بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

نماذج من الإضراب الجماهيري

« السابق التالي »

7. أكبر إضراب جماهيري في التاريخ – فرنسا 1968 (74)

في الثالث عشر من مايو اندلع البرق الخاطف كما لو كان قادما من سماء صافية زرقاء وأعلن عشرة ملايين عامل إضرابهم عن العمل. بهذه الطريقة عادة يوصف الإضراب الجماهيري الفرنسي. غير أن النظرة الفاحصة تساعد المرء على اكتشاف أن هذا الإضراب كان نتيجة لعملية اختمار طويلة ونضوج للطبقة العاملة الفرنسية. فالملامح الرئيسية للإضراب، بدايته وتطوره ونتائجه، تشكلت أساسا على الخلفية التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية للحركة العمالية الفرنسية.

طلاب فرنسا لعبوا دور المفجر في هذا الانفجار الاجتماعي الهائل. وكانت حركة الطلاب قد تشكلت من خلال النضال ضد حرب الجزائر ثم النضال ضد حرب فييتنام.

في 20 نوفمبر 1967، شهدت مدينة نانتير أكبر إضراب طلابي في فرنسا حتى اليوم، شارك فيه 10 آلاف طالب. وفي 13 ديسمبر شن جميع طلاب الجامعات في فرنسا إضرابا لمدة يوم واحد وانضم إليهم ست مدارس ثانوية. وأعلن يوما الثاني والثالث من مايو 1968 يومين للتظاهر ضد الإمبريالية. في الثاني من مايو أعلن رئيس الجامعة إغلاقها للمرة الثانية. وفي السادس من مايو نظم طلاب باريس مظاهرة جديدة أكبر حجما وأكثر عددا. كما بدأت مظاهرة طلابية أخرى في السابع من مايو من ميدان دنفر روشيرو. وفي النهاية بلغ العدد 50 ألف طالب تجمعوا في حدائق الإليزيه يحملون الرايات الحمراء ويغنون نشيد الأممية. وفي العاشر من شهر مايو تجمع 50 ألف طالب وانضم إليهم للمرة الأولى عدد من العمال الشباب، في ميدان دنفر روشيرو، وفي تلك الليلة تم بناء ستين متراسا. واستمرت معركة المتاريس التي بدأت في الثانية وسبع عشرة دقيقة ليلا، حتى السابعة صباحا.

في الحادي عشر من مايو اجتمع مندوبون من الاتحاد الوطني لطلاب فرنسا، ومن اتحاد النقابات الذي يقوده الحزب الشيوعي (CGT) مع مندوبين من اتحاد النقابات المرتبط بالحزب الاشتراكي (CFDT) وقرروا إعلان يوم الاثنين الثالث عشر من مايو يوما للإضراب العام والتظاهر ضد وحشية الشرطة تجاه الطلاب. وشارك 10 ملايين من العمال في الإضراب يوم الثالث عشر من مايو، وأصيبت البلاد كلها بالشلل، فقد كان عدد المضربين يزيد كثيرا عن عدد من شاركوا في إضراب يونيو 1936، الذي بلغ عدد المشاركين فيه عند الذروة حوالي 1.5 مليون عامل.

في عام 1936، كان الانتصار الانتخابي الذي حققته الجبهة الشعبية هو الذي لعب دور المفجر للإضراب العام واحتلال المصانع. وفي عام 1944-1945 كان المفجر هو الانتصار العسكري على النازية. أما في هذه المرة فقد كان الكفاح الطلابي هو مفجر الأحداث.

كانت رغبة قادة النقابات أن يكون الإَضراب إضرابا رمزيا لمدة يوم واحد – إضراب آخر في سلسلة طويلة من الإضرابات الرمزية. لكن استجابة العمال في الثالث عشر من مايو لم تكن تشبه الإضرابات الرمزية بأي صورة من الصور. وشارك في الإضراب 10 ملايين من العمال، بما يزيد على أربعة أضعاف إجمالي عدد العمال المنظمين في النقابات، وأصيبت فرنسا كلها بالشلل. وشهدت باريس مظاهرة شارك فيها مليون شخص. ورغم الجهود التي بذلتها قيادة السيه جي تيه والحزب الشيوعي لم يلاحظ في المظاهرة رفع الأعلام ثلاثية الألوان من الناحية العملية – أحد المراقبين استطاع أن يحصي ثلاثة منها فقط، بينما رفرفت الآلاف من الأعلام الحمراء. قادة السيه جي تيه رفعوا شعارات “المال، شارل ديجول، والدفاع عن القدرة الشرائية”، بينما هتف الطلاب: “كل السلطة للعمال”، “القوة موقعها في الشارع”، “أطلقوا سراح رفاقنا”، “شارل ديجول قاتل”، ورددوا هتافات تنديدا بشرطة مكافحة الشغب. أما الشعارات الرئيسية التي رددها العمال، فلم تكن شعارات السيه جي تيه ولا قيادة الحزب الشيوعي، ولا الشعارات التي رددها الطلاب الثوريون. كانت شعاراتهم الرئيسية هي: “عشرة أعوام تكفي”، “تسقط الدولة البوليسية”، “ذكرى سنوية سعيدة أيها الجنرال”، وأنشدت جماعات كاملة ذلك الكورس المعروف “وداعا يا ديجول” بإيقاع حزين. ولوحوا بمناديلهم لتعم الجميع حالة من البهجة العارمة.

كانت خلافات سياسية خطيرة وراء هذا التباين في اختيار الشعارات. كان السيه جي تيه والحزب الشيوعي يأملان أن يكون إضراب اليوم الواحد والمظاهرة بمثابة صمام أمان فعال – وأن يكون ذلك نهاية النضال. ولكنهما لم يضعا في حسابهما موقف القواعد العمالية.

