بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الثورة المصرية فى منتصف الطريق

تشكل الثورات الكبرى أحداثاً استثنائية في التاريخ البشري. فالتدخل المباشر للجماهير في صناعة التاريخ حدث جلل بكل معاني الكلمة. وهذا بلا شك ما ينطبق على الثورة المصرية التي بدأت في ٢٥ يناير ٢٠١١ ومازالت تزلزل بتطوراتها المنطقة العربية بل والعالم كله. صحيح أن شرارة الثورة جاءت من تونس، لكن اندلاع الثورة المصرية، والتي تقارن من حيث التعبئة الجماهيرية والعمق الاجتماعي بأهم الثورات في تاريخ البشرية مثل الثورة الفرنسية الكبرى ١٧٨٩ والثورة الروسية ١٩١٧ وثورة إيران ١٩٧٩ وفجرت موجة من الثورات في منطقتنا العربية في اليمن وسوريا والبحرين وليبيا وحركات مناهضة الديكتاتورية في الأردن وعمان والمغرب والجزائر، تمثل بلا شك أحد أهم وأخطر التحديات التي تواجه الإمبريالية الأمريكية ورأس المال العالمي في فترة العقود الأربع الأخيرة. وإذا ما وضعنا هذه الثورات في سياق أزمة الرأسمالية العالمية التي بدأت في 2008 ولازالت تتردد أصداؤها في أنحاء العالم، إضافة إلى تعاظم المقاومة الشعبية لإجراءات التقشف في أوروبا، يمكننا أن نؤكد أننا بصدد الدخول في مرحلة من الفرص والتحديات الاستثنائية أمام كل الثوريين الذين يريدون الإطاحة بالعفن الرأسمالي وبناء عالم أفضل.

مصر ليست أكثر البلدان العربية عددا في السكان فحسب بل تملك أيضا أكبر طبقة عاملة في المنطقة وأكثرها نضالية وخبرة. لذلك فإن مصير الثورة المصرية سوف يلعب دورا حاسما، ليس فقط في تحديد مستقبل الثورة العربية الأوسع، بل وسوف يحدد أيضا نجاح أو فشل الإمبريالية الأمريكية ورأس المال العالمي في استيعاب هذا التحدي الرهيب.

وقت كتابة هذه الورقة (مايو ٢٠١١) لازالت معارك الثورة المصرية أبعد ما تكون عن الحسم. إننا بصدد عملية ثورية طويلة المدى، تشهد لحظات تقدم ولحظات تراجع، يتخللها فترات من الهجوم الرجعي يواجه بفترات من تعاظم الإضرابات والمظاهرات. أما قوى الرجعية، سواء على المستوى العالمي (الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي والسعودية وإسرائيل) أو على المستوى المحلي (الطبقة الحاكمة المصرية وجنرالات الجيش والجهاز الأمني) فتتوحد من أجل دفع عجلة الثورة إلى الوراء أو على الأقل احتوائها.

لم تتوقف المعارك الفكرية والدعائية حول طبيعة الثورة المصرية وآفاق تطورها ودور القوى المختلفة فيها منذ لحظة اندلاعها. هل هي مجرد بداية تحول ديمقراطي محدود مثل ما حدث في أوروبا الشرقية عام ١٩٨٩ أم أنها أيضاً حبلى بثورة اجتماعية جذرية؟ هل هي ثورة شباب الطبقة الوسطى من مستخدمي وسائل الاتصال الحديثة أم ثورة شعبية عميقة؟ ما هو دور الطبقة العاملة في الثورة وما تأثير ذلك الدور على طبيعتها؟ كيف شاركت القوى السياسية ومازالت في أحداث الثورة سلباً وإيجاباً؟ ما هو دور ومصير القوات المسلحة وبقايا النظام القديم؟ كيف تتفاعل القوى العالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مع الثورة وكيف تخطط لإجهاضها واستيعابها؟

هناك تنويعة واسعة من الإجابات والأفكار حول كل تلك القضايا تعبر عن مختلف المصالح الاجتماعية والاتجاهات السياسية. وهذا الكتيب الصغير يمثل محاولة أولية من منظور اشتراكي ثوري لفهم تطور الثورة المصرية في شهورها الأولى.

« السابق التالي »