بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

نماذج من الإضراب الجماهيري

« السابق التالي »

4. إضرابات عامة اقتصادية خالصة وسياسية خالصة: السويد 1909 وبلجيكا 1913

أولا) السويد 1909: بدأ الإضراب العام في السويد في 2 أغسطس 1909، وجاء في أعقاب سلسلة من الإضرابات الأصغر حجما في شهر يوليو التي ووجهت بإغلاق عدد من المصانع من قبل أصحاب العمل. كان هدف الإضراب هو تحسين أجور العمال. واستجاب لدعوة قيادة النقابة المركزية بالإضراب حوالي 300 ألف عامل توقفوا عن العمل من إجمالي 500 ألف يعملون في قطاعي الصناعة والنقل.

كان الإضراب خاضعا لسيطرة حازمة من أعلى، وكان شعار قيادة الإضراب الراسخ هو الحفاظ على النظام. وهكذا أصدر الأمين العام للنقابات القواعد التالية:

“تقوم لجان الإضراب باختيار عدد كاف من “الشرطة الخاصة” للحفاظ على النظام تنتقى من أفضل الأشخاص المؤهلين لهذا العمل. وتتعاون لجنة الإضراب في كل موقع مع الشرطة، ويعطى أفراد “الشرطة الخاصة” بطاقات ويحملون شارات تشير بوضوح إلى عملهم . وعليهم أن يلتزموا بتعليمات الشرطة التزاما صارما. ” (7)

أما فكرة تكوين شرطة خاصة للنقابة فكانت اقتراحا قدمه وزير الداخلية لرئيس اتحاد العمال، وكانت النتيجة حقا نظاما متقنا ومحكما. فقد أشار أحد المؤرخين:

“بسبب الأوامر المستمرة من قبل قيادات العمال بالحفاظ على النظام، وبسبب التعاون المثالي الممتاز من قبل شرطة الإضراب مع قوة الشرطة النظامية، وبسبب وقف بيع البيرة والكحوليات وقفا شبه كامل خلال فترة الإضراب، استطاعت السلطات والجمهور تأكيد أن النظام حوفظ عليه بصورة أفضل من الأوقات العادية، وأن سلوك العمال واحترامهم لقيم اللياقة الاجتماعية تجاوزت كل عبارات المديح.” (8)

كان الإضراب منظما تماما بشكل صارم، غير أنه لم يحقق أي إنجاز. وبعد ما يزيد قليلا على الشهر، تم إنهاء الإضراب. ولم يحصل العمال على بنس واحد زيادة في أجورهم. قيادة النقابات “استسلموا عمليا دون أي شروط” وفشل الإضراب “فشلا ذريعا”. (9)
بعد ذلك تحول أصحاب العمل إلى الهجوم. عدد العمال الذين طردوا من عملهم أو انتقلوا إلى موقع الإضرابات الدفاعية ظل كبيرا جدا لفترة طويلة. في 9 سبتمبر كان عدد هؤلاء العمال 124351 عاملا، وحتى بداية أكتوبر كان 63620 عاملا يعانون من حرمانهم من العودة للعمل. وفي بعض الصناعات استمر الحرمان من العودة للعمل لما يزيد على العام حتى أول ديسمبر 1910. وشملت هذه الصناعات صناعة الملابس، والسيليولوز، وبناء الطرق والكباري، وصناعة النسيج وورش الخراطة. وانخفضت عضوية اتحاد النقابات بنسبة 33% في عام 1909، ولم يسترد الاتحاد عضويته كاملة حتى خلال عام 1910. (11)
وكان الإضراب العام في السويد مثالا قصويا على الإضراب الجماهيري البيروقراطي.