في 14 مايو أعلن عمال مصنع سود للطائرات في نانت إضرابا غير محدد المدة، قام العمال باحتلال المصنع واحتجاز المدير داخل مكتبه. (حاولت جريدة لو هومانيته التابعة للحزب الشيوعي تجاهل الحدث، وفي اليوم التالي خصصت له سبعة أسطر فقط في الصفحة التاسعة.) وفي اليوم التالي تم احتلال مصنع رينو-كليون. وانتشرت حركة الإضرابات واحتلال المصانع في كل مصانع شركة رينو في 16 مايو. وفي بيلانكورت، أعلن المضربون مطالبهم بحد أدنى للأجور ألف فرنك شهريا، والعودة الفورية إلى نظام العمل 40 ساعة أسبوعيا دون تخفيض الأجر، والتقاعد في سن الستين، وأجر كامل عن أيام الإضراب، وحرية العمل النقابي في المصانع. وقد تم تبني جميع هذا المطالب في كل الشركات الكبرى في البلاد.

سيرا على خطى عمال رينو، قام عمال الصناعات الهندسية، مصانع السيارات والطائرات، بإعلان الإضراب وقاموا باحتلال المصانع. وفي 19 مايو توقفت القطارات وخدمات البريد والتلغراف، ثم توقفت حركة مترو الأنفاق والباصات في باريس. وامتد الإضراب إلى المناجم، والشحن، والخطوط الجوية وغيرها، وأصبح إضرابا عام في 20 مايو وكان يضم 9 ملايين عامل في هذا التاريخ. وانضم إلى الإضراب فئات لم تنخرط من قبل في أي إضرابات – مثل الراقصين في ملهى فوليه برجيري، ولاعبي كرة القدم، والصحفيين، ومندوبات المبيعات والتقنيين. ورفرفرت الأعلام الحمراء في جميع مواقع العمل. ولم يشاهد أي علم ثلاثي الألوان مرفوعا رغم بيان قادة السيه جي تيه والحزب الشيوعي بأن “رايتنا هي العلم ثلاثي الألوان مع العلم الأحمر.”

صحيح أن الطلاب لعبوا دور المفجر للحركة العمالية وكان دورهم بالغ الأهمية. فمجرد شجاعة الطلاب في هجومهم على قوات السي آر إس الخاصة – وهي شرطة مكافحة الشغب شبه العسكرية التي تحظى بكراهية شديدة – بل وهزيمتهم لها في معارك عنيفة على متاريس الشوارع التي أقيمت على عجل بلاشك شجعت العديد من العمال وجعلتهم يشعرون بأن الطلاب لا ينبغي أن يكونوا وحدهم في المواجهة. ولكن في مناطق أخرى، كانت هناك حركات طلابية بنفس ضخامة وكفاحية الطلاب الفرنسيين – على سبيل المثال في ألمانيا وأمريكا – ولم يكن لها تأثير على الطبقة العاملة يقارن ولو من بعيد بتأثيرها في فرنسا. فلماذا لم يتبع العمال الفرنسيين نموذج الكثير من أقرانهم الألمان في أن ينحازوا ببساطة إلى قوة “القانون والنظام”؟

إجابة هذا السؤال نجدها في أحداث العامين السابقين اللذين شهدا صعودا في نضال العمال في المصانع. فمرة تلو الأخرى كانت تندلع النزاعات الصناعية العنيفة، بما في ذلك احتلال المصانع، واحتجاز مدرائها من قبل العمال، والمعارك الدموية مع فرق السي آر إس. وكانت هذه الصراعات بمثابة بروفات لأحداث مايو 1968. وشهدت نفس الفترة تنظيم السيه جي تيه المرة بعد الأخرى لإضرابات مظهرية، بما فيها إضراب عام لمدة يوم واحد. وفي هذه الإضرابات والنضالات قامت القيادة بالخلط بين القضايا السياسية والانتخابية وبين قضايا الخبز والزبد المباشرة. وكانت هذه أيضا بروفات لسلوك البيروقراطية في شهري مايو ويونيو عام 1968.

في 17 مايو 1966، تمت الدعوة إلى إضراب في كل القطاعات. وربما كان هذا الإضراب أحد أهم الإضرابات التي شهدتها الجمهورية الخامسة. وكان إضرابا موجها ضد اتحاد أصحاب العمل الفرنسي وضد الحكومة أيضا، كما كان إضرابا واسع الانتشار.

وفي أول فبراير عام 1967، تمت الدعوة إلى إضراب جماهيري جديد، يضم بشكل أساسي القطاع المملوك للدولة، بالإضافة إلى بعض موظفي الحكومة، فيما كان عمال القطاع الخاص خارج الحركة، فيما عدا القطاع الخاص في الأقاليم. وأضرب 75 % من عمال الكهرباء لمدة 24 ساعة، وعمال السكة الحديد لمدة 48 ساعة، وقام عمال البريد بتنظيم 40% من موظفي البريد في باريس و 24% في الأقاليم في إضراب دام 24 ساعة، كما أضرب 100 % تقريبا من المدرسين في المدارس الابتدائية ونسبة كبيرة جدا من مدرسي المدارس الثانوية لمدة يوم واحد. وكان تأييد الإضراب في القطاع الخاص غير متساو إلى حد كبير، كما كان من الصعب قياس مدى هذا التأييد لأن العديد من المصانع أغلقت نتيجة لانقطاع الكهرباء. وقد انتقم أصحاب العمل من العمال في عدد من الحالات بإغلاق المصانع بهدف كسر إرادة العمال وإضعافهم. وكانت أهم حالات الإغلاق في مصانع داسولت للطائرات في بوردو، وفي مصانع سيديلور للصلب في فيليروب.

