بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

فلاديمير لينين – النظرية والممارسة

« السابق التالي »

10. السلطة المزدوجة

بدأت الثورة بطريقة عفوية، ولكنها لم تنته هكذا. بعض العمال كانوا أكثر نضالاً من غيرهم، وكانت الطبقة الحاكمة سعيدة باستغلال الانقسامات، فيما كان على الحزب أن يحارب من أجل مصالح الطبقة العاملة ككل. وقد كتب فيكتور سيرج “الحزب هو الجهاز العصبي للطبقة العاملة، وهو عقلها” (السنة الأولى من الثورة الروسية، لندن، ١٩٩٢، ص ٥٨).

كان للينين مهمتين أساسيتين في ذلك الوقت؛ كان عليه أن يربط الحزب ببعضه وأن يشجعه على زيادة تأثيره، ولكن في نفس الوقت كان عليه أن يوجه اهتماماته إلى الجماهير العمالية الغفيرة غير المنتمية للحزب، فبدونهم لن تكون هناك ثورة. كان للحزب القدرة على أن يكبر ويتوسع لأن العمال تذكروا دوره في النضالات السابقة. ولكن منذ أن كان للحزب جذور حقيقية داخل الطبقة العاملة، فكان يتمايل في اتجاهات مختلفة ضمن الطبقة العاملة نفسها.

كانت مهمة لينين الأولى هي أن يجعل للحزب هيئة قتالية. ففي عام ١٩٠٥، كان هدف الحزب هو أن يلفت انتباه كل المناضلين الجيدين إليه. كَبُر الحزب بسرعة؛ ففي بداية العام كان عدد أعضائه ٤ آلاف عضو، وبنهاية العام وصلوا إلى ٢٥ ألف عضو تقريباً. وفي مدينة واحدة، وهي ايفانوفو – فوزنيسينسك تضاعف عدد الأعضاء من ١٠ إلى ٥ آلاف في شهور قليلة.

لم يكن البلاشفة منظمة بيروقراطية حيث يطيع كل شخص فيه الأوامر. في ربيع ١٩١٧ تألفت مكاتب الحزب من حجرتين صغيرتين، وكان عدد طاقم السكرتارية يتكون من نصف دستة من الأعضاء. كانت هناك فوضى كبيرة، وكان على الأعضاء أن يبادروا من أنفسهم بعيداً عن انتظار الأوامر.

عاد تروتسكي إلى روسيا في شهر مايو. في الخمسة عشر عاماً السابقة كان لينين وتروتسكي يجادلون ضد بعضهم البعض بالكثير من القسوة والحدة، ولكن مع قيام الثورة انتهت تلك النزاعات بينهم. كان لينين يعلم متى تكون الانقسامات واجباً ومتى يكون الاتحاد ملزماً. خلال صيف 1917، انضم تروتسكي ورفاقه إلى البلاشفة. وانتُخِبَ تروتسكي على الفور في اللجنة المركزية.

حتى مع توسع الحزب البلشفي، كان في أشد الحاجة إلى حلفاء. كان هناك القليل من الأمل في المناشفة (الذين آمنوا في أن السلطة يجب أن تبقى في أيدي البرجوازيين، وأيضاً تأرجحوا باستمرار في دعم البلاشفة حتى رفضوا في النهاية). أما الثوريون الاشتراكيون فقد انقسموا بدرجة كبيرة حول موقفهم من الحكومة الانتقالية، وأصبح الجناح اليساري منهم بجانب البلاشفة.

كان الوضع غير مستقر. وقد أشار لينين إلى الموقف بوصفه شكلاً من أشكال “السلطة المزدوجة”. فلم يكن هناك سلطة مستقلة واحدة تحكم المجتمع. ولم يكن للحكومة الانتقالية أي إصرار على تحدي السلطة الاقتصادية للرأسمالية. في أماكن العمل والمحليات كانت السوفييتات تدير الأمور، وفي بعض المصانع وضع العمال مديريهم في عربات صغيرة يجرونها باليد وطردوهم خارج البوابات توكيداً لسلطتهم.

كان واجباً على الحزب أن يناضل لأجل أفكاره داخل منظمات الطبقة العاملة، حيث كانت السوفييتات تضم أعضاءاً من جميع الأحزاب. وشدد لينين على ضرورة الصبر في توضيح موقف البلاشفة، فعليهم أن يعتمدوا على “الإقناع الرفاقي” وأن يتجنبوا “العربدة السائدة في العبارات الترويجية للثورة”. فقط في أغسطس حصل البلاشفة على الأغلبية في سوفييت بتروجراد، وهي واحدة من أقوى المدن التي سيطروا عليها.

خلال الصيف واجه لينين والبلاشفة اختبارين قاسيين. ففي شهر يوليو اندلعت مظاهرات عمالية ضخمة في بتروجراد تطالب بنقل السلطة فوراً إلى السوفييتات. وجادل البلاشفة بأن تلك التحركات يجب أن تتراجع؛ فإن استطاع العمال المناضلون وحدهم عزل الحكومة في ذلك الوقت، لن يكون بمقدورهم الحفاظ على السلطة بين أيديهم. فمزيداً من الوقت كان ضرورياً قبل أن تكون الأغلبية العمالية مستعدة لذلك.

بعد ذلك حاول جنرال يميني مؤيد للقيصر يُدعى كورنيلوف بأن الانقلاب لعزل الحكومة الانتقالية وإعادة تأسيس نظام سلطوي. حشد البلاشفة الآلاف من العمال للدفاع عن بتروجراد. قام عمال السكك الحديدية بتفكيك القضبان لتنحرف القطارات، بينما حرّض عمال آخرون جنود كورنيلوف على ترك السلاح. أوضح لينين أن البلاشفة يعملون ضد كورنيلوف، ولكن بالتأكيد ليس لدعم الحكومة الانتقالية. في الحقيقة، أضعفت تلك الأحداث الحكومة الانتقالية وعززت من مصداقية البلاشفة.

« السابق التالي »