواج من طبقة أعلى من طبقتهن).

وقد ساهم كل هذا فى جعل الحالة الحقيقية لأسرة الطبقة العاملة تقوم بوظيفة هامة للرأسمالية. عمل نموذج الأسرة كآلية للحفاظ على تماسك أسرة الطبقة العاملة وعلى مسيرة النظام. وقد عملت الأديان والأفلام الإباحية والمسلسلات ومجلات المرأة والقوانين معاً لكي تبدو العائلة ضرورية وحتمية وثابتة في عالم متغير على الدوام. لكن الحقيقة أنه لا يتم تثبيت مؤسسة للأبد في ظل الرأسمالية. ولا يوجد ما هو مقدس إلى درجة تعفيه من التغيير لصالح التقدم في قوى الانتاج.

بعد بضعة عقود من تأسيس الأسرة النموذج للطبقة العاملة بدأت تضعف نظراً للتغيرات فى الحالة المادية للمجتمع الرأسمالى. ففى منتصف القرن التاسع عشر، كانت إعادة انتاج القوى العاملة تستوجب أن تحمل المرأة فى الطبقة العاملة ثمانية أو عشرة مرات (ففى 1850 كان 60% من الأطفال يموت قبل بلوغ سن الخامسة). وبالتالى كانت المرأة تقضي وقتها ما بعد الزواج فعلياً إما فى الحمل أو تربية الاطفال. لكن التوسع – الذى سعت إليه الرأسمالية ـ فى القوى المنتجة أدى إلى ظهور عامل مكمل، ألا وهو تطور تقنيات جديدة تخفّض بشكل كبير الجهد المطلوب لاعادة انتاج القوى العاملة. أدى تحسين العناية الصحية إلى نقص عدد الوفيات من الأطفال.

وفى نفس الوقت نجد أن التكنولوجيا الجديدة بدأت تأخذ على عاتقها مهام رعاية الأطفال وخدمة العمال الذكور. فلقد كان للغسالة والمكنسة الكهربائية والثلاجة ولأنظمة التدفئة الحديثة بدلاً من موقد الفحم أثر ضخم فى تقليل كمية العمل الشاق الذى كان يتم فى البيت.

وكما اشار العديد من الكتاب، فإن هذه التطورات التكنولوجية لم تقض على ملل واغتراب المرأة المضطرة إلى البقاء فى المنزل خاصة إذا كانت مسؤولة عن أطفال صغار. لكنها أتاحت لها فرصة التفكير في العمل خارج المنزل، الأمر الذى لم يكن متاحاً لجيل أمها أو جدتها، بالأخص فى حالة بلوغ أطفالها سن خمس أو ست سنوات، فيصبح بإمكانها أن تكسب ما يكفي من خلال بيع قوة عملها لتقليل ـ وليس إلغاء ـ الملل والعمل المنزلي الشاق (استخدام مربيات الأطفال، الاكتفاء بالأطعمة الملائمة، استخدام محلات الغسيل والذهاب إلى السوبر ماركت مرة فى الأسبوع عوضاً عن الجولات اليومية إلى محلات البقالة …. الخ).

من وجهة نظر تراكم رأس المال، أصبح نمط العائلة القديم شديد التبذير نتيجة لاستهلاك النساء لمجهود أكبر بكثير مما يتطلبه اعادة انتاج قوى عاملة للنظام. عندما يكون معدل ما تنتجه العائلة الواحدة إلى ثمانية أطفال أو أكثر، يكون النظام مقتصد بتربية كل هؤلاء فى منزل واحد. لكن عندما ينخفض عدد هؤلاء الأبناء إلى اثنين، فإن الأمور تسير على عكس ما سبق. تتطلب الحضانة المتوسطة أن يعمل شخص واحد على رعاية ست اطفال. يقابل كل عامل بالأجر فى رعاية الاطفال، اتاحة المجال لاستغلال امرأتين فى سوق العمل. هذا هو الحال بالأخص إذا ما توجب على النساء أن يدفعن أجر رعاية الاطفال من دخلهن الخاص: عندئذ يستحوذ النظام على فائض القيمة دون الاكتراث بتكلفة الرعاية الجماعية للأطفال. من وجهة نظر الرأسمالية الناضجة، إن فى بقاء المرأة فى المنزل لرعاية زوجها وطفلين إهدار لفائض قيمة ممكن الحصول عليه. فالنظام لا يرى في عمل المرأة طوال النهار في المنزل تعزية كافية ما دام يمكن استبدال عملها بما هو أكثر كفاءة مع تحويلها إلى عبودية الأجور.

