بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الثورة المصرية فى منتصف الطريق

« السابق التالي »

21. ثورة العمال

موجة الإضرابات التي بدأت في الأسبوع الثالث من الثورة والتي وجهت الضربة القاضية لمبارك لم تنته بالطبع مع سقوط الديكتاتور. بل أن النصر السياسي بعزل الديكتاتور أعطى دافعا قويا لآلاف الإضرابات الاقتصادية والسياسية في كافة أنحاء البلاد. وخلال الشهرين اللذين تلا سقوط مبارك بلغ عدد الإضرابات وعدد العمال المشاركين فيها أكبر من إجمالي عددهم في الموجة التي امتدت من 2006 – 2009، وهي أقوى موجة في تاريخ مصر المعاصر.

والحقيقة أن موجة إضرابات ما بعد مبارك كانت امتدادا وتعميقا للموجة التي سبقت ذلك. ومن ثم تأسست عشرات النقابات المستقلة في خضم الصراع، وانتخبت قيادتها بديمقراطية من ضمن لجان الإضراب. كذلك انتشرت موجة الإضرابات بين الصناعات المختلفة وبين المهنيين وفي القطاع الخاص. وتضمنت المطالب مطالبا اقتصادية مباشرة ومطالب وطنية عامة مثل الحد الأدنى للأجور ومطالب بتطهير الفاسدين. كان انتشار الإضرابات وتجذرها غير مسبوق.

هؤلاء الذين رغبوا في ثورة سياسية ديمقراطية منظمة، وانتقال منظم من الديكتاتورية إلى الديمقراطية بقيادة الديمقراطيين البورجوازيين والإسلاميين المعتدلين، انتقال يدعمه سلبا الطبقة العامل والفقراء، هؤلاء يبدو أنهم لم يستوعبوا تماما ما هم بصدده.

خلال الأيام الأولى من الثورة حين كان الهدف المشترك يقتصر على خلع مبارك وتأسيس ديمقراطية برلمانية بدا الأمر وكان هناك توافق عبر الطبقات، قد يكون العلم المصري أفضل ما جسده. الفقراء المعطلون عن العمل وكبار التنفيذيين في الشركات وكل من بينهما كان يرفع العلم بفخر. الجميع، سواء من حاربوا عند المتاريس أو من ظهروا لاحقا حين أصبحت الأمور أكثر أمنا، جميعهم شعروا بأن الثورة وحدتهم: ثورة الشعب المصري بأكمله، بكل طبقاته موحد ضد الديكتاتورية البغيضة. لكن هذا الشعور بالوحدة كان سطحيا ومؤقتا.

ذلك أن شعارات الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة كانت تعني أمورا مختلفة للطبقات المختلفة المشاركة في الثورة. الحرية للعامل لم تكن تعني حرية التصويت في الانتخابات أو حرية التعبير فحسب، بل كانت تعني أيضا التحرر من الجوع والشعور بعدم الأمان وتهديد البطالة المستمر. العدالة الاجتماعية كانت تعني المساواة وإعادة توزيع الثروة وأجورا ورعاية صحية وسكن وتعليم وخدمات عامة أفضل. فالكرامة تبقى خالية من المضمون إلا إذا تضمنت وضع حد للفقر والعوز.

لكن الديمقراطي البورجوازي كان لديه بالطبع فهم مختلف لهذه الشعارات. فالحرية بالنسبة له تعني نموذجا برلمانيا على غرار النمط الغربي، والعدالة الاجتماعية تعني تحسنا بسيطا في ظروف الفقراء طالما لا يفزعون المستثمرين وطالما أن مطالبهم “واقعية” ولا تهدد بقاء الرأسمالية؛ والكرامة تعني وضع حد لوحشية الشرطة، دون أن تضع في اعتبارها القضايا الاجتماعية.

كذلك كانت هناك قطاعات أخرى من الشعب سوف تترجم هذه الشعارات إلى أشياء شديدة التباين، وقد دفع سقوط مبارك بهذه الاختلافات إلى السطح.

