بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الأرجنتين على حافة الأزمة العالمية

« السابق التالي »

2. الحوادث السابقة في الارجنتين

كما يحدث فى الثورات الشعبية الكبيرة يبحث الناس في الأرجنتين فى ذاكرتهم التراكمية عن أحداث مماثلة في الماضي. وقعت ثلاث حالات عصيان كبيرة من أسفل فى القرن العشرين وأدت الى مواجهات مع السلطة كان لها تاثير على التطور الاجتماعي لسنوات طويلة.

كانت أولى هذه المواجهات فى يناير 1919 – في سنة حدوث الثورات على المستوى العالمى. شهد ” الأسبوع المأساوي ” معارك دامية بين العمال وقوى الدولة فى بيونس آريس. هاجم الأمن عمال مصنع الأدوات المعدنية فى فانسيا بعنف نتيجة لاضرابهم لعدة أيام قام 200 ألف عامل بالتظاهر بقيادة زعماء النقابات الفوضويون داخل المصانع. تمكن العمال من ارباك الأمن على الرغم من قيام معركة نارية. عندما أمرت الحكومة بزحف الجيش في المدينة ردت النقابات باعلان الاضراب العام الذى كان له تاثير كبير فى البداية. لكن تدريجيا ازدادت فعالية القمع وكسرت بعض النقابات الاضراب بانضمام المجموعات اليمينية الى الشرطة والجيش في شن الهجوم على مناطق الطبقة العاملة وفي الاغارة على المباني النقابية وقتل العمال. بحسب الاحصائية الأخيرة في النشرة الاشتراكية وصل عدد القتلى الى 700 وعدد الجرحى الى 4000. وفى السنة التالية، قام الجيش بتفريق مظاهرة نقابة الفلاحين فى بتاجونيا وقتل 1500 متظاهر.

كانت نتيجة تلك النضالات حاسمة فى تأثيرها على مجرى السياسة الأرجنتينية لمدة عقدين من الزمان. ” اتسمت النقابات عموما بالضعف في العشرينات بينما اتسع دور الجيش كوسيط للسياسة القومية “(2). فقد تمكن من جلب ” عقد الخزي ” بعد انقلاب سنة 1930 وقامت الحكومات اليمينية المحافظة بحكم الدولة من خلال التلاعب في الانتخابات والفساد والابعاد الفعلي للعمال عن الحياة السياسة(3).

كانت المواجهة التالية في 17 اكتوبر 1945 – ” الحدث الذى شق طريقه الى أساطير الحركة العمالية الأرجنيتية، ففي ذلك اليوم دخلت الطبقة العاملة الى الساحة السيايسة بشكل ضخم ومتفجر “(4). كانت قد استولت مجموعة من الضباط القوميين على السلطة في 1943، في ظل التوسع الاقتصادي الذى كاد يجدد انتشار روح النضالية بين صفوف الطبقة العاملة. فأخذ أحد أفراد المجموعة، جوان بيرون، على عاتقه السيطرة على ذلك. أصر على أن يذعن أصحاب العمل لبعض مطالب العمال الأمر الذى مكن القادة الداعمون لمشروعه السياسي من كسب التأييد اللازم للسيطرة على النقابات الأساسية والتي أخذت فى النمو وازداد تأثيرها. لكن بحلول عام 1945 رأت شرائح من الطبقة الحاكمة أن حجم التنازلات التي قدمها بيرون كبير جدا واقنعوا زملاءه من الضباط بخلعه من الحكومة.

رأى العمال فى التعدي على زعيم قدم لهم التنازلات تهديدا لمستوى معيشتهم وكرامتهم. وفي أثناء انتشار موجة من المظاهرات دعت فدرالية النقابات الى اضراب عام. فقامت صفوف من العمال بمسيرة فى ميدان بلازادومايو بمركز بيونس آريس مرعبين الجيش ومجبرينهم على اعادة تنصيب بيرون. ضمن التوسع في النصر في الشوارع نجاحه بأغلبية ساحقة في انتخابات الرئاسة للسنة التالية ومن ثم بقي في الحكم حتى سنة 1955.