وبعد إغلاق مصانع داسولت، دخل العمال إضرابا عفويا والذي استمر لمدة ثلاثة أسابيع، وكان هذا الاضراب تحديدا يتميز بالروح النضالية. وقد سبقه عدد من الإضرابات والاحتجاجات الأخرى في شهر ديسمبر، وفي بعض الورش توقف العمال عن العمل وعكفوا على صناعة الرايات. وعندما قام رئيس مجلس الإدارة بزيارة المصنع أحاط به العمال ولم يطلقوا سراحه حتى وعدهم أنه سيفعل شيئا لمعالجة مسألة الأجور. وتمت مناقشة مسألة احتلال المصنع ولكن لم يشرع العمال في ذلك.

وخرج العمال إلى الشوارع في مظاهرة تلو الأخرى. وقاموا بأسر عمدة المدينة ثم تركوه يهرب. وعموما، اهتم العمال بأن تحظى مظاهراتهم وتحركاتهم بالإعلان الكامل بقدر ما تتحمل الشوارع ذلك. وأطلق كفاحهم شرارة حركات التضامن: مثل مسيرة مشتركة للقطاعات في مدينة بوردو، وإضراب تضامني لمدة ساعتين لثلاث اتحادات لعمال الصلب، إلخ. وانتصر العمال.

وأثر الإضراب تأثيرا قويا على الإضرابات التالية مباشرة في منطقة ليونز.

فما أن انتهى إضراب مصنع داسولت حتى بدأ إضراب مصنع رودياسيتا، وهو أحد مصانع النسيج يقع في بيزانكون ويعمل به 3000 عامل. كان لدى عمال المصنع عدد هائل من حرس الإضراب الذين قاموا باحتلال المصنع ومنعوا المدير من دخوله. واستنكر السيه جي تيه احتلال المصنع وما فعله حرس الإضراب معتبرا ذلك تعديا على حقوق المالك القانونية وأيده في هذا الموقف اتحاد النقابات المرتبط بالحزب الاشتراكي (CFDT). وقام العمال المضربون بتنظيم لقاءات لمناقشة الاقتصاد السياسي، وترديد الأغاني الجماعية وعقدوا مزادا على لوحات الفنانين المحليين. ورغم أن سيطرة القواعد العمالية لم تكن واضحة بنفس الدرجة في مصنع داسولت، لم ينخدع العمال بمطالب التهدئة من قبل الإدارة والمبادرات النقابية. وانتشر الإضراب إلى مدن فيز، سان فونس بل إيتوال ومناطق أخرى، وبلغ إجمالي عدد العمال المضربين في شركة رودياسيتا 14 ألف عامل.

ثم امتد الإضراب إلى مصنع بيرلييه المتخصص في إنتاج سيارات النقل ويعمل به 12 ألف عامل. كانت دعوة السيه جي تيه واتحاد النقابات المرتبط بالحزب الاشتراكي (CFDT) لإضراب لمدة ساعتين فقط، لكن العمال بدأوا إضرابا غير محدد المدة وقاموا باحتلال المصنع. وأعلن مصنع بيرلييه إغلاق أبوابه واستدعى شرطة مكافحة الشغب لإخلاء المصنع من العمال. ومع ذلك، لم يتحقق الكثير من المكاسب بسبب غياب التنسيق بين النقابات.

وتلى هذا الإضراب إضراب آخر في أول مارس 1967 انخرط فيه 3000 من عمال التعدين في مدينة سانت نازار. وكان مسار هذا الإضراب مماثلا لإضراب عمال داسولت من حيث ارتفاع معنويات العمال، كما أن قيادة الإضراب لم تكن من أعلى وإنما من خلال اجتماعات العمال المشاركين في الإضراب.

وفي 18 مارس تم إغلاق مصنع لبناء السفن تابع لشركة شانتييه دولاتلانتيك بالمدينة يعمل به 8 آلاف عامل بحجة عدم الانضباط.

وفي 11 أبريل أعلن الإضراب العام في سانت نازار من قبل عمال القطاع العام والقطاع الخاص، وبعد ذلك خرجت مظاهرات شبه يومية للعمال المضربين. وبعد سبعة أسابيع من الإضراب، كشف تصويت أجري في اجتماع واسع للعمال المشاركين في الإضراب عن تأييد 87% من العمال لاستمرار الإضراب. ورغم ذلك، فعندما انتهى الإضراب بعد شهرين، لم يحقق العمال إلا زيادة ضئيلة في الأجور.

وفي 27 أبريل أعلن الإضراب العام لمدة 24 ساعة في منطقة لوار أتلانتيك بكاملها.
كما أعلن إضراب عام لمدة يوم واحد في 17 مايو من قبل الاتحادات النقابية الثلاث – السيه جي تيه، و اتحاد النقابات المرتبط بالحزب الاشتراكي (CFDT)، ونقابة فورس أوفرييه الاشتراكية اليمينية، علاوة على نقابة المدرسين. كان هدف الإضراب هو الاعتراض على برامج الحكومة لتشويه شبكة الضمان الاجتماعي. كان الإضراب قويا بدرجة 100% تقريبا في القطاع العام، وفي القطاع الخاص كان الإضراب هائلا رغم أنه لم يشمل جميع العمال إلى حد كبير. وقد شارك 150 ألف شخص في مظاهرة في باريس لتأييد الإضراب، كما شهدت المقاطعات أيضا مظاهرات مماثلة خاصة في ليونز, ومارسيليا، وسان إيتيان، وبوردو.

ورغم أن الشعارات الرئيسية في هذه المظاهرات كانت في مواجهة تشويه شبكة الضمان الاجتماعي، فإن الشعار الذي حقق استجابة أكبر هو “كل السلطة للعمال”. وفي جميع المظاهرات غنى المتظاهرون نشيد الأممية بدلا من النشيد الوطني لفرنسا.