ذلك يأتي بنا إلى قضية العلاقة بين السياسة والاقتصاد وبشكل أكثر تحديدا بين الثورة الديمقراطية والثورة الاجتماعية. الثورة الديمقراطية التي تلعب فيها الطبقة العاملة دور رئيسيا هي في حد ذاتها ضمنيا ثورة اجتماعية. ذلك أنه منذ اللحظات الأولى للثورة تلوح في الأفق معارك الصراع الطبقي التالية.

في حالة مصر حيث قامت الثورة ليس فقط ضد ديكتاتورية متوحشة وإنما ديكتاتورية رأسمالية ليبرالية جديدة، وحيث سبق الثورة سلسلة من المعارك العمالية ضد سياسات الليبرالية الجديدة، ما كان الأمر ليختلف، ولا يمكن أن تحسم الثورة على غرار الثورات الملونة هذه المرة.

هذا التفاعل بين الاحتجاجات السياسية والاقتصادية أثناء الثورة وصفته بعبقرية المناضلة الماركسية البولندية روزا لوكسمبورج في تحليلها للثورة الروسية في عام 1905.

“لكن الحركة ككل لا تنتقل من النضال الاقتصادي إلى السياسي، ولا العكس. ذلك أن كل فعل سياسي جماهيري كبير، بعدما يصل إلى ذروته السياسية، يتفكك إلى كم ضخم من الإضرابات الاقتصادية. كل بداية جديدة وكل انتصار جديد للنضال السياسي يتحول إلى محفز قوي للنضال الاقتصادي، موسعا أفق إمكانياته الخارجية، ومكثفا من تصميم العمال على تحسين وضعهم ودفع عزيمتهم في النضال. بعد كل موجة من فوران الفعل السياسي يبقى بعض الزبد النضالي الذي يدفع مئات النضالات الاقتصادية إلى الأمام. والعكس صحيح. ذلك أن نضال العمال الذي لا يكل في مواجهة الرأسماليين يحافظ على عنفوانه ويضاعف طاقته مع كل تحول سياسي”.

هذا التفاعل بين المطالب السياسية والاقتصادية هو سمة مركزية في الثورة المصرية. وأحد العناصر التي تكثف من هذا التفاعل في حالة ثورتنا هو درجة استمرار الترابط ما بين مؤسسات الدولة والحزب الحاكم وكبار رجال الأعمال.

لم تكن صدفة إذا أن يبرز شعار “تطهير النظام” كأحد أهم الشعارات بعد سقوط مبارك. معنى ذلك أن الثورة لن تنجح سوى بعد التطهير الكامل لكل أعضاء الحزب الوطني والمسئولين الفاسدين من كافة مؤسسات الدولة. لذلك لم يخل إضراب منذ الثورة من مطالب عزل ومحاكمة القيادات والمديرين الفاسدين المرتبطين بالحزب الوطني. وقد اندمج هذا المطلب السياسي تماما ضمن باقي المطالب الاقتصادية من حد أدنى للأجور والتثبيت للعمالة المؤقتة وتحسين شروط العمل، الخ.

الوضع أشبه بما حدث أثناء ثورة البرتغال في عام 1974، على حد تفسير الماركسي البريطاني توني كليف في تحليله الهام لتلك الثورة:

“التطهير كان يعني أكثر بكثير من سجن رجال البوليس السري. بل أن التطهير الحقيقي والكامل كان يعني فعليا التدمير التام لهياكل الدولة الرأسمالية. وحيث أن سيطرة الدولة تعني التحكم في كافة مناحي الحياة الاجتماعية، والبنوك، والكنائس والمدارس والجامعات والمكاتب وإدارات المصانع، فإن التطهير الكامل كان يعني تدمير الهرمية الاجتماعية بأكملها بداية من مجالس الإدارة وحتى أصغر رئيس للعمال”.

لذلك، فإن ما بدأ في مصر يوم 25 يناير كثورة سياسية ديمقراطية خالصة يمكن أن يتطور ليصبح ثورة تتحدى دعائم المجتمع الرأسمالي ذاتها.

« السابق التالي »