كان انتصار العمال سلاح ذو حدين. فقد خلق الظروف التي أجبرت أصحاب العمل على زيادة الأجور الحقيقية بنسبة أكبر من 30% خلال أربع سنوات. ومارس زعماء النقابات تأثير مهم في حزب البراءة الذى أنشاه بيرون. وقد قدمت حكومة بيرون نموذج للخدمة الاجتماعية في الدولة من خلال الاعتراف بالنقابات واجازات مدفوعة الأجر وتعويضات في حالة الاستغناء فضلا عن الاعانات الاجتماعية. لكن قام شكل النصر الذى حظي به العمال بتقييد الحركة العمالية بأسطورة بيرون مما أدى الى تكون طائفة تتبع زوجته ايفيتا والى تفشي القومية التي تبشر باتحاد العمال وأصحاب العمل الوطنيين – بذلك تكون ” الرأسمالية العالمية أداة للاستغلال أما رأس المال القومي فيصبح آلة للخدمة الاحتماعية “(5).

كان الانفجار الثالث كوردوبازو في 1969 ويعد المرادف الأرجنتيني لمايو الفرنسي و” الخريف الحار ” الايطالي. تحرك العمال ضد الاعتداءات المستمرة على الأجور الحقيقية وظروف العمل طوال عشرون عاما.

بدأ الانخفاض في الأجور في ظل بيرون لكن كانت النقابات لا تزال تتمتع بقدر كبير من القوة بالمقارنة برغبات الرأسمالية الأرجنتينية. قام الجيش بالاطاحة ببيرون في 1955. لم تقم الثورة العمالية الفورية والمنسقة مثلما حدث من عشر سنوات مضت. لكن ذلك لا يمنع لجوء الدولة الى استخدام آلة القمع بشكل مكثف لاخماد المقاومة الواسعة والمعارك الحادة فى الشوارع والاضراب العام الذي استمر ليومين والتخريب المسلح. انتهزت الرأسمالية الأرجنتينية كل فرصة في العشر سنوات التالية للتخلص من المناضلين وفرض الاسراع في الانتاج و “منطقة” الصناعة وخفض الأجور الحقيقية. فقد تلى كل نجاح للعمال في مواجهة الاعتداء على مستوى أجورهم زيادة فى التضخم – تمكّن أصحاب العمل من استرجاع مكاسبهم – ومن ثم فترة ركود تستنزف عزيمة العمال فى مواجهتهم لقمع السلطة. عاد مستوى الأجور الحقيقية في 1960 في بيونس آريس الى ما كان عليه في 1947، كما انخفض نصيب العمال من الناتج القومي في 1965 من 49.9% الى 40.7%(6 –7). كان ذلك هو الوجه الآخر لاستراتيجية التنمية التى تبنتها الطبقة الحاكمة بهدف الكسب لبناء الصناعات الثقيلة القادرة على المنافسة فى الاسواق العالمية.

عمقت تلك الاعتداءات المرارة بين صفوف الطبقة العاملة. ووصل الولاء الكبير لبيورقراطية النقابات العمالية البيرونية وارتباط الهوية السياسية ببيرون المنفي، الى الدرجة التي تحتم فوزه في أي انتخابات نزيهة. ترتب على ذلك تدخل الجيش في 1962 و1966 في ظل الحكومات المدنية ومن ثم ديكتاتورية الجيش بقيادة جنرال أونجانيا. قامت الديكتاتورية بتجميد المرتبات وكسر الاضراب كما استولت على النقابات التى أبدت مقاومة فضلا عن الغائها للأحزاب السياسية بما فيها البرجوازية، وحاولت فرض سيطرة الجيش على جميع مستويات المجتمع – على سبيل المثال سيطرتها على الجامعات. قتلت القوات المسلحة اثنين من الطلبة أثناء الاحتجاج ضد أسعار الوجبة في مايو 1969(9). اشتعلت المظاهرات الاحتجاجية والاضرابات المحلية ونادت المؤسسات النقابية باضراب عام ليوم 30 مايو.

