بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ملحمة اعتصام الضرائب العقارية

التالي »

1. مقدمة الناشر

تتجاوز حركة موظفي الضرائب العقارية حدود كونها واحدة من أهم الاحتجاجات الاجتماعية التي ملأت أصداؤها مصر منذ 2006 لتصبح علامة فاصلة في الحركة العمالية والاجتماعية في مصر.

ولا نبالغ عندما نقول أن حركة موظفي الضرائب العقارية مثلت مدرسة في النضال الاجتماعي تجاوز تأثيرها موظفي الضرائب العقارية ليظهر بين العديد من تجمعات الموظفين.

إن العدد الضخم لموظفي الضرائب العقارية الذي يتجاوز الخمسين ألف موظف وموظفة وانتشارهم في ربوع الجمهورية يعني أن جهدا ضخما قد بذل لحشد وتعبئة وتوحيد الموظفين. كما أن تسلسل الحركة وتوالي المواقف الاحتجاجية من الاعتصام أمام مجمع مصالح الجيزة في سبتمبر 2006 ثم أمام وزارة المالية ثم اتحاد العمال وأخيرا الاعتصام التاريخي أمام رئاسة الوزراء في ديسمبر لا يعبر إلا عن طول نفس وصلابة نادرة مع العلم أن هذه المواقف وغيرها لم تنظم وتنفذ إلا في أسوأ الشروط السياسية.

لقد استطاع موظفو وموظفات الضرائب العقارية أن يحققوا قفزة هائلة في تغيير مفاهيم العمل النقابي وفرض الحريات النقابية كأمر واقع. ففي الوقت الذي اتخذ فيه التنظيم النقابي الرسمي موقفه المتخاذل المعتاد من حركة الموظفين وبدأ في التآمر على الحركة نظم موظفو الضرائب العقارية اللجنة العليا لقيادة الإضراب ومثلوا فيها كل المحافظات وضربت أفضل مثل في العمل النقابي بكل أشكاله، بل وانتزعت شرعيتها مباشرة من الموظفين دون أوراق معتمدة من الجهات الرسمية؛ مما أدى بالجميع للاعتراف بها كممثل للموظفين ونسيان التنظيم الرسمي، حتي أن كافة المفاوضات تمت مع اللجنة العليا للإضراب في غياب التنظيم الرسمي. إن إعلان موظفو الضرائب العقارية عزمهم على استمرار اللجنة العليا للإضراب بعد انتهاء الإضراب وتحقيق المطالب لتكون بمثابة الممثل الدائم للموظفين يعد تطورا فريدا للحركة أضاف للمكاسب المالية المتحققة مكسبا تنظيميا كبيرا وعاد بالحركة النقابية لأصلها كنتاج للنضال وليس تركيبا بيروقراطيا.

وكما ضرب الموظفون في نضالهم مثلا في العمل النقابي ضربوا مثلا في ممارسة الديمقراطية بأفضل صورها فعلى مدار نضالهم البطولي اتخذ الموظفون كافة القرارات والمواقف بالتصويت المباشر وبالأغلبية أو الإجماع وعلى الرغم من الدور القيادي والمكانة الخاصة التي تمتع بها بعضهم مثل كمال أبو عيطة إلا أن ذلك لم يجعل آراءهم معفية من النقاش بل والرفض أحيانا مع التزامهم جميعا برأي الأغلبية حتى لو لم يتفقوا عليه. وكان مثالا على ذلك عندما جرت مفاوضات مع وزير المالية عرض فيها تلبية مطالب الموظفين على مراحل ودون اتفاق مكتوب فعرض المفاوضون ذلك على المعتصمين الذين وقع انقساما بينهم فتم تأجيل التصويت على العرض حتى الصباح ليتمكن الجميع من التفكير والتشاور.

وفي الصباح تم التصويت في مشهد جليل يتحدى أعرق ديمقراطيات العالم عن طريق الجلوس للرفض والوقوف للموافقة فجلس الجميع معلنين الرفض واستمرار الاعتصام.

ليس هذا سوى أحد مشاهد الرقي والتحضر التي ملأت حركة الضرائب العقارية والتي أثبتت أن الحركة العمالية والاجتماعية قادرة دوما على تجاوز توقعات حتى أصدقائها. ظهر هذا أيضا بوضوح في الطريقة الدقيقة والمحنكة التي أدارت بها الموظفات الإعاشة وتفوقن بها على أقوى الجيوش واحترام المعتصمين في شارع حسين حجازي للسكان وإغلاق مكبرات الصوت في المساء وأشكال التكافل والتعاون بين المعتصمين والتي خلت من كل أشكال الأنانية ووضعت دائما مصلحة المجموع فوق مصلحة الفرد.

لقد عكس نضال موظفي الضرائب العقارية درجة من النضج ما كان أحد يتصور وجودها في المجتمع المصري خاصة فيما يتعلق بالنظر لدور المرأة فبعيدا عن المقولات النخبوية وشعارات المحافل والمنتديات التي تتحدث عن تمكين المرأة، ضرب نضال الضرائب العقارية المثل المباشر ودون مزايدات في مساواة المرأة بالرجل فالموظفون والموظفات كان لهم نفس الأدوار وبذلوا نفس الجهد جنبا إلى جنب لإنجاح الحركة ولم تتردد الموظفات في المبيت في الاعتصام للدفاع عن الحقوق الجماعية وكن في قيادة الاعتصام على قدم المساواة مع الرجال وتفوقن في تحمل الظروف القاسية.

وكما استطاع الموظفون في حركتهم تجاوز المواقف الرجعية من المرأة تجاوزوا أيضا المواقف الطائفية الرجعية فاندمج المسلمين والأقباط في نضال واحد ضد استبداد واحد وظهر في قيادة الحركة الأقباط والمسلمين كوحدة نضالية واحدة.

وعلى الرغم من مواقف التضامن التي أحاطت بالحركة إلا أن الحركة استطاعت ببراعة أن تحافظ على استقلالها عن الجميع وأن تحمي نفسها من التبعية لأي جهة أو اتجاه سياسي بفضل قيادة نزيهة وقواعد واعية.

لقد خاض موظفو الضرائب العقارية معركتهم ببطولة وشرف واستطاعوا تحقيق أهدافهم وإلى جانب أهدافهم ومطالبهم المشروعة كان ما تحقق على هامش الحركة أعظم من كل التوقعات لقد قدم موظفو الضرائب العقارية درسا غاليا للمجتمع في ممارسة الديمقراطية والحريات وانتزاع الحقوق ونفض الأفكار الرجعية والطائفية. والأهم استبدال الحلول الفردية بالنضال الجماعي.

مركز الدراسات الاشتراكية

التالي »