وعشية تطبيق الإجراءات الجديدة الخاصة بشبكة الضمان الاجتماعي (في 31 أكتوبر 1967) انطلقت موجة جديدة من المظاهرات والإضرابات الجماهيرية الرسمية المحددة بيوم واحد. وقام العمال المضربون في مدينة لومان، وكان بينهم عمال شركة رينو الذين كانوا يتظاهرون فعلا منذ أسبوع، بمسيرة إلى مقر شرطة المدينة واشتبكوا في معارك مع شرطة مكافحة الشغب، واستخدموا الحجارة في مواجهة قنابل الغاز المسيل للدموع، والقبضة العارية في مواجهة الخوذات والهراوات، جماهير المدنيين في مواجهة العربات المصفحة.

وشهدت باكورة عام 1968 إضرابا هاما في مدينة كان، شارك فيه 4800 عامل في شركة سافييم في بلانفي. بدأ هذا الإضراب في 22 يناير، وفي نهاية الأسبوع الأول منه هاجمت الشرطة مظاهرة للعمال المضربين والمتعاطفين معهم من الطلاب والمصانع الأخرى بطريقة غاية في الوحشية. وأقيمت المتاريس وبدأت المقاومة البطولية لشرطة مكافحة الشغب (السي أر إس). وأصيب في المواجهات 205 أشخاص (منهم 16 احتجزوا في المستشفيات) واعتقلت الشرطة 85 شخصا حكم على 13 منهم بالسجن لمدد تتراوح بين 15 يوما وثلاثة أشهر. وتم ترحيل أحد البرتغاليين بعد انتهاء فترة حبسه. وحاولت إدارة الشركة تفتيت العمال ووعدتهم بألا تعاقبهم وفي المقابل وافق قادة النقابات على سحب حرس الإضراب. وانتهى الإضراب أخيرا في 6 فبراير بعد سحب جميع العقوبات ضد العمال. غير أن أهميته البالغة كانت في أن هذا الإضراب بث روح النضال الحقيقي في مشهد الصراع.

يكشف هذا التاريخ من الإضرابات التي جرت في العامين السابقين على مايو 1968 أن بروفات كثيرة سبقت الحدث العظيم، سواء من ناحية العمال أو في جانب البيروقراطية النقابية. كانت موجة الإضرابات تعلو بسرعة، وكانت نضاليتها تقابل بعنف أكبر من قبل شرطة مكافحة الشغب؛ علاوة على أن تاريخ البيروقراطية النقابية في تحويل النضالات الشبيهة بالانتفاضة إلى إضرابات “استعراضية” و “تحذيرية” أو “دورية”، وضع محل اختبار المرة تلو الأخرى.

ويتضح مدى انتشار النضالات العمالية من الإحصاءات المتعلقة بأيام الإضراب. ففي 1965 تم تسجيل 979 ألف و 860 يوما، ارتفعت في 1966 إلى مليونين و 253 ألف يوم، وفي 1967 بلغت 4 ملايين و 222 ألف يوم إضراب على الأقل. (أيام الإضراب = عدد العمال × مدة الإضرابات)

كان إضراب مايو 1968 رد فعل على سنوات من الإحباط والعجز والسياسات العبثية للمنظمات التقليدية للطبقة العاملة. ومن هنا ينبع عنف هذا الإضراب وطبيعته الشبيهة بالانتفاضة. ومن هنا أيضا جاء استعداد ملايين العمال للمشاركة في الإضراب واحتلال مواقع العمل والتحول إلى الهجوم بمجرد أن بدأ الطلاب المعركة وبمجرد أن بدأت تتحقق إمكانية شن إضراب جماهيري حقيقي للعمال.

في ذروة هذا الإضراب، كانت عملية التثوير التي صاحبت الإضراب الجماهيري واحتلال المصانع تثير الدهشة والإعجاب. ملايين العمال يناقشون السياسة في ساحات المصانع؛ مئات الآلاف يعبرون في شعاراتهم ومظاهراتهم عن انتمائهم إلى وجهة النظر السياسية التي تؤيد سلطة العمال حيث أنهم كانوا ينخرطون في عملية تغيير أنفسهم واكتشافها وضد سياسات الاغتراب والتغريب الخاصة بالجمهورية الخامسة ووسائلها البرلمانية التي لا تحقق شيئا؛ الآلاف يتعلمون السياسة الثورية في المنتدى الجماهيري الدائم الذي تحولت إليه دار الأوبرا في باريس.

حجم هذا الإضراب والسرعة التي انطلق بها وشعاراته الثورية، والأهم من ذلك المبادرة الرائعة لدى القواعد العمالية، كل ذلك كان مثارا للرعب في أوساط الطبقة الحاكمة الفرنسية. فبالنسبة لديجول والرأسماليين الذين يمثلهم كان التعامل مع القيادات البرلمانية للحزب الشيوعي والاشتراكي سهلا بما يكفي. فكان يمكن تجاهلهم في أغلب الأحوال ومنحهم تنازلات بين الحين والآخر وعند الضرورة. ولكن، ماذا يفعل عندما يخرج عشرة ملايين عامل في إضراب بدعوة من القيادات القاعدية وفي مواجهة نصائح هؤلاء القادة المعروفين؟ ماذا يفعل عندما تجذب تلك القيادات القاعدية زملاءها ثم يقومون بحراسة مصانعهم لمنع كاسري الإضراب (والأسوأ من ذلك أن يفعلوا نفس الشيء في المصانع الأخرى)؟

في ذروة أيام مايو لم تكن حالة الطبقة العاملة الفرنسية تسمح بتهدئة نضالهم من خلال تنازلات حول الأجور وشروط العمل، في الحقيقة كانت هذه الإجراءات تساهم في إقناع العمال بأن الطرف الآخر تخور عزيمته. ويبدو أن عمال مصنع بيرلييه الضخم كانوا يعبرون عن مطالبتهم بما هو أكثر جوهرية من الأجور عندما قاموا بعد احتلال المصنع بإعادة ترتيب حروفه الفرنسية من كلمة Berliet ( اسم المصنع) إلى كلمة Liberte (الحرية).

