بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الكاتب بقلم كريس هارمان

• اسم الكتاب: تحرر المرأة والاشتراكية الثورية
نُشر هذا المقال سنة 1984 في العدد رقم 23 من مجلة “الاشتراكية العالمية”، وهي دورية اشتراكية يصدرها “حزب العمال الاشتراكي البريطاني”.
• بقلم: كريس هارمان
• ترجمة: فاطمة فرج ـ هالة دحروج
• الناشر: مركز الدراسات الاشتراكية

تحرر المرأة والاشتراكية الثورية

« السابق التالي »

8- حجج ضد الموقف الماركسي الثوري

يتم استخدام العديد من الحجج من قبل المعارضين المباشرين للنظرية الماركسية لاضطهاد المرأة، ومن قبل أولئك الذين يريدون مزجها بنظريةأخرى. ولنلقي علي تلك الحجج نظرة دفعة واحدة.

“إنّ الرأي الماركسي يرفض تماما حقيقة اضطهاد المرأة، من خلال تبسيط كل شىء الى مسألة طبقة”.

إن هذه الحجة غير صحيح ببساطة. وسيتضح ذلك اذا ما قرأت الجزء الأول من هذا المقال. نحن لا “نبسط” الأمر الى مسألة طبقة. ان اضطهاد النساء يشمل جميع الطبقات تماما كأي أقلية عرقية تكون مضطهدة في جميع طبقات مجتمع معين. انّ ما نقوله – على أية حال – هو أنه لا يمكن التخلص من هذا الاضطهاد بدون محاربة جذوره في المجتمع الطبقي. فلا يوجد صراعين – أحدهما ضد المجتمع الطبقي والآخر ضد البطريركية. يوجد صراع واحد ضد جميع أسباب الاستغلال والاضطهاد.

ان الفروق ضخمة في أشكال الاضطهاد الذى يواجه النساء فى الطبقات المختلفة. ان زوجة من يمتلك عبيدا قد تكون مضطهدة، لكن اضطهادها يختلف تماما عن اضطهاد العبد (حتى وان كان ذكرا). فمن الممكن ان تحتج امرأة الطبقة الحاكمة على اضطهادها، لكن الغالبية العظمى من نساء هذه الطبقة سيأخذن صف النظام ـ الذي يحافظ على ذلك الاضطهاد ـ ضد أي مواجهة حقيقية وثورية له. فعند الاستعداد للمواجهة، سيساندن ليس الاستغلال فحسب بل واضطهاد النساء الأخريات. تصر نساء الطبقة الحاكمة – على الدوام ـ على أن الحركة النسائية منفصلة ومعارضة لحركة الطبقة العاملة. ومن ناحية أخرى، فان نساء الطبقة العاملة بحاجة الى النظر الى مسألة الفصل بالكامل وبشكل مختلف.
كثيرا ما أدت تحيزات الرجال العاملين الى دفع النساء العاملات الى خيار وحيد وهو التنظيم بشكل منفضل ـ هذا عندما ينظمون نفسهم أساسا. وقد توجب عليهن النضال ضد هذا الانفصال المفروض لما فيه من اضعاف للطبقة العاملة ككل وتسهيل لحفاظ الطبقة الحاكمة على اضطهادهن. فعلى مدى التاريخ، أيدت مجموعات العمال الأقوى من الناحية الاقتصادية والأقل اضطهادا أشكال التنظيم المجزأ والمنفصل. وقد انصاعت النساء والمجموعات العرقية المضطهدة للتنظيم بشكل منفصل (مع نقابات العمال النسائية … الخ) كوسيلة للحصول على القوة التي تتمكن من تحطيم جدران التجزيئية.

“انّ الرأي الماركسي يعني أن الموقع الدوني الذى تُرغم المرأة على قبوله في الوقت الحاضر سوف يستمر بقيادة الرجال للنساء. فلا ينظر الى النشاط الذاتي للنساء كالسبيل لانهاء الاضطهاد الواقع عليهن بل ما يفعله الرجال لأجلهن”.

