بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الكاتب بقلم كريس هارمان

• اسم الكتاب: تحرر المرأة والاشتراكية الثورية
نُشر هذا المقال سنة 1984 في العدد رقم 23 من مجلة “الاشتراكية العالمية”، وهي دورية اشتراكية يصدرها “حزب العمال الاشتراكي البريطاني”.
• بقلم: كريس هارمان
• ترجمة: فاطمة فرج ـ هالة دحروج
• الناشر: مركز الدراسات الاشتراكية

تحرر المرأة والاشتراكية الثورية

« السابق التالي »

6- نظريات خاطئة عن اضطهاد المرأة

خلقت الحركة النسوية للستينات والسبعينات نظريات خاصة بها عن اضطهاد المرأة. ولكي نفهم بوضوح المنظور الماركسى الثوري علينا أن نستوعب أخطاء تلك النظريات. إن المنظور السائد والمتبقي من حركة المرأة فى بريطانيا هو النظرية البطريركية.

تعتبر هذه النظرية أن اضطهاد المرأة نتيجة لسيطرة الرجل، وهذا بشكل منفصل إلى حد كبير عن تقسيم المجتمع إلى طبقات اقتصادية. وترى “الرجال” كمنتفعين من اضطهاد المرأة فى كافة المجتمعات (10)، وكساعين لإبقاء ذلك الاضطهاد حتى فى حالة قيام الثورة الاشتراكية، وتتّهم محاولات تفسير اضطهاد المرأة على أساس ديناميكية المجتمعات الطبقية بأنها “منتقصة”. ومن هنا تستنتج أن الصراع من أجل تحرر المرأة منفصل إلى حد بعيد – وإن كان موازياً – عن صراع الطبقة العاملة والاشتراكية.

هذه النظرية سائدة بدرجة تجعل القليل من النسويات يعارضنها، وقد تم تبنيها فى المجمل من قبل قطاعات من اليسار الاصلاحي خارج الحركة النسوية. وعلى الرغم من اعتراض بعض الشخصيات فى الحركة النسائية (مثل شيلا روبوثام) على استخدام مصطلح “البطريركية” (11)، إلا أنه يتم التعامل معه اليوم وكأنه غير قابل للنقاش. تفسر ليندساى جيرمان التأييد الكبير الذى تحظى به النظرية قائلة:
“إن مصدر جاذبية النظرية البطريركية يكمن فى إمكانية أن تكون كل شىء لكل الناس، فهى تتميز وتزدهر على المشاعر الغامضة المقربة لقطاعات من الحركة النسائية، بدلاً من التحليل المادى” (12). إن الأساس النظري للنظرية البطريركية ضعيف جدا. فلو كانت المرأة مضطهدة من قبل الرجل على الدوام، فالسؤال الذى يطرح نفسه هو: لماذا؟ كيف تمكن الرجل من اخضاع جنس الأنثى بهذه الطريقة؟ لا يستطيع المنظرون البطريركيون تفسير اضطهاد المرأة دون الاجابة على هذه الأسئلة، وبالتالي لن يتمكنوا من إيجاد طريقة لتجاوز الاضطهاد. ينتهى بهم الأمر ليس بنظرية لتحرير المرأة بل برؤية تستبعد أي تحرر حقيقي. وتنسب احدى المحاولات لتفسير الاضطهاد الواقع على المرأة هذا الاضطهاد إلى عوامل أيديولوجية. من المؤكد أن رؤية الأيديولوجية السائدة للمرأة كخاضعة للرجل تعزز هذا الخضوع: يكبر الرجال ليجدوا أنفسهم جنساً أعلى، وتجبر الكثيرمن النساء على قبول ذلك. لكن، ما هو مصدر الأيدلوجية نفسها؟ لا يستطيع الموالين لهذه النظرية تفسير هذا وعادة ما ينتهون إلى هجر أي تفسير مادي قائلين ـ على سبيل المثال – أن المادية التاريخية خاطئة، وأن الأيدلوجيات تتواجد ” كأشكال مختلفة للخطاب”.

يجري البعض الآخر من المنظرين البطريركيين محاولات لشرح اضطهاد المرأة على أساس مادي لكنهم يلجأون إلى مادية تتجرد من المجتمع الطبقي. وبالتالى، لا يبقى أساس لاضطهاد المرأة سوى الاختلافات البيولوجية بينها وبين الرجل – هذا هو على ما يبدو ما يجعل الرجال يتآمرون بنجاح لاخضاع المرأة! وفقاً لما تقوله احدى المنظرات – هيدي هارتمان – “يتحكم [الرجال] في عمل المرأة ويقيّدون حريتها الجنسية”. تذهب هيدي إلى المدى الذى يجعلها تحاول توظيف إنجلز لاثبات موقفها (13). تقتبس هيدي فقرة شهيرة من كتاب أصل العائلة حيث يقول إنجلز “ان العامل المحدد للتاريخ هو … انتاج واعادة انتاج الحياة على المدى القصير … فمن ناحية هناك انتاج وسائل البقاء من غذاء وملبس ومأوى والأدوات اللازمة لذلك الانتاج، ومن ناحية أخرى هناك انتاج الانسان نفسه أي تناسل الجنس البشري. يتحدد التنظيم الاجتماعي الذي يعيشه أناس من عصر تاريخي معين بواسطة هذين النوعين من الانتاج”. فهى ترى أن لهذين “النمطين” من الانتاج نفس الأهمية. كما تطرح أنه ليس بالضرورة أن يكون هنالك رابط بين التغيرات فى “نمط” والتغيرات التي تحدث فى “النمط” الأخر.

