بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ملاحظات جديدة حول تاريخ اليسار المصري: اليسار المصري في العشرينيات

« السابق التالي »

4. الحزب الاشتراكي

في عامي 20-1921 ضربت أزمة اقتصادية “عرفت بأزمة القطن” الاقتصاد المصري، وترافق معها أزمة في الصناعة، فبعد زوال الحماية المصطنعة بفعل الحرب العالمية الأولى زاد ضغط المنافسة الأجنبية على الرأسماليين الصناعيين في مصر “وحل محل الأرباح العالية التي حققوها في أثناء الحرب وعقب انتهائها خسائر ملموسة نتيجة لحدة المنافسة، واقترنت بهذه الخسائر أيضا أزمة القطن التي أدت إلى انخفاض ملموس في الاستهلاك المحلي.” استغلت الحركة الوطنية الاستياء الناجم عن الضغوط الاقتصادية في زيادة تحريضها، ونجحت في إجبار “لجنة ملنر” على الرحيل، ولجنة ملنر هي بعثة إنجليزية جاءت إلى مصر للبحث عن فريق بديل لسعد زغلول وحزب الوفد لتتفاوض معه، ولكنها ووجهت بمقاطعة شاملة، وازدادت أيضا حوادث الاغتيالات ضد الإنجليز. المستوى الصاعد من النضال أجبر الاحتلال الإنجليزي على التراجع، فأعلن في فبراير 1921 أن الحماية علاقة غير مرضية، ولم يؤد هذا التراجع إلا إلى المزيد من تصاعد النضال فازداد تراجع الإنجليز وأعلنوا في فبراير 1922 اعترافهم بمصر دولة مستقلة مع أربع تحفظات فرغت الاستقلال من مضمونه. هذا الزخم – أزمات اقتصادية ونضال وطني ونشاط يساري وطبقة عاملة متحدية – ساعد على تجذر المثقفين وزيادة توجههم نحو اليسار، وكان أول مظاهر ذلك تأسيس الحزب الديمقراطي، وهو حزب صغير كونه مجموعة من المثقفين ووضعوا برنامجه على أساس المبادئ الليبرالية الفرنسية. وكان من بين مؤسسي الحزب “محمد حسين هيكل” أحد أهم المثقفين المصريين ومؤلف أول رواية عربية، وكان من بينهم أيضا “عزيز ميرهم” المحامي الذي كان “أدنى إلى التطرف في الاشتراكية” كما وصفه زملاؤه، وكان متعاطفا مع البلاشفة ، وله صلات واسعة في أوساط العمال ونقاباتهم، وإن ظل أفقه محدودا بالوطنية، لذلك فإنه انضم للوفد بعد تفكك الحزب الديمقراطي بعد وقت قصير من إنشائه.

لم يكن ظهور الحزب الديمقراطي هو المظهر الوحيد لتجذر قطاعات من المثقفين، ففي عام 1921 بدأت مجموعة من المثقفين المصريين – أشهرهم سلامة موسى – في الاتصال “بجوزيف روزنتال” وبعد مراسلات ومقابلات تم الاتفاق على تأسيس “الحزب الاشتراكي في مصر”، وفي 29 أغسطس تم إعلان برنامجه، والبرنامج في الحقيقة برنامج اشتراكي ديمقراطي ذو مسحة راديكالية، فقد نص على محاربة الاستعمار ومقاومة العسكرية والديكتاتورية والحرب الهجومية وإلغاء المعاهدات السرية، كما نص على أن الحزب يسعى إلى “إنشاء مجتمع اقتصادي يقوم على دعائم المبادئ الاشتراكية” ويسعى إلى “إخماد المزاحمة الرأسمالية” ولكنه أكد “سيعمل الحزب على تحقيق مبادئه المذكورة بالصراع الحزبي والدعوة السلمية.”

