بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الكاتب بقلم كريس هارمان

• اسم الكتاب: تحرر المرأة والاشتراكية الثورية
نُشر هذا المقال سنة 1984 في العدد رقم 23 من مجلة “الاشتراكية العالمية”، وهي دورية اشتراكية يصدرها “حزب العمال الاشتراكي البريطاني”.
• بقلم: كريس هارمان
• ترجمة: فاطمة فرج ـ هالة دحروج
• الناشر: مركز الدراسات الاشتراكية

تحرر المرأة والاشتراكية الثورية

« السابق التالي »

7- نظريات منتصف الطريق

لقد رأت بعض النسويات الاشتراكيات مخاطر وعدم اتساق مضمون النظرية البطريركية وحاولن التصدى لها. لكن انتهى بهن الأمر فى الأغلب للتسليم جزئياً ببعض أطروحاتها. فعلى الرغم من رفض شيلا روبوثام للنظرية البطريركية إلا أنها تفسر استمرار العائلة باستخدام أطروحة “نمطي الانتاج”. وتطرح فى عملها “وعي المرأة وعالم الرجال” أن العائلة موجودة كنمط انتاجي ما قبل رأسمالي فى سياق نظام رأسمالي أشمل (15). يماثل هذا الموقف منطق النظرية البطريركية فى انفصال الصراعين وعدم ارتباطهما بالظروف الزمانية والمكانية.

وحتى الاشتراكيين الثوريين الذين يعارضون الكثير من أطروحات حركة نساء الطبقة المتوسطة قد ارتكبوا خطأ قبول الكثير من الصيغ النظرية للبطريركية. من الأمثلة الجيدة على ذلك هو نقاش حدث منذ سنتين بين جوان سميث وأرين بروجيل. وقد بدأت جوان النقاش بسرد سياسة ونمط الحياة الذى أصبح متفشياً في الحركة النسائية وأصرّت على أن استمرار اضطهاد المرأة نتيجة مباشرة لأهمية دور العائلة بالنسبة للرأسمالية(16). لكنها دعمت موقفها بنظرية “نمطي الأنتاج” الموضّحة من قبل شيلا روبوثام وشولاميث فايرستون وهايدي هارتمان واستخدمت نفس النص المقتبس من انجلز. كانت النتيجة أطروحة مشوشة تماماً. كان رأي جوان هو أن العائلة الحالية هى سمة من سمات الرأسمالية شأنها كشأن استغلال العمال للانتاج، وأنها “جزء من البنية التحتية” وليست جزء من البنية الفوقية. وبررت موقفها بتوضيح اعتماد الرأسمالية على “العمالة الحرة” التى يستحيل الحصول عليها بدون اعادة الانتاج فى بيوت خاصة. كانت الأطروحة ملتوية إلى أبعد الحدود. حيث كان تعريف ماركس “للعمالة الحرة” يعنى:

1. أن لا يكون للعامل أي سلطة على وسائل الانتاج.
2. عدم انتماء العامل للفرد الرأسمالي لكي يتم الاستغناء عنه بمجرد انتهاء الاحتياج لعمله أو عملها.

إنه لمن السهل أن نتخيل مجتمعاً تتم فيه اعادة انتاج العمالة في مؤسسات تديرها الدولة ليتم ارسالها للعالم الواسع اما لتبيع نفسها أو تموت جوعا. لا يوجد مجتمع كهذا فى الوقت الحاضر ـ كما أشرنا مسبقا – لأنه لا يتناسب مع المتطلبات الاقتصادية لتراكم رأس المال. القاعدة الاقتصادية ليست في حاجة – بعد – إلى مثل هذه النقلة لمؤسسات البنية الفوقية. أشارت كاث أنيس في مقال لها منذ عشر سنوات: “تستطيع الرأسمالية الاستغناء عن العائلة نظرياً … لكن عملياً سوف يتطلب ذلك تغييرات أساسية فى المجتمع يصعب تخيل حدوثها”.

أخذت ايرين بروجيل رؤية كاث انيس وطورتها فى ردها على جوان(17). فقد بينت مصلحة الرأسمالية الاقتصادية فى جعل أجزاء معينة من عمل المنزل اجتماعية لكي تصبح المرأة متاحة للاستغلال فى سوق العمل. كانت اطروحتها الاقتصادية غير قابلة للانكار وقطعت الطريق على كل من يزعم أن العائلة ضرورية بالنسبة للرأسمالية كالاستغلال والتراكم. وبمجرد ادراك منطقية هذا الطرح يتحتم النظر إلى العائلة كجزء من البنية الفوقية ـ كاستحداث خلقته متطلبات التراكم فى مرحلة معينة من تطور الرأسمالية. وبالتالي، تقلل الرأسمالية من شـأنها اليوم، لكن تمنع الغاؤها نتيجة لطبيعتها المنبطحة حيال الأزمات.

