بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الأرجنتين على حافة الأزمة العالمية

« السابق التالي »

12. أزمة الطبقة الحاكمة

لقد طرح لينين في فقرة شهيرة له أن قناعة الطبقة المستغلة باستحالة تحملهم لظروف معيشتهم لا يكفي ليتوافر الظرف المناسب لقيام ثورة. يجب أن تصل الطبقة الحاكمة الى الخلاصة باستحالة استمرار الأمور على ما كانت عليه في الماضي. ان ذلك يحدث تشققات مشلة وعميقة بداخلها، ويرمي المجتمع ككل في حالة اضطراب عظيمة، ويحفز الطبقات المستغلة للتعبير عن غضبهم.

كان ذلك واضحا في أزمة مارس في السنة الماضية، بطرد لوبيز ميرفي وحل كافالو محله. عندما أعلن لوبيز ميرفي خطة فرض اقتطاعات وحشية من نظام التعليم قام 300 من كبار رجال الأعمال بمرافقته حتى استقلاله للباخرة. وفي ذات الوقت، قام ال(UIA) ( المرادف التقريبي لجمعية المدراء في بريطانيا ) بانتقاد النظام. أدت عودة كافالو الى وزارة الاقتصاد الى تهدئة النزاعات لفترة قصيرة لكن ببداية الصيف عادت النزاعات أكثر شدة. كان موضوع النزاع الرئيسي بداخل الطبقة الرأسمالية يدور حول ما اذا كان الطريق لحل الأزمة يكمن في تخفيض قيمة البيزو (وبالتالي، خفض الواردات وزيادة الصادرات ) أو في تثبيتها للأبد بالدولار (وبالتالي، بعث ” الثقة ” لدى المستثمرين الأجانب لكي يقوموا باقراض الأرجنتين ).

قبع وراء تلك النزاعات حول سياسة النقد تضارب مادي وحقيقي في المصالح. كانت عملية التثبيت بالدولار وسيلة لحماية الثروات من الأزمة الأرجنتينية بالنسبة لبالغي الثراء وللقطاعات المالية التي كانت قد جنت الكثير من الأموال خلال العشر سنوات الماضية. فقد استوعبتها وكأنها شكل يمكن نقله الى جميع أماكن العالم للحصول على الربح. وعلى العكس، أراد أصحاب الصناعات الانتاجية – بما فيهم الشركات الأجنبية والمالكة لتلك الصناعات نتيجة للخصخصة – الهروب من التقيد بالدولار. كانت اللبيرالية الجديدة ملائمة بالنسبة لهم في بداية التسعينات عندما كانت تتسبب في اغلاق الشركات الصغيرة وتركز الأصول في أيديهم. كان تدمير بعض الصناعات ” الغير متنافسة ” (بالنسبة لهم) ثمن يستحق الدفع لبناء رأسمالية أرجنتينية قوية وتشمل تكاليف العمالة المنخفضة. لكن انخفضت امكانية بيع الصناعات المتبقية لسلعها في ظل المنافسة الأجنبية نتيجة لقيمة البيزو المرتفعة. لقد رأوا أن بتخفيض قيمة العملة سيحدث انخفاض في الأسعار يمكّنهم من بيع سلعهم بالخارج، بينما يصد تدفق الواردات بدرجة تمكنهم من رفع الأسعار بالداخل. بالتالي، عارضت شركات التصنيع والمنتجات الزراعية الكبيرة تثبيت العملة وضغطت من أجل تخفيضها.

احتدت أزمة الطبقة الحاكمة السياسية عندما رفض صندوق النقد الدولي اقراض الأرجنتين في ديسمبر وظهر تهديد افلاس النظام البنكي. تفاقمت الانشقاقات بين صفوف الحزبين السياسيين السائدين، الراديكالي والبيروني، بانصراف فئات مختلفة من قادة السياسة البيرونية لتعزيز مكاناتهم الفردية دون الاكتراث لمصالح الطبقة الحاكمة ككل. لم تتواجد الشخصية السياسية القوية بدرجة تؤهلها لفرض تثبيت أو تخفيض قيمة العملة. تهاوى القرار بدون وجود سياسة سوى المزيد من الاقتطاع من الميزانية حتى أجبرت الحكومة على تجميد الأرصدة البنكية من خلال (كوراليتو) – والتصديق على مصيرها – نتيجة لنقص الدولار.

