بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الثورة الدائمة المنحرفة

التالي »

1. مقدمة

هذه الكراسة تعيد قراءة أعظم وأهم إسهام ل “ليون تروتسكي” في الماركسية “نظرية الثورة الدائمة”، التي هي حصيلة رصده الخاص وكذلك خبرته في ثورة 1905 الروسية. بحيث تم إثباتها عبر أحداث 1917. في عام 1963 أي منذ ثلاثين سنة تقريبًا.، كان هدف “توني كليف” هو إعادة قراءة نظرية تروتسكي في ضوء الأحداث من بداية 1945 وبخاصة الثوريين الكوبية والصينية – واللتين بدتا مشككتين في سلامة هذه النظرية.

أثناء ثورة 1905 في روسيا، تناقض الدور المتخاذل للبرجوازية بشدة مع دور أسلافها في الثورات السابقة. فقد لعبت البرجوازية في هولندا وإنجلترا وفرنسا دورًا هائلاً في الصراع ضد الإقطاع، وفي أمريكا ضد الاستعمار – حيث كانت “البرجوازية” عائقًا أمام التطور الحر للرأسمالية – وفي تأسيس ديمقراطي سياسية.

بالرغم من وصول البرجوازية المتأخر في روسيا إلا أن تروتسكي رأى أنها لن تلعب مثل هذا الدور، فالخوف من نمو حركة الطبقة العاملة، وكذلك اتصال هذه البرجوازية الوثيق بالقيصرية والإمبريالية سيؤدي إلى التحالف معهما ضد العمال والفلاحين في أي ثورة قادمة ولأن الفلاحين اجتماعيًا منقسمون، لذا فالدور القائد في تلك الثورة سيقع على عاتق الطبقة العاملة. برغم ما يمكن أن تكون عليه من حداثة وصغر.

بقيادة الطبقة العاملة للثورة “البرجوازية” سيكون عليها ألا تقف عند حد تأسيس الحريات السياسية. بل تخترق حدود الملكية الخاصة البرجوازية باتجاه تأسيس الاشتراكية. رأي أيضًا تروتسكي أنه في ظل العالم الدولي المتزايدة في منافسة القوى الإمبريالية لن تستطيع مثل هذه الثورة أن تتقيد في إطار حدود دولة واحدة، بل ستصبح “دائمة” أو مستمرة. وبالفعل تم إثبات نظرية تروتسكي بوضوح خلال ثورة 1917، لكن لم تستطع حركة الطبقة العاملة الثورية أن تحرز انتصارًا في أي مكان آخر.

وقد قدمت أحداث الصين أيضًا في 1926 – 1927 إثباتًا تراجيديًا سلبيًا لصحة نظرية تروتسكي، وأوضحت أنها لا تنطبق فقط على روسيا. حيث قانون الطبقة العاملة الصراع ضد الإمبريالية المهيمنة، إلا أنها هزمت على يد البرجوازية القومية الصينية.

في عام 1949 نجحت ثورة من نوع مختلف تمامًا بالصين، وكذلك نجح نموذج مشابه لها في كوبا بعد عشرة سنين، لكن كيف كانت طبيعة هاتين الثورتين؟

أعتبر الهدف الأول ل “توني كليف” في هذه الكراسة هو فضح الوهم الذي انتشر بأن حكومات الصين وكوبا كانت اشتراكية، وكما يوضح “كليف” هدف قادتها في أن يعدوا ماركسيين تناقض مع ماركس وما قاله: (تحرر الطبقة العاملة سيكون من عمل الطبقة العاملة نفسها)، لفم يسيطر العمال في أيا من كوبا أو الصين على أدوات الإنتاج، ولم يلعبوا دورًا إيجابيًا في قيادة الأحداث تلك التي حملت الحكومة الجديدة إلى السلطة. على العكس يرى توني كليف أن الصين وكوبا تم السيطرة عليهما من قبل طبقة مثقفين اعتمدت إلى حد بعيد على الدعم السلبي للعمال والفلاحين، أي أن طبقة المثقفين التي سيطرت، وليست الطبقة العاملة كما توقعت نظرية تروتسكي. كان لهؤلاء المثقفين القدرة على استخدام آلة الدولة في تأميم معظم الاقتصاد، ودفع دولهم باتجاه طريق التطور لرأسمالية دولة قومية.

وقد قدمت إجمالاً نظرية “الثورة الدائمة المنحرفة” طريقًا لفهم نجاح ثورتي الصين وكوبا، وكذلك غيرها من حكومات رأسمالية الدولة الأقل لقاء!، في تحقيقها على الأقل لبعض من مهام الثورة البرجوازية. ذلك دون التخلي عن روح الإسهام الأصلي “تروتسكي” في الماركسية.

الآن، وبعد مرور ربع قرن تقريبًا. كيف صمدت رؤية “كليف” لاختبار الوقت؟ أثبتت الأحداث تمامًا إصرار “كليف” في إن تلك الحكومات لم تكن بأية طريقة حكومات اشتراكية. قتلك الأقلية والتي ظلت معتقدة في الاعتماد قبلوًا بتحليل “كليف” أصيبوا بحالة من الغضب، لكن ليس بحالة من الدهشة.

تستدعي أيضًا أحداث أوروبا الشرقية في أواخر. 1980 التساؤل حول إمكانية استمرار طريق “رأسمالية الدولة”. فلم تؤسس حكومات أوروبا الشرقية على نجاح طبقة المثقفين الوطنية في “تحريف ثورتهم – ماعدا حالة يوغسلافيا – لكن نصب هؤلاء عن طريق قوة الجيش الروسي. وكانوا مع ذلك مثل كوبا والصين حكومات “رأسمالية دولة” محض، باستيلائها على السلطة تعمل البيروقراطية المهيمنة على وضع الطبقة العاملة المهمشة كهدف للتراكم الرأسمالي، مستخدمة الدولة لهذا الغرض.

