بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

فلاديمير لينين – النظرية والممارسة

« السابق التالي »

4. 1905: السوفييتات

في يناير عام ١٩٠٥، تحركت مظاهرة ضخمة في سان بطرسبورج يقودها قس، وهو الأب غابون، وأطلقت قوات القيصر النار عليها، مما أدى إلى سقوط المئات في ذلك اليوم. عهد جديد قد بدأ، وكانت أفكار “ما العمل؟” منسية، وكان على الحزب في ذلك الوقت أن يدفع الحركة إلى الأمام ضد الدولة القيصرية، والتي لا تحتاج إلى مجرد مجموعات صغيرة من الثوريين بل إلى الأنشطة الأكثر نضالية في الطبقة العاملة.

بعد شهر من تلك الأحداث جادل لينين البلاشفة في أحد خطاباته قائلاً: “جنّدوا الشباب بكثافة وكثرة، فهذا هو وقت الحرب. هؤلاء الشباب بما فيهم الطلاب والعمال الشباب سوف يقررون مصير النضال”.

شدد لينين على أنه إذا كان الأعضاء الجدد نشطين، “فليس هناك ضرراً إذا ارتكبوا أخطاءاً”.

في سبتمبر ١٩٠٥، أضرب العاملون بالطباعة في سان بطرسبورج ضد معدلات الأجور بالقطعة وطلبوا أجراً على علامات الترقيم. انتشر الأمر سريعاً حتى تحول إلى إضراب عام. كانت القطاعات المضربة ترسل مندوبين إلى لجنة الإضراب المركزية والتي عُرفت بعد ذلك بـ”السوفييتات”، والتي مثّلت شكلاً جديداً من أشكال التنظيم. وفي خلال أسابيع، أصبح هناك ٥٦٢ مندوباً يمثلون ٢٠٠ ألف عامل، حتى تحولت السوفييتات إلى هيئة سياسية تدافع عن مصالح الطبقة العاملة. اختفت التحيزات القديمة، وعلى الرغم من انتشار معاداة للسامية، انتخب العمال يهودي شاب إسمه ليون تروتسكي ليكون قائدهم.

تمخضت الأعوام السابقة من العمل السري عن نوعٍ ما من العادات المحافظة والعصبوية بين البلاشفة، ولم يكن سهلاً في ذلك الوقت تبني مواقف جديدة، وكان الكثير من البلاشفة في سان بطرسبورج مرتابون من السوفييتات. ولكن في موسكو وفي الأماكن الأخرى لعب البلاشفة دوراً هاماً داخل السوفييتات. ولاحظ لينين أن الحزب أصبح كلياً في موقف جديد جعله يسافر إلى سان بطرسبورج بجواز سفر مزوّر.

جادل لينين بأن الحزب يجب أن يترسخ في أوساط العمال الثوريين، وأولئك الذين يريدون أن يناضلوا. على سبيل المثال، دافع لينين عن ضرورة السماح للعمال المسيحيين بالانضمام إلى الحزب. وجادل أيضاً بأنهم إذا أرادوا الاحتفاظ بمعتقداتهم الدينية، فذلك سوف يتعارض مع نضالهم. فقد آمن لينين أن: “النضال الحقيقي والعمل بين القواعد سوف يقنع جميع العناصر الحيوية بأن الماركسية هي الحقيقة، وسوف يلقي جانباً كل من يفتقر إلى الحيوية”.

أمرٌ واحدٌ فقط كان يفصل بين البلاشفة والتيارات السياسية الأخرى في ثورة 1905 وهو الإصرار على تسليح العمال. حكى لينين عن جداله مع أحد الليبراليين الذي قال: “تخيل أن هناك وحشٌ مفترسٌ أمامنا، أسد مثلاً، ونحن الاثنين عبيدٌ ألقونا لهذا الأسد، فهل سيكون مناسباً في ذلك الموقف أن نبدأ جدالاً؟ أليس واجبنا أن نتحد ونحارب هذا العدو المشترك؟”. رد لينين قائلاً: “ولكن ماذا إذا كان أحد هؤلاء العبيد قام بتأمين سلاح وهاجم الأسد، بينما الآخر وهو في منتصف النضال لاحظ شيئاً مكتوباً “دستور” معلق على رقبة الأسد وبدأ يصرخ أنا ضد العنف سواء من اليمين أو اليسار”.

جميع الثورات تأتي لتفاجئ الجميع. لكن التحدي الحقيقي أمام الثوريين ليس التنبؤ بالانفجار الاجتماعي، بل البحث عن طرق تتجاوب مع الأوضاع الجديدة. ولكي تستمر الأحزاب الثورية لفترات طويلة غير ثورية، فهي تحتاج إلى تنظيم وانضباط وروتين، ولكن هذه الصفات يمكن أن تكون عقبات في فترة التغيير السريع.

قبل عام ١٩٠٥ كان البلاشفة عبارة عن أقلية صغيرة تحاول أن تنشر الأفكار الاشتراكية بين العمال، ولكن في عام ١٩٠٥ تغيرت وظيفتهم بطريقة جذرية، فأصبحت مهمتهم الحاسمة هي الاستماع للعمال والتعلم منهم لدفع الحركة إلى الأمام. على الرغم من بعض الأخطاء، زاد تأثير البلاشفة في عام ١٩٠٥ ونمت عضوية الحزب بشكل سريع خلال العامين المقبلين حتى وصلوا إلى ٤٠ ألف عضو. جيلٌ جديدٌ من المناضلين سيلعب دوراً حاسماً في النضالات القادمة.

« السابق التالي »