بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الأرجنتين على حافة الأزمة العالمية

« السابق التالي »

10. العقد المرير

كانت الثورة عفوية لدرجة تجعل زعم غير ذلك مناف للعقل (58). لكن هذا لا يتنافى مع وجود تيارات معارضة قامت بتمهيد الطريق لها. من الممكن رؤية محاولات العمال لايقاف اغلاق المصانع وتسريح العمال طوال التسعينات كهزائم متلاحقة، لكنهم نجحوا في الحفاظ على روح مقاومة ونضالية اضطرت أنصار اللبيرالية الجديدة في حكومة مينيم الى تقديم التنازلات في بعض الأحيان. كثيرا ما اخذت الاضرابات العامة التي دعت اليها بيروقراطية الاتحاد طابعا شعائريا بلا مظاهرات، لكنها أدت الى تجميد صفوف عريضة من المصانع والنقل

موضحة وجود القوة التي بامكانها أن تشل النظام. كما قامت باجبار أنصار اللبيرالية الجديدة على سحب بعض مطالبهم – مثلما حدث لدى استقالة كافالو في 1996عندما أراد الاقتطاع من أجور ونصيب الأسرة (59). يعجز العمال الذين انصرفوا عن الاضراب عن رؤية – الواقع البسيط – الذي يجسده هذا الاضراب من قوة للعمال على الرغم من سلبيته (60).

ظهرت أشكال جديدة للنضال الى جانب الأشكال ” القديمة “. فقد ظهرت أولى الحالات الثورية مع الأزمة الاقتصادية لسنة 1989 :

” تحرك الجماهير للتخلص من الحكومة في مقاطعة باتاجونيا في 1989. وبعد ذلك قام الآلاف من جماهير بيونس آريس وروساريو بالتحرك ونهب محلات السوبرماركت والبقالة في شهر يونيو لنفس السنة. تحركت الأحياء والمدن المختلفة العديد من المرات في السنتين التاليتين…ازداد عنف الاحتجاجات في 1993 من خلال الهجوم وحرق مقر الحكومة في كل من مقاطعة سانتياجو دل استيرو ولا ريوجا وشاكو وتوكومان وكورينتس. تميزت تلك الاحتجاجات بوقوعها بشكل غير متوقع وسريع – فبالكاد استمرت لأكثر من يوم – وعدم تركها لأي أشكال أولية للتنظيم. فبدت أقرب الى الرغبة الملحة للتنفيس عن الغضب والاحباط المتراكمين من كونها شكل جديد للنضال. على الرغم من عنف الحركات وانتشارها كانت السيطرة عليها سهلة نسبيا. فحاولت الحكومة أن تتجاهلها في حميع الحالات انتظارا لخمودها ومن ثم لجأت الى القمع الأمني(61).

كانت تلك الحركات المحلية والأشبه بالثورة في بداية التسعينات قصيرة الأمد ومنفصلة عن بعضها البعض ولم تؤدي الى تنظيم ثابت. لكن تغير الوضع في 1996 مع السلسلة المتتابعة للنضالات في بتاجونيا والتي دلت على بداية الاتجاه الجديد:

ان كوترالكو وبلازا هونكول هم الدائرتين الانتخابيتين في الجزء العلوي لبتاجونيا بمقاطعة نيكيوين وتحتوي على 55 ألف من السكان…تم بناؤها وتنميتها حول صناعات البترول… تم خصخصة شركة البترول المملوكة للدولة بين 1994 – 1995 ومن ثم تسريح 80% من عمالتها. كان معدل البطالة 35.7% في الدائرتين وعاش 23.500 شخص تحت خط الفقر في 1996. فشل الحاكم المحلي في توقيع الاتفاق بشأن تشييد مصنع للأسمدة مع مؤسسة كندية في يونيو 1996 مما أسفر عن احتجاج السكان بالشوارع. أغلق أصحاب المحلات أبوابهم وأقام 5 آلاف شخص المتاريس في جميع أرجاء المدينتين – عرف بعد ذلك هؤلاء المقيمون للمتاريس بحركة االعمال العاطلين عن العمل (بيكويتوروس). وقامت قوات الأمن بحصار الأهالي(62).