استفحل مستوى الانشقاق بين الطبقة الحاكمة بتفجر الجماهير الى داخل الساحة السياسية. لم يضطر السياسيون المتنافسون الى مواجهة قطاعات الطبقة الحاكمة المتأهبة للحرب فقط واضطروا الى مواجهة الضغط من أسفل. لقد علموا أن قول ما هو غير لائق واغضاب الجماهير يمكنه أن يحطم السمعة السياسية – بينما قد تقوم ايماءة شعبية بفتح جميع الأبواب لمسيرة مهنية عظيمة. بذلك ترجم الاضطراب في الشوارع الى اضطراب أيضا في الكونغرس وقصر الرئاسة كاسا روسادا (البيت الزهري). تم تنصيب رودريجو ساء من قبل المؤسسة السياسية للاطاحة به بعد أسبوع نظرا للعصيان الجماهيري في الشوارع والمؤامرات السياسية لمنافسيه من قادة البيرونية. نجح دوهالدي، أول مدبري المؤامرة، في تقلد منصبه لكنه بدى عاجزا عن اصدار برنامج متماسك. فقد أعلن تخفيض العملة والموراتوريوم ( قرار رسمي بتأجيل دفع الديون المستحقة) ولكنه أضاع شهرا في شرح معنى ذلك بالنسبة للبلايين من البيزو المودوعة في والمدينة للبنوك، بينما استمر التجميد (كوراليتو) ساريا ومعه مرارة الطبقات المتوسطة. قامت الحكومة بشجب ” التملص الفظيع من النظام الضريبي والمتمثل في عقاب المستهلكين وأدنى مستوى ضريبي على الأرباح في العالم ” وأرسلت الشرطة لفحص سجلات البنوك التي يشتبه في تهريبها للنقود الى الخارج (78). لكنها ما لبثت أن طمأنت الأجانب من أصحاب المؤسسات المخصخصة بعدم رغبتها في تدمير مصالحهم وبدأت بالتحاور مع صندوق النقد الدولي بشأن تسديد الديون.

لخص مارتن وولف، محرر عمود في جريدة فاينانشل تايمز، الفزع في وسط الكثير من المصالح الرأسمالية نتيجة للتشوش بداخل الحكومة. ” لقد حول رئيس الأرجنتين النكبة الى شئ أسوأ من خلال مجهوداته للوصول الى سياسة شعبية تستهدف ارضاء الجميع ” (79). لم يقل وولف ما يتوجب على دوهالدي فعله اذا ما أراد الحفاظ على بقائه السياسي.

بعد أسبوع من ذلك اجتمعت قطاعات الرأسمالية العليا للضغط على دوهالدي ليتخلى عن نظريته ” الشعبية “. كان العنوان الرئيسي في جريدة باجينا 12 ” ولادة الائتلاف المقدس للتسعينات من جديد “. حكت المقالة عن تحالف ” جمعية البنوك الأرجنتينية وأقوى المصالح التجارية ” والآن بعد تسوية موضوع التخفيض من قيمة العملة: ” منذ التخفيض، تحالفت البنوك والمجموعات الاقتصادية القومية الكبيرة للعمل على مصالحها وقامت باعادة تسليح المجتمع الذي شكلته في التسعينات. انتهى نزاع مصالح اتحاد الصناعة ورجال التشييد والزراعة ضد مستغلي العقد الماضي (80).