وكان يمكن احتواء الإضراب بسهولة أكبر لو أنه كان محصورا في قطاعات معينة من العمال، أو أنه تم من خلال القنوات النقابية البيروقراطية الرسمية. ولكن لأن الإضراب كان يتضمن شيئا مختلفا تماما – مثل السجالات العامة والمناقشات فيما بين العمال العاديين – اتجه إلى تحطيم الحواجز واحدا تلو الآخر. وأصبح الأفراد في قوات الشرطة العادية يكرهون الربط بينهم وبين قوات مكافحة الشغب (السي آر إس) وبدأوا يرفضون استمرار دورهم كحفظة لقانون ديجول ونظامه. وبالنسبة للجيش الذي تتكون أغلبيته الساحقة من المجندين، فقد أصبح يمثل خطرا هائلا في الوضع الراهن. ولم يكن واردا أن يستخدم هذا الجيش في مواجهة المضربين، فقد كان ديجول محقا في اعتقاده بأن جنوده سوف ينضمون فورا إلى العمال، وبالتالي كان ينبغي تركه بعيد ومعزولا عن المدن بقدر الإمكان.

مع انهيار أركان قوة الدولة من حوله، لجأ ديجول محاطا بمجموعة صغيرة من القوات الخاصة إلى ألمانيا حيث بدأ، بلا شك، في التخطيط لضربة عسكرية محتملة ضد بلد كان يسقط أكثر فأكثر في أيدي العمال.

ومن حسن حظه أن الأمور لم تبلغ تلك الذروة، فلم يتمكن العمال للأسف من الإطاحة بالمنظمات التقليدية للطبقة العاملة بضربة واحدة نظرا لغياب البديل الذي يتمتع بالمصداقية. والأهم من ذلك، أن العمال لم يتمكنوا من تشكيل منظمات قاعدية ديمقراطية في كافة أنحاء البلاد، واستطاعت البيروقراطية النقابية وقيادات الحزب الشيوعي تحجيم حركة الطبقة العاملة وكبح جماحها.

مثال ذلك أن انتخاب لجان الإضراب ديمقراطيا لم يحدث إلا في حالات قليلة جدا. وفي كل مصنع تقريبا قامت النقابة بتعيين المندوبين في لجان الإضراب. وظهرت محاولات قليلة في مصانع رينو لتنظيم انتخابات من القواعد العمالية، ولكن هذه المحاولات تم سحقها من قبل السيه جي تيه والحزب الشيوعي فيما عدا قسم واحد فقط. وفي مصنع سيتروين الرئيسي لم تواجه لجنة الإضراب المعينة رسميا تحديا حقيقيا، ولكنه واجهت تحديا في أحد المصانع الفرعية للشركة في مدينة نانتير، غير أن هذه المحاولة فشلت.

وفي مقابل ذلك، كان مطلب العمال بتشكيل لجنة إضراب من العمال العاديين قويا في مصنع رون بولينك فيتري للكيماويات حتى تمت الإطاحة باللجنة الرسمية وانتخبت لجنة جديدة من قبل العمال الأعضاء وغير الأعضاء في النقابة على السواء.

ومن المثير حقا أنه في شركة سيتروين التي لم تشهد إضرابا لمدة 16 عاما ولم يكن منضما إلى النقابات إلا 7% فقط من العمال، استطاع بيروقراطيو النقابات منع انتخاب لجنة للإضراب من العمال العاديين وفرضوا عليهم لجنة معينة.

كانت السياسة العامة للنقابات هي الحد الأدنى من انخراط العمال في الإضراب واحتلال المصانع. الأغلبية الساحقة من العمال، ربما حوالي 80 أو 90% منهم، طلبوا منهم العودة إلى منازلهم، أما الذين يمكثون في المصانع فقد كانوا في الأغلب من أعضاء الحزب الشيوعي والسيه جي تيه. كما أن الشعور بالمشاركة بدأ يذوي بمجرد أن تجاوز الإضراب ذروته. ففي رون بولينك، التي كان بها لجنة قاعدية تتميز بالحماس والنشاط في أيام الإضراب الأولى، أدى الفشل في تنشيط النضال إلى انتشار عدم المبالاة. وقبيل بداية شهر يونيو، زحف نوع من الملل المثقفيني في صفوف العمال، فقد تم استنزاف أكثر من 50 موضوعا للمناقشة. ومع عودة العمال من عطلة عيد الربيع، كان احتلال المصنع مازال قويا، ولكن حالة العمال المعنوية لم تكن كذلك، واستبدلت الاجتماعات الطويلة للنقاش بألعاب الورق والكرة الطائرة.

كان المشهد مختلفا تماما في بعض المواقع. ففي نانت وسانت نازار، تولت لجنة الإضراب إدارة المدينة. وسيطر العمال المضربون على الأسعار. وقامت زوجاتهم بتوزيع الخضروات مباشرة على المستهلكين. وشغل العمال المضربون محطات البنزين وقاموا بتوزيعه. علاوة على ذلك، تولى المدرسون الأعضاء في نقابات والمشرفون على معسكرات الأطفال في الأجازات مسئولية العناية بأطفال العمال المضربين. وتسلمت عائلات المضربين التي تعاني من أوضاع مالية سيئة كوبونات الطعام التي أصدرتها النقابات لهم.