تجد الجماهير المضطهدة الثقة اللازمة للنهوض ومواجهة اضطهادهم من خلال النضال. لكن هذا لايعني أن يقتصر النضال الذي يمنحهم تلك الثقة على نضال المجموعة المضطهدة التي ينتمون اليها. يمكن أن يكون للنضالات ضد جميع أشكال المجتمع الطبقي نفس التأثير. فعلى سبيل المثال، لقد كان لتجربة النضال من خلال الثقابة العمالية الفضل فى منح الكثير من النساء الثقة اللازمة لتحدي الدور التقليدي والمتوقع منهن في العائلة. وبالطبع، يحول التقسيم في القطاعات المختلفة للطبقة العاملة – رجل/امرأة، أسود/أبيض ماهر/غير ماهر، مضطهد/اقل اضطهادا – دون قيام النضال البسيط والموحد والمتجانس لجميع العمال. وبالتالي، تنشأ نضالات تقتصر على عمال ذكور فى أغلبها أو عاملات أو عمال بيض أو سود أو مهرة. وعموما، فان نضال أي مجموعة من العمال يؤثر ضمنيا على نضال مجموعات العمال الأخرى. ولاتستطيع أي مجموعة مضطهدة أن تفصل نضالها عن بقية الطبقة، وتؤدي أي محاولة لفعل ذلك الى مأساة.

عندما تتمكن مجموعة قوية نسبيا من العمال ـ مثل عمال المناجم ببريطانيا أو عمال مصانع السيارات في الولايات المتحدة – من احراز نجاح، يكون ذلك حافزا لجميع المجموعات الأخرى (حتى وان كانت المجموعات الأقوى في الغالب من الرجال والأضعف أغلبها من النساء). ومن منظور آخر، فقد يكون لمقاومة مجموعة ضعيفة أغلبها من النساء أثر في اثارة غضب صاحب العمل وهذا بالتالي يحرض المجموعات الأخرى القوية (مجموعات الرجال بشكل رئيسي) على النضال.

وفى الواقع، كانت أعظم النضالات ضد اضطهاد المرأة دائما ما تتم أثناء النضال الأعم والأوسع – خلال الثورة الفرنسية العظمى 1789- 1794، قبل وعقب الحرب العالمية الاولى وفى أواخر الستينات وأوائل السبعينات. ودائما ما اعتمد نجاح هذه النضالات على مدى نجاح النضال الأوسع. وقد أدت هزيمة هذه النضالات الأوسع الى هزيمة نضال تحرر المراة أيضا ـ سواء كان ذلك فى التسعينات من القرن الثامن عشر، في فترة الحرب الستالينية والنازية أو في مرحلة الانجراف نحو اليمين في أواخر السبعينات. لا يمكن أن يكون الموضوع غير ذلك. فإن الاضطهاد نتاج المجتمع الطبقي. وان النضال المتحد للطبقة العاملة هو الطريق الفعال والوحيد لتحدي المجتمع الطبقي وليس النضال المنفصل والمنعزل لهذه المجموعة المضطهدة أو تلك. هذا لا يعني اطلاقا أن “تتبع النساء الرجال”. ان مجموعة العمال التي تكون فى طليعة النضال قد تكون فى بعض الأحيان من النساء واحيانا أخرى من الرجال وقد تكون خليط كامل من الاثنين.

من الضروري في أي من الحالتين أن تدرك المجموعة القائدة من العمال ان نضالها يمثل كل العمال – برغم مجهودات الطبقة الحاكمة فى جعل العمال يصدقون غير ذلك – وأن يدور حوار مع جميع مجموعات العمال لدعم النضال. لن يحدث هذا بدون معركة حامية من قبل الاشتراكيين لمواجهة ميل العمال الأقل اضطهادا فى التحرك على أساس مميزاتهم بالمقارنة بيقية العمال. يكون من واجبهم توضيح ماهية العدو للعمال المضطهدين – فالعدو ليس العمال الأقل اضطهادا بل الطبقة الحاكمة التي تستغل جميع العمال. يجب أن يتم توضيح أهمية دعم النساء العاملات لمجموعات العمال الذكور المشتركين في النضال وأن هذا لن يحدث طالما استمروا في التفكير الذكوري – الذى يرى النساء كأدوات للجنس مكانهن البيت .. الخ. كما يجب التأكيد على أن النساء المرغمات على أن يكن سلبيات ومعتمدات على الرجال، لن يستطعن القيام بدورهن كمقاتلات حقيقيات في نضال طبقتهن ضد النظام.

