بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

فلاديمير لينين – النظرية والممارسة

« السابق التالي »

14. دولة العمال الهشة

واجه المجتمع الجديد العديد من المشاكل، فسوء حكم القيصر والحرب تركا الاقتصاد مدمراً. كانت الطبقة العاملة في روسيا حديثة العهد؛ فمعظم العمال كانوا أبناء الفلاحين الذين وفدوا إلى المدن للعمل بها، وكان الكثير منهم لا يعرف القراءة والكتابة. كانت الطبقة العاملة صغيرة للغاية مقارنةً بالأعداد الهائلة للفلاحين.

لاحظ لينين منذ البداية أنه لا يمكن أن يكون هناك اقتصاداً مخططاً من دون المشاركة النشيطة للطبقة العاملة. وذكرت إحدى صحف خطاباً له قال فيه: “لم يكن، ولا يمكن أن يكون، هناك خطة محددة لتنظيم الحياة الاقتصادية، ولا أحد يستطيع أن يقدم واحدة منها، ولكنها يمكن أن تأتي من الأسفل، عن طريق الجماهير، ومن خلال خبراتهم. وبالطبع سوف تُقدم التوجيهات وتُحدد السبل، وأنه من الضرورة أن نبدأ معاً من الأعلى والأسفل”.

بمعنى آخر؛ لا يمكن أن يكون هناك “تخطيط اقتصادي” منعزل عن ديمقراطية العمال. وقد أظهر التاريخ كيف كان لينين على صواب، فعندما يأتي التخطيط من الأعلى من دون أي تدخل من الجماهير، فما يُسمى بالاشتراكية سيصير مهزلة سلطوية بشعة.

لكن العمال الذين اعتمد عليهم لينين قد نموا في مجتمع عمل على تشويه تطورهم. وقد اعترف لينين في ١٩١٩ أن الاشتراكية يجب أن تُبنى عن طريق “رجال ونساء قد ترعرعوا في ظل الرأسمالية، وتم إفسادهم عن طريق الرأسمالية”. كانت روسيا أقل تطوراً في الصناعة والزراعة عن أوروبا الغربية، وتحطم اقتصادها بسبب الحرب العالمية. فمنذ البداية كان يجب على البلاشفة بدرجة ما أن يستبدلوا أنفسهم بالجماهير العاملة.

كان هناك تقصير كبير من النشطاء الثوريين بسبب قلة خبرتهم في القيام بالوظائف الإدارية، وكان هؤلاء القادرين على القيام بتلك الوظائف يقومون بوظائف عديدة في وقت واحد. الثوري البلغاري فيكتور سيرج جاء إلى روسيا لمساعدة الثورة، وجد نفسه يعمل باستمرار كصحفي ومدرس ومفتش مدارس ومترجم ومحارب مسلح وأمين أرشيف.

كانت قلة الخبرة تمثل خطراً بشكل خاص على أمان الدولة. وقد أنشأ النظام الجديد منظمة تسمى “تشيكا” لمواجهة الثورة المضادة. كان ذلك ضرورياً بالتأكيد، حيث كان الكثير من أصحاب الامتيازات السابقون يريدون تخريب النظام الجديد. ولكن في كثير من الأحيان كان موظفي التشيكا غير ملتزمين بقدر كاف بمبادئ الاشتراكية وأساؤوا استخدام سلطتهم، وقد عانى الكثيرون تحت أيديهم. كان من المسلم به أن هذه المنظمة كانت من أجل التدبير في حالات الطوارئ. وفي ١٩٢٢، وبعد حث لينين وآخرين، استُبدلت التشيكا بهيكل آخر ذي سلطات محدودة.

توقع بعض الثوريين الكثير في القريب العاجل. في ١٩١٧ شكّل الكثير من العمال لجان لإدارة المصانع، وقد لعب البلاشفة دوراً هاماً في تلك اللجان. ولكن دائماً ما مثلت تلك اللجان مصالح مجموعات خاصة للعمال بعيداً عن الطبقة ككل. في مارس ١٩١٨ ذكر شليابنيكوف (والذي أصبح قائداً للمعارضة العمالية) في تقرير له واصفاً فيه الفوضى في السكك الحديدية بسبب سيطرة العمال. كان ذلك عكس مصالح العمال بشكل عام، والذين كانوا في حاجة إلى نظام مواصلات فعّال. ورغم التعهد بسيطرة العمال مبدئياً، دمج البلاشفة لجان المصانع مع النقابات.

إذا كانت روسيا داخل فقاعة مغلقة، لتم التوصل لاتفاقات بشأن تلك المشاكل خلال أعوام قليلة. لكن القوى الأوروبية العظمى لم تكن تريد أن تظفر هذه الثورة وتتقدم. فقد كانوا يعلمون كيف كانت روسيا الثورية ذات شعبية كبيرة بين عمال بلدانهم الذين أنهكتهم الحرب، وكانوا مرعوبين من انتشار مثل هذا النموذج.