كان فكر انجلز مغايرا لذلك تماماً. فقد قال أن التعايش بين هذين “النمطين” من الانتاج يقل شيئاً فشيئاً نتيجة لتطور المجتمع الطبقي ويظهر مجتمع ” تكون فيه العلاقات العائلية خاضعة تماماً لعلاقات الملكية”. وفي الحقيقة، إن الحديث عن نمطين يسبب الكثير من التشوش. إن نمط الانتاج لأي مجتمع ما هو إلا مزيج من قوى الأنتاج وعلاقات الأنتاج، ودائماً ما يمارس الشق الأول من المزيج الضغط لتغيير الشق الثاني. تولد كل زيادة لقدرة الانسان فى التحكم فى الطبيعة، علاقات جديدة بين البشر، وبالتالى تتحول علاقات الانتاج السابقة. فإما أن يتغير المجتمع أو يتم هجر الطرق الجديدة فى التحكم بالطبيعة. إن التوتر هو سمة ديناميكية لنمط الانتاج الذى يحدد التاريخ الإنساني.

لا يوجد مثل هذا التوتر فى داخل “نمط اعادة الانتاج”. فالأنسان لا يجد طرقاً جديدة لأعادة انتاج نفسه بشكل مستمر (الانقسام البيولوجى فى عصر، وضع البيض فى أخر، والولادة فى عصر ثالث). إن الطرق الجديدة لاعادة الانتاج لا تواجه باستمرار عائق العلاقات الموجودة بين الناس لأن الطريقة التى يعيد بها الناس انتاج أنفسهم ثابتة نسبيا (14). لو تم النظر إليها على أساس تشكيلها للتاريخ الانساني، فلن يكون هناك تغيير أو تطوير. إذا افترضنا أن “علاقات اعادة الانتاج” قد تحددت من قبل “قوى اعادة الانتاج”، سيكون اضطهاد المرأة موجوداً على الدوام سواء فى الماضي أو المستقبل.

لكن “علاقات اعادة الإنتاج” – بتعبير أخر العائلة ـ تتغير بدون شك شأنها كشأن بقية العلاقات الانسانية كنتيجة لما يحدث على صعيد الانتاج المادي. فكما أشرنا مسبقاً، حينما تولت النساء فى مجتمعات ما قبل الراسمالية أهم مصادر الانتاج المادي على الرغم من عبء حمل وتربية الاطفال، تمتعن بمكانة مساوية أو أعلى من الرجل. إذن تنشأ علاقات إعادة الانتاج ـ العائلة ـ من الظروف المادية للانتاج وليس من “نمط معين لاعادة الانتاج”.

بمجرد استيعاب ما سبق، يتضح ما توفره الرأسمالية من إمكانية للقضاء على اضطهاد المرأة. فهي من جهة تحقق تطوراً ضخماً فى القوى الانتاجية بحيث يتمكن أى شخص من القيام بمهام الانتاج – على الرغم من العائق الذى يشكله “الواقع البيولوجى”. ومن جهة أخرى هي تخلق – ولأول مرة ـ التكنولوجيا اللازمة لاحداث نقلة في بيولوجيا الانسان (تحديد النسل … الخ). لكن الرأسمالية نفسها تحول بين التحقق الكامل لما تتضمنه هذه التطورات.

ترفض النظرية البطريركية الاعتراف بهذا، بل وتعطينا صورة للمجتمع المعاصر توحي بأنه قد تشكل لغرضين: الأول هو النزعة لتراكم رأس المال عن طريق الاستغلال، والأخر هو مؤامرة الرجال من كل الطبقات لاخضاع نساء جميع الطبقات. إن منطق النظرية البطريركية يرى أن الدور الذى يلعبه الصراع الطبقي ليس له أي علاقة باضطهاد المرأة. كما ترى هذه النظرية أن هنالك صراع أخر وهو صراع كل النساء ضد كل الرجال، الأمر الذى يستوجب على من يسعى لانهاء اضطهاد المرأة فعلياً أن يدير ظهره للصراع الطبقي.

تتوافق هذه النظرية بشكل متقن مع موقف شرائح الانفصاليين والاصلاحيين فى الحركة النسائية. يستطيع الاتجاه الانفصالي أن يرى نفسه كمطبق متسق للنظرية نتيجة لرؤيته للتاريخ كصراع على القوة بين الجنسين. قد يستند هذا الموقف على ادانة الرجال على الجرائم الجنسية، معارضة “مؤسسات الرجال” مثل النقابات العمالية، محاولة لانشاء مساحات للتحرر الجنسي للنساء أو مقارنة “المبادىء الأنثوية” بالذكورية العنيفة والمتسببة – على حد قولهم – فى الحروب النووية. على أساس كل ما سبق ذكره، يقوم الانفصاليون بالتصدي للنسويات اللواتي يرون في التعاون مع الرجال ضرورة.

يستطيع الاصلاحيون استخدام النظرية أيضاً. ففى حالة وجود طرفين متناقضين فى نزاع، باستطاعتك محاربة أحدهم ومهادنة الآخر. إذ نرى استخدام الحديث عن “محاربة القيم البطريركية” لتبرير التنسيق بين أعمال النقابات وحكومة حزب العمال المستقبلية لابقاء الأجور منخفضة في إطار “سياسة الدخل النسوي”. وكذلك، تقبّل النساء فى بيروقراطية النقابات العمالية لفكرة تعيين زعماء النقابات من أعلى وتقاضيهم لأضعاف الأجور المعتادة بدون أى مساءلة في مقابل “بنية معقولة لمستقبل المرأة” داخل البيروقراطية.

« السابق التالي »