بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الثورة المصرية فى منتصف الطريق

« السابق التالي »

12. 18 يومـــــا

تمر عقود دون أن يحدث فيها شيء، وثمة أسابيع تحدث فيها عقود”
(فلاديمير لينين)

على مدى سنوات كان المدونون والنشطاء السياسيون، وأخيرا أيضا نشطاء الفيسبوك، يخططون ليوم احتجاجي، ويرسلون آلاف الرسائل الهاتفية، ويحصلون على دعم عشرات الآلاف في الفضاء الإليكتروني، وفي اليوم الموعود لا يظهر سوى بضعة مئات من الوجوه المألوفة، قد يصلوا في بعض الأحيان إلى الرقم السحري فيبلغ عددهم الألف. كنا نقف محاطين بثلاث أو أربع آلاف من قوات الأمن، وبعد الهتاف والخطب وبعض المواجهات مع الشرطة ينتهي اليوم.

لكن النشطاء كانوا أكثر تفاؤلا بيوم 25 يناير، ليس فقط بسبب عدد من قالوا إنهم سوف يشاركون، ولكن لأن عدوى الثورة التونسية وصلت إلى القاهرة والإسكندرية وباقي المدن الكبرى والمواقع العمالية، فأشعلت حماس الناس. المجموعات الصغيرة من تحالفات الشباب الديمقراطي والليبراليين والاشتراكيين والناصريين كانت متفائلة: هذه المرة قد يأتي بضعة آلاف، على الأقل في اثنين أو ثلاثة من المدن المركزية. بل قد نصل إلى عشرة آلاف! لكن أيا من النشطاء لم يكن ليتخيل في أوسع أحلامه ما حدث في ذلك اليوم.

قيادة الإخوان المسلمين أعلنت إنها لن تشارك في الحدث. مع ذلك ففكرة عدد من المظاهرات تبدأ من عدد من الأحياء العمالية وتسعى إلى التجمع في وسط المدن المختلفة – التحرير في القاهرة على سبيل المثال – بدت وكأنها فكرة تستحق المحاولة، خاصة وأن اليوم المذكور كان يوم الاحتفال بعيد الشرطة، في ذكرى مذبحة الشرطة بواسطة البريطانيين التي أشعلت الاحتجاجات التي أدت إلى حريق القاهرة في عام 1952. الكراهية المتزايدة والغضب بسبب عقود من الوحشية البوليسية والتعذيب والإهانة مصحوبة بالمعجزة التونسية سوف تجد صداها لدى الجماهير حتى ولو انضم القليلون منهم فقط إلى المظاهرة.

كانت الخطة أن تتبني المظاهرات المخطط لها عددا من المطالب الأساسية: العدالة الاجتماعية والحد الأدنى للأجور ورفع حالة الطوارئ واستقلال القضاء واستقالة حبيب العادلي وزير الداخلية صاحب السجل المروع في لتعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان. كانت هناك أيضا مطالب بالإصلاح السياسي مثل حل البرلمان وعقد انتخابات جديدة بعد فضيحة انتخابات 2010 المزورة والتي أزالت كافة نواب المعارضة من البرلمان.
صباح 25 يناير بدأ النشطاء في التجمع عند الأماكن التي اتفقوا عليها في الأحياء الشعبية المختلفة. كان اليوم إجازة بسبب عيد الشرطة. لكن الشرطة لم تكن في إجازة على الإطلاق. فقد كان عشرات الآلاف من قوات الأمن ينتظرون في كل مكان. كانت هناك حالة من التوتر بين الشرطة ومئات الضباط في الملابس المدنية حاملين سلاحهم ومرتدين نظاراتهم السوداء المعتادة. يبدو أنهم كانوا أكثر إدراكا لمزاج الجماهير عن النشطاء. وكانت هناك تعبئة كاملة لقوات الأمن في كافة المدن الكبيرة والصغيرة على السواء.