لم ينه حتى ذلك النزاع السياسي بالداخل ضمن أولئك الذين أشرفوا على اللبيرالية الجديدة. في نفس اليوم الذي ظهر فيه ذلك التقرير، تدخلت المحكمة العليا باعلان عدم شرعية ال(كوراليتو). يسيطر على المحكمة أشخاص قام مينيم باختيارهم أثناء فترة رئاسته ومن الجدير بالذكر ارتباطها بالمصالح التجارية القوية والمريبة. كان الحكم بلا أدنى شك مناورة تهدف الى افقاد حكومة دوهالدي للاستقرار. بينما كانت الجموع تحتشد بأرجاء مركز بيونس آريس، أعلن دوهالدي برنامجه الجديد بفك التجميد ببطء وتحدث نواب البرلمان عن التشكيك في المحكمة العليا. اعتبر مراسل جريدة فاينانشل تايمز أن ذلك قد ” يجهز مسرح الأحداث لأخطر أزمة دستورية منذ عودة الدولة الى الديمقراطية في 1983 “(81). في الأيام التالية، “بدأت الشائعات حول انقلاب عسكري أو مدني – عسكري في الانتشار، وبالتالي زادت من ضعف الحكومة “(82).

قامت الاجراءات التي اتخذتها الحكومة للتعامل مع الأزمة البنكية بمفاقمة التوترات الاجتماعية. لقد حاولت أن تضفي على الاجراءات طابعا جذابا من خلال التأكيد على مركزية فك تجميد الأرصدة بالدرجة التي تسمح للجماهير بسحب ما يعادل أجورهم أو معاشاتهم شهريا. لكن سرعان ما اتضح التعقيد الحقيقي للاجراءات.

في الوقت الذي كان الدولار يعادل 1.8 بيزو بسعر التبادل، وافقت الحكومة على تحديد المقدار الذي يتوجب على كبار المدينين اعادته الى البنوك ( أولئك المدينين بأكثر من 100 ألف دولار ) بواحد بيزو لكل دولار وتعويض البنوك عن الفرق. وبالتالي، كانت تهمش ديون المؤسسات التمويلية والصناعية الضخمة (83). في نفس الوقت، كان على المدخرين الحصول على 1.4 بيزو لكل دولار مدخر. عمليا، كان من المطلوب أن ينضم صغار المدخرون الى الدولة في تقديم العون المالي لكبار المدينين. على سبيل المثال، كان ذلك سينزل دين 350 مليون دولار لشركة بيريز كومبانك الى النصف وفي ذات الوقت يزيد من مديونية الدولة بمقدار 7 بليون دولار تقريبا (84).

كانت الصفقة مرضية لرأس المال الكبير بدرجة تفوق بمراحل تصورات وزير الاقتصاد لحكومة دوهالدي، ريمس لينيكوف. لكن تمكنت مجموعات الاقتصاد والبنوك بمساعدة المحكمة العليا الغير مباشرة – والتي دفعت حكومة دوهالدي الى حافة الانهيار – من اقناع الحكومة بتقديم الاجراءات في صيغتها النهائية (85). لم يتضرر صغار المدخرون فقط، ففي الواقع بدأت الأسعار بالارتفاع بعد ذلك بعدة أيام حتى ازداد سعر الدواء (المنتج محليا والمستورد) بنسبة 35% بين عشية وضحاها.

وأخيرا، كانت الحكومة تسعى الى اتفاقية مع صندوق النقد الدولي وبالمقابل تعد بالمزيد من الاقتطاعات من المصروفات العامة. ان في ذلك دفع للاقتصاد الى الركود في الوقت الذي ترتفع فيه الأسعار. لم تشهد الأيام التالية لاعلان تلك الاجراءات انخفاض في التوترات الاجتماعية. كان على العاملين خوض النضال من أجل الحفاظ على القيمة الحقيقية للأجور في مواجهة التضخم السريع وللدفاع عن عملهم مع تعمق الركود. سوف تزداد الضغوط التي تدفع بالعاطلين الى الفقر المدقع وسيكثر الاستياء في وسط صغار المدخرين نتيجة لاضطرارهم الى تقديم العون المادي لرأس المال الكبير. يقول تقرير من بيونس آريس:

” يمكنك أن ترى في المظاهرة الأخيرة ميل الاجتماعات الشعبية للاتقاء مع حركة بيكويتيروس وترديد نفس الهتافات – “النضال موحد ” و ” العمل للجميع” و “تخلصوا منهم جميعا ولا تتركوا واحدا منهم ” – والقيام بمسيرة معا الى بلازادومايو”.

« السابق التالي »