في يوم ما قبل الهدنة أبلغ ويستون تشرشيل الحكومة البريطانية أنه من الضروري إعادة بناء الجيش الألماني لمحاربة البلاشفة. وبعد أسبوعين قال في إحدى الاجتماعات: “انطفأت الحضارة بشكل كامل في مناطق عملاقة، في حين نجد البلاشفة يقفزون ويعربدون وكأنهم جيش من البابون وسط أطلال مدنهم وجثث ضحاياهم”.

حتى ١٩٢٠ استمرت حرب أهلية شرسة في جميع المناطق الروسية. في الحقيقة كلمة “حرب أهلية” ليست دقيقة في الوصف. فكانت هناك قوات في روسيا من بريطانيا وفرنسا وكندا والولايات المتحدة و١٧ دولة أخرى، اتحدوا مع مختلف القادة الروس الوحشيين والرجعيين والفاسدين والذين أطاحت بهم الثورة.

كانت بتروجراد على وشك السقوط مرتين بين أيدي الرجعيين، إلى درجة أن ناقش لينين إمكانية عودة البلاشفة إلى العمل السري.

كان أولئك الذين يبحثون عن ذم لينين، مثل مؤلفي كتاب “الكتاب الأسود للشيوعية”، سردوا مقولات عن لينين تظهره وكأنه وحش متعطش للدماء. في أغسطس ١٩١٨ أرسل لينين برقية حول كيفية التعامل مع تمرد الكولاك (الفلاحين الأثرياء الذين كانوا أعداء للفلاحين الفقراء):

“إن تمرد الكولاك في مناطقك الخمس يجب أن يُسحق بلا شفقة. فمصالح الثورة بشكل كامل تتطلب مثل ذلك الفعل، والنضال الأخير ضد الكولاك قد بدأ الآن. يجب أن تجعل من هؤلاء مثلاً للجميع. 1) إعدام (وأعني الإعدام علانية حتى يراه الناس) على الأقل ١٠٠ من الكولاك والأغنياء الأوغاد ومصاصي الدماء. 2) أنشر أسمائهم. 3) استولى على محاصيلهم. 4) انتقي لكل رهينة واحدة من تعليماتي في برقية أمس”.

يبدو هذا الاقتباس مروعاً إذا أخرجته من سياقه. كانت هناك حرب شرسة مندلعة، وأنصار الثورة المضادة كانوا أكثر وحشية من البلاشفة بما لا يُقاس. كان قائد الجيش الأمريكي في سيبريا عام ١٩١٩، الجنرال وليام جرافس، قد كتب الشهادة التالي: “أنا على صواب عندما أقول أن أعداء البلاشفة قد قتلوا ١٠٠ شخص في شرق سيبريا مقابل كل شخص يقتله البلاشفة”. لم يكن لينين مسالماً، وقد قام بكل شيء يستطيع أن يقوم به ليؤكد انتصار البلاشفة. إن مؤلفي “الكتاب الأسود للشيوعية” ليسوا صاخبين بشكل خاص في نقد عنف جورج بوش أو توني بلير أو أرئيل شارون. إنه من السهل تسكين ضمائرهم عن طريق شجب لينين.

كانت قوات الثورة المضادة فاسدة وتعمل ضد السامية، ولم يكن لديهم ما يقدمونه سوى عودة النظام القديم الفاقد لمصداقيته. وأخيراً انتهت الحرب الأهلية بانتصار البلاشفة بسبب عزيمتهم الهائلة وما أظهروه من شجاعة وتضحيات.

لعب لينين دوراً حاسماً في التوجيه السياسي للحزب. ونادراً ما كان يظهر بمظهر الطاغية. فبعد الثورة بشهور كانت القيادة البلشفية منقسمة حول التساؤلات الرئيسية، وأحياناً كان لينين في جانب الأقلية وكان عليه أن يجادل بشراسة ليظهر أن موقفه هو الصواب.

لم ينظر لينين إلى أي مهمة لم تكن جديرة به. فقد أمضى الكثير من الوقت في التفاصيل الإدارية الثانوية. ومقارنةً بالطواغيت الجدد، كان أمنه الشخصي ضعيف. وذات مرة هاجم لصوص سيارته وأجبروه على الخروج منها وسرقوها، وفات الكثير من الوقت حتى تلقى المساعدة.

لم يبحث لينين عن الامتيازات لنفسه. ففي عام ١٩١٨ أصدر توبيخاً شديد اللهجة لمفوضي مجلس مفوضي الشعب حينما قرر زيادة راتبه. وفي جواب كتبه لينين في عام ١٩٢٠، سأل بطريقة مهذبة للغاية أمين إحدى المكتبات حول إذا كان من الممكن استثناءه من قوانين المكتبة حتى يستطيع استعارة بعض المراجع ليلاً، على أن يعيد الكتب في الصباح الباكر. إنه من الصعب أن تتخيل ستالين أو صدام حسين يظهرون هذا الاحترام لقوانين مكتبة.

« السابق التالي »