بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الثورة المصرية فى منتصف الطريق

« السابق التالي »

17. التنازلات، محاولات الإكراه وضغط الجماهير

يوم 13 فبراير اتخذ المجلس العسكري قرارا بحل البرلمان وتجميد العمل بالدستور لكنه احتفظ بالحكومة المكروهة التي عينها مبارك، ووعد بالتحقيق في جرائم الشرطة ضد الشعب ومؤامرات وفساد النظام القديم. وفي 17 فبراير تم إلقاء القبض على حبيب العادلي ومساعديه، وفي نفس اليوم ألقي القبض أيضا على ثلاث وزراء من أصحاب البلايين هم أحمد المغربي وزهير جرانه وأحمد عز، إمبراطور الصلب وأمين التنظيم في الحزب الوطني. لكن المجلس العسكري استمر في المماطلة فيما يتعلق بمبارك وأسرته و”رجال الرئيس” الحقيقيين، أي دوائر الوزراء وكبار المسئولين الذين اعتمد عليهم الرئيس المخلوع خلال سنوات حكمه.

ومن جديد اندلعت المظاهرات يوم الجمعة 18 فبراير احتفالا بالانتصار الكبير وخلع مبارك وأيضا للمطالبة بتغيير الحكومة ومحاكمة الرئيس ورجاله.
في نفس الوقت قام المجلس الأعلى بتعيين هيئة من القضاة لوضع مشروع للتعديلات الدستورية تحضيرا لإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية وانتخاب هيئة دستورية، على أن تعرض التعديلات للاستفتاء الشعبي يوم 19 مارس. وكانت اللجنة برئاسة المستشار طارق البشري المعروف بتعاطفه مع الإخوان المسلمين، كما ضمت في هيئتها أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين المحافظين.

الحكومة الجديدة

“(لا يجوز لسياسات أي حكومة ثورية أبدا أن تغضب أي طرف كان بدون مبرر). ذلك كان، في نهاية الأمر، المبدأ الحاكم في اختيار الحكومة الانتقالية التي كان جل ما تخشاه أن تغضب أحدا من دوائر الطبقات المالكة”
ليون تروتسكي، تاريخ الثورة الروسية.

فيما يتعلق بالمشاكل الجوهرية والأساسية الأكثر تأثيرا على حياة المواطنين، بدا وكأن الثورة قد قامت فقط لكي تبقي كل شيء على ما كان عليه.

لقد كان إسقاط حكومة أحمد شفيق التي عينها مبارك أحد أهم مطالب المظاهرات التي استمرت كل يوم جمعة. وفي يوم 3 مارس 2011 خضع المجلس العسكري لمطالب الجماهير وعين عصام شرف رئيسا للوزراء وأمره بتشكيل الحكومة الانتقالية. لكن شرف لم يحتفظ بعدد ممن عينهم مبارك فحسب، بل أضاف آخرين من بين كبار رجال الأعمال أو المرتبطين بشكل أو بآخر بالنظام القديم. وبالتالي فقد استمرت المبادرات الثورية.

في يومي الرابع والخامس من مارس اقتحم شباب المتظاهرين مقار أمن الدولة البغيضة التي كانت على مدى عقود مراكز لأبشع أنواع التعذيب والاعتقال والقتل. بدأت المبادرة في الإسكندرية وفي خلال ساعات تم اقتحام العشرات من تلك المقار الكريهة في كافة أنحاء البلاد. وما وجده المتظاهرون في هذه المقار، التي أخليت بسرعة شديدة، كان مذهلا: أطنان من الوثائق والفيديوهات وتسجيلات التحقيقات وتقارير عن كل حركة لعشرات الآلاف من النشطاء السياسيين. ورغم محاولة الضباط تدمير الكثير من الأدلة من خلال حرق وتقطيع المستندات إلا أنه لم يتوفر لديهم الوقت الكاف لإتمام المهمة.