ثانيا) بلجيكا 1913: في 30 يونيو 1912 قرر مؤتمر خاص لحزب العمال البلجيكي الدعوة إلى إضراب من أجل حق الاقتراع لجميع الرجال وإلغاء الأصوات المضاعفة للأغنياء التي صنفت العمال كأنصاف أو أثلاث أو أرباع مواطنين. ولم يحدد المؤتمر موعد الإضراب، بل منح جميع السلطات في هذا الشأن للجنة الوطنية لحق الاقتراع والإضراب العام. ولم تقرر هذه اللجنة شن إضراب عام حتى اجتماعها في 12 فبراير عام 1913، ورغم ذلك حددت موعد الإضراب في 14 أبريل، أي بعد الاجتماع بشهرين. وكانت قيادات اللجنة تعتقد أن أنسب وقت للإضراب هو “فصل الربيع، حيث يمكن للعمال زراعة حدائقهم في وقت الفراغ خلال الإضراب – كما أن توقف العمل خلال شهر أبريل سوف يواكب من الناحية العملية عطلة عيد القيامة.” (12)

لماذا كل هذه الفترة، التي بلغت عشرة أشهر، والتي تفصل بين الدعوة للإضراب العام وتنفيذه فعلا؟ “إن بعض القيادات بلا شك كانت تأمل من اللعب على عامل الزمن حدوث شيء ما يجنبها تنفيذ الإضراب. ورغم أن أساليب القيادة فشلت في تجنب وقوع الإضراب العام في النهاية، فإن تأجيله لمدة عشرة أشهر سمحت بتنفيذ إضراب عام سلمي للغاية عن طريق التنظيم الذي استغرق وقتا طويلا والدعاية المتواصلة، والإحلال البطئ للمنطق الهادئ لعام 1913 محل العواطف الجامحة التي كانت سائدة في شهر يونيو 1912. ” (13)

كل شيئ كان منظما تنظيما صارما ومخططا له بعناية. مثال ذلك صدور تعليمات عامة تؤكد على الطابع السلمي تماما للإضراب، بل وحتى عدم التعرض لكاسري الإضراب. وشملت هذه التعليمات:

“أن تكون مسالما، مع تجنب جميع المسيرات الصاخبة والمظاهرات الغاضبة والمشروبات الكحولية. ممنوع التخريب، وممنوع التعدي على حرية العمل. بلغ هذه الرسالة للعمال: “شبكوا أياديكم، واجعلوا الإضراب مرحا. استمروا في الإضراب لستة أسابيع وسوف تنتصرون.” وحتى تستطيع الاستمرار في الإضراب لستة أسابيع يجب عليك أن تدخر. وفر المصروفات التي تنفقها في الحانة، وفي ممارسة الرياضة، والقمار. لا تساوم على أموال النقابة التي يجب الحفاظ عليها لتمويل الإضرابات الاقتصادية.”

خلال شهور يوليو وأغسطس وسبتمبر عام 1912، تم تنظيم العديد من اللقاءات الواسعة في المدن والمراكز الصناعية، ورددت الصحف العمالية آراء المتحدثين فيها. وعشية إعادة افتتاح البرلمان في شهر نوفمبر، انعقدت آلاف اللقاءات في توقيت واحد في مختلف أنحاء البلاد. وقامت اللجنة الوطنية للاقتراع والإضراب العام بإصدار مليون نسخة من أربعة بيانات وخمسة كتيبات بهدف نشر هذه الدعاية.

وتم تنظيم دعاية متخصصة من جميع الألوان والأشكال لدعوة المحليات، وللنقاش مع أفراد العائلة، وللدوائر الموسيقية والرياضية. وكانت هناك طوابع للإضراب العام توضع على المراسلات، رغم أن هيئة البريد رفضت فيما بعد لصق هذه الطوابع عليها. وشارات للإضراب العام توزع على المتحمسين وأغاني لإيقاظ المشاعر الطبقية حتى في الممرات والأكواخ الصغيرة التي يقطنها أشد العمال فقرا.” (14)

كان تمويل الإضراب منظما بأشد الأساليب المركزية والبيروقراطية الممكنة، حتى تمنع أي احتمال للنشاط العفوي للقواعد العمالية. وكان تنظيم الوجبات تحت سيطرة محكمة من قبل اللجنة الوطنية لإمدادات الغذاء.

“كانت مهمة اللجنة تقسيم الأحياء والمناطق بطريقة تضمن منع التقاء أكثر من مائتين من المضربين في نقطة واحدة حتى لا يتحول الإضراب عن طابعه السلمي.