كان الخلل الواضح في هذا الإضراب هو غياب الشبكة التي تربط بين لجان الإضراب المختلفة، ولم تكن هذه الشبكة موجودة حتى في المصانع التي تندرج تحت نفس الشركة. وإن لم يتمكن السيه جي تيه من إنهاء الإضراب، فقد كان قادرا تخريبه عن طريق تفتيت الحركة – بأن تعامل مع الحركة الجماهيرية للطبقة العاملة ككل وحولها إلى سلسلة من الصراعات غير المترابطة في قطاعات صناعية مختلفة. وهكذا حولت المفاوضات مع مختلف أصحاب العمل هذا الإضراب من إضراب عام إلى مجموعة من الإضرابات المنفصلة عن بعضها. لم يكن الأمر يقتصر على غياب شبكة تربط بين لجان الإضراب، ولكن في الواقع بذلت البيروقراطية النقابية ما في وسعها من جهد لعزل لجان الإضراب بعضها عن الآخر. مثال ذلك أن لجنة السيه جي تيه في مصنع رينو بمدينة بيلانكور رفضت في 23 مايو استقبال وفد من مصنع رينو بمدينة فلينس.

وللأسف لم يكن هناك تنظيم على المستوى القومي قويا بما يكفي للتحريض على الانتخاب الديمقراطي للجان الإضراب من قبل العمال سواء كانوا أعضاء في النقابات أو لم يكونوا، وللتأكيد على ضرورة الربط بين هذه اللجان. فلو توافرت هذه اللجان والشبكات، وتم توسيعها لتشمل القوات المسلحة، لأصبحت بشكل أساسي شبيهة تماما بسوفيتات روسيا 1917.

وفي 27 مايو تم التوصل إلى اتفاقيات جرينال بين ممثلي النقابات وأصحاب العمل تحت إشراف وزارة العمل. ونصت هذا الاتفاقيات على زيادة الحد الأدنى للأجور من 2.22 فرنك إلى 3 فرنكات في الساعة (حوالي نصف ما طالبت به النقابات) مع رفع أجور القطاع الخاص بنسبة 10% خلال عام 1968. كما تمت أيضا زيادة ضئيلة في مساهمة المرضى في تكاليف العلاج. ولكن بالنسبة للنقاط الأخرى – الحقوق النقابية في المصانع، ساعات العمل، التقاعد، سلم الأجور – وفي كل الأمور الخاصة بعمال القطاع العام – لم يتم التوصل إلى اتفاق.

وحتى بعد هذه الاتفاقيات، استغرق قيادات النقابات فترة طويلة – حوالي ثلاثة أسابيع – قبل أن يتمكنوا من إنهاء الإضرابات. بل أن الحركة الإضرابية في الواقع لم تصل إلى ذروتها إلا بعد اتفاقيات جرينال. ولكن ضغوط البيروقراطية النقابية والحزبية أتت ثمارها في النهاية، وبدأ ما وصفته لوهيومانيتيه (جريدة الحزب الشيوعي) بـ “العودة إلى العمل منتصرين”، وفي بعض المناطق كانت المقاومة لهذه العودة مقاومة عنيفة.

جرت محاولة في شهر يونيو لتشغيل القطارات بالقوة في المحطة الشرقية (جار دو ليست) في باريس، لكن هذه المحاولة أجهضت عندما تمدد عمال السكة الحديد على القضبان. وفي الثالث من يونيو، أصدر عمال مصنع سود للطائرات في نانت، حيث بدأت أولى عمليات احتلال المصانع، بيانا يدعو جميع العمال على مواصلة الإضراب العام حتى “النصر الكامل”. ولكن الاستجابة كانت أكثر غموضا في مناطق أخرى. في الشركة العامة للتلغراف اللاسلكي (CSF) في مدينة لفالوا أجري الاستفتاء الذي كشف عن تصويت ثلثي العمال بعدم موافقتهم على عرض الإدارة، ولكن ثلث العمال فقط صوتوا لصالح استمرار الإضراب. وفي محلات باريس الكبرى عاد العمال بطريقة محبطة إلى العمل، مع قيام بعض العمال بالعودة إلى العمل قبل الآخرين.

أما في مصنع رينو بمدينة فلينس فقد أعاد العمال احتلال المصنع في 11 يونيو بعد محاولة في اليوم السابق للعودة إلى العمل، وجاء احتلالهم المصنع رغم معارضة السيه جي تيه واتحاد النقابات المرتبط بالحزب الاشتراكي.

في وضع كهذا حيث يعود العمال إلى العمل بطريقة مفتتة وغير منظمة، كان دور المعلومات حاسما. فقرار العودة إلى العمل من عدمه يعتمد بوضوح على القرارات التي يتخذها آخرون. وقد تبنى السيه جي تيه تكنيكا عاما بإعلان أن المصانع الأخرى قررت العودة إلى العمل في كل مصنع على حدة. في قطاع النقل بباريس – بالنسبة للأنفاق والباصات – كان ممثلو النقابات فقط من يسمح لهم بالتنقل من محطة إلى أخرى. وكانوا يقولون للعمال في كل محطة: “أنتم ترفضون العودة للعمل، ولكنكم وحدكم الذين تتخذون هذا الموقف، بينما العمال في كل المحطات الأخرى يرغبون في العودة للعمل.”

وهكذا، بينما صوت عمال محطة شارع ليبرون لصالح الاستمرار في الإضراب، كان مندوبو النقابات يروجون في المحطات الأخرى أن نتيجة التصويت كانت 85% لصالح إنهاء الإضراب. وبعد مباحثات مع مسئولي النقابات، وبعد سماعها بأن جميع المحطات الأخرى قد عادت إلى العمل قررت لجنة الإضراب المنتخبة في محطة ليبرون إنهاء الإضراب، وتجاهلت التصويت الذي أجري بالفعل. وفي النهاية، ونتيجة لهذا الأسلوب الذي اتبعه مسئولو النقابات، وبعد أربعة أسابيع من الإضراب، أصيب عمال النقل بالإحباط بما يكفي للتصويت لصالح العودة للعمل.

