بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

نماذج من الإضراب الجماهيري

« السابق التالي »

6. لماذا كان قادة النقابات بهذه القوة في بريطانيا 1926؟

بلاشك أن عددا كبيرا من المتشائمين في وسط الحركة العمالية سيكون ردهم على الأحداث السابقة هو أنها تؤكد الرأي القائل بأن حدوث الإضرابات الجماهيرية الثورية – مثل إضراب روسيا 1905 – لم يعد ممكنا، وبأن الأجهزة المتطورة “للديمقراطية” (مثل النقابات والأحزاب العمالية القانونية، إلخ) سوف ينتهي بها المطاف إلى توجيه تطلعات العمال بعيدا عن المواجهة ونحو المساومة والتوافق مع أصحاب العمل والدولة. وسوف يجادلون بأنه لم يكن صدفة أن يشبه إضراب عام 1926 نموذجي الإضراب اللذين شهدتهما بلجيكا والسويد.

غير أن الدراسة المدققة للوضع في بريطانيا تكشف أن هذه الرؤية خاطئة تماما. فلا يمكنها تفسير التغيرات الهائلة التي جرت في قدرة القيادات النقابية على السيطرة على نشاط القواعد العمالية وخنقه خلال الأعوام السبعة السابقة على الأضراب العام. في الواقع أن هذه السيطرة الخانقة التي استطاعت البيروقراطية تحقيقها بحلول عام 1926 تتعارض بصورة حادة مع ضعفها وهوانها خلال الفترة بين عامي 1910 و 1919. ولم تكن هذه التطورات قدرا محتوما وإنما ترتبت على ما حققه الصراع الطبقي نفسه من هزائم وانتصارات خلال تلك السنوات.

جاء إضراب عام 1926 في أعقاب فترة طويلة من التدهور المستمر في مستوى الصراع الطبقي، وهي الفترة التي شهدت تحولا شديدا في ميزان القوى الطبقي ضد الطبقة العاملة.

ففي الفترة بين عام 1910 وعام 1919 كانت الطبقة العاملة البريطانية في موقع الهجوم بشكل أوضح كثيرا من أي فترة تاريخية أخرى، فكانت أقرب إلى الثورة منها في أي فترة أخرى في تاريخنا الحديث. وحذر ليود جورج رجال الدولة الذين كانوا مجتمعين في مؤتمر السلام في باريس بأن “إوروبا تمر بحالة ثورية. إن جماهير الشعب في أوروبا من أقصاها إلى أقصاها تهدد حاليا النظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي القائم برمته.”(61) حتى في بريطانيا التي كانت أكثر الدول الأوروبية استقرارا، تحدثت تقارير سرية حكومية في نهاية عام 1918 عن انتشار”عدوى البلشفية” وأضافت أن هناك “شعور واسع الانتشار بين الطبقة العاملة بأن العروش الملكية أصبحت شكلا رجعيا ينتمي إلى العهود البائدة وأن نظام السوفيت ربما يثبت أنه أفضل شكل للحكم الديمقراطي، ولا يبدو أن هذا الشعور قاصر على الثوريين منهم.”(62)

كانت الحكومة تتشكك في إمكانية الاعتماد على الجنود وولائهم لها. وقد تحدث توماس جونز، وزير شئون مجلس الوزراء، في يومياته مرات عديدة عن التآخي بين الجنود وبين العمال المضربين ولذلك كان يتم سحبهم فورا إلى الثكنات. كانت الحكومة خائفة من الثورة، وقد أوضح مؤتمر عقد في الثاني من فبراير 1920 مخاوف مجلس الوزراء.

في البداية تعرف رئيس الوزراء من قيادة الجيش على عدد القوات في بريطانيا العظمى وأيرلندا، ثم تحول إلى ترينشارد (رئيس أركان القوات الجوية) سائلا – “كم عدد أفراد القوات الجوية التي يمكنها التعامل مع الثورة؟” وأجابه ترينشاد بأن لديه 20 ألف ميكانيكي و ألفي طيار ولكن مائة طائرة فقط يمكنها التحليق. وخلال الحرب كان التحليق بطائرة واحدة فقط في الهواء يحتاج إلى 46 فردا. ولم يكن لدى الطيارين أسلحة ملائمة للحرب البرية. لكن رئيس الوزراء افترض أنه يمكنهم استخدام البنادق الآلية وإسقاط القنابل. وأوضح مونرو (وزير الخارجية لشئون اسكتلندا) أن قوات الشرطة الموجودة لا تكفي للتعامل مع الثورة أو مواجهة إضرابات عمالية كبيرة مصحوبة بإمكانية التخريب.

