بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

فلاديمير لينين – النظرية والممارسة

« السابق التالي »

18. هل أدى لينين إلى ستالين؟

الكثير من الأكاديميين والسياسيين والصحفيين يدّعون أن طرق لينين وسياسته أدت بشكل مباشر إلى الوحشية والديكتاتورية اللتين تميز بهما عصر ستالين. وهذه وسيلة كسولة لشرح التاريخ، وقد فشلت في فحص العمليات التاريخية المعقدة التي أدت إلى ستالين. وإذا كان من المناسب أن تكون فكرة التاريخ كلها تعبر عن الأشخاص العظام، فكل ما نحتاجه هو فقط معرفة السيكولوجية النفسية لهؤلاء القادة.

وبالطبع أي شيء يمكن أن نثبته عن طريق حقائق مختارة ممزقة من المحتوى. فيكتور سيرج، الذي انضم إلى البلاشفة أثناء الحرب الأهلية وأصبح لاحقاً أحد ضحايا ستالين، لخص كل ما هو خطأ في ذلك النهج: “كثيراً ما يُقال أن الجرثومة الستالينية كانت موجودة في البلشفية منذ البداية. حسناً، فأنا ليس عندي أي اعتراض. البلشفية أيضاً تحتوي على العديد من الجراثيم، بل كتل هائلة من الجراثيم، وأولئك الذين عاشوا خلال حماسة الأعوام الأولى للانتصار الأول للثورة الاشتراكية يجب عليهم ألا ينسوا ذلك”.

كانت استراتيجية لينين الكلية معتمدة على مبدأ انتشار الثورة الروسية في أنحاء أوروبا، وبعد ذلك العالم كله. ولكن فشلت الثورة في الانتشار، وكما فهم لينين، لا يمكن تصديرها.

هذا الانعزال كان القضية الأساسية في ارتكاب الأخطاء في روسيا. وكتبت روزا لوكسمبورج: “لن يستطيع الروس إصلاح أنفسهم من تلك الأخطاء.. لأن الاشتراكية الديمقراطية في الغرب المتطور تضم بؤساءاً وجبناء ينظرون بطريقة هادئة تاركين الروس ينزفون حتى الموت”.

اللوم الحقيقي يقع على هؤلاء القادة الغربيين أمثال وينستون تشرشيل، الذي أطلق هجوماً مسلحاً على الدولة الثورية، وعلى قيادات الطبقة العاملة في أوروبا الذين لم يدافعوا عن الثورة الروسية بإخلاص.

بالطبع من المستحيل الحديث عما كان سيفعله لينين إذا كان قد بقى على قيد الحياة فيما بعد ١٩٢٤. ولكن يمكننا أن نكون متيقنين فيما لم يفعله لينين.

ظهر حل ستالين عندما تأكد من وفاة لينين، وكان هذا الحل هو “الاشتراكية في بلد واحد”. بدلاً من تشجيع الحركات الثورية عند صعودها في أي مكان في العالم,. لكن ستالين لم يقم بذلك.

كانت الأممية الشيوعية في أيام لينين مفعمة بالنشاط حيث كانت تناقش الاستراتيجيات المختلفة، ولكنها أصبحت بعد ذلك جهازاً بيروقراطياً من أعلى إلى أسفل حيث يعمل الجميع فيها على إطاعة نفس النهج. في الصين عام ١٩٢٧، قام ستالين بتوجيه الشيوعيين لتسليم استقلاليتهم إلى شانج كاي شيك، الذي استغلهم وذبحهم بعد ذلك. كما أخبر ستالين الشيوعيين في ألمانيا أن الاشتراكيين الديمقراطيين فاشيون، ومن هنا لم تكن هناك معارضة موحدة ضد هتلر. وأثناء الحرب الأهلية في إسبانيا، أدار الشيوعيون اسلحتهم ضد العمال الذين أرادوا تحويل الحرب إلى ثورة.

قرر ستالين أن روسيا عليها أن تعتمد على نفسها في الصناعة. وقد جادل بأن روسيا عليها أن تلحق بما حققه الغرب من تقدم: “نحن متأخرين عن الدول المتقدمة بخمسين أو مائة عام. وعلينا أن نعوّض هذا التأخر في عشرة أعوام. فإما أن نفعل ذلك أو تحطمنا هذه الدول”.

