بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الأرجنتين على حافة الأزمة العالمية

« السابق التالي »

11. اليسار الثوري

زعم جيمس بيتراس في مقالة واسعة الانتشار بأنه لم يكن لليسار الثوري أثر في أحداث 19 – 20 ديسمبر(72). من حسن الحظ أن زعمه غير سليم تماما. فقد تواجدت بعض القطاعات من اليسار الثوري في ذلك اليوم ومن ثم حاولت أن تبني وتؤثر في اللجان الشعبية(73-74). أما الجزء الصحيح في زعمه فينصب في صغر حجم اليسار الثوري الأرجنتيني وتمزقه الى عدة مجموعات مختلفة وعدم احتوائه على قاعدة من التأثير في ثورة عفوية جماهيرية.

لم يكن اليسار بهذه الدرجة من الضعف على الدوام. فعلى الرغم من القمع الفظيع الذي وجهته قوات جانتا ضد اليسار الثوري وقتلهم للكثيرين من المناضلين ونفيهم لعدد أكبر منهم، شكل اليسار قوة جوهرية حتى نهاية الثمانينات – فكان للمنظمة التروتسكية التي أنشأت في 1983 آلاف الأعضاء فضلا عن المجموعة الأخرى المسماه بحزب العمال (بارتيدو أبريرو) والكبيرة حجما. لكن سنوات الهزائم المتلاحقة للحركة العمالية بدأت بانتزاع ضريبتها بانتهاء العقد. لا يختلف المسار العام لليسار الأرجنتيني كثيرا عن نظيره الأوروبي. يقول بابلو بازي:

” على الرغم من النمو الكبير لليسار المنظم ما بين 1983 – 1986 الا أنه تأثر بالركود في 1976 – 1983 وبانهيار الاتحاد السوفييتي وبالوضع العالمي ككل. أدى الاختفاء المفاجئ للاتحاد السوفييتي الى اصابة الكثير من المناضلين وكذلك الناقدين التقليديين للاستالينية بالاحباط….بالاضافة الى ما توقعه الكثير من الجماهير من اختفاء أبدي للاشتراكية من على الأجندة – اذا كانت أبدا على الأجندة. بدأ ظهور الكثير من الأفكار الخاصة بالامكانيات المتاحة وتضمنت عدة تنوعات للديمقراطية الاجتماعية. وبشكل مفاجئ أصبح الطريق الى الاشتراكية بعيدا عن الثورة ولكن تطور لمساحات الديمقراطية المتزايدة من خلال المشاركة الانتخابية….

انطلقت معظم المنظمات اليسارية بعد 1983 الى النضال الانتخابي على أمل تنصيب بعض المشرعين. قامت الكثير من المجموعات اليسارية باستهلاك مواردها الضئيلة ونشطائها في الانتخابات بسحبهم من العمل الجماهيري. صرفت الطاقة في تشكيل الاتحادات الانتخابية وفي الحصول على رضا الصحافة وناخب الاتجاه السائد…نجحت المنظمة التروتسكية في انتخاب عضو بالكونغرس الوطني وعضو بالمجلس المحلي وممثل محلي، لكن كان الثمن باهظ…ظهرت فكرة بداخل الحزب تنص على أن الاشتراك في النضالات الجماعية يعوق احراز المزيد من التقدم في الانتخابات لأنها تنفر الطبقات المتوسطة(75).

انقسمت المنظمة التروتسكية تدريجيا الى عدة أجزاء وعادت المجموعة المحتفظة بالاسم الى المنظور الثوري الذي يروج ” الاشتراكية أو البربرية ” و ” الاشتراكية من أسفل “. وعمل الى جوارها حزب العمال (بارتيدو أبريرو) وقسم آخر من المنظمة القديمة والحركة من أجل الاشتراكية وحزب العمال من أجل الاشتراكية. لقد احتفظ كل هؤلاء ببعض العمال المناضلين من فترة السبعينات والثمانينات لكن لم يكن لأي منهم التأثير الذي تمتع به اليسار الثوري منذ أمد بعيد.

كما عانى الحزب الشيوعي بطريقة مماثلة من ضياع التأثير والتمزق الداخلي. فقد شكل اتحاد انتخابي في 1989 مع المنظمة التروتسكية ثم بدأ الحزب في 1993 بالاعتماد على السياسيين البيرونيين الذين قاموا بنبذ حكومة مينيم. لكن قامت الشخصية الرئيسية لذلك الاتحاد بابعاد الحزب عنه وجعله جزء من ائتلاف فريبازو والانضمام الى حكومة دولاروا التي اكتسحتها الجماهير في 19 – 20 ديسمبر(76).

