بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الأرجنتين على حافة الأزمة العالمية

« السابق التالي »

13. إلى أين تذهب الأرجنتين؟

ان حالة عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي في الأرجنتين تجعل تخمين مجرى الأحداث التالية مستحيل. تريد الحكومة اخماد احتجاجات ساسيرولازو من خلال فصل قطاعات من الطبقة المتوسطة عن حركات الفقراء والعاطلين. كما تتمنى أيضا أن تتمكن من منع القوى العاملة من الانجذاب الى تلك الحركات. يشكل ذلك الأساس المنطقي وراء الوعود الشعبية المختلفة التي يقصد بها خلق الظرف الملائم لاطلاق قوى الدولة ضد الحركة في الشوارع.

لكن لا يمكنها انجاز تلك الوعود دون افساد المصالح المالية والصناعية الكبيرة. ان وضع الرأسمالية الأرجنتينية ببساطة لا يسمح للحكومة بتلبية المطالب المباشرة لجمهور الطبقات المتوسطة فضلا عن العمال العاملين بدون اغضاب المجموعات الرأسمالية الأقوى. وستحاول تلك المجموعات أن تستخدم جميع الوسائل المتاحة لتمارس الضغط على الحكومة. كما تطوق القطاعات الرئيسية الآن للوصول الى قدرة استخدام الجيش بالاضافة الى الشرطة لاستعادة النظام في جميع أرجاء الدولة.

ان الطريق أمامهم طويل في اللحظة الراهنة حتى يتمكنوا من فعل أشياء كتلك. انهم لا يزالوا بحاجة الى حكومة ” شعبية ” مثل حكومة دوهالدي على الرغم من عويلهم حولها ورغبتهم في استبدال رئيسها. لا شك في كونهم سيستغلون أي نجاح لدوهالدي في تهدئة الحركة الجماهيرية لدفع الخطط الأكثر طموحا وقمعا في آن واحد. من المتوقع، أن تقوم بتشجيع بعض المجموعات القومية المنتمية للجناح اليميني والتي كانت مزدهرة في الماضي – ليس بالضرورة لتقليدهم للسلطة لكن لاستخدامهم كقوة تدفع بالحياة السياسية في الدولة الى الاتجاه الأقرب لليمين والأكثر أمنا. سوف يكون أملهم منصب على الاستفادة من المرارة التي نشأت عن الأزمة الاقتصادية. فقد يكون لمستوى البطالة ولافلاس التجارات الصغيرة وللتجزئة والانعزالية الناجمة عن الفقر أثر في اغواء الجماهير بأفكار الجناح اليميني. لم تشهد فترة التسعينات في الأرجنتين صعود حركة بيكويتيروس فحسب – شهدت أيضا التهيج ضد المهاجرين من شيلي وباراجواي وبوليفيا بالاضافة الى انتقال بعض الممتنعين عن التصويت نحو حزب يميني متطرف في بعض الانتخابات. كما كتب بابلو بوزي منذ سنتين، ” ازدادت العنصرية بشكل ملحوظ. وكثيرا ما يتم توجيه النكات والتعليقات والتمييز الى المهاجرين الجدد من الدول المجاورة ومن كوريا الجنوبية. كما يتم التعبير عن تلك العنصرية من خلال الأفكار التي تروج أن أهالي شيلي وبوليفيا وباراجواي كسالى ومتخلفين وممارسون للسرقة وأنهم هاجروا لسرقة الوظائف من الأرجنتينيين…توضح الأبحاث الحديثة ازدياد العنصرية خلال العقد الماضي ” (86). لقد حجب صعود النضال، في اللحظة الراهنة، أصوات زعماء الدهماء والمروجون للعنصرية والقومية والذين يحاولون الاستفادة سياسيا من الاغراق في مثل تلك الأفكار العاطفية. ومن الجدير بالذكر، أن القرار المتخذ والمروج من قبل اجتماعات الأحياء يعبر عن التضامن مع المجموعات المهاجرة. لكن لا يزال خطر اتاحة فرصة جديدة للعنصريين وقوميي الجناح اليميني ما لم تنجح الحركات الجماهيرية (في ساسيرولازو وبيكويتيروس ) في التعامل مع الفقر الشديد لنصف سكان الدولة.

لذلك لا يكفي أن يقوم اليسار في الأرجنتين بتمجيد أحداث الست أسابيع الماضية. ان العبرة المأخوذة عن الأزمة العالمية العظيمة في الثلاثينات تنص على أن مثل تلك الظروف قد تفتح الباب لأمل الثورة ( أسبانيا في 1931 و 1936 وفرنسا في 1934 – 1936 ) ولكن أيضا قد تؤدي الى اليأس الثوري المضاد.

يوجد أمران شديدان الأهمية هنا. يوجد التعميم للمطالب الاجتماعية والسياسية المنبثقة عن الاجتماعات الشعبية – الاشتراك في العمل بين العاملين والعاطلين بدون نقص الأجور والخدمات الاجتماعية الكفيلة باخراج الجماهير من فقرها تأميم البنوك واعادة تأميم الشركات المخصخصة ومصادرة اللحوم والحبوب من الشركات التجارية – الزراعية وسلاسل محلات السوبرماركت لاطعام الجماهير.