إن الاضطهاد يمكّن الطبقة الحاكمة من تقسيم وحكم الطبقة العاملة بأكملها – بأقسامها الأكثر وكذلك الأقل اضطهادا. انّ اشتراك الجماهير يؤدي بهم الى النضال – مع العلم بأن في مواجهة الاضطهاد الطريق الوحيد للنجاح طويل الامد. وبعبارة اخرى: إن فى الأخذ بجدية بالزعم القائل أنه يتوجب على النساء أن يتبعن قيادة نساء أخريات، الغاء لدور النساء فى المعارك الأساسية للصراع الطبقي. وفى الواقع، ان بعض أهم الأمثلة لنضالات نساء الطبقة العاملة كانت تلك التى تدعم فيها الرجال – على سبيل المثال، فرقة الطوارئ النسائية في اعتصام فلينت 1937.

نظرا لهذا الفهم، لم تر أي من النساء العظيمات الاشتراكيات الثوريات ان عملها يقتصر على تنظيم النساء. لقد كانت كلا من اليانور ماركس و روزا لوكسمبرج والأم جونز واليزابيث جرلي مقاتلات كرسن طاقتهن للاشتراك في نضال العمال الرجال والنساء العاملات. وكذلك، على الرغم من تركيز الثوريات من أمثال كلارا زيتكن أو الكسندرا كولونتاي على تنظيم النساء لم يكن ذلك أبدا عملهن الوحيد. لعبت الكسندرا كولونتاي دورا نشطا في العمل العام للحزبين البلشفي والمنشفي بينما أدت كلارا زيتكن دورا رئيسيا في جميع مناظرات الحزب الشيوعي الألماني ما بين 1919-1923. أما سلفيا بانكهورست فقد تبنت الموقف الاشتراكي الثوري تماما خلال خلا ل الحرب العالمية الأولى وانتهت الى: أنّ الحاجة لا تقتضي جريدة نسائية – المدرعة النسائية ـ أو منظمة نسائية ـ اتحاد شرق لندن المنادي بحق المرأة فى الاقتراع. لقد خلصت الى أنّ الحاجة تقتضي تواجد جريدة عمالية ـ المدرعة العمالية ـ ومنظمة مختلطة ـ اتحاد العمال الاشتراكي. لكن هذا لم يوقف مزاعم بعض النسويين المشوشة التي جعلت من كولونتاي وزيتكن وسليفيا بانكهورست انفصاليين.

يتلخص سبب تبني جميع الثوريات العظيمات لهذا الموقف في معرفتهن استحالة تحرير المرأة بشكل منفصل وتحت ظل أي تسمية (النسوية الاشتراكية أو النسوية الثورية… الخ) فيما عدا الماركسية الثورية. فلا يوجد تراثان منفصلان يتوجب التحامهما، حيث يحارب الأول ضد الاضطهاد والثاني من أجل سيطرة العمال. انه تراث وحيد يهدف الى بناء حركة الطبقة العاملة “كدفاع عن جميع المضطهدين والمستغلين”. في مثل هذه الحركة المتحدة يكون أقصى طموح للمرأة الثورية هو أن تقود الرجال وللرجل الثوري أن يقود النساء بحسب ما تقتضيه الحركة.

“يشترك رجال الطبقة العاملة فى الحفاظ على اضطهاد المراة والاستفادة منه لذا لا يمكنهم الاشتراك فى النضال لانهائه”.

لقد أوضحنا مسبقا أن السبب الحقيقي لاضطهاد المرأة لا يكمن في الرجال الأفراد بل فى الحاجة لتراكم رأس المال. لكن من الصحيح انه لا يمكن انجاز هذا الاحتياج بدون المؤسسات التي تفرض أشكال الاضطهاد ـ اضطهاد بعض الناس للبعض الآخر. يشترك الكثير من الرجال – بلا شك – في اضطهاد النساء. يبدو تعليق كلا من آن باتشوسكا ولين جيمس صحيح حينما قالتا: “ليست الرأسمالية هي التى تضرب الزوجات، تغتصب النساء، تستأجر العاهرات وتقلل من شأن النساء فى الأفلام الاباحية ـ انّهم الرجال”. ان هذا الرأي صائب الى حد ما فقط. أولا، لا يمارس جميع الرجال الأفعال التي وردت، الا اذا قبلنا الزعم الانفصالي الراديكالي الذي يقول أن “جميع الرجال مغتصبون”. ان القائمة التي وضعوها لتحوي مكونات اضطهاد المرأة ناقصة. فاذا أضفنا منع حق الاجهاض والأجور الغير متساوية وغير ذلك من عناصر الاضطهاد فسنجد أن الدولة أو صاحب العمل هم المسؤولون وليس رجال الطبقة العاملة.