العديد من المتظاهرين سبق لهم دخول هذه المباني، معصوبي الأعين، مقيدي اليدين، حيث تعرضوا للتعذيب والإهانات والصعق الكهربائي والاغتصاب وهم يسمعون الصراخ الرهيب لآخرين يتعرضون للتعذيب. لكنهم في ذلك اليوم دخلوا هذه المقار كفاتحين، فقد هرب جلادوهم وتركوا وراءهم سجلا من جرائمهم ضد الشعب المصري وضد الإنسانية. وفي يوم 15 مارس أجبر المجلس العسكري على الاستجابة لمطلب الجماهير بحل جهاز أمن الدولة.

ضمن أول التصريحات التي أطلقتها الحكومة الانتقالية الجديدة كان تصريحها بأنه لا تغيير في السياسات الاقتصادية للحكومة التي سوف تتمسك بسياسات السوق الحر. وكان المجلس العسكري في إعلان سابق قد أعلن أن الحكومة تبقى ملتزمة بكافة الاتفاقيات الدولية التي أبرمتها وأنها تبقى حليفا وصديقا للولايات المتحدة.

يوم 23 مارس أصدرت الحكومة قانونا يجرم الإضرابات والاعتصامات التي تعطل أداء المؤسسات والخدمات، سواء كانت خاصة أو عامة، ونص القانون على عقوبة خرق هذا القانون بالسجن لمدة عام وغرامة قدرها خمسمائة ألف جنيها مصريا!

رغم ذلك، استمرت الإضرابات “في تعطيل عمل المؤسسات”. في البداية لم تحاول الحكومة أو المجلس العسكري وضع القانون محل التطبيق. لكنهما، بالاشتراك مع البورجوازية والإعلام الحكومي والصحافة الرسمية والمعلقين الليبراليين والإسلاميين، اجتمعوا فيما يشبه حملة دعاية إعلامية ضد إضرابات العمال، فوصفوا مطالبهم بالمطالب الفئوية الضيقة والأنانية، والتي لا تأخذ في اعتبارها مصالح الأمة ككل. واستمرت الحملة تنعت العمال بأنهم مصدر ضرر للاقتصاد ومن ثم لمشروع إعادة بناء مصر، وأن ثورة 25 يناير كانت ثورة كل المصريين الشرفاء: الرأسماليين والعمال، الأثرياء والفقراء، وحتى إن كان الفقراء محقين في مطالبهم فعليهم أن يكونوا أكثر صبرا. عليهم أن ينتظروا حتى الانتهاء من المرحلة الانتقالية.

باختصار، بدأ يتكون توافق طبقي معاد للطبقة العاملة بين هذا التحالف البورجوازي الجديد حيث العمال المضربون “يتسببون في الفوضى ويهددون الانتقال السلمي للسلطة”. بل أن البعض وصف الإضرابات العمالية بأنها ضمن عناصر الثورة المضادة التي يجب إيقافها فورا، حتى أن شرف، في أحد خطبه، شبهها بهجمات البلطجية.

استمرت الحملة الدعائية مدعومة بآلاف المقالات والبرامج الحوارية على التليفزيون والبيانات العسكرية والمقابلات مع الوزراء، وكلها تتحدث عن المرحلة الجديدة من الثورة التي تحتاج إلى “تدوير عجلة الإنتاج” التي يبدو أن العمال يريدون إيقافها. حتى أن لسان حال البورجوازية المصرية ومثقفيها كاد يوجه رسالة للطبقة العاملة مفادها: شكرا جزيلا، لقد ساعدتم في الإطاحة بمبارك والآن عودوا إلى العمل واصمتوا.

لكن العمال والفقراء رفضوا الرسالة. فقد استمرت الإضرابات والاعتصامات وقطع طرق السكة الحديد والمظاهرات أمام الوزارات بدون انقطاع.

بالطبع لم يكن المستهدف من هذه الرسالة تهديد العمال فحسب، بل كانت أيضا صرخة تعبوية للطبقة الوسطى. ذلك أن الحديث المستمر عن الفوضى والانهيار الاقتصادي في لحظة أزمة اقتصادية حقيقية هو فعليا أمر مفزع لأعداد كبيرة من صغار رجال الأعمال والبورجوازية الصغيرة التقليدية والحرفيين والفلاحين المالكين لقطع صغيرة من الأرض والذين أصبحوا غير قادرين على بيع منتجاتهم. لكن تحويل اللوم من الأزمة الاقتصادية وسياسات الليبرالية الجديدة، الأسباب الحقيقية لهذا البؤس، إلى العمال لم يكن محاولة لتحويل مسار الغضب الموجه ضد الحكومة فحسب، بل كان أيضا تحضيرا لبناء التحالفات الضرورية للمواجهة مع الطبقة العاملة في المستقبل.

