بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الأرجنتين على حافة الأزمة العالمية

« السابق التالي »

5. صانع معجزة الليبرالية الجديدة

انه فصل الربيع في بيونس آريس. تبيع الحكومة كل ما يقع عليه النظر. اللافتات الاعلانية الضخمة تعلن عن مباني المكاتب في شيك كالي فلوريدا وأكرات الواجهة المائية. ويتم ترحيل وحدات الجيش لتحل محلهم المباني السكنية. أصبح لكل زرافة ونعامة وللفيل الهندي البالغ من العمر 48 عاما والمسمى بنورما مالكا خاصا بعد بيع حديقة الحيوان.

لم تتوقف عملية الخصخصة عند المدينة واتسعت لتشمل حقول البترول التي فتحت لأول مرة للمستثمرين بالقطاع الخاص. سوف تنهي عملية سكب السيولة أزمة الديون لعقد كامل. ” في خلال عدة أشهر، ستصبح ( الديون ) جزء من التاريخ القديم ” يتفاخر دومنجو كافالو، وزير الاقتصاد بالأرجنتين. لذلك، يحتشد اليوم المستثمرون الى أمريكا اللاتينية.

ان التغير في الثلاث سنوات الماضية لا يقل عن كونه ثورة اقتصادية مركزها الخصخصة. في الوقت الذي سقطت فيه الاشتراكية مدوية في اوروبا، تهاوى النظام التقليدي المتمركز في ادارة الدولة للصناعات الاستراتيجية بهدوء. الآن ينحني اللاتينيون كأهالي أوروبا الشرقية للسوق الخاص ويتسابقون للاستثمار لانعاش اقتصادهم المتردي. ان التغيير يعني فرصة ضخمة لبنوك العالم الأول التي تجمع العمولات مقابل المساعدة من خلال التعريف بحيل التمويل والاندماج والكسب المأخوذة عن الشمال.

هذا هو تحليل جريدة بزنس ويك في 1991 (30). اشتركت معظم وسائل الاعلام التجارية بالاضافة الى ” خبراء ” الاقتصاد في المنظور المتفائل فيما يخص المكاسب المتوقعة من الأرجنتين وانتهاء حلقة الأزمات والديون. استمر التفاؤل لمدة ست سنوات على الرغم من فترة الركود القصيرة التي مرت بها الأرجنتين بعد أزمة ” تيكيلا ” المكسيكية في 1994. ” انني شديد التفاؤل “، هذا ما قاله والتر مولانو – مدير قسم الأبحاث الاقتصادية والتمويلية في واربورج بنيويورك. وقد أضاف قائلا: ” ان الدولة تشهد بشكل واضح نتائج اصلاحات 1991 –1995 والتي يحتاج البعض منها الى فترة تبلور….يفترض أن يكون الحد الأدنى للنمو في السنة المقبلة 6% ” (31). وكتبت جريدة فاينانشل تايمز ” مرونة الاقتصاد بعد الاصلاحات ” (32).

كانت ” الاصلاحات” عبارة عن تطبيق واسع النطاق للشروط المنصوص عليها في ” اتفاقية واشنطن ” والتي يبشر بها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي – الخصخصة الفعلية لجميع صناعات ومرافق القطاع العام واستبدال معاشات الدولة ورعايتها الصحية بهيئات خاصة وبتر ما تبقى من ضرائب على الواردات وتشجيع تدفق رأس المال الأجنبي وتتويج كل تلك الشروط بربط قيمة البيزو بالدولار الأمريكي في 1992. وبالمقابل وافق صندوق البنك الدولي على مساعدة الأرجنتين في التفاوض على دفع ديونها كجزء من خطة برادي لأمريكا اللاتينية.

كان من المفترض أن تدفع الصفقة الى اعادة بناء الصناعة باخراج العمال من القطاع العام واغلاق الشركات الخاصة الغير فعالة بينما يتم تشجيع تدفق رأس المال الأجنبي الكفيل بتنمية الصناعة الأرجنتينية وتمكينها من المنافسة العالمية. تماشى ذلك مع اقامة الأرجنتين للسوق الاقليمي المشترك ” ميركوسور ” مع البرازيل وأوروجواي وباراجواي.