رئيس الوزراء : “لن تواجه أي عمليات تخريب في بداية الإضراب.”

روبرتس (إدارة الغذاء): ولكن ينبغي أن نضع في اعتبارنا احتمالات التخريب في بداية الإضراب. فهناك أعداد كبيرة تعد لتشكيل حكومة سوفيتات.

إريك جديز (وزير النقل): ينبغي أن نفترض أيضا تعطيل محطات الكهرباء.

رئيس الوزراء: لا جدوى من استخدام عشرة آلاف من الجنود … فلن يستطيع جيش تعداده مليون جندي أن يمنع تعطيل محطات الكهرباء العملاقة بصورة مفاجئة. (63)
لم تكن مخاوف الحكومة في عام 1919 محصورة فقط في الأزمة السياسية، أو القلق بشأن تماسك الدولة. فعلاوة على هذه المخاوف، بل وأساسها، كان المشهد العاصف في القطاع الصناعي والاقتصاد. فقد بدأ العام بإضراب المهندسين على طول نهر كلايد في 27 يناير واستمر الإضراب لمدة 40 ساعة. وخرجت مسيرات للمضربين متنقلة من شركة إلى أخرى في كافة أنحاء مدينة جلاسجو حتى بلغ عدد المهندسين الذين انضموا إلى الإضراب بسرعة 60 ألف مهندس. ثم تلاها مدينة بلفاست بنفس الطريقة.

أكثر من 60 ألف عامل أعلنوا إضرابهم في بلفاست وشارك في الإضراب 100 ألف، وكانت المدينة عمليا تحت سيطرة المضربين.

ولكن في مساء نفس الوم كان مركز مدينة جلاسجو قد تحول إلى ثكنة عسكرية. فقد تم استدعاء آلاف الجنود إلى المدينة مدججين بالبنادق الآلية والدبابات. وامتلأ الميدان بالمتاريس وحوصرت محطة السكة الحديد كما لو أن المدينة كانت تحت الحصار. (64)
وللأسف كانت الحركة محصورة في مدينتي جلاسجو وبلفاست. المجلس التنفيذي لجمعية المهندسين المتحدة أدان الإضراب وأوقف لجنة المدينة في جلاسجو.

عند هذا الحد لجأت الحكومة إلى المناورات الذكية باستخدام تكتيك فرق تسد، بتسوية النزاع مع قطاع من الطبقة العاملة تلو الآخر.

عمال المناجم كشفوا عن استعدادهم للنضال حتى قبل بداية إضراب الأربعين ساعة على طول نهر كلايد. ففي مؤتمر عقد يوم 14 يناير قرر اتحاد عمال المناجم المطالبة بزيادة الأجور بنسبة 30%، وتخفيض يوم العمل إلى 6 ساعات، وتأميم المناجم تحت سيطرة العمال. وعندما رفضت هذه المطالب، أحال اتحاد عمال المناجم القضية إلى أعضائه. وصوت العمال بأغلبية ساحقة بالموافقة على الإضراب. (كانت نتيجة التصويت 615164 مع الإضراب مقابل 105082 ضده) وتمت التكليفات اللازمة بعمل اللافتات.

وفي مواجهة هذا الإنذار خلال الأيام التالية في شهر فبراير، وجدت الحكومة نفسها في موقف خطير. فجميع الظروف كانت تخدم عمال المناجم. فقد كان مخزون الفحم ضئيلا للغاية ولم يكن في لندن منه إلا ما يكفي ثلاثة أيام. في نفس الوقت كان الأعضاء الآخرون في الحلف الثلاثي (عمال السكة الحديد وعمال النقل) يتشاورون مع عمال المناجم، وقد طرحوا أيضا مطالبهم الخاصة على طاولة المفاوضات. وباختصار كان ليود جورج وزملاؤه يواجهون نذر الإضراب العام مفعمة باحتمالات ومضامين ثورية.(65)

وبحنكة بالغة قام ليود جورج بترشيح لجنة ملكية برئاسة سانكي لدراسة قضية عمال المناجم. وعرض تقرير مبدئي في 20 مارس لدراسة زيادة الأجور للوردية، وتخفيض ساعات العمل من ثماني إلى سبع ساعات بداية من 16 يوليو 1919، ثم تخفيضها إلى ست ساعات فقط تبدأ من 13 يوليو 1921، كما أشار إلى أن التقريرالنهائي سوف يوصي بتأميم المناجم. وفي 26 مارس قبل اتحاد عمال المناجم التقرير المبدئي وسحب إعلان الإضراب. وتنفست الحكومة الصعداء. فقد مر الخطر المباشر والفوري. وفي 23 يونيو قامت لجنة سانكي بعرض تقريرها النهائي وأوصت بتأميم المناجم ومنح عمال المناجم حصة في إدارتها. ولكن في 18 أغسطس، بعد أن فقد الإضراب قوته الدافعة، أعلن ليود جورج في مجلس العموم البريطاني أن الحكومة رفضت تقرير سانكي.

