بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الأرجنتين على حافة الأزمة العالمية

« السابق التالي »

3. طبيعة النضال في الأرجنتين

كان للانفجارات الشعبية الثلاث للقرن العشرين سمة رئيسية مشتركة، التصادم بين الطبقة العاملة الصناعية من ناحية والبرجوازية ودولتها من ناحية أخرى. كان الصراع الطبقي في الأرجنتين نتيجة مباشرة لديناميكية تطور الرأسمالية داخل الأرجنتين ولم يكن نتيجة لطريقة انتاج جديدة أو عامل عرضي. ان لتلك النقطة أهمية كبيرة لأن اللغة المستخدمة في توصيف ما يحدث بالأرجنتين كثيرا ما تخفي الجذور الحقيقية لثورة 19-20 ديسمبر.

تصنف الأرجنتين من قبل الاتجاه السائد للاقتصاد على أنها “سوق ناشئ” أو “اقتصاد نامي”. يتضمن ذلك الانتقال من كونها دولة زراعية فقيرة لتصبح دولة صناعية متقدمة مرورا بالأزمات الناجمة عن عدم انتقالها بالسرعة الكافية. يستخدم اليسار مصطلحاته في التعبير عن نفس الفكرة بالتحدث عن الاقتصاد “التابع” أو “دولة العالم الثالث” أو ” الشبه مستعمرة ” (11).

تعاني القرى من الفقر الشديد اليوم – استمر هذا الوضع منذ أمد بعيد في المناطق الريفية الواسعة ذات عدد السكان الغير كثيف وفي مدن الأكواخ الموجودة حول المدن الكبيرة مثل بيونس آريس وكوردوبا. لم تكن الأرجنتين دولة زراعية فقيرة من دول العالم الثالث تاريخيا. فمنذ قرن مضى، كانت الأرجنتين أشبه باستراليا وكندا ونيوزيلاندا من حيث الاقتصاد الذي يرتكز على تصدير المنتجات الزراعية -العالية الربح والمرتبطة بتوسع الرأسمالية (كاللحوم والصوف والحبوب) – الى غرب أوروبا فسميت ” مصدر العالم للحبوب “. ولم تكن القوة العاملة في الزراعة من أهالي دول العالم الثالث – فقد تمت تصفية هؤلاء بالطريقة الأمريكية في القرن التاسع عشر – بل كانوا مهاجرين وعمال موسميين انجذبوا الى الأجور العالية بالنسبة للأجور في بلادهم، أسبانيا وايطاليا أو جنوب أوروبا بشكل عام. كان دخل العامل في الأرجنتين أكبر بكثير من نظيره في فرنسا وايطاليا (12). كان للطبقة الحاكمة روابط وثيقة بالطبقة الحاكمة البريطانية – كانت الأرجنتين المقر الرئيسي لهجرة الصفوة البريطانية ورأس المال البريطاني فضلا عن استيراد بريطانيا لثلث صادرات الأرجنتين – لكنها تمتعت بدرجة من الاستقلال سمحت لها بفرض الضرائب الوقائية على الواردات الصناعية البريطانية والبقاء على الحياد أثناء الحرب العالمية الأولى. ( في الوقت الذي أسهمت فيه كل مستعمرة والدومنيون بالأموال والرجال لمسعى الحرب الامبريالية ) (13). يقول أحد التأريخات الماركسية للبيرونية، ” كانت الأرجنتين عند بداية الحرب العالمية الأولى قد أصبحت دولة رأسمالية متقدمة ” (14).

لم تكن مشكلة القطاعات المختلفة للطبقة الرأسمالية خلال القرن العشرين افتقار الأرجنتين للتحرر السياسي الوطني – فهي تتمتع به منذ 1816. تكمن المشكلة في تحكم الطبقة الحاكمة الأرجنتينية بسوق محلي صغير وبموارد قليلة بالنسبة لعالم الطبقات الرأسمالية الأكثر ثراء بأسواقها الأكثر ضخامة ومواردها الأكثر وفرة. فكلما وصلت تلك الطبقة في الأرجنتين أنباء هبوط السلع الزراعية – ومكاسبهم معها – انتابتهم نزعة انتقامية. حدث ذلك عند الركود العظيم في سنوات الحرب بهبوط السعر العالمي للقمح بنسبة 75%. عندئذ اكتشفت البرجوازية الأرجنتينية التي كانت تعد نفسها جزءا من النخبة القوية في العالم، هشاشة التوازن الذي يقف عليه ثراؤها. فبامكانها أن تستخدم القوة لتعدّل حدودها مع شيلي أو بوليفيا لكنها لا تستطيع أن تفرض على فرنسا استقبال حبوبها أو لحومها (15).