أسرعت ايرين نفسها إلى تبني اتجاه تحليل اضطهاد المرأة الذى قدمته آن فورمان. هذا الطرح لا يبدأ من اقتصاديات الانتاج الرأسمالي بل من الاحتياجات السيكولوجية لرجال الطبقة العاملة. يرجع وجود العائلة بالنسبة لآن فورمان إلى “السلوى التى تحققها للرجال في ظل مجتمع الاغتراب الذي يعيشون فيه. وهي سلوى لا تتمتع بها النساء”. تتقبل ايرين هذا الرأي برمته وينتهى الأمر بالأثنتين – بشكل قطعي ـ بعيداً عن الصراع الاشتراكي الثوري وفي اتجاه اتباع سياسة نمط الحياة التي تتبناها نسويات الطبقة المتوسطة. وتنتقد جوان بجدارة هذا الاستخلاص قائلة:

إذا اتبعنا أسلوب آن فورمان في التحليل، تصبح الصفات الجنسية الأنثوية والتناقض الكامل بين المذكر والمؤنث هي الأسباب وراء اضطهاد المرأة بدلاً من المظاهر الأيديولوجية للاضطهاد الواقع. إن هذا في الأساس تحليل مثالي لأنه يجعل الأشكال الأيديولوجية التي تضطهد المرأة وليدة علاقات النساء بالرجال الذين يعيشون معهن.

لكن جوان ليست أكثر قدرة من ايرين على استخلاص النتيجة المنطقية من انهيار الرأي الذي يزعم أن الأسرة ضرورة اقتصادية للرأسمالية في كل الأوقات. إنها تتخلى عن نظرية “نمطي الانتاج” (عن طريق استخدام عبارات مثل “نظام الأسرة لإعادة انتاج قوة العمل”)، لكنها تحتفظ برؤية أن العائلة ـ واضطهاد المرأة ـ هم على نفس درجة أهمية الاستغلال والتراكم. إذن فهي تتشبث، وبشكل ركيك للغاية، بالرأى القائل أن الأسرة وحدها هى التي تستطيع انتاج “العمالة الحرة”. وتذهب إلى أبعد من ذلك بزعم أن هذا حقيقى بالنسبة لكل المجتمعات الطبقية: “إن العنصر الأساسي للعائلة يبقى بدون تغيير فى كل المجتمعات الطبقية لأن العائلة هي الوسيلة الوحيدة لإعادة انتاج المجتمع التى تسمح بوجود اختلافات أساسية في إعادة الإنتاج من طبقة لأخرى والتى تلقي هذا العبء على عاتق الأفراد أو المجموعات بدلاً من المجتمع ككل(19)”. وبذلك نجد أن جوان ـ التى كانت تنتقد الرؤية البطريركية للأسرة كغير متغيرة ـ تنساق إلى طرح منظور قريب جداً من النظرية البطريركية. فهي – بلا شك – تنحو إلى استخدام عبارات النظرية البطريركية بزعمها أن “التاريخ الأساسى للبطريركية واضطهاد المرأة هو تاريخ نظام الأسرة فى إعادة الأنتاج”.

تذهب جوان فى نفس الوقت إلى أبعد من الموقف المبدئي الذى اتخذته، وذلك بتحديدها لمصدر اضطهاد المرأة فى الدولة. انها تستخدم ـ مرة أخرى ـ مصطلحات التحليل النسوي للطبقة المتوسطة عندما تكتب: ” إن السيطرة البطريركية على النساء تنتقل من الأسرة البطريركية إلى الدولة الرأسمالية بمخزونها اللامتناهي من القوانين التي تسيطر على المرأة والسوق الرأسمالية حيث يتم دفع أجر للمرأة أقل من الرجل …”. وتتخطى ذلك بحديثها عن “دولة الذكر”. إن بعض الأسباب التى أشارت إليها لتعزيز دور الدولة تعتبر جيدة بالفعل، هذا بالإضافة إلى استمرارها فى مهاجمة الأفكار التي تحدد إضطهاد النساء فى العلاقات الفردية بين الرجال والنساء. ومع ذلك ، فإن الصيغة غامضة ومضللة. فليست الدولة هى التي تزود النظام بقوته المحركة، ولكنها النزعة نحو التراكم. الدولة ليست سوى إحدى الآليات التى يستخدمها النظام فى نزعته للتراكم ـ كجزء من البنية الفوقية. إن الأسرة جزء وآلية للبنية الفوقية. ببساطة، إنه من غير الصحيح أن الدولة هي مصدر اضهاد المرأة أو أن الدولة تضطهد النساء بحفاظها على الأسرة الحالية. إن أضطهاد المرأة ينتج ـ بشكل أساسي ـ من النزعة نحو التراكم. الدولة تساعد في إبقاء هذه النزعة، ولذلك تقوم بدعم العائلة. لكنها تتدخل لاستبدال بعض وظائف الأسرة (وإن حدث هذا على نطاق ضيق) من خلال توفير الحضانات والمدارس والخدمات الاجتماعية ووسائل منع الحمل بالمجان وتشريع الأجر المتساوي (على الرغم من ترك فجوات ضخمة فى التشريعات … الخ). إن النظام هو الذى يضطهد المرأة وليست الدولة فحسب وكثيراً ما يأخذ الاضطهاد طرق متناقضة.