بدأت المظاهرات بالشعارات المعتادة ضد العادلي ومبارك والحزب الوطني، وضد ارتفاع الأسعار والبطالة، ضد الفساد وجمال مبارك المكروه وضد إمبراطور الحديد ورجل الحزب الوطني القوي، أحمد عز. لكن مع أول ترديد للشعار التونسي الشهير “الشعب يريد إسقاط النظام” تبدل شيء ما، ليس فقط في مزاج المتظاهرين وإنما أيضا في الأعداد الرهيبة التي انضمت بسرعة إلى المتظاهرين، حيث توالى نزول الناس من بيوتهم ليشاركوا في المسيرات وفي الهتاف بحماس ألهب المشاعر. رجالا ونساء، شبابا وكبار السن، مسيحيين ومسلمين، جميعهم شارك، وكانت الأغلبية العظمى من فقراء المصريين. وكلما ارتفع صوتهم بهتاف ذلك الشعار السحري كلما ترددت أصداءه في الحارات وكلما انضمت أعداد أكبر من الجماهير إلى المسيرة. وتحولت المسيرات التي بدأت ببضعة مئات من النشطاء إلى مسيرات جماهيرية لعشرات الآلاف.

كان خوف وارتباك الشرطة محسوسا. في بعض الحالات هاجموا المتظاهرين ليتراجعوا سريعا أمام الهجوم المضاد للجماهير التي شعرت بالقوة والثقة والوحدة التي أربكت الضباط ذوي النظارات السوداء وجنود الأمن المركزي، وجميعهم من فقراء الفلاحين الذين جندوا لثلاث سنوات ليقوموا بالعمل القذر المتمثل في حماية الطبقة الحاكمة في مصر.

صدرت الأوامر للشرطة بالتراجع إلى المراكز الرئيسية في المدن في محاولة لمنع المتظاهرين من الوصول إلى مراكز المدن. وهناك دارت أعنف المعارك في ذلك اليوم التاريخي، حيث استخدم النظام خراطيم المياه والرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع بكميات رهيبة في محاولة لرد المتظاهرين. وكان الغاز المسيل للدموع هو الأكثر إيلاما، لكن المتظاهرين استوعبوا الموقف ونظموا توزيع الأقنعة الطبية وعلب الكولا والبصل التي وفرتها بدون مقابل ربات البيوت والصيادلة وأصحاب المقاهي في محاولة للانتصار على سحابة الغاز البيضاء. عشرات الآلاف من المتظاهرين تمكنوا من كسر الحواجز الأمنية والوصول إلى مراكز المدن، بما في ذلك بالطبع ميدان التحرير. لكن المعارك استمرت. وكان هناك الآلاف من المصابين وسقط أول أربعة شهداء في السويس في نهاية اليوم الأول من معركة التحرير، اليوم الذي أشعل الثورة المصرية.

استمرت المظاهرات والمعارك خلال اليومين التاليين، لكن التركيز الأكبر كان على تنظيم “جمعة الغضب”، يوم 28 يناير. لم يقتصر التنظيم على النشطاء المعتادين وإنما انضم إليهم الآلاف من القادة الجدد، شباب المناطق الشعبية، الذين اكتسبوا وعيهم السياسي في خضم معارك الثورة الفعلية تغنيهم عن سنوات من التثقيف السياسي.
هذه المرة قرر الإخوان المسلمون المشاركة. ثم أعلن النظام حظر التجول من السادسة مساءا إلى السادسة صباحا في مناطق المعارك الأساسية في القاهرة والإسكندرية والسويس والمحلة وألقي القبض على المئات.

كان النظام يواجه أمرا لا يفهمه. لقد فقدت الجماهير عقلها. إنهم يطالبون بالعدالة والحرية ومستعدون للموت في سبيلها بمئات الآلاف. تبخر الخوف من التعذيب والسجن وحتى الموت مع سحب الغاز المسيل للدموع التي ملأت سماء المدن المصرية.

لكن الجماهير لم تفقد عقلها. الجماهير كانت تحارب أكثر المعارك منطقية للحصول على الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة. لقد كان النظام هو من فقد عقله. ارتعب وبدأ يفقد صلته بالواقع. قررت الحكومة قطع شبكات الإنترنت والهواتف المحمولة بافتراض أن هذه الخطوة اليائسة سوف تمنع المنظمين الافتراضيين لهذه المظاهرات من استخدام أيا من تلك الوسائل ومن ثم تضعف قدرتهم على التعبئة لمظاهرات الجمعة.