أخيرا، لقد شجع الجو العام لتلك السنوات محاولات العثور على نوع من البديل الاصلاحي للأزمة. لقد أدت الفكرة بأن اللبيرالية الجديدة ما هي الاّ سياسة مجنونة فرضت على ” الدولة ككل ” من قبل رأس المال الأجنبي وأداتهم المحلية كافالو دون أن تعبر عن احتياجات رأس المال الأرجنتيني في الصعود الى المسرح العالمي الى عمل الفدرالية النقابية والشبه يسارية على استقطاب قطاع من رأس المال المحلي للانضمام الى برنامج التوسع القومي – المبني على زيادة دخل العمال والسلع الاستهلاكية في السوق (77).

كانت فترة بداية ومنتصف التسعينات صعبة جدا بالنسبة لقطاعت اليسار المتبقية حالها كحال نظيرها ببريطانيا بعد هزيمة اضراب عمال المناجم ( 1984 –1985 ) ونضال عمال الطباعة (1986 – 1987). وقد خلقت تلك الفترات باليسار نزعتين متناقضتين في الظاهر لكن متكاملتان في الواقع.

كانت النزعة الأولى باتجاه التكيف ان لم يكن مع اللبيرالية الجديدة ( التي وقعت في بعض الحالات ) فعلى الأقل مع العديد من البرامج الاصلاحية – المدعومة في الأرجنتين من قبل عرف اليسار القديم الذي يرى في رأس المال الأجنبي العدو الرئيسي والذي يتحتم مواجهته من خلال التحالف مع قطاعات من رأس المال المحلي. أما بالنسبة للمناضلين المشتغلين بأماكن العمل المنظمة فقد اضطروا الى مواجهة الضغطين المتوازيين، التكيف مع وسائل البيروقراطية النقابية واستبدال المعارضة الفعلية لسياساتها بالمهمة الشاقة والمتمثلة في تحريك النضال على الرغم من المقاومة النقابية لذلك.

كانت النزعة الثانية باتجاه الطائفية. لقد حثت عدم قدرة مجموعات اليسار على تحريك قوى حقيقية في مواجهة هجمات النظام الى محاولة استبدالها بالصيغ المنهجية – ومن ثم اقامة حوارات متقدة مع بعضهم البعض حول تفاصيل تلك الصيغ. وقد زودت المطالب مثل ” الاجتماع المقوم ” بطابع سحري لم يكن موجودا من قبل ( حتى في الظروف التاريخية المناسبة لمثل ذلك الطابع ). وكثيرا ما ازداد الميل نحو توجيه الطعنات اللفظية ضد التيارات الاصلاحية وبيروقراطية النقابة العمالية بدلا من استخدام وسائل الجدال التي يمكنها كسب العمال الذين لازالوا يعتمدون عليهم. بلا شك، عمل ذلك على اعاقة تجهيز القيادة العملية والضرورية للحركة اليوم.

لكن يتوجب أن يكون لليسار امكانية التأثير في الأحداث. لقد تمت الانتخابات المحلية في أكتوبر 2001 ومن الجدير بالذكر، النفور الجماهيري من الأحزاب السياسية السائدة، المتمثل في المستوى الضخم في الامتناع عن التصويت – حوالي 10 مليون – في دولة يفترض أن يكون التصويت فيها الزامي. لكن أظهر بعض النافرون استعدادهم للجوء الى بدائل الجناح اليساري فوصل اجمالي التصويت القومي للأحزاب اليسارية المختلفة الى أكثر من مليون – كان نصيب اتحاد الحزب الشيوعي/ حركة العمال الاشتراكية (MST)500 ألف و 250 ألف لاتحاد حزب العمال (PO)/ الحركة نحو الاشتراكية(MAS) وأما حزب العمال لأجل الاشتراكية (PTS) فحصل على 100 ألف صوت. حصل اليسار في بيونس آريس على نتيجة قوية 27% من الأصوات وأحرز اليسار نتائج جيدة أيضا في مدن مثل كوردوبا و سالتا.

يبدو أن التصويت لليسار كان بشكل رئيسي تصويت احتجاجي بدلا من كونه رمزا للقناعة العميقة بمواقفه. لقد أظهر امكانية حصول اليسار على تأثير أوسع، واستعداد الجماهير للجوء الى السياسات الاشتراكية كبديل للأحزاب البرجوازية المنافسة، لكن ليس أكثر من ذلك. ان السؤال المطروح منذ 19 – 20 ديسمبر هو ما اذا كان لليسار القدرة على البناء من تلك النقطة أم لا.

« السابق التالي »