إن هذه النقاط مهمة. فجوان مشوشة. وقد ساهم تشوشها فى صرف انتباه الجماهير عن التحليل الماركسي الثوري لاضطهاد المرأة إلى تحليل أولئك الذين يرفضون الماركسية. وقد كتبت هي عن عملها ” لقد حاولت فى مقالاتي فى العددين 100 و 104 من مجلة الاشتراكية العالمية أن اربط النقاش حول طبيعة البطريركية بمهام مدرسة العمل المنزلي فيما يخص اضطهاد المرأة بالرأسمالي. كانت محاولة لنقاش العلاقة بين سيطرة الرجل (البطريركية) وبين بنمط الانتاج الرأسمالي”. وكما رأينا فإن البطريركية هى التعبير النظري للتيارين الإصلاحي والانفصالي في الحركة النسائية. حاولت جوان “ربط النقاش” بينهم وبين الماركسية. وكان من المؤكد أن تؤدي تلك المحاولة إلى الخلط التام.

كان هناك خلط عملي وحتمي على جميع مستويات اطروحة جوان. لقد حاولت اثبات أن اضطهاد المرأة شأنه كشأن استغلال العمال ـ يؤدي إلى بداية رفض عفوي للرأسمالية. يحدث هذا ـ على حد قولها ـ لأن النظام الرأسمالي يعوّل على بندين متساويين فى الأهمية ـ استغلال العمال واضطهاد المرأة. تناقش هذا مرة أخرى حين تنتقل إلى القاء لوم اضطهاد المرأة بالكامل على الدولة مباشرة. وفى الحالتين، تدخل نضالات النساء المنفصلة فى صراع تلقائي مع الدولة ورأس المال. كما يصبح النضال ضد البطريركية – عند جوان ـ حليفاً تلقائياً لصراع عمالي منفصل ضد الرأسمالية. إن الأساس هو التحالف بين نضالات مختلفة وليست منفصلة. بالنسبة لجوان، يتكون حلف المرأة من جميع النساء على الرغم من قيادته الثورية. وهي تعبر عن هذا قائلة: “نستطيع أن نناقش ونجند النساء للسياسة الثورية على أساس اضطهادهن واستغلالهن. انفصل الكثير من النساء عن خلفيات الطبقة المتوسطة وخلفيات الطبقة العاملة. فكما هو الحال مع الطلبة، بالإمكان تنظيم هؤلاء النساء فى الحزب الثوري. لكن لكي نفعل ذلك فإننا بحاجة إلى تنظيم نسائي أوسع من الحزب الثوري ليقوم بمهمة طرح قضايا اضهاد المرأة واستغلالها … من الضرورى بناء الحركة النسائية بجريدتها الخاصة التي تستطيع توحيد كل النساء ـ نساء القطاع العام، عاملات المصانع والنساء في البيت. ولما كانت الرأسمالية تضطهد كل النساء فإن القاعدة المادية لمثل هذا التنظيم متوافرة “(20).

لاحظ أن جوان تتعامل مع “كل النساء” كقاعدة لمثل تلك الحركة وليس فقط مع نساء الطبقة العاملة. ففي كل مرحلة من مراحل تحليلها الثلاثة، تفرض النضال على كل النساء بموجب ما تسميه “البطريركية” أو “دولة الذكر”. إن هذا هو ما يمكنّها من الحديث عن تنظيم “كل النساء” بدون الرجوع إلى موقعهن الطبقي (إنهن يتخلين عن خلفيات الطبقة العاملة وكذلك خلفيات الطبقة المتوسطة!). وبرغم هذا ستظل الحركة ملتزمة ـ بشكل أو آخر ـ “بأرضية اشتراكية” و”نضال الطبقة العاملة من أجل الحرية”.

إن في حجة جوان تلخيص للمتاهة الحتمية التي تنتج عن محاولة ربط منظورين متناقضين عن جذور إضطهاد المرأة – منظور النسويين من الطبقة المتوسطة ومنظور الاشتراكية الثوري. ينتهي الأمر إلى الانتقال من رأي إلى آخر، دون الوصول إلى الأرضية الصلبة والأساسية للنضال من أجل تحرر المرأة.

« السابق التالي »