بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الأرجنتين على حافة الأزمة العالمية

« السابق التالي »

7. سياسات الركود

قضت بداية مرحلة الركود الجديدة على حكومة مينيم. أسفرت انتخابات 1999 عن نجاح ساحق لحليف الحزب الراديكالي والذي يفترض أن يكوّن كتلة يسارية جديدة ومنتخبة – فريباسو. لكن استمرت الحكومة الجديدة في اتباع سياسات الحكومة السابقة وقدمت حزمة من الاقتطاعات الجديدة في مايو 2000 وحزمة أخرى في السنة التالية. أجبرت المقاومة الجماهيرية الرئيس دو لا روا على سحب حزمة مارس 2001 وفصل الشخص المسؤول عنها – لوبيز مرفي. لكن سرعان ما أسعد الداعمون لليبرالية الجديدة بتعيينه لكافالو بدلا منه. فقد قالوا أن عودة

” صانعي المعجزات ” قد تخرج الرأسمالية الأرجنتينية من مأزقها مرة أخرى.

خلال خمسة أشهر اتضحت الحقيقة الاحتيالية لقوة مشروعه الاعجازي. فقد اضطر الى اللجوء الى صندوق النقد الدولي من أجل القروض موافقا على اقتطاعات أكبر من الميزانية وفرض اقتطاعات من أجور ومعاشات القطاع العام بنسبة 13% – حدث ذلك تحت ظل مباركة توني بلير عند توقفه في الأرجنتين في طريقه لقضاء عطلته في المكسيك. على أي حال، اتضح في تلك الأثناء عدم قدرة كافالو على سد العجز بميزانية الدولة بدون فرض الجوع على الجماهير. فكما اضطر رئيس تحرير جريدة فاينانشل تايمز الى التصريح:

لقد أصبح واضحا الآن أن الأرجنتين لن تتمكن فعليا من الهروب من التحطم البطئ لقطارها. فالوضع المالي يسوء نظرا للسقوط في الانتاج. وان زعزعة الثقة الناجمة عن ذلك قد دفعت بالفائدة على اقتراض الدولار الى أن تصبح اعلى منهم بالخزانة الأمريكية بنسبة 20% نقطة. لا يسع الاقتصاد الا الانفجار داخليا بمثل تلك المعدلات للفائدة. ان الخطوة المنطقية الوحيدة في مثل تلك الظروف هي الجمع بين تخفيض قيمة العملة والتخلف عن سداد الديون. يكمن الخوف من مثل هذه الخطوة في خطورة اطلاق الزناد للهروب من العملة والعودة الى تضخم شديد الحدة. لكن، بقاء ديون الدولار الضخمة قد يؤدي – أيضا – الى الافلاس الجماعي ( 41).

وبعد أسبوع من صدور المقال السابق ذكره، صرح اقتصادي كبير وسابق في صندوق النقد الدولي بمنظوره الكافر الذي يرى استحالة تغطية الحكومة للعجز على النحو الذي يريده صندوق النقد الدولي:

يتضمن التقييم الواقعي لمأساة الأرجنتين…..نتائج صناعة السياسات العالمية. سيكون العجز بالقطاع العام في هذه السنة أكبر بكثير من الستة بليون دولار التي يهدف اليها برنامج صندوق النقد الدولي…..ففي الأغلب سيتراوح العجز السنوي لهذا العام بين 20 و 25 بليون دولار. فحالة الركود الشديدة التي يغرق بها الاقتصاد لن تسمح في الغالب للحكومة بأن تخفض متطلباتها التمويلية لعام 2002الى أقل من 12 الى 15 بليون دولار (42).