لكن الى جانب المطالب يجب أن تكون هناك محاولات لنشر الحركة وتنظيمها بحيث يتم اطلاق القوى القادرة على تطبيق هذه المطالب. يظل برنامج العمل لا يعني شيئا بالنسبة لفرد جائع مادام مطبوع على ورق – لهذا السبب تعد الخلافات الناجمة عن التمسك بالتعاليم والأساليب التقليدية في التعبير عن البرنامج انحراف عن النضال. ما نحن بحاجة اليه هي القوة للبدأ بتطبيق مثل ذلك البرنامج. في الأرجنتين، ذلك يعني اشراك العمال العاملين الذين لا يزالوا متأثرين بنقاباتهم العمالية. لقد انخفض عدد هؤلاء ما بعد الأزمة الاقتصادية ولكن لا يزال هناك الملايين منهم ( 1.610,000 في بيونس آريس و210.000 في كوردوبا و110.000 في روزاريو بنهاية العام الماضي ) ولا يزال عملهم يشكل أهمية كبيرة بالنسبة لفعالية الرأسمالية الأرجنتينية على المستوى اليومي (87). لقد أدى تفشي البطالة الجماعية الى تخوف الكثير من العمال من خوض النضالات التي يخافون من عدم نجاحها، حالهم كحال العمال في أي مكان. تستمر بيروقراطيات النقابات العمالية في التلاعب بذلك الخوف بتأكيدها على أن دوهالدي هو أملهم الوحيد. لكنهم عاشوا خلال تجربة ليس لها مثيل بأي مكان آخر في الأسابيع الستة الماضية. وقد رأوا قدرة العمل الجماهيري على الاطاحة بالحكومات – وشارك الكثير منهم في الأعمال الجماهيرية للأسابيع القليلة الماضية كأفراد، حتى وان لم يكن كفرق منظمة في أماكن العمل. ومن الجدير بالذكر، انضمام بعضهم – على الأقل – الى نضالات مريرة في أماكن العمل للدفاع عن وظائفهم في تلك الأسابيع وتشكيلهم لروابط مع بيكويتيروس بينما لم يستطع آخرون تجنب المواجهة للدفاع عن مستوى معيشتهم ضد التضخم. ان ذلك يفتح الطريق لامكانية كسبهم للمطالب البعيدة والتي لا يملك سواهم القوة لتطبيقها – المطالب التي ستحمل الثورة الأرجنتينية الى اتجاه مناهض للرأسمالية بشكل واضح.

كما رأينا يتسم اليسار الأرجنتيني بالضعف لكن الظروف كالتي تمر بها الأرجنتين تعمل على تحويل وعي الآلاف من الجماهير. عند قراءة الجرائد الأرجنتينية ومراقبة اذاعة أخبار الأرجنتين على الانترنت، أتذكر الجو العام بفرنسا في 1968 أو البرتغال في 1975، الراديكالية على نطاق جماهيري لكن في ظل خلفية أزمة اجتماعية أضخم بمراحل. يتوجب على اليسار في الأرجنتين أن يرمي بقواه الضعيفة نسبيا في النضال من أجل انشاء قطب ثوري يجذب الجماهير المنغمسة في انفجارات مجتمع كامل في أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية.

أما بالنسبة لليسار في الأماكن الأخرى فعليه أن يتعامل مع العبرة البسيطة بجدية. ففي ظل نظام عالمي يمر بأزمات متكررة ومتشنجة، من الممكن أن يتحول كل ما هو صلب الى هواء. يمكن أن ينقلب النظام السياسي المتماسك والذي يكون فيه اليسار مهمش منتجا ثورات ضخمة من أسفل. يمكن أن يواجه اليسار القديم والمحبط في معظم العالم – بأواخر الثمانينات وأوائل التسعينات – وكذلك اليسار الحديث – منذ مظاهرات سياتل – بظروف ثورية كامنة.

الأرجنتين ليست استثناء وليست بالمكان البعيد والغريب. ان الأزمة ليست نتيجة لتبني السياسيون لسياسات ” خاطئة “. كما أن الأمر لا يقتصر على الخضوع للخصخصة وللبيرالية الجديدة نظرا لفساد الحكومات أو للضغوط الأجنبية الواضحة. ان رأسمالية الأرجنتين ضعيفة ولم تتمكن من التكيف مع تأثير الأزمات العالمية المتلاحقة عليها الاّ من خلال الهجوم على الظروف المعيشية التي اعتادتها الطبقة العاملة والطبقات المتوسطة الأدنى. ان تلك المشكلة تواجه رأسماليات أخرى وبما فيهم بعض الرأسماليات التي تعتبر قوية. الأرجنتين ليست المكان الوحيد الذي سنشعر فيه بالاحتياج الى حزب ثوري لديه جذور قوية في الطبقة العاملة.

« السابق التالي »