مرة أخرى تظهر ميزات وعيوب المثقفين الاشتراكيين الأوائل، إعجاب بالمبادئ والفكر الاشتراكي، وخوف من النضال. في تلك الفترة لم يكن الاهتمام بالنشاط الاشتراكي قاصرا على المثقفين، وإنما شاركتهم سلطات الأمن، ففي 3 يوليو 1921 عقد اجتماع عام بوزارة الداخلية لمناقشة النشاط “الشيوعي” في مصر، وأوصى بتشديد الرقابة على النقابات العمالية ومحاكمة أي شخص يحاول نشر مطبوعات شيوعية بموجب الأحكام العرفية.

ومع تسرب أخبار محاولات تأسيس الحزب – وحتى قبل إصدار البرنامج – قامت معركة على صفحات الجرائد حول الاشتراكية ومناسبتها للمجتمع المصري، وتميزت المعركة بالضحالة الفكرية الشديدة، وإن كانت تعكس شيئا فهو الخوف الشديد من ظهور حركة اشتراكية قوية في المجتمع المصري المأزوم، أما دفاع المثقفين الاشتراكيين وموقعي برنامج الحزب وبيانه التأسيسي بعد ذلك فقد ظهر تذبذبهم الفكري والسياسي و “إصلاحيتهم” واستعدادهم للتراجع أمام الهجمات الموجهة للاشتراكية باسم الدين والطبيعة البشرية وخصوصية مصر، وبرغم تراجعاتهم وظهور برنامج الحزب الذي يؤكدون فيه على دعوتهم السلمية، فإن الهجوم لم يتوقف وإن جاء بعد ذلك من اليمين واليسار، فقد كتب “عزيز ميرهم” منتقدا تراجعاتهم وآخذا عليهم تراجعهم أمام الهجوم على “البلشفية” تحديدا.

كان إنشاء الحزب والموجة الأولى من النشاط يخفيان اختلافات حقيقية بين مؤسسيه بدأت تظهر بعد ذلك، منها مثلا الموقف من حزب الوفد، فقد كان موقف روزتنال ورفاقه متحفظا وتقريبا عدائيا تجاه الوفد، “فعندما اتصل سعد زغلول بروزنتال في سبتمبر 1921 من أجل التعاون في استقبال مجموعة أعضاء مجلس العموم البريطاني من حزب العمال، لم يجد طلبه استجابة.” لقد أراد الوفد أن يظهر كراعي للعمال ولم يشأ روزنتال – سكرتير “اتحاد النقابات العام” أن يتعاون مع الوفد بأي شكل، وبعد ذلك “أقام الحزب الاشتراكي – مستقلا – حفل شاي لاثنين من أعضاء مجموعة نواب مجلس العموم من حزب العمال البريطاني دون أي تنسيق أو تعاون مع الوفد.” وعلى عكس تطرف روزنتال ورفاقه نحو اليسار كان المثقفين ينظرون نحو الوفد من خندق المؤيدين لسياسته، وكانت أفكارهم بعيدة عن منهج الاستقلال السياسي، وبعيدة عن رؤية حل راديكالي للمسألة الوطنية “ففي يوم 14 ديسمبر نشر الحزب بيانا إلى الأمة أظهر فيه سروره بانقطاع المفاوضات المصرية، وطلب من الجماعات الموصوفة بالأعيان والملقبة بأصحاب المصانع أن يترفعوا عن وضع أنفسهم ستارا للإجرام الوزاري وحماية ما يرتكبه الوزراء من إهمال حقوق الأمة، ثم طالب بالعمل بوسائل ثلاث: 1) تضامن الصحافة على ترك مسائل الشقاق والاقتصار على ما فيه خير البلاد. 2) توحيد السياسة الوطنية بأن لا يقبل مصري تأليف وزارة تعمل بأي شكل تحت هيمنة مشروع كيرزن. 3) الاتفاق على تعيين خطة الجهاد الوطني المشروع تحت لواء وجيل الأمة وزعيمها المخلص الأمين سعد باشا زغلول.” والبيان بعيد عن العداء تجاه الطبقات الحائزة للثروة ويستخدم لغة لا تختلف كثيرا عن لغة اليمين المعادي للشيوعية، خاصة عندما يدعو إلى “ترك مسائل الشقاق” متجاهلا حقائق الصراع الطبقي، أم أن الخلافات بين العمال وأصحاب الأعمال ليست من “مسائل الشقاق”!