وكانت الوجبات المشتركة تجمع المضربين معا مرتين يوميا، وتشجعهم على المحافظة على الطابع السلمي والنظام وتوفر مجالا لتوجيه الأوامر وشرح خطط القيادات. وقامت اللجنة بمهمتها بعناية شديدة حتى أنها أعدت حوالي عشرين قائمة طعام مختلفة قبل أن يبدأ الإضراب فعليا.” (15)

التنظيم الصارم شمل أيضا أنشطة المضربين في وقت الفراغ. “فقد تم إعداد برامج من جميع الأنواع للدراسة والترفيه بالنسبة للمضربين خلال فترة الإضراب. الولائم والحفلات الموسيقية، قراءة كتب مسلية وكتب ذات طابع اشتراكي، تجهيز مكتبات عمالية مؤقتة، وترتيب الاستخدام الكامل للمكتبات الموجودة، تخطيط زيارات جماعية للعمال إلى مختلف المتاحف والمعارض الفنية، (على ألا يتجاوز عدد المجموعة الواحدة 25 شخصا)، الرحلات اليومية إلى الريف واستخدام الحدائق العامة لممارسة الرياضة – كل هذه الأنشطة وأنشطة الإضراب الأخرى وضعتها في اعتبارها بعناية شديدة اللجنة الوطنية واللجان المحلية.”(16)

وقامت قيادة الإضراب بإشراك الشباب المتحمس والغاضب في “الشرطة العمالية” الخاصة من أجل منعهم من إساءة التصرف.

“لدرء مخاطر الاضطرابات من جانب شباب الاشتراكيين الأكثر نضالية، فكر قادة حزب العمال في تلك الخطة التي حققت نجاحا كبيرا بتحويل أكثر هؤلاء الشباب المتحمسين تأثيرا إلى شرطة عمالية خاصة، وقد حققت هذه الخطة نجاحا غير عادي.” (17)

واتخذت الإجراءات الصارمة لمنع الخطباء المندفعين من الانحراف عن الصراط الضيق المستقيم:

بعد بداية الإضراب، تم تعيين جميع المتحدثين خلال الاجتماعات الخاصة بالإضراب تعيينا محددا من قبل الاتحاد الذي كان أعضاؤه يعقدون هذه الاجتماعات حتى لا تحدث أي اضطرابات من قبل الخطباء غير الموثقين. (18)

لم تكن الحكومة واثقة في أن قيادات حزب العمال سوف يتمكنون من السيطرة الكاملة على العمال. “ولذلك، اتخذت السلطات جميع الاحتياطات الممكنة. وانتشر جنود الجيش والشرطة في كل مكان. ومنع اجتماع عدد كبير من الأفراد أمام أي من التعاونيات الكاثوليكية. وانتشرت الدوريات في محطات السكة الحديد وعلى خطوط القطارات، وقام الجنود بحراسة الأنفاق وحراسة أديرة الراهبات. وفي اليوم الأول من الإضراب، تواجدت قوات الجيش والشرطة في جميع المصانع والورش منذ السادسة صباحا. وقبل يوم 13 أبريل كانت السكك الحديدية والجسور وجميع المواقع الاستراتيجية تحت حراسة كثيفة. بل تم وضع جنود حتى في أكثر القرى هدوءا.” (19)

كان عدد العمال الذين شاركوا في الإضراب – 450 ألفا – عددا كبيرا مقارنة بالإضرابات الجماهيرية التي جدثت في روسيا في عام 1905، وأكبر بكثير إذا تم حسابهم على أساس نسبتهم العددية من سكان بلجيكا.

كان الهدوء والإنضباط هما أهم خصائص ذلك الإضراب:

“منذ البداية تكشف النظام والانضباط بدرجة ملحوظة. غادر العمال مصانعهم بنظام محكم، قاموا بتنظيف وتزييت ماكيناتهم وأدواتهم، وتركوا كل شيء في حالة تضمن عدم تعرضها لأدنى عطب يعطل استمرار العمل عندما يحين موعد ذلك. بل إن معارضي الإضراب أنفسهم اضطروا للاعتراف بأن ذلك يعد دليلا واضحا تماما على أن الإضراب ليس موجها ضد أصحاب العمل.

