بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الثورة المصرية فى منتصف الطريق

« السابق التالي »

14. الأربعاء 2 فبراير: موقعة الجمل

عدد من أصحاب المليارات البارزين وقيادات الحزب الوطني وضباط أمن الدولة يقودهم جمال مبارك وضعوا خطة لهجوم شرس وشامل على المتظاهرين. وتعهد كل رجل أعمال منهم بتجنيد الكثيرين من أتباعه من البلطجية المستعدين لفعل أي شيء مقابل المال. في نفس الوقت استدعى وزير الداخلية عددا من أشرس ضباط أمن الدولة للانضمام لمظاهرات الثورة المضادة المزمع تنظيمها يوم الأربعاء في إطار خطة محكمة للهجوم على المتظاهرين المطالبين بالديمقراطية.

أكثر من عشر ضباط أمن دولة قاموا بدورهم بتجنيد سجناء سابقين ممن هربوا من السجون يوم 29 يناير واعدين إياهم بالمال والعفو الرئاسي من التهم الموجهة لهم. وقد وضعت الخطة لتنفذ في القاهرة والإسكندرية والسويس وبورسعيد ودمنهور وأسيوط ومدن أخرى.

لم يكن هذا التجنيد للبلطجية جديدا على الثورة المضادة، فقد وصف كارل ماركس كيف أن لويس بونابرت استخدم نفس التكتيك بعد ثورة 1848 في فرنسا في بناء جمعية ١٠ ديسمبر لقمع وإرهاب الثوار:

“ما بين بلطجية مرتزقة وقطاعات محطمة ومغامرة من أتباع البورجوازية ومتشردين وجنود مسرحين وسجناء مفرج عنهم وعبيد هاربين ونصابين ونشالين ومقامرين وقوادين وأصحاب بيوت دعارة وبوابين ومتسولين.. الخ، باختصار الكتلة غير المحددة والمتحللة المتناثرة هنا وهناك التي يطلق عليها الفرنسيين اسم “البوهيميين”؛ ومن هؤلاء أسس بونابرت قلب جمعية 10 ديسمبر.”

كما أن استخدام هذه العناصر لم يكن جديدا في مصر أيضا. فقد استخدم التكتيك نفسه في تزوير الانتخابات وترهيب الناخبين والهجوم على المتظاهرين، خاصة أثناء العقد الأخير من حكم مبارك.

حوالي الساعة الثانية بعد الظهر يوم الأربعاء الموافق 2 فبراير بدأ تنفيذ خطة الهجوم. أكثر من 3000 بلطجي هاجموا الاعتصام من مدخلين من مداخل ميدان التحرير، وألقوا الحجارة والطوب على عشرات الآلاف من المتظاهرين السلميين المتجمعين في التحرير على حين حمل غالبية المهاجمين دروعا لتحميهم من الحجارة التي ردها المتظاهرون عليهم. وعلى حين كان بعض البلطجية مسلحين بالبنادق، كانوا جميعا مسلحين بالشوم والمناجل والأمواس والسكاكين وأدوات حادة أخرى.

بعد حوالي ساعة من تبادل إلقاء الحجارة انتقل المهاجمون إلى المرحلة الثانية من الخطة وإذا بعشرات الأحصنة والجمال تهاجم المتظاهرين في مشهد يستدعي إلى الأذهان معارك القرون الوسطى. وبعد لحظات من الهرج والارتباك تصدى المتظاهرون للهجوم بأياديهم العارية وألقوا بأجسادهم على البلطجية فوق الجمال والأحصنة.

اندلعت المعارك عند كل مداخل الميدان، وبسرعة نظم المتظاهرون أنفسهم في خطوط دفاعية سميكة، وبدأ جمع الحجارة والطوب من كل أنحاء الميدان لصد الهجوم. كانت الدماء تسيل في كل مكان. كان المصابون في الخطوط الأولى ينقلون سريعا إلى المستشفيات الميدانية التي نظمها الأطباء والممرضون المتطوعون، وسريعا كان المصابون يستبدلون بمدافعين جدد.

نجح المتظاهرون في صد البلطجية، لكن الجميع كان يدرك أن هذا ليس سوى البداية. وبسرعة رهيبة تم بناء المتاريس عند كل مداخل الميدان تحضيرا للمعارك القادمة. وقد لعبت مجموعات الشباب الأكثر تنظيما، خاصة شباب الإخوان المسلمين، دورا محوريا في التحضير للمعركة وتنظيمها في مواجهة البلطجية.