وعندما يتعلق الأمر بفرض الدور الأنثوي والدوني على الفتيات في الحياة الاجتماعية، فغالبا ما تكون الأم – وليس الأب – القوة الدافعة لذلك. كما تتزعم النساء العديد من أكبر الحملات ضد الإجهاض. حتى في المجتمعات البطريركية الأصيلة كثيرا ما نجد أن إضطهاد النساء الصغيرات لا يتم من قبل البطريرك نفسه فقط وأن النساء المسنات يشتركن معه في ذلك! تضطر نساء الطبقة العاملة الى مواجهة الكثير من النساء ـ بالاضافة الى الرجال – عند قيامهن بتحد للإضطهاد الواقع عليهن. لقد أوجدت الرأسمالية في نزعتها للتراكم العديد من المؤسسات للتحكم في المرأة امّا بالقهر أو بالإقناع الأيديولوجي. لا يقتصر الأمر على من يضرب زوجته أو يغتصب. قد يطرح رأي يقول أن الرجال ينتفعون من إضطهاد المرأة بشكل لا تنتفع به النساء الأخريات. في الواقع، إن الإستفادة التى يجنيها رجال الطبقة العاملة من إضطهاد المرأة هامشية بالفعل. إنهم لا ينتفعون من تقاضي النساء للأجورالمنخفضة نظرا لما يترتب على ذلك من ضغط لتخفيض أجورهم. كما أنه ليس بالإمكان مناقشة انتفاع الرجال من معاملة أجساد النساء كسلع ـ فالرجال المستفيدون على هذا النحو هم أصحاب الثروة التي تمكنهم من بيع وشراء السلع!

في الواقع، انّ مسألة المنفعة تصب في الأعمال المنزلية. انّ السؤال هو مدى استفادة رجال الطبقة العاملة من عمل النساء غير مدفوع الأجر، لكن يستحيل قياس ذلك في العائلة الرأسمالية المقولبة. تعبّر لندسي جيرمان عن هذا قائلة:

إن تقسيم العمل- قبل كل شئ – هو تقسيم للعمل بحيث يقوم الرجال بأعمال مختلفة فى المصنع والبيت. ولكن القول بأن القيام بأعمال مصنعية ثقيلة أفضل أو أسوأ من عمل المنزل هو بمثابة النظر إلى الأمر بشكل غير موضوعي وغير قياسي. تتسم أوقات الفراغ بالنسبة للرجال بالتحديد والوضوح وتقضى ـ في الغالب ـ بشكل اجتماعي (الحانة، كرة القدم). لكن لا يمكن القول أن أوقات فراغهم أكثر. انها ـ في الحقيقة ـ مختلفة.

ان شغل المنزل في الأساس لا يخضع لما تفرضه الرأسمالية من استغلال في المصانع أوالمكاتب. انه لا يستوجب مجهود مكثف لعدد محدد من الساعات تتبعه فترة راحة لاتاحة المجال فى تلك الأثناء للجرعة التالية من المجهود المكثف. من هنا فإنه لا يمكن المقارنة بأي شكل من الأشكال بين كمية العمل التي تضخ في المنزل وبين كمية العمل التي تضخ في المصنع…..

إن الضرر الفادح الذي تعاني منه ربات المنزل في الطبقة العاملة ليس الاستغلال الواقع عليهن من قبل الرجال بل التفتيت وحرمانهن من المشاركة فى العمل الجماعي الذى يمنح الثقة الازمة للنضال ضد النظام…..

في الواقع، إن مشكلة “المنافع” تظهر فقط في حالات الانحراف عن تقسيم العمل التقليدي والقديم بين “العامل الرجل”و “ربة المنزل” المرأة. عند اجتذاب النساء المتزوجات بشكل متزايد الى قوة العمل، تجد الكثير من النساء انه من المفترض أن يقمن بالأعمال المنزلية على الرغم من قيامهن بالعمل المأجور بشكل متفرغ. ومن هنا فإن الوقت اللازم لاستعادة قوة عملهن يكون أقل من أزواجهن لأن عليهن الجمع بين العمل وعمل المنزل. وحتى فى هذه الحالات فإنه من المشكوك فيه أن يكون انتفاع الأزواج أكثر من هامشي” (24).