وتجول العمال أنفسهم في أحيائهم، يتطلعون بهدوء إلى فتارين المحلات، ينامون في وقت متأخر ولكن يذهبون إلى أسرتهم مبكرا، ويقومون بزراعة حدائقهم، يذهبون إلى الفرع المحلي لبيت الشعب لقراءة الصحف أو معرفة الأخبار من لجنة الانضباط المحلية. يزورون ذويهم في مدن أخرى، ويقطعون المسافة سيرا على الأقدام حتى لا ينفقوا أموالهم على السكة الحديد المملوكة للدولة، عدد كبير منهم أسلموا أنفسهم للزيارات الجماعية المنظمة بشكل رسمي إلى المتاحف والمعارض الفنية أو واظبوا على حضور الحفلات الموسيقية والمحاضرات العمالية. عمال المعادن حصلوا على عمل في فرنسا وقاموا بإرسال جانب كبير من أجورهم تبرعا لصندوق الإضراب. أما أكثر العمال حيوية وحماسا فقد شغلوا أنفسهم بالإدارة الفعلية لعملية الإضراب – يساعدون في مطابخ الوجبات، ويوزعون بطاقات الإضراب، ويعملون تحت إدارة لجنة الدعاية، أو يعملون ضمن شرطة الإضراب.” (20)

الإضراب العام في بلجيكا وصفه أحد المؤرخين وصفا مقتضبا بأنه “الصمت العظيم”. أما الجانب الذي أثار إعجابا أكبر لدى أحد المراقبين للإضراب فقد كان “ذلك الهدوء العميق الذي بدأ به الإضراب والانضباط الرصين الذي ساد تلك الفترة.” وأكد مراسل جريدة التايمز اللندنية في تقرير أرسله إليها خلال اليوم الأول للإضراب أن: “أنباء الهدوء تأتي من كل مكان. هذا الإضراب سلمي تماما.”

في شارلوا، حيث أضرب الغالبية العظمى من العمال، “لم يحدث أي اعتداء على من ذهبوا للعمل.” استطاع نفس المراسل أن يكتب في اليوم التالي أن “النظام المحكم مازال مهيمنا.” وفي اليوم الثالث للإضراب أرسل برقية تقول “حافظ العمال على نفس الطابع السلمي وغياب أي اضطرابات. لقد أوفى قادة الإضراب تماما بوعودهم بأن يكون الإضراب سلميا وأبدى العمال المضربون انصياعا يثير الإعجاب لهذه الأوامر.” ورغم وجود أعداد كبيرة من المراسلين الأجانب في جميع أنحاء بلجيكا يتابعون تطورات الإضراب، نشرت صحيفة التايمز عن اليوم الرابع للإضراب تقول “حتى الآن يسود الهدوء التام، ولم يحدث أدنى كسر لحالة الهدوء لعدة أيام على التوالي.”

وفي 20 أبريل، نشرت التايمز تقريرا جاء فيه “إن المضربين يتمتعون بنوع من العطلة ويتميزون بحسن السلوك ولا يبدو عليهم شئ يقترب من ذلك الشعور المثبط بالحزن الذي ينذر بالخطر في قضية حرجة وملحة.” (21)

واستمر الحال على ذلك الهدوء حتى نهاية الإضراب.

تم إنهاء الإضراب بعد عشرة أيام. ولم يحقق أي إنجاز واقعي على الإطلاق. ولم يطرأ أدنى تغيير على قانون الاقتراع في بلجيكا.

كان الإضراب البلجيكي نفيا متطرفا لمفهوم روزا لوكسمبورج عن الإضراب الجماهيري: لا عفوية، ولا تحركات مستقلة للقواعد، الانفصال الكامل بين السياسة والاقتصاد، لا مواجهة اقتصادية مع الرأسماليين، ولا مواجهة سياسية حقيقية مع الدولة. وحصرت السياسة في إطار المفهوم الضيق لإصلاح النظام الانتخابي.

« السابق التالي »