بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الثورة المصرية فى منتصف الطريق

« السابق التالي »

4. الليبرالية الجديدة

رغم أن السادات هو الذي بدأ سياسات الانفتاح وتحرير الاقتصاد المصري في منتصف السبعينات إلا أن تلك الإجراءات اقتصرت في ذلك الوقت على تحرير التجارة وتيسير دور أكبر لرأس المال الخاص الأجنبي والمحلي، لكن الجزء الأكبر من الاقتصاد ظل تحت هيمنة الدولة والقطاع العام حتى منتصف الثمانينات.

لكن التسعينات شهدت بداية الهجوم الأشد على الطبقة العاملة وفقراء المدن والقطاعات الأفقر من الفلاحين. وفي العقدين التاليين تكونت طبقة جديدة من أصحاب البلايين في ارتباط عضوي بالدولة بدأت تهيمن على الاقتصاد والسياسة في مصر. وبالتعاون مع صندوق النقد الدولي بدأ النظام تطبيق برنامج التكيف الهيكلي في عام 1991.

الهجوم على الفلاحين

بداية تضمن البرنامج الاقتصادي التراجع عن كافة التشريعات الناصرية التي وفرت للقطاعات الأفقر من الفلاحين درجة من الحماية من توحش السوق الحر، حيث تم تحرير سعر المنتجات الزراعية ورفع الدعم عن البذور والأسمدة والآلات الزراعية. وفي عام 1992 صدر قانون الإيجارات الزراعية الذي سمح بارتفاع ضخم في الإيجارات وسمح بإخلاء المزارعين بعد فترة انتقالية خمس سنوات. وعليه شهدت الفترة التالية على 1997 إخلاء آلاف المزارعين المستأجرين وأسرهم من الأراضي التي أقاموا بها وزرعوها لأجيال، وعادت الأراضي للمالكين الأصليين، ومعظمهم من الملاك الغائبين.

الهجوم على الطبقة العاملة

بدأ برنامج الخصخصة في مصر عام 1996. وبحلول عام 2005 كان أكثر من 200 من إجمالي 314 شركة قطاع عام صناعية وخدمية قد تم خصخصتها إما كليا أو جزئيا، وانخفض عدد العاملين في القطاع بنسبة 50% في الفترة من منتصف التسعينات حتى عام 2005، وانتقلت ملكية 20% من القطاع البنكي من القطاع العام إلى القطاع الخاص. وكانت نتيجة هذه السياسات تدهور ظروف العمل بصورة لم تحدث من قبل وارتفاعاً سريعاً في معدلات البطالة ومزيدا من إفقار قطاعات واسعة من المصريين. وصاحب ذلك تراكم شديد للثراء بين كبار الضباط والمسئولين الحكوميين ورجال الأعمال ممن باعوا واشتروا وضاربوا طوال هذه الفترة.

منذ بدأ نظام مبارك تطبيق هذه السياسات الليبرالية الجديدة ارتفعت نسبة المصريين الذين يعيشون عند خط الفقر (أي 2$ في اليوم) أو تحته من 20 إلى 44%. وفي العقد الأخير من حكم مبارك، حيث بلغ معدل النمو الاقتصادي ذروته، ارتفعت نسبة المصريين الذين يعيشون في فقر مدقع من حوالي 16% إلى 20%.

أفكار الليبرالية الجديدة تدعو نظرياً إلى انكماش القطاع العام. أما في الممارسة، فإن الليبرالية الجديدة “القائمة على أرض الواقع” تعني إعادة توزيع الموارد العامة لصالح أقلية صغيرة، بحيث أصبح متاحا لأصحاب العلاقات الجيدة مع متخذي القرار (وأصحاب البلايين عادة ما يملكون هذه العلاقات) أن يشتروا الأصول المملوكة للدولة بنسبة ضئيلة من قيمتها السوقية. ومن ثم حققت الشركات المنتجة لمواد البناء الأساسية، مثل الحديد والصلب والأسمنت على سبيل المثال، مكاسب ضخمة من خلال العقود التي أبرمتها مع الحكومة.

يذكر أحمد النجار، مدير وحدة الدراسات الاقتصادية في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن المسئولين الحكوميين باعوا الأراضي المملوكة للدولة بأقل الأسعار للعائلات ذات العلاقات بالدوائر السياسية. كما سمحوا لشركات أجنبية عملاقة بشراء الشركات المملوكة للدولة بأسعار زهيدة في مقابل الرشوة.

في عام 2004 شكل مبارك حكومة جديدة من كبار رجال الأعمال ومن “تكنوقراط حاصلين على درجات الدكتوراه” ممن كانوا في حقيقة الأمر من غلاة دعاة الليبرالية الجديدة من ذوي التعليم البريطاني من أنصار تاتشر ومن درسوا في أمريكا من أنصار ريجان. وقد قررت الحكومة الجديدة الإسراع في تطبيق برنامجها الليبرالي الجديد، فأصبح كل شيء معروضا للبيع، بما في ذلك المصانع والصحراء والأرض الزراعية والمطارات والنقل العام. وخفضت الحكومة الجديدة نسبة الضرائب على الدخول العليا من 42% إلى 20%، بحيث أصبح أصحاب البلايين والشركات يدفعون نفس النسبة من دخولهم مثلهم مثل صغار أصحاب المحلات.

في الفترة من 2005 إلى 2008، أغدقت المؤسسات العالمية، ولاسيما صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، المديح على الحكومة المصرية بسبب تحقيقها معدل نمو اقتصادي بلغ 7%. لكن أحد خصائص معدلات النمو الاقتصادي في ظل الليبرالية الجديدة أنها تخفي التوزيع غير العادل لهذا النمو. وتفترض هذه النظرية أن معدلات النمو العالية تسفر عن تأثيرات تنساب إلى أسفل وتؤدي في نهاية المطاف إلى تحسين معيشة الفقراء. ولكن ذلك لا يحدث في الواقع. ففي مصر أنتجت معدلات النمو العالية ثراء فاحشاً لأقلية ضئيلة مع ارتفاع سريع لمعدلات الفقر والبطالة بين الأغلبية.

بعد سقوط مبارك، اكتشف المحققون الحجم الفلكي لثروات مبارك وأسرته ووزرائه ومسئولين كبار آخرين في الدولة والحزب. وقد فسرت بعض قطاعات الصحافة البورجوازية المصرية والغربية هذا الأمر بأنه نتيجة للرأسمالية الفاسدة وليس نتيجة لسياسات الليبرالية الجديدة وحرية السوق. ومن ثم أشاعوا أن فساد القائمين على الدولة ودمجهم للسلطة السياسية مع السلطة الاقتصادية هو ما منع السياسات الليبرالية الجديدة من تحسين مستوى معيشة الفقراء.

هناك مغالطتان في هذا التحليل. أولهما، أن العلاقة الوثيقة بين السلطة السياسية والسلطة الاقتصادية قديمة قدم الرأسمالية ذاتها. والثانية، أن سياسات الليبرالية الجديدة لم تستهدف أبداً إلغاء أو التقليل من دور الدولة في الاقتصاد، وإنما تعظيم هذا الدور لتيسير تحقيق الأرباح الرأسمالية على حساب الطبقة العاملة، بما يخلق علاقة أكثر حميمية بين الدولة ورأس المال. هذه العلاقة بالذات هي التي تسمح بتعاظم الفساد والمحسوبية. بل يمكننا القول من خلال تحوير لمقولة شائعة بأن الرأسمالية تفسد ورأسمالية الليبرالية الجديدة تفسد بشكل مطلق.

« السابق التالي »