في تلك الفترة شهد المجتمع موجة جديدة من تصاعد نضالية الطبقة العاملة:

“ففي التقرير الذي أصدرته لجنة التوفيق الرسمية في 21 يوليو 1922 عما قامت به من الأعمال وما عالجته من مشاكل العمال في الستة شهور التي انتهت في 31 مارس 1922 ذكرت أن حوادث العمال كثرت بين شهر يوليو 1921 و 31 مارس 1922، فقد حدثت 81 حادثة من حوادث الاعتصام بين عمال 50 شركة أو معملا، وكان أطول هذه الاعتصامات اعتصام عمال تكرير البترول في السويس وقد استمر 113 يوما. ثم اعتصام عمال تروماي القاهرة وقد استمر مائة يوم ويومين، واعتصام عمال شركة “ورمس” وقد استمر 60 يوما، واعتصام عمال شركة الغزل وقد استمر 52 يوما. واعتصام عمال شركة الغاز بمصر وقد استمر 45 يوما، واعتصام عمال العروة الوثقى بالإسكندرية وقد استمر 31 يوما، واعتصام شركة ملابس لوميتون بمصر وقد استمر 21 يوما واعتصام شركة الهندسة بالإسكندرية وقد استمر 19 يوما، واعتصام عمال معامل السكر بالقاهرة وقد استمر 18 يوما، واعتصام عمال حلاجي القطن بدمنهور، وقد استمر 16 يوما، واعتصام حلاجي القطن بزفتى وقد استمر 10 أيام. وقد أحصت اللجنة ما يوجد في القطر من نقابات العمال وجمعياتهم المنظمة فوجدت أنه يوجد في العاصمة 38 نقابة، وفي الإسكندرية 33، وفي منطقة قناة السويس 18، وأربع نقابات في طنطا، ونقابة في دمنهور ونقابة في زفتى.”

والتقرير غالبا يقصد “الإضراب” بمصطلح الاعتصام الذي يستخدمه كثيرا.

ساعد ذلك القلق الاجتماعي المتصاعد على تجذر قواعد الحزب نحو اليسار، وإن بشكل مرتبك ومتذبذب، وفي الوقت الذي اقتصر فيه نشاط قيادة الحزب على إصدار البيانات والكتابة للصحف بدأت شعبة الحزب في الإسكندرية – حيث يوجد روزنتال ورفاقه – في العمل كمركز لهذا التوجه الجديد نحو اليسار. وفي تلك الفترة حاول الحزب إصدار جريدة خاصة به، فرفضت الحكومة، فاستأجر جريدة موجودة بالفعل هي جريدة “الشبيبة” وجدد نشرها مبتدئا بالعدد (1) الذي صدر يحوي مقالة عن “لينين” وأصبح شعار الجريدة “المنجل والمطرقة”، وغالبا فإن شعبة الإسكندرية هي التي تولت هذا الأمر، وأوقفت الحكومة الجريدة فاستأجر الحزب واحدة أخرى فمنعتها السلطات أيضا.

وفي 25 يوليو قرر الحزب فتح مدرسة ليلية مجانية لتعليم العمال في الإسكندرية، وهي تجربة كان قد قام بها الحزب الوطني قبل الحرب العالمية الأولى وأثبتت فعاليتها في توسيع صلات الحزب بالعمال.

وفي 30 يوليو 1922 عقد مؤتمر عاجل تم فيه تنحية القيادة اليمينية للحزب الاشتراكي وتشكيل لجنة مركزية جديدة ونقل مركز الحزب الرئيسي إلى الإسكندرية وإضافة جملة توضيحية إلى اسم الحزب هي “الفرع المصري للدولية الشيوعية” وهو الاسم الذي كانت تعرف به مصر “الأممية الثالثة”، وتم الاتفاق على إرسال مندوب عن الحزب إلى المؤتمر الرابع للأممية الثالثة المقرر عقده في نوفمبر 1922.