تمكن حاكم المقاطعة من انهاء الاضطراب الذي استمر لمدة أسبوع بتعهده بالقيام بمفاوضات مع لجنة من الأهالي وتقديم المعونات للأسر الفقيرة. لكن انطلق الجماهير للنضال مرة أخرى بعد تسعة أشهر أثناء اضراب المدرسين ضد الفصل والاقتطاع من الأجور. أغلقت الشوارع العامة القريبة مما أدى الى اصطدام الشباب المسلح بالعصي والحجارة مع الأمن وقتل الأمن لامرأة واحدة.

في تلك الفترة انتشرت الاحتجاجات والاشتباكات المشابهة في ترتجال وججاي بالشمال الغربي ولاباتا وبيونس آريس على الساحل: ” حوصرت الطرق العامة بالمتاريس وتظاهر الطلبة في مواجهة الأمن وأضرب العمال والمزارعون…كان للثورة وقع على المخيلة الشعبية…ساهمت كل مواجهة جديدة في تحرك مناطق أخرى وانتشر التنوع في أساليب النضال “(63). وقد وقع المزيد بظهور أساليب جديدة للتنظيم أديرت من خلال الاجتماعات الشعبية واللقاءات الجماعية حيث تمكن الجميع من الاشتراك. اختلفت تلك الاجتماعات بشدة عن الضوابط البيروقراطية التي اتسمت بها الفدراليات النقابية الثلاثة.

مر انتشار النضالات بفترة سكون قصيرة في 1997 – 1998 نتيجة لتوقع الجماهير لبعض التحسن في ظروفهم ما بعد الانتخابات، لكن ما لبثت خيبة أملهم أن أدت الى توسع النضال. قامت حركات كبيرة في نيكوين وجنرال موسكوني ولااسبيرانزا وججاي وسيبولتي وأوران وباهيابلانكا وكمودورورفادافيا. وقام الجماهير في ترتاجال بأقصى الشمال الغربي بالهجوم على مقر الشرطة(64). أما في النصف الثاني لعام 2000 تحالفت حركة العاطلين عن العمل لأول مرة مع تحرك جماهيري للعاملين من العمال. وفي ماتانزا – ضاحية بيونس آريس التي يصل عدد سكانها الى 2 مليون نسمة وأكثر ضواحي الدولة كثافة من حيث التصنيع في السبعينات – قام ألف من العاطلين بحركة (بيكويتيروس) باغلاق الطرق العامة الرئيسية لمدة أسبوع. وجمعت موجة أخرى من النضال في ترتاجال العاطلين عن العمل وعمال النقل وقاموا باغلاق الطرق. عندما أطلق رجال الأمن النار على أحد المتظاهرين وقتلوه، قام الجماهير باحتلال مقر الشرطة وأخذ الضباط كرهائن والاستيلاء على أسلحتهم(65).

اتحدت الحركات المختلفة مرة أخرى على نطاق أوسع في مارس 2001 في الانتفاضة الشعبية التي أدت الى استقالة لوبيز ميرفي من الحكومة واستبداله بكافالو. أدى الاعلان عن الاقتطاعات الضخمة من ميزانية التعليم الى موجة نضالية بين صفوف الطلبة – على الرغم من قيادتهم المنتمية لفرع الشباب للحزب الراديكالي الحكومي – واضراب المدرسين لمدة 48 ساعة ومسيرة لمنظمات العاطلين في بيونس آريس ومن ثم اضراب عام لمدة 24 ساعة يشمل الفدراليات النقابية الثلاثة. كتب المعلق باسكويني دوران في الجريدة اليومية باجينا 12 “وضعت الاضرابات واحتلالات المصانع وحالة عدم الرضا العام الحكومة في موقف صعب للغاية…كان من الضروري أن تأخذ الاختيارات الاقتصادية المتاحة في الاعتبار واقعا شديد الأهمية – المجتمع قال ” كفى! “. ولأول مرة منذ أمد بعيد يخاف السياسيون من العصيان المدني أكثر من خوفهم من الأسواق”(66).