لم يكن كافالو مستعدا لسماع مثل ذلك الحديث. وقد قاوم اقتراحات البعض في صندوق النقد الدولي في احتذاء نموذج البرازيل بصدد تخفيض قيمة البيزو. بينما رفض صندوق النقد الدولي نفسه القيام بأي عمل ايجابي لمساعدته. لم تعتبر الادارة الجمهورية بواشنطن أن للأرجنتين أهمية استراتيجية وتحدثت عن

” المجازفة الأخلاقية ” حيال تخفيف عبء الديون عن الأرجنتين. وبلغ موقفها الدرجة التي جعلتها تقترح أنه يتوجب على الجهات التي جازفت بحماقة باقراض الأرجنتين ان تتحمل جزء من مسؤؤلية أخطائها. مما لا شك فيه أن السبب وراء تشجيع مثل ذلك الاتجاه يكمن في أن الضرر الفادح من جراء انهيار الأرجنتين والذي سيحل بالشركات الأوروبية – وخاصة الأسبانية – أكبر بكثير من نظيره الواقع على الشركات الأمريكية ( 43 ). وبالتالي، بدأ صندوق النقد الدولي بتوضيح عدم فتحه لباب الاقراض ما لم تقوم الحكومة باقتطاعات أخرى وحشية. في تلك الأثناء، كانت الادارات الحكومية والمحلية غير قادرة على دفع مستحقات العاملين بها بالعملة المحلية وكانت قد لجأت الى صرف الكوبونات التي يمكن استبدالها بالسلع في محلات معينة.

من هنا لجأ كافالو الى الاجراءات التي لم تفقر الطبقة العملة فحسب بل وقطاع كبير من طبقة المهنيين وأصحاب الأعمال الحرة. قام بسحب الأموال من صناديق المعاشات الخاصة لدفع الفوائد على الديون وفرض نظام التقييد ( كوراليتو ) على مجمل الأرصدة الخاصة في البنوك بحيث لا يتمكن الجماهير من سحب أكثر 1000 دولار شهريا ( حوالي 150 دولار في الأسبوع ). هرع الجماهير الى البنوك لسحب أموالهم – ليواجهوا ماكينات السيولة الخاوية والأرتال اللانهائية. وبعد ذلك، في 17 ديسمبر قدم حزمة جديدة من الاقتطاعات تصل قيمتها الى 9 بليون دولار.

وصفت الكثير من أجهزة الاعلام الدولية عملية التقييد ( كوراليتو ) كاجراء خاص بالأغنياء – أصحاب الأرصدة الكبيرة. لكن الواقع أن الأغنياء قد قاموا بنقل أموالهم منذ أمد طويل الى الأماكن الآمنة بالخارج. الحقيقة أن الكوراليتو قد أصاب قطاعات البرجوازية الصغيرة والمتوسطة – العمالة المهنية الحرة وأصحاب الشركات الصغيرة التي يعمل بها بضعة أفراد وأصحاب المحلات. كانت تلك المجموعات تحتفظ بمعظم دخلها في البنوك وتنظر بعين الحسرة الى مدخراتها نتيجة لعدم توافر الفرص التجارية أو عجز الآخرين عن سداد الديون لهم. وقد اصبحوا الان بلا دخل حالهم كحال الكثير من ذوي الياقات البيضاء الذين تضاف مرتباتهم بشكل منتظم الى أرصدتهم. وأخيرا، اعتمد الكثير من العمال العاطلين عن العمل على أرصدتهم – التي كانوا يدخرون فيها القليل مما تبقى من أجورهم أو مدخراتهم السابقة – في معيشتهم.

في الواقع، ان ما فعله كافالو لم يكن سوى اعلان أن الرأسمالية الأرجنتينية ودولتها لا تأبه بالطبقات المتوسطة أكثر مما تأبه بالعمال. فكانت أكبر حركة انضمام للطبقة المتوسطة مع العمال ( بروليتارية). ردت الطبقات المتوسطة عن طريق الخروج الى الشوارع مع العاطلين عن العمل في 19 – 20 ديسمبر – والاطاحة بالحكومة.

« السابق التالي »