شهر أبريل كان شهر الضغط من أسفل، حيث شهد تنازلات هامة من المجلس العسكري الحاكم، لكنه شهد أيضا تزايدا في القمع بواسطة الشرطة العسكرية، حيث أصبحت مماطلة المجلس العسكري في اعتقال ومحاكمة الرئيس السابق ومعاونيه مصدرا للقلق وأمرا غير مقبول للجماهير الثائرة. وبعد شهر العسل القصير بين الشعب والمجلس العسكري، الذي اعتبروه لفترة حامي الثورة، بدأت علامات الاستفهام تثار حول أداء المجلس وعلاقته بالثورة.

وفي يوم الجمعة، الموافق 1 أبريل، اندلعت مرة أخرى المظاهرات الحاشدة في ميدان التحرير والإسكندرية والسويس والمدن الكبرى الأخرى فيما عرف “بجمعة إنقاذ الثورة”. وطالب المتظاهرون بحل الحزب الوطني والإسراع في تحقيقات الفساد وتقديم مبارك وابنيه وكبار مسئوليه للمحاكمة.

ويوم 8 أبريل اجتمع مئات الآلاف في ميدان التحرير في “جمعة التطهير والمحاكمة” فيما تطور ليصبح يوم المواجهة الأولى الكبرى بين المتظاهرين والشرطة العسكرية، حيث شارك في المظاهرات عدد من ضباط الجيش بملابسهم الرسمية وهتفوا ضد المشير طنطاوي وضد الفساد في الجيش وبدأ عدة آلاف من المتظاهرين، بما فيهم الضباط، اعتصاما في وسط الميدان، مقررين استمرار التظاهر خلال فترة الليل. لكن المجلس العسكري لم يتحمل هذا الشعور بالأخوة بين المتظاهرين والضباط ولا هذه الشعارات الجديدة ضد المجلس العسكري، فأعطيت الأوامر للشرطة العسكرية بفض الاعتصام بالعنف، وأطلقت الذخيرة الحية على الجماهير، فتسببت في مقتل شخص واحد على الأقل وإصابة العشرات، وألقي القبض على جميع الضباط المشاركين في الاعتصام.
بدأ الجيش إذا في استخدام المزيد والمزيد من القمع في محاولة لاحتواء الحركات الاحتجاجية. في جامعة القاهرة اقتحمت الشرطة العسكرية الحرم الجماعي، في سابقة هي الأولى من نوعها، لفض اعتصام طلاب كلية الإعلام وألقي القبض على مئات النشطاء في كافة أنحاء البلاد وتعرض الكثيرون منهم للتعذيب ووصل عدد المدنيين المقدمين للمحاكمات العسكرية حوالي عشرة آلاف. ولم تستثن الإجراءات القمعية عددا من المتظاهرات اللاتي تعرضن لكشف على عذريتهن بعد اعتقالهن بواسطة الجيش، فكان هذا الأداء تذكيرا بأن منهج الشرطة العسكرية لا يختلف عن منهج أمن الدولة.

في مواجهة اشتعال الغضب كان على المجلس العسكري أن يقدم بعض التنازلات لإحكام سيطرته على الموقف. لذلك فقد ألقي القبض على زكريا عزمي، كبير مستشاري الرئيس يوم 7 أبريل، وتلا ذلك القبض على أحمد نظيف (10 أبريل) وصفوت الشريف (11 أبريل) وفتحي سرور (13 أبريل). وفي نفس اليوم صدر الأمر بالقبض على مبارك وابنيه جمال وعلاء، حيث تم نقل الاثنين إلى سجن طره، على حين نقل مبارك إلى مستشفى شرم الشيخ تحت دعوى إصابته بنوبة قلبية.

« السابق التالي »