لكن بحلول عام 1980 أصبحت هذه البيروقراطية نفسها عائقًا أمام التطور لقوى الإنتاج. فالدولة الاحتكارية الرأسمالية تميل إلى محاولة الإدارة بدرجة كبيرة من الانفصال عن الاقتصاد العالمي – حتى وإن لم تصل أبدًا إلى الحكم المطلق – والذي يضعف باستمرار مثل هذه الاستراتيجيات، دافعًا إياها إلى نطاقه وفاتحًا لها عالم الأسواق والاستثمار الأجنبي. إلا أن تلك العملية ليست ممهدة، فهي تخضع لتقلبات عنيفة وتراجعات تامة، ويوضح ذلك سير الأحداث في الصين حيث يتذبذب باستمرار التنظيم الاجتماعي من أدنى درجة وأعلى درجة لانفتاح الاقتصاد على العالم الخارجي، كذلك تبين هذه الأحداث أن الاتجاه العام أصبح نحو الاندماج في الاقتصاد العالمي. أما بالنسبة للتوقعات في إذا يمكن أن يستمر “فيدل كاسترو” فهي واضحة للعيان.

هذا الاتجاه العام كان حاضرًا تمامًا في 1960، حيث بدأت دول مثل “الجزائر ومصر وغانا والهند، تلك التي قطعت شوطًا في طريق “رأسمالية الدولة” في أن تتحول بحسم بعيدًا عنه. وبالنسبة للنضال الطويل في اتجاه جلاء البرتغال عن مستعمراتها قد يكون انتهى إلى تأسيس حكومات على النموذج الكوبي، ولكن هذا أيضًا لم يكن محاولة أو – كما في حالة موزنبيق – تنازلاً سريعًا. كذلك الشروط التي قوت الانتصار للثورة في نيكاراجوا استخدمت ضد أي محاولة لإتباع النموذج الكوبي، فالحد الأقصى للمعونة التي قدمتها روسيا – لأسباب إستراتيجية – في التضامن مع كوبا لم تكن متاحة ل “الساندينيستا” في نيكاراجوا، وقد لا تكون متاحة أيضًا لكوبا على المدى الطويل.

توضح خبرة وسط أمريكا وجهًا آخر لتحليل “كليف” والذي يصمد بحيث يلبي بعض ما يجعله عصريًا. فعوضًا عن الاختلاف الشديد للحركة العمالية في هذه الدول مقارنة بها في الهند مع بداية 1960، حيث تغيرت الحركة العمالية نفسها، لا تكمن المشكلة في التأثير المتزايد لحركة شخصيات فردية “دخلاء” كما وصفهم “كليف”، بل تكمن في سيطرة أفكار نضالية قومية داخل الحركة العمالية ، على الرغم من قوتها المتزايدة وكذلك نضجها. وهذا يسلط بعض الضوء على الطريق التي استطاعت بها الطبقات المسيطرة في أسبانيا والبرتغال التأثير، بتحويل الشكل الفاشي إلى الشكل البرلماني للسلطة. ففي كل من هاتين الدولتين كان تأثير طريقة تكوين النقابات العمالية البيروقراطية والأحزاب الإصلاحية حاسمًا في إعاقة نمو النضال ضد الفاشية إلى صراع شامل لتحطيم الرأسمالية نفسها.

كذلك تبين تجربة تلك الدولة أنه في حين أصبح طريق “رأسمالية الدولة” متاحًا، فلا يعني ذلك أن تلك الدول نفسها حققت إنتاجًا فائضًا في التطور الاقتصادي مثل ما عليه السوق الحر المحافظ عليه باستماتة. على العكس فإنه لا غنى عن الحد الأقصى لدعم الدولة في نمو الرأسمالية بهذه الأماكن. نمت الطبقة العاملة خلال ذلك بالدولة الصناعية الجديدة، وفي بعض منها بدأت في إبراز قوتها. فالنضالات الجماهيرية التي حدثت وقت الكتابة بالبرازيل وجنوب أفريقيا وضعت حالاً مثلاً لذلك. وأصبحت الرأسمالية في نفس الوقت أكثر اندماجًا، متحركة الاقتراب من اقتصاد عالمي واحد.

هذه السمات الأساسية تؤكد نظرية تروتسكي الأصلية، الموضحة ارتباط النضال من أجل الديمقراطية بالنضال من أجل الاشتراكية، وعليه الأهمية الحيوية لقيادة الطبقة العاملة.

هذا أيضًا يوضح إعادة التأكيد على القوة الكبيرة في تحليل “كليف” وإصراره أن نضال القيادة العمالية ضد العوائق في طريقها مثل الإقطاع والفاشية والامبريالية وما يلازمهم طفيليًا لابد أن يقاتل من أجلها، وستأخذ القيادة القادرة على الصراع بتماسك من خلال المواجهة مع أعداءها، مرشدًا لها، النضال الواسع ضد النظام الرأسمالي باعتبارها كيان واحد، وستعمل على التأكيد بأن نضال الطبقة العاملة – مثل ما كان عليه في 197 – لن يقف عند أي حدود، وسيكون مستعدًا ل “الثورة الدائمة” والاشتراكية العمالية.

ستيف رايت

1990

التالي »