يمكن قياس ما يجنيه رجال الطبقة العاملة مباشرة من عمل المرأة بشكل تقريبي، من خلال قياس كمية العمل الذي كان سيضطر الرجل الى بذلها في الطبخ والتنظيف بنفسه. لم يكن ليتعدى ذلك الساعة أوالساعتين يوميا – عبء بالنسبة للمرأة التي يجب عليها أن تعمل من أجل شخصين بعد عمل يوم مدفوع الأجر, لكنه ليس مكسباً ضخماً للعامل الرجل. يصبح العبء غير محتمل بالنسبة للمرأة والمكسب هائل بالنسبة للرجل عندما يتعلق الأمر باعادة انتاج الجيل القادم من العمال ـ تربية الأطفال. لكن لا يمكن التعامل مع العمل المكرس لرعاية الأطفال على أنه شئ تعطيه الزوجة للزوج. ففي الحقيقة، انّ رعايتها للأطفال توفر شيئا للنظام وتشبع احتياجه لتجديد قوى العمل. تقول آن روجرز “إن نساء الطبقة العاملة مقيّدات بخدمة الأطفال وليس بخدمة الرجال” (25).

ان النقطة الرئيسية ـ على أي حال ـ هي أن مفتاح التحرر الحقيقي لنساء الطبقة العاملة يكمن في القيام بعنصري عمل المنزل وتربية الأطفال بشكل اجتماعي. ولا يمكن أن يعد ذلك خسارة لرجال الطبقة العاملة. ان العامل لا يخسر اذا وفرت له الكافيتريات المدارة بشكل جماعي الوجبات الجيدة. كما أنه لن يعاني إذا تحمّل نظام الحضانات – الذي يعمل 24 ساعة – العبء المستمر الذي تتكبده زوجته في رعاية الأطفال. وطالما أن هذه التغييرات تحرر النساء والرجال من العيش في ظل علاقات مقيدة ـ أو مريرة كما هو الحال في الكثير من الأحيان – فإنه مكسب للرجال وللنساء على حد سواء. من الؤكد أنه عند رؤية الأمور بهذا المنظور، لا يمكن القول بأن لرجال الطبقة العاملة أي مصلحة مادية من اضطهاد النساء. فعلى الرغم من المميزات التي قد يتمتع بها في ظل النظام الحالي بالمقارنة بزوجته، الا أنها لا تشكل شيئا مقارنة بالمنافع التي ستعود اليه في حالة احداث ثورة بالنظام.
والآن، ماذا عن ما قد يقال بشأن المكسب الآخر الذي يحصل عليه الرجل: “المصلحة الأيديولوجية”- الشعور بأنه بشكل أو آخر يسيطر على العائلة وأنه على الرغم من ضآلته بالنسبة للعالم، سيد في بيته؟ قد يشكل هذا أهمية كبيرة في الأوقات التي لا يواجه فيها العمال النظام. فعدئذ تمتلىء عقولهم بالأيديولوجيات الزائفة والمتاحة. لكن بمجرد انخراطهم في النضال ضد النظام يظهر لهم وجود البديل ـ البديل الذي يتيح لهم ممارسة السيطرة على حياتهم عموما. وبهذا لن تكون هناك حاجة إلى ذلك الشعور الزائف بالسيطرة الذي يأتي من الهيمنة داخل الأسرة.

إن منظري البطريركية والنسويات الاشتراكيات اللواتي يتبعنهن لا يرون ذلك نظرا للقصور في مفهومهن عن كيفية تحول الأفكار من خلال النضال. ويقمن بالتعميم على أساس فترات التراجع في النضال مستنتجات أن الأفكار السائدة اليوم هي السائدة على الدوام. وعلى غرار بعض الأشخاص الذين يستنتجون انتهاء الطبقة العاملة من المرحلة الحالية، تستنتج النسويات الاشتراكيات استحالة تحدي العمال لإعادة الإنتاج المخصخصة ولاضطهاد النساء.