قوبلت تلك التعديلات بالفرح في أوساط التمويل العالمية لرغبتهم في شراء الشركات الأرجنتينية بأسعار منخفضة. كما قوبلت بالترحاب من قبل قطاعات مهمة من الطبقة الحاكمة في الأرجنتين – فبدلا من أن يكونوا أسماكا كبيرة ببركة أرجنتينية سيصبحون أسماكا متوسطة الحجم في البحيرة العالمية. أذعنت أعداد كبيرة من الطبقة العاملة والمتوسطة للتعديلات نظرا للحالة البائسة التي كانوا عليها منذ بداية العقد آملين في التخلص منها تحت ظل وهم مينيم البيروني “صديق العمال “.

صاحب التعديلات تحسن محدود في ظروف عدد كبير من الجماهير نتيجة لنمو الاقتصاد حتى سنة 1994. توقف هبوط الأجور الحقيقية وارتفعت عن الحد الأدنى لسنة 1989 (33). كما ارتفع معدل التعيين لعدة سنوات في أغلب المجالات (34). وأحس أصحاب الأعمال الحرة والتجارات الصغيرة والمتوسطة أن خطر الافلاس قد زال. ورأى العاملون بالأجر من الطبقة المتوسطة ( أو بالأخص الأقسام الأعلى مهنيا من ذوي الياقات البيضاء ) أن زيادة عدد العمال الشبه مهرة أو الغير مهرة ضد مصالحهم (35). كان الاحساس بالتحسن عند البعض كافي لنجاح مينيم في انتخابات الرئاسة لسنة 1994 ونجاح الحزب البيروني في انتخابات الكونغرس في 1996. تماما كما حدث ببريطانيا مع انتعاش ” ثاتشر – لوسون ” في الثمانينات، فقد خلق التحسن في ظروف بعض الجماهير وهم التحسن الدائم وولّد الحديث عن العصا ” السحرية “.

لكن ببداية 1992 أصبحت عملية منطقة واعادة بناء الصناعة تتم بشكل سريع. حدث الغاء واسع النطاق لوظائف معينة – حوالي وظيفة من كل عشر وظائف في التصنيع ووظيفة من كل خمس وظائف بالكهرباء والمياه والغاز. وارتفع معدل البطالة بحدة الى أن وصل الى 18% في 1994 – 1995. ومن هنا استمر ارتفاع معدل البطالة على الرغم من اعادة انتعاش الاقتصاد من 1995 الى 1998. على الرغم من اطراء جريدة فاينانشل تايمز ل ” الاصلاحات ” في 1997، تمكنت من ابداء هذه الملاحظة:

” فشل النمو الأسرع في أن يترجم الى انخفاض ملحوظ في معدل البطالة على الرغم من الظواهر التي تشير الى وظائف جديدة. يعد ارتفاع معدل البطالة أحد عناصر زيادة التوتر الاجتماعي في هذا العام” (36).

تتلخص ” المعجزة ” بالنسبة لجماهير العمال على ثبات الأجور الحقيقية الى حد ما عند المستوى المتدني تاريخيا مع اتساع حجم بركة العمال المواجهون للبطالة الى أجل غير مسمى. ونظرا لاقتصار اعانة البطالة على بضع أشهر، ترجم ذلك الى نمو الفقر المدقع بين الجماهير.

كما أن ” المعجزة ” لم ترقى الى المستوى الذي تمنته البرجوازية الأرجنتينية تاريخيا أيضا. فعلى الرغم من نمو الناتج القومي بنسبة 25%، لم تتمكن صناعات الرأسمالية الأرجنتينية من احتلال السوق العالمي أو حتى الاقليمي ” ميركوسور “.

فقد عاد الوضع بشكل أو آخر الى ما كان عليه منذ عشر سنوات من حيث الناتج القومي على الرغم من الآمال التي استمرت ما يقرب من نصف القرن. فعلى العكس من فترة حكم الجانتا، غرق السوق المحلي بالمنتجات الأرجنتينية. كان هناك محاولات للتوازن بشكل متكرر لتغطية العجز.

لقد تمت تغطية الفجوة والسلبيات المهمة من خلال تدفق رأس المال الأجنبي وفواتير الخصخصة الأمر الذي مكن كافالو من التأكيد – سنويا – على الاختراق العظيم المنتظر لزملائه، عناصر الطبقة الحاكمة. فقد قرر تجاهل أن رأس المال الذي يتدفق بسرعة الى دولة ما بامكانه أن يتدفق بالخروج منها عند التشكك في مستوى الأرباح المتوقعة. في غضون ذلك، كانت الديون الخارجية تتراكم بشكل يتعذر سداده.

« السابق التالي »