بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الثورة المصرية فى منتصف الطريق

« السابق التالي »

19. الإسلاميون والليبراليون والصراع على السلطة

لم يتمكن الإخوان المسلمون من الاشتراك في الثورة بدون تذبذب وانشقاقات. فما دفع قيادة الإخوان المسلمين إلى التحرك كان الضغط من التيارات المختلفة داخل الجماعة، خاصة شباب الجماعة الذين اندمجوا مع الجماهير في الشوارع أثناء الثورة، أكثر منها المشاركة المبدئية في الثورة.

هذا التذبذب وهذه الانشقاقات ليست جديدة على الإخوان المسلمين. ذلك أن تاريخ الجماعة يشهد بهذا الميل منذ أيام مؤسسها الإمام حسن البنا حتى اليوم. ففي نهاية الأربعينات من القرن الماضي نجحت الملكية في تدمير قلب الجماعة برغم قوتها وحجم عضويتها البالغ عندئذ نصف مليون عضو، بواسطة استخدام الخلافات الحادة داخلها وعدم حسم القيادة في مواجهة النظام. كما مرت الجماعة بأزمة شبيهة في أولى سنوات ما بعد ثورة يوليو 1952 حين سمحت الانقسامات الداخلية وتردد القيادة بتدميرها بواسطة النظام الناصري.

هذا التذبذب الدائم بين المعارضة والتوافق، بين التصعيد والتهدئة، هو نتيجة لطبيعة الإخوان المسلمين كجماعة شعبوية دينية مكونة من قطاعات من البورجوازية الحضرية جنبا إلى جنب مع قطاعات من البورجوازية الصغيرة التقليدية والحديثة (طلاب وخريجي الجامعات) والمعطلين عن العمل وقطاعات من الفقراء. هذا الهيكل قادر على الاستقرار طالما هناك استقرار سياسي واجتماعي، لكنه يتحول إلى قنبلة موقوتة في لحظات الأزمات الحادة، حين يصبح من المستحيل التوافق بين المصالح الاجتماعية المختلفة والمتضاربة تحت مظلة واحدة وشاملة.

لم يتوقف الإخوان المسلمون لدقيقة واحدة عن تكرار التصريحات ذاتها بشأن وطنية الجيش وقيادته وكون التعرض للجيش خط أحمر، وعن دوره في “حماية” الثورة وأن أي تحرك ضد الجيش هو خيانة للثورة. بل أن أحد تصريحات الإخوان على موقعهم على الإنترنت نص على “أن الجيش يحاول أن يحافظ على درجة من الانضباط بين صفوفه، ومن حقه أن يفعل ذلك، فهو إن لم يتمكن من الحفاظ على انضباطه الداخلي لن يتمكن بالتالي من حماية الشعب. في الوقت الحالي، الجيش هو القوة الوحيدة المنظمة في مصر وليس من مصلحتنا أن نضعفها ولا أن نسمح لأي طرف آخر أن يضعفها. نحن نعلم من يريدون الدفع في هذا الاتجاه ونعرف أهدافهم ونواياهم. الإخوان المسلمون يريدون للثورة أن تنتصر ونحن ندرك أن موقف جيشنا العظيم من الثورة هو عنصر أساسي في نجاحها. منذ اللحظة الأولى قال الجيش للشعب “يمكنكم التعبير عن آرائكم بحرية والتظاهر أثناء النهار، لكن ليس أثناء حظر التجول الليلي والذي اختصر ليصبح أقل من ثلاث ساعات”.

أما فيما يتعلق بالبعد الاجتماعي للثورة والآخذ في التبلور من خلال موجة عارمة من الاعتصامات والإضرابات استمدت عنفوانها من الثورة، فقد اتخذ الإخوان المسلمون نفس موقف الحكومة والمجلس العسكري وطالبوا “بالعودة للعمل من أجل إنقاذ الاقتصاد المصري. والإخوان المسلمون يناشدون كل قطاعات الشعب المصري العمل على تدوير عجلة الإنتاج والتنمية. والمظاهرات من أجل المطالب الاجتماعية، رغم كونها حق أساسي، إلا أنها مدمرة للإنتاج وضارة بالاقتصاد، خاصة وأن الثورة حريصة على استمرار بناء الاقتصاد. يجب على المواطنين أن يشعروا بأن تضحياتهم من أجل حياة كريمة لم تكن مجرد حديثا فارغا، بل يجب على المصريين أن يثبتوا أنهم قادرون على تحقيق مزيد من الإنجازات فيما بعد الثورة، أي على المصريين أن يساعدوا مصر على الخروج من الأزمة الاقتصادية.”

هذا الموقف لا يقتصر، بالطبع، على الإخوان المسلمين. ذلك أن القوى الليبرالية أيضا شاركت بحماس كبير في نفس الحملة المزدوجة: الدعم المطلق للمجلس العسكري والحملة المجنونة ضد إضرابات العمال تحت عنوان “تدوير عجلة الإنتاج”. بل أن عمرو حمزاوي، أحد نجوم الليبرالية، اقترح تشكيل مجموعات من الشباب والشخصيات العامة لنشر الدعوة المعادية للإضرابات بين العمال. كما أن العديد من المثقفين وثوار الأمس البعيد يحرضون لقمع الإضرابات بالتعاون مع الجيش، في حملة لقمع المرحلة الثانية من الثورة.

أسس الإسلاميون والليبراليون كلاهما العديد من الأحزاب متوقعين أن تكون الانتخابات في شهر سبتمبر. وعلى الرغم من أن المشاهد من الخارج قد يبدو له أن الجدال والخلاف بين الليبراليين العلمانيين والإسلاميين غير قابل للحل بشأن تفاصيل الدستور وموقع الشريعة الإسلامية في مصر المستقبل الديمقراطية الخ، إلا أن الطرفين في واقع الأمر حليفان مقربان حين يتعلق الأمر بالصراع الطبقي وحدود الثورة. الطرفان يدعمان المجلس العسكري تماما ويدينان أي نقد للجيش، وكلاهما يدعم رأسمالية السوق الحر، لكنهما يعارضان بشدة استمرار الإضرابات. والأرجح أن الاثنين سوف ينتهي بهما الأمر في تحالف وثيق من أجل إنقاذ الرأسمالية وقمع العمال.

« السابق التالي »