وما كادت أزمة المناجم تنحسر حتى أضرب 300 ألف من عمال القطن في يونيو مطالبين بتخفيض أسبوع العمل إلى 48 ساعة وزيادة الأجور بنسبة 30%. وانتصر إضرابهم.

وفي يوليو، أعلنت الشرطة إضرابا ضد قانون قدمته الحكومة يحظر تشكيل النقابات في جهاز الشرطة، ولكن إضرابهم كان جزئيا وتركز فقط في لندن وليفربول، وقد هزم الإضراب وطرد العديد من رجال الشرطة من وظائفهم.

وفي نفس الوقت حيث كانت مطالب عمال المناجم في انتظار اتخاذ القرار بشأنها، أي خلال شهر فبراير، طالب عمال السكة الحديد بزيادة الأجور، وماطلت الحكومة. وطالت مدة التفاوض لتمتد من شهر فبراير إلى شهر أغسطس، وخلال هذه الفترة كانت أزمة عمال المناجم قد انتهت. وحاولت الحكومة خلال شهر أغسطس رشوة سائقي القاطرات بالاستجابة لمطالبهم ، آملة بذلك في عزل نقابة عمال السكة الحديد عن نقابة سائقي القطارات (ASLEF). واتباعا لنفس المنهج، قامت الحكومة في سبتمبر بمواجهة نقابة عمال السكة الحديد بفرض تخفيض للأجور بصورة مستفزة. ولكنها هذه المرة أخطأت التقدير: فقد رفض سائقو القطارات رشوة أغسطس، وشنوا إضرابا تضامنا مع رفاقهم في الدرجات الأخرى، وبعد تسعة أيام فاز عمال السكة الحديد بزيادة كبيرة في الأجور.

وعلى مدى عام 1919، حاولت الحكومة أن تعزل كل قطاع من الطبقة العاملة عن القطاعات الأخرى، ونجحت إلى حد كبير في تحقيق ذلك. ورغم أنها أجبرت على تقديم تنازلات، فقد استطاعت أن تتجنب مخاطر حركة ثورية عامة وموحدة للطبقة العاملة. وساعدت فترة رخاء ما بعد الحرب في تمكين أصحاب العمل من تلبية معظم مطالب النقابات بزيادة الأجور، وساعدت سياسة النقابات وقادة العمال الحكومة وأصحاب العمل علي تجنب مواجهة مباشرة بين الطبقات. وكان عام 1919 عام الإضرابات الهجومية في طابعها والكبيرة في حجمها، وبلغ عدد أيام الإضرابات 34 مليون و 903 آلاف يوم على الأقل. وكان هذا العام تتويجا لفترة استطاعت فيها النقابات زيادة أعضائها بنسبة هائلة من 2.5 مليون عضو في 1910 إلى 8 ملايين و 328 ألف عضو في عام 1920.

وفي صيف عام 1920، بدأت تظهر أولى علامات النهاية لرخاء ما بعد الحرب. فقد توقفت أسعار الجملة عن الارتفاع، ثم بدأت في الركود ثم الانخفاض بوتيرة سريعة. وبدأ الكساد الحاد بحلول فصل الشتاء وبدأت البطالة ترتفع من شهر إلى آخر. فقد كان عدد العاطلين في خريف عام 1920 يبلغ ربع مليون عاطل لكن هذا الرقم ارتفع إلى 700 ألف عاطل بحلول نهاية العام، ثم تجاوز رقم المليون عاطل بحلول فبراير عام 1921، وارتفع إلى 1.3 مليون عاطل في شهر مارس، ثم إلى أكثر من مليوني عاطل في شهر يونيو (لتبلغ نسبته 17.5% من عدد المؤمن عليهم). وانخفض هذا الرقم قليلا بنهاية عام 1921 حتى بلغ 1.5 مليون عاطل في عام 1922، ولكن إجمالي عدد العاطلين استمر سنوات عديدة قبل أن ينخفض إلى أقل من المليون عاطل.

