بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

فلاديمير لينين – النظرية والممارسة

« السابق التالي »

3. البلشفية: ما العمل؟

في مؤتمر ضم 9 مندوبين فقط في مدينة مينسك عام ١٨٩٨، تأسس حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي. لم يحضر لينين هذا المؤتمر بسبب أنشطته الثورية في سيبيريا.

كانت الأنشطة الاشتراكية في العهد القيصري غير قانونية أو شبه قانونية، فقليل من الثوريين استمتعوا بأكثر من عام من الحرية قبل أن يُلقى القبض عليهم ونفيهم في سيبريا. وما بين عامي ١٩٠٠ و ١٩٠٥ كان لينين منفياً بين لندن وميونيخ وجينيف.

في عام ١٩٠٢ أصدر لينين كتاب “ما العمل؟” حيث عرض فيه أفكاره حول التنظيم. الكثير من نقاد لينين وأنصاره يستخدمون هذا الكتاب كبيان لوجهات نظر لينين حول ما يجب أن تكون عليه المنظمة الثورية في جميع الأزمنة والبلدان. وهذا محض هراء؛ لأن لينين كان يكتب في ظرف معين، وكتاب “ما العمل؟” هو وثيقة تاريخية وليس وصفة شاملة، ولكنه أيضاً يحتوي على جدالات هامة لا زالت ذات صلة باليوم.

قبل ذلك بسنوات قليلة، شدد لينين على أن النقابات العمالية يجب عليها أن توجه العمال نحو الأفكار الاشتراكية، ولكنه قال العكس بعد ذلك: “إن الحركة النقابية تعني أيديولوجيا استعباد العمال عن طريق البرجوازية”. كانت مبالغة كبيرة من لينين، ولكنه كان يريد أن يوضح أن مسئولية النقابات هي تحسين ظروف العمال داخل النظام الرأسمالي وليس التخلص منه.

أما الحزب فمسئوليته أن يناضل من أجل الاشتراكية، ونضال النقابات هو وسيلة لتحقيق تلك الغاية وليس الغاية نفسها؛ فالأفكار الاشتراكية لا تتطور من تلقاء نفسها، والمفكرين الاشتراكيين الرئيسين من ماركس واينجلز إلى لينين نفسه لم يكونوا عمالاً. عمال المصانع كانوا يكدحون دائماً في العمل لأوقات كثيرة قد تصل إلى ١١ ساعة يومياً، فنادراً ما كان عندهم وقت الفراغ للقراءة أو الكتابة. وفي هذا السياق قال لينين أن: “الوعي الطبقي السياسي لا يمكن أن يتحقق للعمال من لا شيء، فهو يتحقق فقط من خارج الصراع الاقتصادي ومن خارج دائرة العلاقات بين العمال والموظفين”.

تسائل لينين حول كيفية سيطرة الأفكار البرجوازية على المجتمع، وقد رد على ذلك قائلاً: “لسببٍ بسيط؛ أن الأفكار البرجوازية أقدم بكثير في الأصل من الأفكار الاشتراكية، ولذلك فهي أكثر تطوراً، ولديها تحت تصرفها أدوات للدعاية بدرجة لا تقاس”. فما الذي كان سيقوله لينين إذا رأى وسائل الإعلام الحديثة؟

إن الأفكار الاشتراكية لن تتطور تلقائياً عند العمال، فالنظام الحالي عنده أساليب قوية يحمي به نفسه، والاشتراكيون بحاجة لنفس الأساليب القوية ليناضلوا من أجل بدائلهم.
والجانب الحيوي لذلك كان التأسيس لجريدة اشتراكية، فالفصل النهائي من كتاب “ما العمل؟” نادى بضرورة إصدار جريدة اشتراكية تغطي جميع أنحاء روسيا. وبالنسبة للينين فإن الجريدة عمل جماعي منظم، ومثل هذه الجريدة ستحتاج إلى شبكة من العملاء يعملون كفريق منضبط ومنظم، ومثل هذه الأنشطة “سوف تقوّي اتصالاتنا بشرائح أوسع من الكتل العمالية”.

صحيفة مثل إيسكرا (الشرارة)، والتي كان يكتب فيها لينين الكلمة الافتتاحية، كانت تُطبع في الخارج ويتم تهريبها إلى روسيا، أو يتم طباعتها سراً في مطابع داخل الأقبية.
جادل لينين بأن الحزب يجب ألا يكون مفتوحاً لأي شخص أو حتى للمتعاطفين معه فكرياً فقط، ولكنه يجب أن يكون تنظيماً جاداً يضم ثوريين محترفين مستعدين دائماً لتكريس جميع طاقاتهم للنضال وأن يعملوا بانضباط. وقد أشار إلى أنه تحت الظروف القمعية في روسيا فإن: “المنظمة العمالية الواسعة يُفترض أن تكون الأكثر انفتاحاً لجميع الكتل الجماهرية” ولكن في الحقيقة: “الثوريون هم الأكثر انفتاحاً لقوات الشرطة”.

في “ما العمل؟” شدد لينين على ضرورة وجود منظمة مركزية: “منظمة مستقرة شديدة المركزية من الثوريين”.

وفقط المنظمة المركزية هي وحدها التي تستطيع التعامل مع تهديدات البوليس السياسي وتعمل حول جريدة ثورية مركزية تثير نفس القضايا على مستوى قومي. الاشتراكية الروسية تميزت بالمناقشات النشطة طوال تاريخها. ولكن بمجرد اتخاذ القرار، يصبح واجب التنفيذ على الجميع؛ فالسياسات يتم اختبارها عن طريق الممارسة، وإن وجب، يتم تصحيحها.

كانت هذه هي المبادئ الذي سُميت بعد ذلك بـ”المركزية الديمقراطية”. لا يوجد غموض كبير حول هذه الفكرة، فهي توجد في أي شكل من الأشكال التنظيمية التي يعمل فيها الناس من أجل تحقيق شيء بدلاً من المناقشات المجردة.

في العام التالي انشق حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي. وشهدت الحركة الاشتراكية بالفعل الكثير من الانشقاقات، ويعتقد بعض الناس أن بتكرار الانشقاقات يثبتون انتمائهم للينينية. ولكن هناك مبدأ هام، وهو أن لينين أراد حزباً يعمل فيه الناس وفق الانضباط الحزبي وليس فقط التوافق الصريح مع الحزب. الانشقاق الأخير جاء أكثر من مجرد تساؤل تنظيمي ثانوي، ولكنه عَكَسَ اختلافات هامة، فأنصار لينين كسبوا الأغلبية وأخذوا إسم “البلاشفة”، والجانب الخاسر كان الأقلية ولُقبوا بـ”المناشفة”. كانت هذه بداية الانشقاق.

وفي خضم الأحداث الضخمة في ١٩٠٥ كانت الكثير من المنظمات المحلية ما زالت متحدة، وكانت هناك محاولات عديدة لإعادة الاتحاد مع باقي المنظمات، إلى أن جاءت الضربة القاضية والفاصلة بين البلاشفة والمناشفة في عام ١٩١٢.

ساعدت مبادئ لينين التنظيمية في تماسك البلاشفة في أوقات عصيبة، ولكن مع تطور مسار النضال أصبح هناك شكل آخر تماماً ضرورياً للتنظيم.

« السابق التالي »