لم يكن هناك بديل متوافر لمواجهة ذلك من جانب اليسار. بل ولم يوجد حتى جنين السوفييتات – أو مجالس العمال التي تربط بين لجان الإضراب المنتخبة ديمقراطيا. ولم يوجد الحزب الثوري الذي كان الوضع في حاجة ماسة إلى وجوده.

كانت لجان الحركة تمثل بديلا عن السوفييت الذي لم يكن موجودا وبديلا عن الحزب الثوري الذي لم يوجد أيضا.

مباردة تشكيل لجان الحركة تولى الطلاب القيام بها بشكل أساسي، بما فيهم أعضاء كل المجموعات التروتسكية والماوية والفوضوية الصغيرة جدا. وبنهاية شهر يونيو، كانت 450 لجنة من لجان الحركة توجد في باريس، وعدة مئات أخرى كانت موجودة في مختلف أنحاء البلاد.

في شركة رون بولينك بضاحية فيتري تشكلت 39 لجنة قاعدية، كل منها أرسلت أربعة مندوبين عنها إلى اللجنة المركزية؛ وكانت هذه اللجنة تضم 156 عضوا منهم 78 عضوا دائمين، وكان هؤلاء المندوبون منتخبين وقابلين للعزل في أي وقت. وكانت اجتماعات اللجنة المركزية تجرى يوميا وبشكل علني.

في وزارة التموين، كان اجتماعا عاما للموظفين يعقد كل صباح، وكان هذا الاجتماع هو الهيئة القائدة للإضراب، وكان ينتخب رئيسا مختلفا له كل يوم، دوره يقتصر على السماح بحرية المناقشة (وهكذا تعاقب عليها 18 رئيسا بحلول الثامن من شهر يونيو).

لكن دور هذه اللجان القاعدية كان بالضرورة دورا غامضا. فقد انتشر وسط العمال المنظمين في النقابات حالة من التذمر إزاء الدور الذي كانت تلعبه قيادة النقابات في الإضراب، ونتيجة لهذا التذمر تزايد الادراك بالحاجة إلى تكوين أشكال تنظيمية بديلة. وفي حالات عديدة، كانت هذه المنظمات الجديدة تستطيع الضغط على النقابات في المفاوضات وتحد من فرص هذا النقابات وقدرتها على خيانة العمال. ولكن بسبب قصر الفترة الزمنية التي أتيحت لها وامتلائها بالأحداث، لم تتمكن الأشكال الجديدة من التنظيم من تشكيل بديل قوي للبيروقراطية النقابية، وتمكنت فقط من التواجد بجانبها على أساس توفيقي عسير.

كانت لجان الحركة معزولة عن بعضها البعض، وكانت دورة حياتها قصيرة للغاية.
لم يخرج ديجول من معقله إلا بعد أن تمكنت بيروقراطية النقابات من إنهاء حركة احتلال المصانع. فكما رأينا، لم يجرؤ ديجول على وضع الجيش والشرطة في مواجهة العمال طوال فترة الإضراب. أما شرطة مكافحة الشغب (السي آر إس) فقد استخدمت فقط ضد الطلاب، وبعد ذلك، عندما عاد أغلب العمال المضربين فعلا إلى مواصلة العمل، تم استخدامها ضد مصانع متفرقة. فلم يكن ممكنا إخافة عشرة ملايين من العمال بواسطة الجيش أو الشرطة. وهكذا تم الاستيلاء على مصنع رينو في ضاحية فلينس من قبل السي آر إس بعد مواجهات عنيفة مع الطلاب والعمال والتي قتل خلالها أحد الطلاب في السابع من شهر يونيو. أما المعركة الممتدة التي خاضها عمال مصنع بيجو مع السي آر إس، وقتل خلالها عاملان، فقد دارت رحاها في الحادي عشر من شهر يونيو. وفي الحالتين كان جميع العمال الآخرين قد عادوا فعلا إلى العمل وأنهو الإضراب وكان المصنعان معزولين.

الإضراب العام في فرنسا كان حتى الآن أكبر إضراب عام في تاريخ العالم. فلم يحدث من قبل أن شارك عشرة ملايين عامل في إضراب. بعد استحواذهم على الصناعة قسرا من أيدي الرأسماليين، واجه العمال دولة في حالة من الشلل التام: وكانت مسألة سلطة الدولة مطروحة بوضوح.

كتب كليف وبيرتشيل في عام 1968:

غير أن طرح المسألة لا يعني الإجابة عليها وحلها. فالروح المعنوية والوعي والتنظيم لدى كل من الطبقتين المتصارعتين هي التي تحدد ما إذا كان الإضراب العام سوف يتطور إلى استيلاء البروليتاريا على السلطة.

إندلاع الإضراب العام وما صاحبة من روح معنوية شبيهة بالإنتفاضة لدى الطبقة العاملة يكشف أن الوضع كان فعلا وضعا ما قبل ثوري. وسواء كانت الطبقة العاملة ككل واعية بأن مسألة سلطة الدولة كانت في مركز النضال أم لا، فقد كان واجب القيادة الثورية أن توضح ذلك، وتعمل على تنمية ثقة العمال بأنفسهم وفي منظماتهم. وهذا بالضبط ما لم يفعله الحزب الشيوعي الفرنس والسيه جي تي.