جاء الهجوم المتوقع التالي في المساء حين تجمع الآلاف من البلطجية ورجال الشرطة بملابس مدنية والقناصة عند مدخل الميدان الأقرب إلى المتحف المصري وفوق أسطح العديد من البنايات، حيث سمح لهم الموقع المرتفع للكوبري وفوق البنايات بميزة تكتيكية للهجوم على المتظاهرين الذين قاموا بدعم المتاريس بسيارات الشرطة المحروقة وآلاف المقاتلين المستعدين للمعركة.

كان تقسيم العمل رائعا. الشباب الأقوى، خاصة من شباب الطبقات الشعبية، اتخذوا أماكنهم في الخطوط الأولى كقاذفي حجارة. آخرون كانوا يكسرون الرصيف ليوفروا مددا مستمرا من الحجارة للمقاتلين، يحملها فريق آخر للصفوف الأولى، على حين قامت النساء بإمداد المقاتلين بالماء طوال تلك الليلة الرهيبة والبطولية.

بدأ البلطجية هجومهم بتكثيف إلقاء الحجارة وزجاجات الصودا الخالية وقنابل المولوتوف. يبدو أن جزءا من الخطة كان يتضمن بدء الحرائق في المتحف المصري في محاولة لحرقة واتهام المتظاهرين بذلك – مثال جيد ودقيق على بربرية البورجوازية حين تتعرض للتهديد. احرقوا الفراعنة القدامى لإنقاذ فراعنة اليوم! لكن المتظاهرين نظموا المجموعات لحماية المتحف وقاموا بإطفاء الحرائق لحظة اشتعالها.

مئات المقاتلين في الصفوف الأولى اندفعوا في اتجاه بلطجية مبارك، تجاوزوا المتاريس وأصبحوا مكشوفين تماما أمام العدو، لكنهم استخدموا كل ما في عزمهم من قوة لمهاجمتهم بالحجارة. أصيب العشرات، فكانوا يحملون بعيدا عن منطقة الالتحام ليحل محلهم العشرات فورا. لقد أثبتت الأحداث أن فكرة الهجوم فيما وراء المتاريس، رغم ما تحمله من مخاطر، كانت ضربا من العبقرية الجماعية. فقد كانت بمثابة حرب نفسية لإرباك البلطجية، حيث أوضحت أن الثوار مستعدون للموت دفاعا عن قضيتهم. ما من قوى مرتزقة يمكنها أن تواجه هذه الروح على المدى الطويل.

بدأ القناصة في تصويب بنادق الليزر على المتظاهرين، الذين قفز العشرات منهم على المتاريس ليستقبلوا الرصاص بصدورهم. لقد كان هؤلاء مقاتلين أشاوس، هدفهم واضح ورسالتهم واضحة: إما النصر أو الشهادة!

في هذه الليلة استشهد عشرات المناضلين، وقام رفاقهم بحمل أجسادهم بفخر وتصميم إلى المستشفيات الميدانية. وأصيب الآلاف، وعمل الأطباء والتمريض طوال الليل في علاج الجروح وتهدئة المصابين. ومن بين هؤلاء مئات المصابين الذين ما أن تضمد جراحهم حتى يعودوا إلى الصفوف الأولى لاستكمال المعركة.

في نفس الوقت كانت معركة أخرى تدور فوق أسطح البنايات، بعضها احتله البلطجية وبعضها الثوار، وكانت الحرائق مشتعلة في كل مكان. مصنع صغير لكن فعال لعمل قنابل المولوتوف تأسس إلى جانب أحد المتاريس للرد على النار بالنار. البعض كان يأتي بالوقود والبعض الآخر كان يأتي بالزجاجات الفارغة والبعض الثالث يملؤها ويضعها الواحدة فوق الأخرى قبل أن يأتي فريق رابع ليحملها إلى الصفوف الأولى وإلى أسطح البنايات المحررة. بحلول الفجر انتصر الثوار وهرب البلطجية والشرطة. كانوا يجرون خوفا على حياتهم بعد أن وصل الثوار إلى الكوبري والتقاطعات خارج الميدان، وبعد أن تمكنوا من القبض على المئات، الذين نقلوا إلى الميدان وتعرضوا للضرب، وكذلك للحماية من المتظاهرين الذين أرادوا إعدامهم فورا. شيد الثوار سجنا ميدانيا ووضعوا فيه البلطجية المحتجزين، الذين اتضح أن اغلبهم يحملون بطاقات شرطة أو عضوية حزب وطني.