كانت كوردوبا مركز لصناعة محركات السيارات على الرغم فى عمرها القصير- 20 عاما. تميزت بأجورها العالية بالنسبة لمعظم الصناعات الاخرى لدرجة أن البعض لقب العاملين بها ” بالأرستقراطية العمالية “(9). لكن نتيجة لحداثة الصناعة والصبا النسبي للقوى العاملة بها لم يثقل عاتقتهم بوقع الهزائم السابقة بالاضافة الى موقفهم الأقل خضوعا بالنسبة لبيوروقراطيات الاتحادات القومية. فقد قرر العمال بمصانع السيارات والطاقة اضافة “اضراب فعال ” الى الاضراب العام بيوم 29 مايو. فتظاهرت صفوف من العمال بمركز المدينة وعند مقر الشرطة الرئيسي والفنادق والبنوك – وكان بعضهم مسلح بكوكتيل مولوتوف. كان هناك 4 آلاف عامل من رينالت و10 آلاف من عمال صناعة المعادن وألف من العمال بالطاقة. وقد تمكنوا من اجبار 4 آلاف شرطي على الفرار واحتلال مركز المدينة. لكن انضم 5 آلاف جندي مسلح الى المعركة مما أدى الى تقهقر العمال الى مناطق الطبقة العاملة والطلبة واقامتهم للمتاريس. تسبب القمع في قتل 16 شخص لكنه لم يوقف الحالة الثورية، الأمر الذي كشف هشاشة الحكومة العسكرية وقوة التحرك الجماهيري. ففتح الطريق لمدة ثلاث سنوات للمظاهرات العنيفة والاضرابات الكبيرة واحتلال المصانع واحتجاز المدراء كرهائن وحروب العصابات ضد قوى الدولة بالاضافة الى الحالات الثورية الأخرى في كوردوبا و الفيبورازو (10).

لم تتوقف موجات النضال الاّ باذعان الطبقة الحاكمة وقيام الجيش باعادة بيرون الى البلاد وتقليده لمنصب الرئيس في أكتوبر 1973. لعبت الحكومات في عهده ومن ثم في عهد زوجته الثالثة ايزابيل- بعد وفاة بيرون في يونيو 1974 تقلدت زوجته منصب الرئيس – نفس الدور الذي لعبته الحكومات التي أشرفت على “العقد الاجتماعي ” في بريطانيا و” ميثاق مونكلوا ” بأسبانيا و” التسوية التاريخية ” بايطاليا. فتمكن البيرونيون من استخدام تأثيرهم على بيوروقراطيات الاتحادات حتى وصلوا الى درجة عالية من التحكم في نضالات الطبقة العاملة من خلال “الميثاق الاجتماعي “، بينما قامت البرجوازية والدولة باعادة تنسيق قوتهما. لكن اعادة التنسيق في الأرجنتين أخذت طابعا أكثر دموية بالمقارنة بدول غرب أوروبا. فقد أعطي للمجموعات اليمينية المتطرفة حق التصفية البدنية لخصومهم. ففي يوم عودة بيرون قامت القوات المتحالفة مع اليمين بالهجوم على اليساريين بالمطار- وسط 2 مليون مستقبل لبيرون – وقتل عدد كبير منهم. تم قتل عدد كبير من اليساريين ومن المناضلين بالنقابات بالتعاون مع قادة النقابات في الثلاث سنوات من حكومة بيرون. وبعد ذلك في 1976 قام الجيش بالاطاحة بايزابيل بيرون وبدأ بشن الهجوم الأكثر دموية منذ الحرب العالمية الثانية على حركة الطبقة العاملة وقتل 30 ألف من اليسار والمناضلين.

« السابق التالي »