بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الأرجنتين على حافة الأزمة العالمية

التالي »

1. مقدمة

“لا توجد مقاومة لليبرالية الجديدة في الأرجنتين. ليس لليسار تأثير. توجد عدة اضرابات لكنهم لا يثيرون أي تحدي للنظام”.

مداخله من قبل أحد الأرجنتينيين المنتمين لليسار فى مؤتمر ” العولمة والمقاومة ” في لندن، فبراير 2001.

 

نقل التليفزيون مشاهد لمئات المتظاهرين ـ أغلبهم من النساء والأطفال ـ عند سوبر ماركت صارخين ” نريد أن نأكل ! نريد أن نأكل! “. كما سرقت مئات محلات السوبر ماركت خلال اليوم بجميع أنحاء الدولة.

بدأت الحكومة ووسائل الإعلام فى الحديث عن ” الفوضى السائدة ” وعن ضرورة ” إعادة بناء النظام “. صرح الرئيس دولاروا في يوم الأربعاء على شاشة التليفزيون أنه قد فرض حالة حظرالتجول. فحرم المواطنون من حقوقهم المدنية وأصبح تجمع أكثر من شخصين شغب وفرضت الرقابة على وسائل الإعلام وأطلقت ألة القمع للتصرف والاعتقال كيفما تشاء .

بمجرد انتهائه من الخطبة، بدأ بعض الجماهير بطرق الأواني فى بيوتهم. كان هذا الشكل من الاحتجاج (ساسيرولازو) شائعا في نهاية ديكتاتورية الجيش. لكنه امتد بعد ذلك في الشوارع ليصبح عملاً منظماً. ففي خلال ساعة واحدة، قام مليون مواطن بتحدي حالة الحصار.

بحلول منتصف الليل، امتلأ ميدان بلازا دومايو وقام الآلاف باستبدال الصرخة البائسة “نريد أن ناكل ” بالصرخة الأكثر عدوانية ” أخرجوهم ! “. لم تقتصر إشارتهم على الحكومة فحسب لكنها شملت البناء السياسى ككل . . .  بدأت الجماهير بترديد شعارات خاصة ضد جميع الشخصيات الرئيسية في الأحزاب التقليدية وضد بعض قادة النقابات المرتبطين بتلك الاحزاب.

قامت الشرطة بمهاجمة الجماهيرمن على الخيل بالعصي والمتاريس والغازات المسيلة للدموع والرصاص المطاطي. تحول احتجاج الأهالى السلمي إلى حرب حقيقية. لم يسبق للكثير من المحتشدين فى الميدان الاشتراك في احتجاج بالشارع فكان هناك الكثير من الأطفال وكبار السن. كان من السهل على الشرطة حصار وتخويف المتظاهرين في بداية الأمر لكن بدأت المقاومة بالتنظيم. امتلأ الميدان بالجماهير وكذلك السلم المؤدي إلى مبنى البرلمان. بعد ساعات معدودة من بداية الاحتجاج علم الجماهير باستقالة وزير المالية كافالو.

بدأ كل شىء مرة أخرى في يوم الخميس فاحتشد الجماهير في الميدان – الذي أصبح ساحة المعركة بين الأهالي والحكومة. كان هناك العمال ذوي الأجور المرتفعة والمنخفضة وطلبة الجامعات والسيدات المسنات بحقائبهن وأطفال الشوارع والموظفين فى المكاتب والبنوك بقمصانهم وأربطة عنقهم وعمال التطعيم ببدلهم النظامية والكثير من الأهالي والنساء بالأطفال ـ الكل على نفس الجهة من المتاريس.

إزداد القمع وبدأت الشرطة بإطلاق الرصاص مما أدى إلى إصابة ووفاة الكثير من المتظاهرين. رد المتظاهرون بالهجوم على ماكدونالدز وعلى البنوك ورموز أخرى للرأسمالية وفقر الأهالي. كما أشعلوا النيران فى العديد من المباني والسيارات فاتسعت المعركة لتشمل جميع أنحاء المدينة. في الظهيرة تنحى الرئيس عن منصبه وسقطت الحكومة.

“جافير كارلز، تقرير عن أحداث 19 ـ20 ديسمبر 2001 فى بيونس آيرس”

 

عندما رأيت صفوف الجماهير آتية من جميع أحياء المدينة بعد إعلان الرئيس لحالة الحصار، فكرت ” هذا يشبه سقوط الحائط. انه سقوط حائط الليبرالية الجديدة “.

المعترض ريكاردو كاركوفا، 20 ديسمبر 2001 .

 

فاجأت الأزمة السياسية والاجتماعية للأرجنتين المسؤولين بالولايات المتحدة الأمريكية. فقد توقعوا أن يتكشف العجز عن سداد الديون بشكل بطىء ومحكوم سياسياً. لم يفكر أحد بجدية في احتمال الفوضى السياسية والاجتماعية.