انتهز أصحاب العمل تلك الأوضاع لشن هجوم كبير على مستوى معيشة العمال، ليسحبوا مرة أخرى جميع المكاسب التي حققها العمال خلال فترة الحرب وما بعدها.

أغلقت المناجم في وجه العمال في 31 مارس 1921 بعد رفضهم الموافقة على تخفيض الأجور واستبدال اتفاقية الأجور الموحدة على المستوى القومي باتفاقيات محلية. ولجأ عمال المناجم إلى زملائهم في الحلف الثلاثي، عمال السكة الحديد وعمال النقل، الذين أعلنوا إضرابا عاما لعمال السكة الحديد والنقل تأييدا لهم. ولكن في يوم الجمعة الخامس عشر من أبريل – الجمعة السوداء – قام جيمي توماس من نقابة عمال السكة الحديد، وهاري جوسلنج وإرنست بيفين من نقابة عمال النقل بخيانة عمال المناجم والدعوة إلى إنهاء الإضراب.

استمرت معاناة عمل المناجم، الذين أصبحوا معزولين تماما، لمدة ثلاثة أشهر حتى رضخوا في النهاية وقبلوا شروط رجال الأعمال. وانخفض متوسط أجر الوردية بعد حادث الإغلاق في 1921 إلى أقل من نصف الأجر في شهور شتاء عام 1920 و 1921. (66)
واشتدت وتيرة هجوم أصحاب العمل في مختلف قطاعات الصناعة، وفرض تخفيض الأجور على المهندسين، وعمال صناعة السفن والبنائين والبحارة (وقد قام طباخو ومضيفو السفن بإضرابات لم تحقق نجاحا)، كما تم تخفيض أجور عمال القطن بعد إغلاق عام لأصحاب العمل. وبلغ عدد العمال الذين تعرضوا لتخفيضات كبيرة في الأجور ستة ملايين عامل بحلول نهاية عام 1921. (67)

قبل إنهاء إضراب عمال المناجم في الرابع من يوليو، حدث إغلاق واسع النطاق في قطاع القطن. وقد ووجه عمال القطن بمطالب أصحاب العمل بتخفيض كبير في أجورهم، ورفضوا قبول هذه المطالب. فأغلقت المعامل في وجه 500 ألف عامل من 3 إلى 27 يونيو حيث عاد العمال لمواصلة العمل على أساس تخفيض أجورهم.

ثم جاء دور العمال في الصناعات الهندسية الذين تعرضوا لعمليات إغلاق لمدة أربعة عشر أسبوعا بدأت في مارس 1922. وما كاد يبدأ هذا الإغلاق حتى كان عمال صناعة السفن قد أغرقوا في نضال دفاعي ضد تخفيض الأجور. وتلى ذلك إضراب لعمال الطباعة في مواجهة مطالب بتخفيض الأجر الأسبوعي. وقد استمرت هذه النضالات الدفاعية في مختلف الصناعات طوال عامي 1922 و 1923. (68)

توقفت لبرهة حالة التراجع العام في أوضاع الطبقة العاملة في 1924 نتيجة لظروف خارجية. فقد ارتفع الطلب على الفحم البريطاني بسبب احتلال الفرنسيين منطقة الرور في شمال غرب ألمانيا وإضراب العمال الألمان احتجاجا على ذلك، واستطاع عمال المناجم في بريطانيا زيادة الأجور في عام 1924. وانخفضت نسبة البطالة في جميع الصناعات من 13.6% في يناير 1923 إلى 7% في مايو 1924. ولكن ذلك الرخاء الاصطناعي لم يدم طويلا. وبمجرد توقيع اتفاقية 1924 المحسنة، انتهي احتلال الفرنسيين لمنطقة الرور، ثم تدفق الفحم الألماني بسرعة في الأسواق الأوروبية ليطرد الصادرات البريطانية خارج السوق. وارتفعت البطالة مرة أخرى وسط عمال المناجم من 5.7% في 1924 إلى 15.8% في عام 1925. وما زاد على هذه الصعوبات، أن وزير مالية بريطانيا آنذاك وينستون تشرشل أعاد الجنيه الاسترليني إلى قاعدة الذهب مما أدى إلى تقويض قدرة الصناعة البريطانية على مواجهة المنافسة العالمية.

انخفض عدد أعضاء النقابات من 8 ملايين و348 ألف عضو في 1920 إلى 6 ملايين و 633 ألف عضو في عام 1921، ثم إلى 5 ملايين و 625 ألف عضو في 1922، وإلى 5 ملايين و 429 ألف عضو في 1923، ثم ارتفع قليلا إلى 5 ملايين و 544 ألف عضو في عام 1924 قبل أن ينخفض مرة أخرى إلى 5 ملايين و 506 ألاف عضو في 1925 وإلى 5 ملايين و 219 ألف عضو في 1926.