يبدو أن النظام صدق دعايته الخاصة بان هذا ما هو إلا ثورة الفيسبوك. لكن تقديرهم كان خاطئا للغاية. ذلك أن قطع الاتصالات لم يكن له أي أثر على الإطلاق، حيث أن قادة ومنظمي هذه المرحلة من الثورة لم تكن لهم أي علاقة بالفيسبوك وكانوا يستخدمون طرقا أكثر تقليدية للتواصل. بل أن قطع الاتصالات أشعل حماس المتظاهرين بعد أن اعتبروا هذه الخطوة دليلا على يأس وضعف النظام.

بعد صلاة الجمعة بدأ مئات الآلاف مسيراتهم من كافة المساجد والميادين الكبرى متجهين إلى الميادين الرئيسية في المدن. ومرة أخرى ركز الأمن قوته على المناطق الحيوية في محاولة أخيرة لكسر الموجة العارمة ومنع الملايين من الوصول إلى الميادين الرئيسية.

في القاهرة دارت المعارك في جميع الشوارع الرئيسية وعلى الكباري الكبرى المؤدية إلى التحرير، وفي نفس الوقت كانت تدور المعارك المشابهة في الشوارع الرئيسية للسويس والمحلة والإسكندرية وعشرات المدن الأخرى. هذه الشجاعة والتصميم الرائع للجماهير ومظاهراتهم موثق في آلاف الفيديوهات على اليوتيوب والشهادات الشخصية التي سوف تمثل كنزا من المعلومات لمؤرخي الثورة المصرية وللثوار في كافة أنحاء العالم.

استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع كالمعتاد والرصاص المطاطي وخراطيم المياه، ومن يأسها أضافت الذخيرة الحية والقناصة بل وحتى المدرعات لقمع المتظاهرين. فاستشهد المئات وأصيب الآلاف. لكن الشرطة هزمت هزيمة نكراء في كافة أنحاء البلاد وتراجعت سريعا، حيث تم حرق الآلاف من سيارات الشرطة والمدرعات وأقسام الشرطة، ولاذ بالفرار ضباط الشرطة الذين كانوا في يوم من الأيام مصدر رعب للمصريين. كذلك أحرقت مباني الحزب الحاكم وكل رمز أو صورة أو إشارة للديكتاتور المكروه.

مئات الآلاف وصلوا ميدان التحرير وبدءوا احتلالهم الشهير للميدان الذي انتهى بسقوط مبارك يوم 11 فبراير. جاء الناس من كل مناحي الحياة، أغلبهم من فقراء المصريين، لكن أيضا الكثيرون من أبناء الطبقة الوسطى، نساء بالنقاب جنبا إلى جنب مع نساء يرتدين الجينز، مسلمين ملتحين جنبا إلى جنب مع المسيحيين: جميعهم بتصميم لا يلين على إسقاط النظام.

بحلول الليل اختفت الشرطة باستثناء القوات التي بقيت لحماية وزارة الداخلية، المقر الرئيسي لتعذيب المواطنين. وحاول الكثيرون من المتظاهرين اقتحام المبنى، لكن القناصة أطلقوا النيران مستهدفين القتل. وقد استشهد العشرات وأصيب المئات في هذه المحاولة.

خلال انسحابهم من الشوارع بدأ ضباط الشرطة في فتح السجون وإطلاق سراح آلاف الجنائيين لبث حالة من الفزع والفوضى بين السكان. لكن خطتهم باءت بالفشل. فقد تكونت اللجان الشعبية في كل مكان في البلاد لحماية الأحياء وتنظيم المرور بل وحتى تنظيف الشوارع. وهنا أصدر الرئيس أوامره للجيش بأن ينزل إلى المدن لقمع الانتفاضة وإعادة “النظام” بعد اختفاء الشرطة.

مساء جمعة الغضب، ألقى مبارك خطابه الأول، يدين فيه الحكومة ويتهمها بعدم الكفاءة ويعد بتعديل وزاري. لم يعتذر للشهداء والمصابين، ولم يذكر أيا من المطالب الشعبية. جاء صوته بارداً نائياً، كما لو كان يتحدث عن بلد آخر وشعب آخر مثله مثل الكثير من الديكتاتوريين من قبله، يبدو كأنه لم يصدق أو يفهم ما يحدث. لقد احتقر الشعب ولم يدرك أنه أصبح فعليا جزءا من الماضي.