تركز رد فعلها منذ 1930 في اعادة توجيه مكاسبها الزراعية الى بناء الصناعة الصلبة والتي تزود السوق المحلي والمحمي باحتياجاته. بدأت الحكومات التي تسيطر عليها مصالح الرأسمالية الزراعية بتنفيذ تلك العملية ثم قام بيرون بتكثيفها في أواخر الأربعينات. وقد سلكت الحكومات التي تلته نفس الطريق في الخمسينات والستينات. تتشكل الطبقة الرأسمالية الصناعية – التي تحجب الرأسمالية الزراعية اليوم – من مجموعتين مرتبطتين. أشرف رأسماليوا القطاع الخاص على الصناعات الصغيرة والمتوسطة بينما أدار بيوروقراطيوا الدولة ( بالاضافة الى ضباط الجيش ) أغلب الصناعات الجديدة والكبيرة كالحديد والصلب والسيارات وتوليد الطاقة والبترول. وقد حافظت كل جهة على روابط معينة مع بيوروقراطيات النقابات – العالقة في شبكة من الفساد.

لقد مكنت تلك المعايير الأرجنتين من التصنيع. ففي السبعينات اشتغل 34% من السكان بالصناعة و13% بالزراعة(16). كان معدل نمو الصناعة في ذلك الوقت شبيه بمعدل النمو في ايطاليا (التي أشار اليها منظري الاتجاه السائد في الاقتصاد وكأنها تمر ” بمعجزة “، على الرغم من كونها من أفقر دول غرب أوروبا) (17)

قد توضح بعض الاحصاءات من 1972 الفرق الضئيل بين الأرجنتين وايطاليا في ذلك الوقت (18):

 

المواد الأرجنتين ايطاليا
كيلوجرامات اللحوم للفرد في السنة 90 47
لترات الحليب للفرد في السنة 70 65
لترات زيت الذرة للفرد في السنة 10.3 7.9
السعرات الحرارية للفرد في اليوم 3170 2940
عدد السيارات لكل 100 فرد 11.6 20.9
عدد التلفزيونات لكل 100 فرد 14,9 18.9
عدد الصحف لكل 1000 فرد 128 85
عدد السكان في المنزل الواحد 3.8 3.1
عدد طلبة الجامعة لكل 1000 فرد 11.4 11.7
عدد الأطباء لكل 1000 فرد 18.9 18
معدل الوفيات لكل 1000 فرد 8.8 9.6
متوسط العمر المتوقع 67.06 65.77

 

توجد العديد من الاختلافات ما بين الدولتين – كانت الأرجنتين أفضل فيما يخص المواد الغذائية بينما فاقتها ايطاليا من حيث قدرة المستهلك. ان الاختلافات بين الدول المتقاربة من حيث مستويات ” التنمية ” لا يمكن أن تشبه نتائج المقارنة بين دول كايطاليا والهند أو حتى بين الأرجنتين وجواتيمالا. وكانت الأرجنتين –على الأرجح – أقل اعتمادا على رأس المال الأجنبي والواردات. فشكلت الواردات

1% من السلع الاستهلاكية أما رأس المال الأجنبي – فبالرغم من أهميته في بعض الصناعات – فشكل 5% فقط من الاستثمار الكلي ( مقارنة ب 15.4 % في 1943 ) (19).

حدث تغير ضخم منذ 1972. اتسعت الفجوة في مستوى المعيشة لعامة الشعب بين الدولتين. على الرغم من أن متوسط الأجور في المصانع ما قبل الركود الحالي لم يتجاوز 1,67 دولار يوميا – علما بكسب الكثيرين لأقل من ذلك – تعاني الأرجنتين اليوم من فقر لم تشهده ايطاليا منذ الأربعينات (20). لقد انخفض متوسط تناول السعرات ( على الرغم من التقارب في مستوى تناول السعرات ببريطانيا في منتصف التسعينات، وكونه أعلى بمقدار الثلث مقارنة بدول مثل جواتيمالا وبوليفيا ) (21). ان هذا ليس نتيجة ” تخلف الأرجنتين في مجال التنمية”. فبمجرد وصول الرأسمالية الضعيفة الى مرحلة معينة في التنمية تواجه الكثير من التناقضات. فمن المنظور الرأسمالي، ان الأرجنتين قد أحرز تقدما منذ 1972 – على الرغم من الوضع الأسوء الذي وصل اليه الغالبية العظمى من السكان.

لا يمكن للطبقة الحاكمة الرأسمالية والقومية أن تكتفي أبدا بالقدر المعين الذي وصلت اليه. فالرأسمالية القومية المتنافسة تكدس بلا توقف ولا يستطيع أحد الأطراف التلكؤ. ان الطبقة التي تحكم اقتصادا صغيرا نسبيا تجد الأزمات شديدة الحدة، حتى في حالة قيام اقتصادها على الصناعة بدلا من الزراعة. فقد نجحت حماية السوق المحلي في تقديم حلول قصيرة الأجل لبعض تلك الأزمات في الماضي، لكن صغر السوق يجعل تكلفة الانتاج تتفاوت في الارتفاع وتكون الموارد – الموجودة بغرض التكديس – محدودة بالمقابل. بالتالي، يتوجب تكثيف معدل الاستغلال على الدوام واعادة التنظيم لفرض تحول رأس المال من أيدي أصحاب التجارة الصغيرة الى أصحاب التجارات الأكبر. هذا ما كانت تقوم به الرأسمالية الأرجنتينية لأكثر من نصف قرن، الأمر الذي يفسر وحشية المواجهات بينها وبين الطبقة العاملة فضلا عن سياساتها المتقلبة ولجوئها المتكرر للحكم العسكري. وأخيرا، انفتاح اقتصادها للتمويل الأجنبي والدولي وخضوعها لشروط صندوق النقد الدولي.