كانت بريطانيا متوحشة بما يكفي في الصناعة في القرن التاسع عشر. وهذه العملية كانت أسرع في روسيا ولذلك كانت المعاناة أكبر. وأكثر ما انتقدت به الستالينية أنها رفضت أن تلاحظ أن النظام الذي تسبب في معاناة الناس كان يشبهها بوجه خاص. على الرغم من ملكية الدولة، والسياسات الاقتصادية التي كانت تقود الاقتصاد الروسي، كان كل ذلك ضمن إطار الرأسمالية.

ضاعت الكثير من مكتسبات الثورة. واختفت النقابات المستقلة وحقوق الإضراب، وهبطت المرتبات. والإجهاض والشذوذ الجنسي أصبحتا في عداد الجرائم مرة أخرى، واستُبدل الابتكار الفني بالمذاهب المحافظة تحت مسمى “الواقعية الاشتراكية”.

كانت سياسات ستالين الوحشية في جمع المحاصيل الزراعية من الفلاحين قسراً نقيضة تماماً لمواقف لينين. حيث كان يسعى لينين دائماً إلى الحفاظ على تحالفاته مع الفلاحين.

ظهرت طبقة جديدة من البيروقراطيين بمصالحها الخاصة. وأصبح الحزب الشيوعي، الذي كان يضم أكثر المناضلين إخلاصاً وتضحية، منظمة للنخبة الذين تقربوا لستالين من أجل الحفاظ على مصالحهم.

دائماً ما يتم إتهام لينين بإنشاء دولة الحزب الأوحد. ولكن البلاشفة كان لديهم اختيارات ضيقة في تلك المسألة. فبعد نجاح الثورة تحالف المناشفة مع الثوريين الاشتراكيين وكوّنوا حكومة ائتلافية وتم استبعاد لينين وتروتسكي منها، فكان وضعاً غير مقبولاً بالمرة. وبعد ذلك استعاد الثوريون الاشتراكيون استخدام العنف ضد النظام الجديد (في أغسطس عام ١٩١٨ حاول أحد أعضاء الاشتراكيين الثوريين اغتيال لينين).

كان لينين قاسياً في جداله مع معارضيه. ولكنه كان يجادل حول الأفكار والسياسات، ولم يكن يتهم معارضيه بجرائم لم يرتكبوها. في عام ١٩٢١ حظر الحزب البلشفي حق التكتلات داخله، ولكن لينين أصر على أنه: “لا يمكن أن نحرم الحزب وأعضاء اللجنة المركزية من حقهم في عرض مواقف الخلاف حول القضايا الأساسية”. أثناء محاكمات التطهير في عام ١٩٣٠ اتهم ستالين أعداءه بالخيالية، وجرائم أخرى مثل التعاون مع النازيين.

بكل تأكيد كان هناك قمعاً شديداً أثناء فترة الحرب الأهلية، ولكنها لا تُقارن بوحشية نظام ستالين. فيكتور سيرج، الذي كان في وسط الأحداث ويعلم ما الذي كان يتحدث عنه جيداً، حكم على ذلك حيث كتب: “من زاوية النظرية والممارسة، لا يمكن أن يكون لدولة ستالين القمعية أي أوجه مقارنة بتدابير الأمن العام لدولة الكوميونة أثناء فترة المعارك”.

ومن أجل تماسك سلطات ستالين، قام بقتل مساعدي لينين المقربين زينوفيف وكامينيف وراديك وبوخارين. وطارد عملاء ستالين تروتسكي في أنحاء العالم وقاموا باغتياله في المكسيك. تم تصفية الآلاف من البلاشفة القدامى ذوي الرتب العالية.
في عام 1944 جلس ستالين مع وينستون تشرشيل، الذي ساعد في غزو روسيا عام ١٩١٨. وقد قاموا فيما بينهما بتقسيم أوروبا إلى “مناطق نفوذ” حاسمين مصير الملايين بدون استشارتهم. لم يكن تشرشيل مغفلاً، فقد كان يعلم جيداً من هم أعداؤه الحقيقيين.

كان أكثر معارضي ستالين تماسكاً هم هؤلاء الذين يتذكرون أيام لينين، وانتقدوا ستالين من حيث القيم التي تشاركوها مع لينين. من أبرز هؤلاء كان ليون تروتسكي وأتباعه القلائل الذين تميزوا بالشجاعة أمثال فيكتور سيرج وألفريد روزمير. هؤلاء وضعوا قواعد لحركة اشتراكية أصيلة بدأت في الظهور عندما تدهورت الستالينية.

« السابق التالي »