من هنا وعلى مدى سنوات طويلة، أصبح هناك ميل الى زيادة عدد النساء المشتغلات فى العمل المأجور. ففى بريطانيا اليوم تعمل أكثر من نصف النساء المتزوجات بالمقارنة بالخُمس فى سنة 1950. وفى الولايات المتحدة الأمريكية ارتفعت نسبة العاملات المتزوجات في سن 20 ـ 25 سنة من 31% فى سنة 1957 إلى 43% فى 1968. لقد استمرت هذه الزيادة منذ العشرينات دون أن تتأثر بأزمة الثلاثينات أو أزمة العقد الأخير(7). صحيح أنه قد تبع تدفق النساء إلى العمل المأجور خلال الحربين العالميتين، إجراءات لاحلال الرجال محلهن عقب انتهاء الحروب. لكن هذا لم يمنع زيادة نسبة النساء المتزوجات والعاملات على المدى الطويل ولمدة تجاوزت نصف قرن. وقد اضطرت الدولة الرأسمالية فى جميع الدول المعنية بالحفاظ على الظروف المطلوبة لتراكم رأس المال، أن تستجيب لهذا التغير. توجب عليها ان تتخذ اجراءات مصممة خصيصاً لمشاركة العائلة فى مهمة إعادة انتاج القوى العاملة بشكل متزايد من خلال توفير الخدمات الاجتماعية، ورياض الاطفال … الخ (8).كانت التغيرات تراكمية، فكلما زاد دخول نساء الطبقة العاملة إلى سوق العمل ازداد طلبهن لتوفير التجهيزات اللازمة لذلك. وببداية حصولهن على موارد دخل مستقلة، بدأن بالتشكيك فى المسلمات القديمة بشأن الاعتماد التام على الأزواج. ازدادت المطالب الخاصة بوسائل منع الحمل الأكثر فعالية وعمليات الاجهاض الآمنة وتقليل عدد الأطفال وتحويل بعض المهام المنزلية إلى الرجال. كما أخذن على عاتقهن المبادرة بانهاء الزيجات الغير سعيدة بشكل متزايد.

يشهد النظام اليوم ما توقع ماركس حدوثه منذ قرن مضى، الميل إلى التقليل من شأن الأسرة، لكن هذا الميل لن يثمر بسبب العوامل المضادة:

1. تتطلب الرعاية الاجتماعية الكاملة للأطفال مستوى من الاستثمار تنفر الرأسمالية من تحقيقه حتى في فترات التوسع.
2. لا تزال أيديولوجية العائلة شديدة الأهمية لاستقرار النظام لما يثمره إيمان المرأة بدورها الأساسي تجاه اطفالها من قبول لأجور أدنى من الرجل. وتستطيع بعض المنظمات كالكنيسة التى تستغل عزلة المرأة وترفع شعار “الدفاع عن العائلة” أن توفر بعض التوازنات الأيديولوجية المهمة للنظام. كما نرى أنّ الحكومات تحرر قوانين ضد الإجهاض وتتباطأ فى تحرير قوانين الطلاق، على الرغم من أن مثل هذه المسائل لا تشكل فى ذاتها أهمية بالنسبة للاحتياجات الاقتصادية للنظام.
3. وأخيراً فقد قللت الأزمة الاقتصادية الأخيرة – في منتصف السبعينات- من الضغط لزيادة امدادات القوى العاملة نتيجة لدخول المزيد من النساء إلى سوق العمل. وبالتالى، ازداد اعتماد النظام على القوى الرجعية التى ترفع شعار “الحفاظ على العائلة”. لم يوقف هذا الزيادة المستمرة فى عدد النساء اللواتى يبحثن عن عمل ولكن منع النظام عن القيام بالاستثمارات اللازمة لمساعدتهن.
4. إن تطور قوى الانتاج قد شكل ضغطاً على العلاقات الاجتماعية القديمة لأسرة الطبقة العاملة لكنه لم يكن كافيا لتحطيمها.

« السابق التالي »