“تثبت التجربة أنه من الممكن أن تقوم ثورة عمالية تبقي على اضطهاد المرأة”.

هذه النقطة محورية فى جميع النظريات البطريركية. تُبنى هذه الفكرة بالاستشهاد بالدول التي تدعي أنها اشتراكية مثل روسيا وكوبا وفيتنام والصين. يستمر اضطهاد النساء في هذه المجتمعات، فيقال أنه يمكن للاشتراكية أن تتعايش مع اضطهاد النساء. لا تستطيع النسويات الاشتراكيات من أمثال شيلا روبوثام مجابهة هذا الموقف نتيجة لايمانهن بأن تلك المجتمعات هي بالفعل اشتراكية (انّ أحد الأسباب التى أدت الى انسحاب شيلا من الاشتراكيين العالميين منذ 13 عاماً هو أننا تجرأنا وقلنا أن فيتنام الشمالية ليست إشتراكية). لكن ادراك بعضنا لأن صعود الستالينية قد أنشأ رأسمالية الدولة فى روسيا، يمنعنا من الوصول إلى هذه الاستنتاجات.

لقد تمت الثورة الروسية في أصعب الظروف. حدثت الثورة في دولة تمثل الطبقة العاملة فيها أقلية صغيرة بينما كان الغالبية العظمى من السكان من الفلاحين المنظمين على أسس بطريركية صرف. ويعيشون حياة أشبه بالحياة في العصور الوسطى كما كانوا عرضة لأعمق التحيزات والخرافات. وعلى الرغم من قيام عدد لا بأس به من النساء العاملات – في صناعات معينة – بجزء مهم من ثورة فبراير، الا أن الغالبية العظمى من الثوريين الواعين كانت من العمال الرجال ـ شكّل النساء حوالي 10% فقط من البلاشفة.

ومع ذلك، طبقت الثورة برنامجاً لتحرير النساء لم يطبق مثله في أى مكان آخر- التحرر الكامل لقوانين الاجهاض والطلاق والأجور المتساوية والتوفيرالجماهيري لخدمات رعاية الأطفال والمطاعم العامة. بدأت النساء العاملات بمواجهة التقاليد التى تخضعنهن للرجال في محاربتهن لتحرير طبقتهن ـ ورأى أكثر العمال الرجال ثورية ضرورة مساندة وتشجيع هذه المواجهة. وهذا لأن الثورة كانت ثورة بالفعل ـ إنقلاب جماهيري من أسفل قام به الفقراء ليتحكمون بمصيرهم. ولم يمكنهم فعل ذلك إلا بتحدي كل شكل من أشكال الطبقية وعناصر الإضطهاد التي تقسم الطبقة وتحول دون نهوضها. وبالطبع، ظهرت مقاومة الكثير من الرجال العاملين مرة بعد مرة لتغيير موقعهم التقليدي والسيادي في العائلة. لكن المبهر في الأمر هو مدى اقتناع العمال القدماء ـ في التنظيم بالحزب البلشفي – بضرورة التخلص من هذا التقسيم ومن السلوك المتحيز وقدرتهم على كسب أغلبية الطبقة لوجهة نظرهم. ومن هنا كان تأسيس الحزب لقسم خاص يهدف الى اشراك عدد أكبر من نساء الطبقة العاملة فى العملية الثورية بعد الإستيلاء على السلطة. تولت أنيسا أرمان مسئولية هذا العمل ثم الكسندرا كولونتاي – بعد موت أنيسا. وكان من المتوقع أن يشترك الرجال الثوريون فى هذا العمل بحضور المؤتمرات .. الخ.

كانت تجربة الثورة الروسية في مرحلتها الأولى مختلفة تماما عما آلت اليه بعد صعود الستالينية – حيث تم إعادة فرض شكل العائلة المقولب، والقوانين التي تمنع الاجهاض وتقيد الطلاق، إلى آخره. وقد اختلفت ـ أيضا- عما حدث عند تأسيس رأسمالية الدولة في أماكن أخرى، سواء كان ذلك بواسطة الجيش الروسي أو بواسطة حرب العصابات. لقد أوضحت روسيا ماذا يحدث في ظل ثورة الطبقة العاملة. أما التجارب الأخرى فتوضح ماذا يحدث بدونها!

« السابق التالي »