استمرت حركة العاطلين في النمو من مايو الى أغسطس 2001 من خلال مؤتمرين قوميين لمنظمات بيكويتيرو واغلاق الآلاف من العاطلين ل300 طريق عام رئيسي – أدى التصادم مع الأمن الى قتل خمسة من العاطلين (67). قدم الماركسي الأرجنتيني روبرتو ساينز في تحليله لأزمة مارس ملحوظة صحيحة:

” يمكننا القول بأن حلقة جديدة من النضال قد بدأت وتحتوي على سمات مختلفة عن تلك السائدة في النضالات السابقة. كل شئ مطروح للسؤال. توجد حالة من النقاش الدائم بين الأهالي…تنمو طليعة حركة بين الشرائح الشعبية وتبدأ بأخذ سمات محددة وهي في الأغلب من داخل حركات العاطلين ولكن أيضا من ضمن قطاعات من العاملين… بشكل عام تنشأ الحركات الجديدة بعيدا عن منظمات الاتحادات النقابية التقليدية وتتمتع بديمقراطية مباشرة من أسفل وقادة جدد ” (68).

بذلك تكون القوى الجديدة والأشكال الجديدة للنضال قد أظهرت قدرتها غلى زعزعة المجتمع حتى جذوره – وهذا في الوقت الذي كانت فيه الطبقة الحاكمة تتمزق بشكل متزايد حول ما يتوجب فعله حيال الأزمة التمويلية الحادة لكلا من الصناعة الأرجنتينية والدولة. لتلك الأسباب كان الرأي اليساري الماركسي صائب حينما أشار الى تطور ظروف ثورية (أو ما قبل الثورية).

لكن ذلك لا يعني أن الوعي لدى قادة الحركات الجديدة اتسم بالثورية بشكل آلي أو حتى بشكل عام. فقد جلب المشتركون في الحركات تصوراتهم المختلفة عن كيفية النضال وتوقعاتهم المختلفة أيضا عن ما يمكن تحقيقه. اتضح ذلك في بداية النضال في مقاطعة نيكوين. غضب الشباب المناضل الذي كثيرا ما تصارع مع الأمن من موافقة القادة المحليين الرئيسيين على التسوية مع الحاكم نظير توفيره لعدة وظائف وعدة معونات للبؤساء. وقد ظهر نفس النوع من الانقسامات في الحركات الرئيسية في متانزا. فقد وافق قادتها بعد أسبوع من اغلاق الشوارع على فك الحصار نظير ” خطط وظيفية ” تعمل على مساعدة 7.500 شخص وتترك مئات الآلاف من العاطلين بالمقاطعة. اعترضت قلة من المحتجين على ذلك، لكن لم تكن لديهم الثقة لتحدي القادة الموجودين (69).

لا يحول واقع وجود العاطلين – بشكل آلي – دون محاولة العثور على علاج داخل النظام السائد. كانت الرغبة في تحسين الوضع المباشر والبائس هي الدافع وراء اشتراك أغلب الجماهير في الاحتجاجات. بالتالي، كانت الميول الرئيسية في حركات العاطلين (بيكويتيروس) تهدف الى الضغط على الحكومة من أجل التحسنات الطفيفة مثل ” خطط وظيفية ” وليس من أجل الفرصة البعيدة ظاهريا للثورة الاجتماعية. تجلى ذلك في القوى الرئيسية المشتركة في نضال متانزا وفي القوى المسيطرة على الاجتماعات القومية لحركة بيكويتيروس بصيف 2001. لكن المطالبة بخطط وظيفية يمنح الحكومة ببساطة فرصة للتلاعب. فيمكنها أن تعد بتلك الأشياء على أمل العدول عنها بمجرد انتهاء الاحتجاجات المباشرة. كما يمكنها أيضا أن تتوقع اجتذاب المناضلين العاطلين الى شبكات محسوبيتها من خلال تطبيق تلك الخطط. أشار أحد النقاد ” يستفيد معظم رؤساء الأحزاب المختلفة من التفاوض مع جوع وفقر العاطلين من خلال خلق وظائف تدور حول الأجر البائس في مقابل العمل على قطع الأعشاب الضارة أو دهن الحواجز ” (70). ان مثل تلك الميول تشير الى خطأ التصور الرومانسي الذي يتعامل مع حركات العاطلين وكأنها ” ثورية خالصة ” بالمقارنة بالعمال في أماكن العمل.