وفي 15 أغسطس افتتحت مدرسة الحزب الليلية في كرموز في احتفال كبير، وتبع ذلك إنشاء عدة مدارس شبيهة، ولم يكن افتتاح المدرسة في حد ذاته حدثا هاما ولكنه كان يعكس تطور في توجهات الحزب، الأمر الذي كان يحمل في طياته رؤية جديدة للطبقة العاملة، فعلى خلاف الأحزاب الأخرى التي “اكتفت بالتعبير عن عواطفها أو اهتمامها بالعمال والفلاحين” اتخذ الحزب “لنفسه موقعا متميزا بالنسبة للطبقة العاملة” وذلك منذ سيطرة الراديكاليين على قيادة الحزب “إذ أعلن في أكتوبر 1922 أنه الترجمان الصادق لأماني الطبقة العاملة في مصر عمالها وفلاحيها” ، وهي الرؤية التي تكاد تتطابق مع الفهم الماركسي الثوري للحزب الشيوعي بوصفه طليعة الطبقة العاملة.

بدأت موجة جديدة من النشاط في الحزب مع القيادة الجديدة – وإن تركز هذا النشاط في الإسكندرية – وبدأت تعقد اجتماعات جماهيرية في مقر الحزب وأقيم احتفال كبير بذكرى الثورة الروسية افتتح وختم بالنشيد الأممي، واستغل الحزب أيضا موقف روسيا السوفيتية المؤيد لكفاح الشعب التركي ضد الإمبريالية في جذب أنظار الجماهير المتعاطفة مع تركيا منذ هزيمتها في الحرب العالمية الأولى واحتلال أجزاء واسعة – منها اسطنبول – من أراضيها بواسطة قوات بريطانيا وحلفائها، فقد أصدر الحزب ترجمة لبيان الأممية الثالثة حول المسألة التركية، كما اهتم بإبراز أخبار مساعدات روسيا للأتراك في اجتماعاته واحتفالاته ومنها الاحتفال بذكرى الثورة الروسية السابق الذكر. وفي المؤتمر الرابع للأممية الثالثة “الكومنترن” صدر “قرار حول الحزب الاشتراكي في مصر” جاء فيه:
“1 – لقد برهن تقرير مندوب الحزب الاشتراكي في مصر، المعروض أمام اللجنة على أن هذا الحزب يمثل حركة ثورية جدية منسجمة مع الحركة العامة للأممية الشيوعية.
2 – تعتبر اللجنة مع ذلك أن انتساب الحزب الاشتراكي في مصر مؤجل حتى ما يلي:
طرد بعض العناصر غير المرغوب فيها،

الدعوة إلى مؤتمر حيث تتم المبادرة إلى ضم كل العناصر الشيوعية الموجودة في هذا البلد خارج الحزب الاشتراكي في مصر إليه، وحيث يتم القبول بالشروط الأحد والعشرين للأممية الشيوعية.

تغيير اسمه وجعله الحزب الشيوعي في مصر

3 – إن الحزب الاشتراكي في مصر مدعو إذن للدعوة إلى مؤتمر ضمن الأهداف المشار إليها أعلاه بأقرب وقت ممكن، وفي 15 يناير 1923 على أبعد تقدير.”

وفي نفس الفترة تقريبا بدأ الحزب يتعرض لضغوط أمنية مكثفة، فمنذ أغسطس 1922 أنشأت وزارة الداخلية مكتبا لمتابعة النشاط السياسي بالإسكندرية، وخصصت له ضابطين أحدهما إنجليزي وهو “إنجرام بك” . وفي ديسمبر 1922 أبلغت وزارة الداخلية “جوزيف روزنتال” تحذيرا يتضمن أنه إذا لم يتوقف عن نشر الدعوة الشيوعية فسيتم ترحيله عن مصر.

لقد أصبح الحزب أمام تحديات كبيرة، فعليه توثيق صلاته بالطبقة العاملة ومواجهة الضغوط الأمنية، والتوافق مع الحركة العامة للأممية الشيوعية، ولم يتأخر الحزب عن مواجهة هذه التحديات، فاندفع تجاهها بحماس وعزم وخبرة محدودة.

« السابق التالي »