موجة الهبوط في الصراع الطبقي أدت إلى ضعف قوة القواعد العمالية في مواجهة أصحاب العمل وزيادة الاعتماد على بيروقراطية النقابات.

وكان أقوى تنظيم نقابي على مستوى المصانع خلال فترة الحرب موجود لدى قطاع الصناعات الهندسية، ولكن انتهت قوة التنظيم بعض إضراب الأربعين ساعة في عام 1919. وكما يشير ميرفي:

كان إضراب الأربعين ساعة آخر مناسبة بادرت فيها النقابات المصنعية ولعبت دورا مستقلا في حركة إضرابات عظيمة. وأدى النشاط المستقل للنقابات وإعادة تحويل العمل بعيدا عن قطاع الصناعات الهندسية علاوة على فصل العناصر النشطة من أعضاء النقابات المصنعية إلى التدهور السريع في لجان النقابات المصنعية المنتخبة إلى مجرد جماعات دعاوية داخل النقابات. (69)

حركة الإغلاق في قطاع الصناعات الهندسية في عام 1922 وأدت حركة أعضاء النقابات المصنعية فتوقفت تماما. وشرح ميرفي ذلك أمام المؤتمر الرابع للكومنترن في نوفمبر 1922 قائلا:

كان عندنا في إنجلترا حركة قوية لأعضاء النقابات المصنعية، ولكنها لا توجد ولا يمكن لها أن توجد إلا في ظل شروط موضوعية محددة. وهذه الشروط الضرورية غير متوافرة في إنجلترا في الوقت الراهن … فلا يمكن بناء منظمات مصنعية في ورش بالية وفارغة بينما يوجد احتياطي هائل من العمال العاطلين. (70)

أثرت موجة التراجع الهائلة التي عانت منها الطبقة العاملة بعد عام 1919 على استقلال القواعد العمالية عن البيروقراطية النقابية. وكما ذكرنا آنفا، ينبع هذا الاستقلال من ثقة العمال في مواجهة أصحاب العمل. ولإدراك مدى عمق التغير الناجم عن هجوم أصحاب العمل خلال عامي 1921 و 1922، لا يحتاج المرء إلا أن يقتبس من ميرفي، والذي يرجح أنه كان الأكثر ذكاءا بين قادة حركة النقابات المصنعية خلال الحرب العالمية الأولى، وكان عضوا بارزا في حزب العمال الاشتراكي ثم انضم بعد ذلك إلى الحزب الشيوعي. ففي يوليو من عام 1917، كتب ميرفي مبالغا في دور القواعد العمالية مقارنة بدور جميع القيادات: “إن واجب أعضاء اللجان المصنعية لا يتضمن القيادة، وفي واقع الأمر هذه الحركة ككل تمثل إنكارا ورفضا لهذه القيادة.” (71) والآن في عام 1922 تحول موقف ميرفي نفسه تحولا كاملا مطالبا بالتوجه إلى قادة النقابات – حتى من كان منهم ينتمي إلى الجناح اليميني. كتب ميرفي: “هل تحول مواقف ستة ملايين جيمي توماس أسهل من تحول جيمي توماس واحد؟ أم أنك تحمل احتقارا ضد جيمي توماس محدد حتى أنك تتمنى تجاهل أحد هؤلاء؟”(72). هذا ما كتبه ميرفي بعد خيانة جيمي توماس لعمال المناجم يوم الجمعة الأسود.

وبعد عام من ذلك، كتب المناضل البارز من الحزب الشيوعي هاري بوليت: “يستطيع عدد قليل من القادة البارزين إذا وجدوا أمامهم فرصة لذلك أن يحققوا أي شيء في هذه اللحظة من خلال الالتفاف على برنامج محدد وواضح.” واستمر على هذا المنوال حتى أنه اقتبس مؤيدا كلمات جورج هيك، الأمين العام “اليساري” لنقابة عمال البناء: “إن ما نحتاجه هو نصف دزينة من الرجال الثقاة من أجل وضع البرنامج.”(73)

وهكذا كانت الخلفية التاريخية للإضراب العام في 1926 تمثل تدهورا من وضع ما قبل ثوري في عام 1919 إلى الاختفاء الكامل تقريبا لمنظات النقابات المصنعية القاعدية، وافتقاد الثقة بين القواعد العمالية، وبالتالي الاعتماد الشديد على البيروقراطية النقابية.

« السابق التالي »