ربما تكون وسائل الاعلام والأحزاب المسيطرة قد خلقت التحيزات بين العاملين ضد العاطلين عن العمل بزعمها أنهم كسالى وغير عابئين بالعمل. لكن حركات 2000 – 2001 قد أوضحت امكانيات وصل حركات العاطلين بالقطاعات الأكثر نضالا من العمال العاملين. فعلى سبيل المثال، لعب العمال المفصولون من مصنع للتبريد والمناضلون بالنقابات سابقا دورا بالغ الأهمية في تنظيم احتجاج متانزا وبعث العمال في مصانع هامة بالوفود المفوضة من أجل تلبية الاحتياجات المادية لرافعي المتاريس (71).

على الرغم من اتساع النضالات في العام الماضي لم تتخلى القطاعات العاملة أو العاطلة عن الفكرة التي ترى أنه من الممكن تلبية مطالبهم من خلال النظام الراهن. استمر العمال في التسليم بالنظام الراهن نظرا لنشأتهم بداخله وعدم معرفتهم لسواه ولكن في نفس الوقت استمر نضالهم في التحرك في الاتجاه المعاكس تماما لمتطلباته. بصيغة أخرى، أراد العمال شيئا من حيث التطبيق وآخر من حيث الأفكار القديمة التي كانت لاتزال تملأ عقولهم. شجع ذلك ” الوعي المتناقض ” (على حد تعبير جرامسكي) على الميل المستمر نحو الاصلاحية. بالتالي، حدث صعود محدد لنماذج جديدة للاصلاحية اليسارية مع تراكم النضالات. فقد أظهرت استطلاعات الرأي لذلك الوقت أن أحد السياسيين الأكثر شعبية هو اليسا كاريو الرئيس الأسبق للحزب الراديكالي والذي تحول الى معارضة حكومة دولاروا. كما استمرت بعض المنظمات النضالية والمشتركة في تنظيم حركات العاطلين في التحالف مع قطاعات من رأس المال ” القومي ” و”المنتج ” والتي يفترض أن تكون مناهضة للبيرالية الجديدة.

ما كان الميل نحو الاختيارات الاصلاحية ليختفي على الرغم من نجاحات الحركة الشعبية في الشوارع. يظهر اتجاهان مع كل حركة ثورية ضخمة. يتحرك أصحاب الخبرة النضالية نحو المنهج اليساري الأبعد مما يؤدي بهم الى الاقلاع عن الحلول الاصلاحية. لكن يميل ملايين الجماهير الجديدة والمنضمة الى الحركة للمرة الأولى الى ربط هويتهم بالشخصيات السياسية البارزة والتي تبدو عقلانية وبعيدة عن الثورية ” الغير واقعية “. ففي الثورة الروسية بسنة 1917 قامت الغاليبة العظمى في السوفيات بدعم الحكومة البرجوازية بعد ثورة فبراير مباشرة. وفي الثورة الألمانية 1918 – 1919 علق جمهور العمال والعساكر آمالهم بشكل مبدئي على مناصري الديمقراطية الاجتماعية وليس على حزب سبارتاكوس الاشتراكي المتطرف الذي يضم روزا لكسيمبورج وكارل ليبكنخت. أما في الثورة البرتغالية في 1974 – 1975 اتجهت جماهير العمال الى الحزب الشيوعي الاصلاحي أو الى الحزب الاشتراكي الأكثر اصلاحية ولم تتجه سوى أقلية صغيرة الى اليسار الثوري.

« السابق التالي »