انتعشت الثورة بسبب تلك المعارك والانتصار فيها. وشعر من كان مرتبكا بعد خطاب مبارك بالغضب الشديد، فقد اتضح أن الخطاب لم يكن سوى خدعة تحضيرا للهجوم القاتل المزمع في اليوم التالي. كذلك انكشف دور الجيش المتواطئ للكثيرين، فقد بدا أي حديث عن حماية الجيش للثورة خاليا من أي مضمون في هذه اللحظة.

قبل بداية الهجوم بساعة أعلن الجيش للمتظاهرين على التليفزيون الرسمي أن “الرسالة وصلت” الحكومة، وناشدوا المتظاهرين إنهاء مظاهراتهم “والعودة للمنزل”. لكن حين ناشد المتظاهرون وحدات الجيش أن تتدخل لحمايتهم أثناء الهجوم الوحشي الذي استمر 16 ساعة أعلن الجيش انه على الحياد، بل وانسحب من عند بعض المداخل رغم وعوده بحماية المتظاهرين المسالمين العزل.

مع بدايات اليوم التالي انضم مئات الآلاف من المصريين إلى زملائهم المتظاهرين لكي يعبروا عن دعمهم وتضامنهم. كان الاعتصام قد أعلن عن مظاهرات حاشدة يوم الجمعة التالية في كافة أنحاء مصر بعد صلاة الجمعة وأطلقوا على اليوم “جمعة الرحيل” في إشارة إلى أملهم إجبار مبارك إما على الاستقالة أو ترك البلاد.

في وقت سابق كان عمر سليمان قد دعا إلى حوار وطني مع قوى المعارضة. والغريب في الأمر أن هذا الحوار قد تم فعليا يوم الأحد الموافق 6 فبراير، ولم يضم المعارضة الأليفة والمخلصة المكونة من رموز فاقدة لمصداقيتها من حزب التجمع، المفترض انه يساري وحزب الوفد فحسب، وإنما أيضا عددا من قيادات الإخوان المسلمين ونجيب ساويرس، وبعض أعضاء ائتلافات الشباب، الذين لم ير أو يسمع أحد عن بعضهم من قبل، إضافة إلى البعض الذين وقع في فخ سليمان.

انعقد الاجتماع في قاعة حكومية ضخمة على جدرانها صورة ضخمة لحسني مبارك. وبالطبع حظا “الحوار” بتغطية إعلامية واسعة، لكن الشوارع والميادين كانت قد تجاوزت ألاعيب النظام بكثير، وعبر المتظاهرون عن غضبهم من رموز المعارضة التي شاركت في المحادثات، وقام شباب الإخوان بالهجوم الصريح على قيادتهم التي اتخذت قرارا اعتبروه خيانة للثورة والشهداء.

في نهاية الاجتماع أصدر النظام بيانا شكر فيه مبارك وأعاد سرد رواية النظام وتحليله للأحداث وادعى، عن غير حق، أن جميع المشاركين وافقوا على خريطة طريق لإيجاد حل “للأزمة”، التي قيل إنها نتيجة لمحدودية الإصلاحات الدستورية وفساد الانتخابات، مع الإبقاء على كافة مؤسسات الدولة ورموزها بما في ذلك البرلمان المزور. لم يعد البيان حتى بالرفع الفوري لحالة الطوارئ. ومن المفارقات أن يتحدث عمر سليمان بعد ذلك اللقاء بيوم على التليفزيون الرسمي فيقول إن “مصر ليست جاهزة للديمقراطية.”
تحت ضغط من شبابها أعلنت قيادة الإخوان المسلمين فشل المحادثات وان سليمان لم يقدم أي شيء ذا أهمية. لكن صورة القيادة كانت اهتزت بين شبابها وزاد الشعور بفقدان الثقة فيها، متسببا في حالة من الغضب بين شباب الإخوان.

كان التوتر يزداد بين المتظاهرين بحثا عن تكتيك جديد. يوم الثلاثاء، 8 فبراير، نظم مئات الآلاف مظاهرات حاشدة أحاطت بمجلس الوزراء ومنعت رئيس الوزراء من الوصول إلى مكتبه. كما توجهت المظاهرات إلى البرلمان فأغلقته، ومنعت أي عضو برلماني من الدخول أو الخروج، واقسموا أنهم عن قريب سوف يحاصرون القصر الرئاسي. وقد شهدت المباني الحكومية في الإسكندرية تجمعات شبيهة حاصرت المداخل والمخارج.

« السابق التالي »