ولن تكون مبالغة في تبسيط الموقف أن نصف الإضراب العام الفرنسي بأكلمه بمستوى حركة تطالب بزيادة الأجور وتحسين ظروف العمل، أو أن نصم بالخيانة أي رفع لمطالب سياسية أو اقتصادية في مواجهة المطالب الثورية الخالصة. ففي مختلف القطاعات والصناعات والمناطق كانت هناك مجموعة كبيرة من المطالب – بعضها كان يركز ببساطة على زيادة الأجور والأجازات، وبعضها يركز على تغييرات سياسية خالصة، مثل عزل رئيس الوزراء بومبيدو أو الرئيس ديجول، وكثير منها كان يطالب بالسيطرة أو المشاركة بشكل أو بآخر.

لقد كشفت فرنسا عن زيف المفهوم النقابوي الاقتصادوي الخالص من أجل الخبز والزبد. فالحركة الثورية لا تنمو بشكل طبيعي من خلال مجرد التراكم للنضالات الاقتصادية الجزئية. ولم نشاهد انطلاق حركة واسعة من أجل المطالب الاقتصادية إلا بعد مواجهة سياسية مباشرة.

ومن ناحية أخرى، ربما تصبح المطالب الاقتصادية المباشرة في وضع الأزمة أكثر ثورية من أي خط سياسي مجرد يفرض من خارج الحركة. فالكثير من الأشكال الاقتصادية يمكن أن تخفي وراءها محتوى سياسي.

عادة تشكو القيادات من سلبية العمال، وغالبا ما يكون الأمر كذلك. ولكن ألا يتحمل القادة اللوم على هذه السلبية؟ وهل الحركة العمالية مثل المسدس الذي يمكن الاحتفاظ به في جيوب القادة دون استخدام لعدة سنوات ثم يظهرونه عندما يريدون ذلك؟ إن العمال، حتى يمكنهم التغلب على الخمول الناتج من الشعور بالعجز وفقدان الأمل يجب أن يكتسبوا الثقة في أنفسهم وفي الحزب الذي ينظمهم ويوجههم.

إن المرء ليشعر أنه شهد هذه الأحداث من قبل. فكلمات تروتسكي حول أوضاع فرنسا في مايو-يونيو 1936 تنطبق تماما على تقييم الوضع في فرنسا في مايو-يونيو 1968:

“إن هذا الوضع وضع ثوري، إنه وضع ثوري بقدر ما يمكن أن يكون كذلك إذا وضعنا في اعتبارنا السياسات غير الثورية لأحزاب الطبقة العاملة. وبتعبير أدق، هذا وضع ما قبل ثوري. وحتى يمكن دفع هذا الوضع إلى نقطة النضوج الكامل، يلزم تعبئة الجماهير فورا وبحماس شديد وبلا توقف تحت شعار الاستيلاء على السلطة باسم الاشتراكية. وهذا هو السبيل الوحيد الذي يمكن من خلاله أن يتحول وضع ما قبل ثوري إلى وضع ثوري. ومن ناحية أخرى، إذا استمر إهدارنا للوقت، سوف يتحول حتما هذا الوضع الما قبل ثوري إلى وضع آخر مضاد للثورة.” (تروتسكي، فرنسا إلى أين؟ نيويورك 1936).

إن الإدانة الرئيسية للحزب الشيوعي الفرنسي ليست في أنه لم يحقق الثورة الاشتراكية الظافرة في مايو أو يونيو. فلا يستطيع أحد أن يضمن إمكانية إنجاز الثورة آنذاك. إن ما كان ضروريا ومطلوبا هو تنمية ثقة العمال في أنفسهم وفي قوة العمال التنظيمية من أجل تعزيز القدرات الكفاحية للطبقة العاملة.

لقد عرقل الحزب الشيوعي انتخاب لجان إضراب ديمقراطية. كما عرقل التواصل بين اللجان. وأبعد أغلبية العمال عن المصانع، ومن مكثوا بالمصانع انشغلوا بالألعاب بدلا من المناقشة السياسية الجادة. وبذل الحزب ما في وسعه من أجل عزل العمال عن الطلاب الثوريين وشباب العمال.

من أجل تحقيق سلطة العمال، كان ضروريا اتخاذ عدد من الخطوات: 1) تشكيل لجان قاعدية في المصانع وتعميم ذلك محليا وإقليميا وأخيرا تكوين مجالس قومية لمندوبي العمال (سوفييتات)؛ 2) التسليح الجيد لحرس الإضراب، ثم جماهير العمال، ضد شرطة مكافحة الشغب (السي آر إس) وكاسري الإضراب؛ 3) البدء في تشغيل المصانع تحت سيطرة لجان العمال؛ 4) تحطيم ونزع سلاح وتفكيك القوات المسلحة للرأسماليين بشكل حاسم. (75)

في إضراب فرنسا في مايو – يونيو 1968 نشهد نموذجا للإضراب الجماهيري في وضع شبه ثوري يقترب من نموذج روسيا 1905 أكثر من مثال بريطانيا في 1926، ناهيك عن السويد 1909 وبلجيكا في 1913. وينبغي أن نلاحظ نقطتان أخيرتان حول هذا الإضراب.
أولا، وفي مواجهة جميع المتشائمين، كشف هذا الإضراب أن العمال يمكنهم أن يبلغوا ذروة الوعي الثوري حتى وإن أحاطت بهم جميع أجهزة الإصلاحية المتقدمة التي تتوافر حاليا في الغرب.

ثانيا، إن النضالات التي مهدت لأحداث 1968 انتهت إلى الهزيمة بشكل عام، لكن العمال كانوا قادرين على الاستفادة من هذه الهزائم، وقد جعلهم ذلك أكثر استعدادا لنضال أشد في إضراب جماهيري يضم الطبقة كلها أكثر من النضالات القطاعية الصغيرة التي كانت معزولة.

« السابق التالي »