ولم يكن رد فعل الجماهير غاضبا فحسب بل يبدو أنهم قرأوا ما وراء كلماته. فقد كان صوته وشكله مثل أثر عتيق. في اليوم التالي عين مبارك اثنين من جنرالاته، رئيس المخابرات اللواء عمر سليمان في منصب نائب الرئيس، وهو المنصب الذي ظل شاغرا طوال حكم مبارك، كما عين اللواء أحمد شفيق رئيسا للوزراء.

ولم يكن مبارك موفقا في اختياره، فقد اختار شخصيتين مكروهتين من الدوائر المحيطة به مباشرة. ذلك أن عمر سليمان المعروف باسم “مهندس تعذيب” لعب دورا جوهريا في برامج التسليم الاستثنائي حيث تم تصدير المعتقلين إلى مصر وبلاد عربية أخرى ليتم تعذيبهم بها، كما أنه معروف بتحالفه الوثيق مع إسرائيل في أثناء الحرب على غزة.

يوم الاثنين أقسمت الوزارة الجديدة اليمين وقد احتفظ الديكتاتور فيها بأغلب الوزراء المكروهين في الحكومة السابقة بما في ذلك وزراء الدفاع والاتصالات والعدل والبترول والخارجية. وأقيل حبيب العادلي مع عدد من رجال الأعمال الوزراء الذين كانوا ضمن شلة جمال مبارك. وقد شعرت الجماهير بالإهانة من سطحية التنازلات مما أدى إلى مزيد من الغضب والتصميم على الاستمرار.

قوبل دخول مدرعات الجيش إلى الشوارع والمداخل الرئيسية لميدان التحرير والمدن الأخرى في البداية بالغضب. لكن وبسرعة وتلقائية شديدتين اندفعت أعداد كبيرة من الجماهير نحو الجنود تقبلهم وتصعد على مدرعاتهم وترفع العلم المصري وتهتف بصوت عال: الجيش والشعب يد واحدة! وبسرعة كبيرة رسم الشباب شعارات مضادة لمبارك على الدبابات. لم يكن هذا، كما افترض الكثيرون، لحظة ارتباك بين الجماهير بشأن دور الجيش، رغم وجود درجة من الارتباك. بل كان تحييدا عبقريا وسريعا للقوات المسلحة في الميادين والشوارع، مما جعل من المستحيل تقريبا على الجنود وصغار الضباط أن يطلقوا النار على الجماهير، حتى لو صدرت لهم الأوامر بذلك. لقد شهدت ثورات سابقة استخدام مثل هذا التكتيك الجماهيري الذي استهدف خلق علاقة من التآخي مع الجنود وصغار الضباط.

قرر المتظاهرون مظاهرات مليونية في كل المدن الكبرى يوم الثلاثاء 1 فبراير. وكان رد فعل لواءات الجيش واحدا من أهم النقاط المفصلية في الثورة، حيث أعلن المتحدث باسم القوات المسلحة اللواء إسماعيل عتمان على التليفزيون أن الجيش يحترم المطالب الشرعية للشعب وأنه لن يطلق النار.

لقد أدرك جنرالات الجيش أن الأمر بالهجوم على الثوار سوف يقسم القوات المسلحة ويثير آلاف الجنود وصغار الضباط ضدهم. كان جنرالات الجيش على استعداد للتضحية بمبارك لإنقاذ النظام، الأمر الذي اعتمد في النهاية على قدرتهم على الحفاظ على سيطرتهم على القوات.

يوم الاثنين، 31 يناير، ألقى نائب الرئيس الجديد عمر سليمان كلمة قال فيها أن مبارك طلب منه فتح حوار مع كافة مجموعات المعارضة، ومطالبة القضاء بإلغاء نتائج الانتخابات المشكوك في صحتها في نوفمبر الماضي. لقد كان ذلك تراجعا تكتيكا من قبل النظام لكسب الوقت وإجهاد المتظاهرين.

« السابق التالي »