بعد مرور أسبوع من عجز السلطة المتوقع يتضح تعقيد الأمور وتخشى الولايات المتحدة من انتشار حالة عدم التوازن إلى دول أخرى. علق أحد الدبلوماسيون المحنكون وذوي الخبرة فى المنطقة : ” لم تتدخل إدارة بوش فى هذه الأزمة لأنها لم تر أي مصلحة للسياسة المحلية في ذلك “. لعل هذا الموقف سيتغير إذا اضطرت إلى مواجهة انتشار أزمات سياسية واقتصادية عبر العالم نظراً للتساؤل الذى سيطرحه المعارضون لسياساتها ” من الذي خسر جنوب أمريكا ؟ “.

كارلوس إسكود من جريدة بيونس أريس الأمة، 3 يناير،2002.

 

لم يقتلع الغضب الذى أطلق في شوارع بيونس آريس في 19 و 20 ديسمبر الحكومة فحسب ولكنه أوضح قدرة الأزمة الاقتصادية على خلق ظروف شبه ثورية. فقد انتقلت الرئاسة إلى أربع جهات مختلفة حتى استقرت عند دوهالدي ـ نائب الرئيس فى الثمانينات ومحافظ بيونس إيريس بعد ذلك. وأنا أكتب الآن بعد مضي ستة أسابيع على الحالة الثورية وأستطيع أن أجزم بأنه لا توجد علامات تشير إلى نقص الأضطراب فى الشوارع. تستمر التقارير عن الاحتجاجات في بيونس إيريس وغيرها من المدن الريفية. إن وصف الحالة في الأرجنتين الوارد في تقارير- على سبيل المثال – الصفحة الإلكترونية التابعة لقناة آزول التليفزيونية يشبه وصف ألمانيا سنة 1923، إجهاض صعود الثورة وفشل محاولة الإنقلاب النازي. في مكان تلو الآخر، أدى العاطلون عن العمل دور الخفراء وقاموا بسد الشوارع، واقتحم الجياع محلات السوبر ماركت طالبين الطعام بينما هاجم أولئك الذين تجمدت أرصدتهم البنوك. وقد تحدث زعيم الحزب الحاكم بمجلس الشيوخ عن إمكانية إندلاع ” حرب أهلية “. توقفت الحكومة عن سداد ديونها الخارجية وشنت هجوما لاذعا ضد ملاك المؤسسات الخاصة وبعثت بالشرطة لفحص ملفات البنوك الأجنبية. وفي نفس الوقت فهي تطمئن صندوق النقد الدولي بأنها ستصل إلى ترتيب يعيد توازن النظام الرأسمالي وتؤكد للبنوك المملوكة للأجانب أنها لا تنوى إيذائها.

يصدق القليل من المشاهدين قدرة الحكومة على إطفاء حالة عدم الرضا التى تغلي فى جموع الطبقة المتوسطة والطبقة العاملة على حد سواء أو أنها تستطيع أن توفر متطلبات النظام الرأسمالي العالمي. الحكومة غير قادرة على الاستمرار في سياسة واضحة حالها كحال أي حكومة تواجه وضعا شبه ثوري ولا تستطيع أن تفكر فى أكثر من بقائها ـ تتحرك تبعاً لذلك فى اتجاه ثم تغيره لتعود وتتبناه مرة أخرى.

إن الوقت لا يزال مبكراً لتحديد مجرى تطور الأمور بوضوح. تحدث بعض المعلقون عن ” سقوط الدولة “، لكن فى هذا مبالغة. فقد تمكنت قوات الدولة المسلحة من قتل مالا يقل عن 24 متظاهر في 20 ديسمبر في بيونس أريس و 20 آخرين بمدن أخرى. كما استمرت في الاعتداء على المتظاهرين بالأقاليم. على الرغم من ذلك، لا يمكن انكار الضعف الكبير للدولة. فقد رفض الجيش – الذى كثيراً ما لعب دور الوسيط لسياسة الدولة فى الماضي ـ التدخل حتى الآن . فقال أحد الضباط للصحفيين: “إذا طلب مني التدخل سيكون همي الأول انصياع رجالي لأوامري حتى فى حالة تطور الأمور الى فوضى أو حرب أهلية”)1).

لا يمكن لوضع عدم التوازن القائم أن يستمر للأبد فالعناصر المتباينة للطبقة الحاكمة الأرجنتية تحاول الوصول الى استراتيجية عامة لاسترداد تحكمها في الأحداث وانهاء العصيان في الشوارع. في حالة النجاح – فلا شك – أنها سوف تستخدم جميع قوى الدولة في فرض نظرتها للنظام ولانزال الانتقام على من قاموا بتحدي سلطتها. لكن، لا تزال المسافة طويلة أمامها. ففي الوقت الراهن، تشكل الحالة الثورية في الأرجنتين أهمية كبيرة للنظام العالمي وللمعارضين له – الذين ظهروا فى جميع أنحاء العالم فى السنتين والنصف التى تلت مظاهرة مناهضة الرأسمالية بسياتل.

التالي »