بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

فلاديمير لينين – النظرية والممارسة

« السابق التالي »

15. الحركة الأممية

كان لينين دائماً على يقين بأنه لا أمل في الثورة الاشتراكية في روسيا إلا إذا انتشرت بسرعة فائقة لبقية العالم. وقد كتب في ديسمبر ١٩١٧: “إن الثورة الاشتراكية التي بدأت في روسيا، هي فقط البداية للثورة الاشتراكية العالمية”. وبشكل خاص، كان يمكن لعمال ألمانيا أن يساعدوا الاقتصاد الروسي.

كان أمل لينين في انتشار الثورة الروسية واقعياً، حيث أن احتمالات الثورة في روسيا كانت جيدة بنهاية الحرب. وبعد ٤ أعوام فاض كيل العمال بالنظام الذي تسبب في الكثير من الدمار وموت الآلاف. وبين عامي ١٩١٨ و١٩٢٠ كان هناك الكثير من الإضرابات وحركات التمرد وعمليات احتلال المصانع، وانتشرت مجالس العمال والجنود في كل مكان. وكانت ألمانيا المهزومة في الحرب، بشكل خاص، على حافة الثورة.

كانت المشكلة الوحيدة هي القيادة، حيث أن معظم القيادات العمالية القديمة كانت تدعم الحرب. وقد ظهر جيلٌ جديدٌ من المناضلين بعد الحرب ولكنه كان قليل الخبرة. لم يكن هناك حزب مماثل للبلاشفة ذو قيادة خبيرة وله جذور حقيقية وسط العمال. في يناير ١٩١٩ أُغتيلت المناضلة الاشتراكية الألمانية روزا لوكسمبورج على يد أعدائها السياسيين. كانت لوكسمبورج هي القيادية الأوروبية الوحيدة التي كانت تجادل على قدم المساواة جنباً إلى جنب مع لينين.

جادل لينين بأنه لا جدوى من إعادة إحياء الأممية الثانية، وأنه من الضروري تأسيس أممية جديدة. في مارس ١٩١٩ تأسست الأممية الشيوعية الثالثة في مؤتمر في موسكو. خلال الأعوام الثلاثة التالية عُقدت الكثير من المؤتمرات، كما انضمت منظمات عديدة إلى الأممية الجديدة.

قبل عام ١٩١٤ كانت هناك انقسامات عميقة داخل الطبقة العاملة، ما بين الماركسيين من ناحية، والأناركيين والنقابيين من ناحية أخرى. بعد الثورة الروسية دعمها الكثير من الأناركيين والنقابيين، فيما كان لينين حريصاً على كسبهم في صفه، وأمضى ساعات طويلة في مناقشاته مع الأناركيين أمثال إيما غولدمان من الولايات المتحدة وماخنو من أوكرانيا. في ١٩٢٠، عندما شق النقابيون طريقهم إلى موسكو بصعوبة تامة، لامهم بعض القادة البلاشفة على ضرورة بناء حزب ثوري. تبنى لينين موقفاً أكثر إيجابية، حيث جادل بأن الفكرة النقابية التي تتلخص في “القلة المنظمة” من أكثر العمال نضالية، والفكرة البلشفية حول الحزب متماثلتان تماماً. في تلك الاستراتيجية، حاز لينين دعم أكبر من تروتسكي، بينما اتخذ بعض البلاشفة موقفاً أكثر عصبوية.

لاحظ لينين مشاكل خطيرة في ذلك الوقت يمكن تلخيصها تحت مسمى “الطفولة اليسارية في الشيوعية”. في فترات النضال انضم العديد من المناضلين الجدد إلى العمل الثوري. ولأنهم لم يذوقوا الهزائم قبل ذلك، فكانوا دائماً يستهينون بكسب أغلبية العمال. ولأن النشطاء الجدد قد رأوا خدعة الديمقراطية البرلمانية، فكان من السهل، كما اعتقدوا، إقناع العمال بذلك، وأن الثوريين يجب عليهم رفض المشاركة في الانتخابات. لكن لينين قد ذكّرهم بأنه ما زال الكثير من العمال يؤمنون بالبرلمان: “يجب ألا نعتبر أن ما نرفضه دائماً يكون مرفوضاً من بقية الجماهير”.

حث لينين الحزب الشيوعي البريطاني للانتساب إلى حزب العمال، من أجل كسب الكتل العمالية التي ما زالت تحمل الولاء لحزب العمال، بينما كانت قياداته من اليمين. وقد أصر لينين على أن الشيوعيين يجب أن يحتفظوا “بالحرية والاستقلال الضروريين لفضح وانتقاد خونة الطبقة العاملة”، وختم بأنه إذا فصل الشيوعيين هؤلاء الخونة فذلك سيكون انتصاراً عظيماً. الحلول التنظيمية لم تكن هي ما يهم، فالمهم هو التأكيد على أن الأفكار الشيوعية قد وصلت إلى أكبر عدد ممكن من العمال.

بعض الثوريين أرادوا ترك النقابات تماماً بسبب فساد ورجعية البيروقراطيين بها. وذهب لينين بعيداً ليقول أن: “الثوريين الذين يُهددون بالطرد يجب عليهم اللجوء إلى الحيل المختلفة والمكر والطرق الغير قانونية، وإلى التهرب والخديعة، من أجل البقاء في النقابات”. وغالباً ما اقتُبس ذلك خارج السياق، كما لو كان لينين قد دافع عن التضليل بشكل عام. على عكس ذلك، فدائماً كان لينين يجادل الثوريين بأنه يجب عليهم قول الحقيقة للعمال. وقد جادل ببساطة بأنه إذا كان البيروقراطيون في النقابات يطاردون الثوريين ويتلاعبون بالقوانين لطردهم، فيجب على الثوريين أن يبقوا هادئين للحفاظ على عضوياتهم في النقابات: “إذا كنتم تريدون مساعدة الجماهير وكسب تعاطفهم ودعمهم، فيجب عليكم ألا تخشوا الصعوبات والمغالطات والإهانات واضطهاد القيادات لكم، ولكن بكل تأكيد يجب أن تعملوا في أي مكان يتواجد فيه الجماهير”.

كان يمكن للينين أن يجادل بشكل أكثر حيوية، ولكنه أيقن أنه يمكنه التعلم من الحركة الثورية. وقد وصف النقابي الفرنسي ألفريد روزمير أول لقاء له مع لينين، والذي قد كتب مقالاً يطالب فيه بالانقسام الفوري للحزب الاشتراكي الفرنسي وتكوين حزب شيوعي جديد. أوضح روزمير للينين أنه سيكون من الأفضل أن ننتظر شهور قليلة لحين كسب الأغلبية. وقد جاوبه لينين فوراً، “لا بد لي أني كتبت شيئاً تافهاً”، وغيّر لينين مقاله بعد ذلك. كان لينين قائداً من النوع الذي يعرف كيف يستمع إلى الآخرين والوقت المناسب لتغيير وجهات نظره. كيف كان مختلفاً عن سياسيي اليوم، فمتى كان الاعتراف بالخطأ اعترفاً بالفشل!

في آخر حديث للينين للأممية الشيوعية في عام ١٩٢٢، حذر من خطورة فرض التجربة الروسية على البلدان الأخرى. فعلى الثوريين في كل مكان أن يطبقوا مبادئهم على حسب الظروف المحددة لتجربتهم الفعلية: “هذا القرار روسي جداً، ويعكس التجربة الروسية. ولهذا السبب هو غير مفهوم تماماً للأجانب، ولا يمكنهم أن يحتووه بتعليقه في ركن ما كإله يصلون له”.

« السابق التالي »