تمكن الرأسماليون في الأرجنتين من تفادي تلك المشكلة الى حد ما أثناء الخمس سنوات الأولى من حكم بيرون. فقد أدى نقص الغذاء في أوروبا الى تضاعف أسعار الصادرات الزراعية للأرجنتين. وساهمت الأرباح الباهظة العائدة الى الدولة في التخلص من حالة عدم الرضا لدى الطبقة العاملة ومن التصنيع لصالح البرجوازية الصغيرة والمتوسطة في نفس الوقت. باستخدام النموذج ذاته، أدى الهبوط الضخم لأسعار المنتجات الزراعية في أوائل الخمسينات الى سحب البساط من تحت أساليب بيرون. فابتداء من 1951 والرأسمالية الأرجنتينية تبني صناعاتها من خلال زيادة معدل الاستغلال – الاقتطاع من مستوى العمال المعيشي. كما قامت بضخ مكاسبها – التراكم – بشكل متزايد في الصناعات التي تولد وسائل للانتاج لكي تتماشى الرأسمالية الأرجنتينية مع منافسيها، بدلا من توفير السلع الاستهلاكية للعمال والطبقة المتوسطة. لقد كان انخفاض مستوى المعيشة حتمي في ظل نمو الصناعة الرأسمالية.

ان ذلك يفسر سبب نفي الطبقة الحاكمة لبيرون في 1955 وعدم قيام قطاعات البيرونيين المرتبطة بالرأسمالية القومية بتعبئة معارضة حقيقية حيال الاطاحة به. كما يفسر الأسباب وراء ما شهدته الفترة ما بين 1955 و 1983 من حكومات منتخبة قصيرة الأجل وما تخللتها من فترات أقصر أو أطول من حكم الديكتاتورية العسكرية. فقد جذبت كل نزعة للتوسع الصناعي أناس جديدة الى أماكن العمل وزادت ثقة الطبقة العاملة – التي ظهرت في النضال لأجل الصناعة ودعم السياسة البيرونية ” الشعبية ” التي وعدت باعادة جزئية على الأقل لمستوى المعيشة وتوفير الضمان الاجتماعي المعروف سابقا. لم تتمكن الحكومات المدنية من مقاومة تلك الضغوط لفترات طويلة. لكن بلا شك أرادت الرأسمالية الأرجنتينية التخلص من تلك الضغوط، الأمر الذي جعلها تلجأ الى الرجال الأقوياء في الجيش لاستعادة النظام.

بدأت الحلقة الأخيرة بكوردوبازو مارة بالحكومات البيرونية الى أن وصلت الى الديكتاتورية العسكرية ال ” جانتا “. فقد حاولت الحكومات البيرونية اخماد عدم الرضا لدى الطبقة العاملة بدون الاقتطاع الكافي من مكاسبها من خلال طباعة النقد مما أدى الى ارتفاع الأسعار بنسبة 20% و 30% شهريا في منتصف 1975. فجاءت الديكتاتورية العسكرية المسؤولة عن ” اعادة النظام ” أكثر عنفا من أي وقت مضى. لم يقتصر القمع على القتل الجماعي. فقد حدث هجوم غير مسبوق على مستويات المعيشة للعمال. وصلت الأجور الحقيقية في 1987 الى نصف ما كانت عليه في 1975 (22). ان ذلك يعني جعل المستوى المعيشي أكثر سوء مما كان عليه في 1940 (23).

لقد صاحبت الهجمات المتعاقبة على العمال واليسار عملية دعائية واسعة النطاق تهدف الى منطقة وتبرير الصناعة من خلال المبالغة في تقييم البيزو وتحويل الدولة الى جنة للمضاربين. اقتطع حوالي خمس القوة العاملة الصناعية في خلال أربع سنوات بينما فرض على العمالة المتبقية رفع معدل انتاجها بمقدار 37% (24). لم تتغلب هذه الاجراءات – التي حرمت نصف مليون عامل بالقطاع العام من وظائفهم – على المشاكل الجوهرية للرأسمالية في الأرجنتين. فقد تلى النمو الاقتصادي لسنة 1979 الجمود في سنة 1980 ومن ثم ركود 1981 – بينما استمر التضخم السنوي أكثر من 100%. لم تقتصر حالة عدم الرضا على الطبقة العاملة فحسب بل وصل – أيضا – الى قطاعات من الرأسمالية الأرجنتينية. فجاءت حرب فوكلاند كمحاولة لتحويل الانتباه عن تلك المشاكل. ولذلك، أدت الهزيمة الى انتهاء عصر الديكتاتورية في 1983 دون انتهاء مشاكل الرأسمالية في الأرجنتين.

« السابق التالي »