بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الأرجنتين على حافة الأزمة العالمية

« السابق التالي »

8. طرق الأواني وحركات العمال العاطلين عن العمل: (ساسيرولازوس وبيكويتيروس)

كانت الحالة الثورية ليومي 19 – 20 ديسمبر ” عفوية ” بمعنى أنه لم تصدر جهة معينة نداء لقيامها ولم تقم قوة سياسية بتوجيه تطورها. فجاءت خليفة لأيام 14 يوليو 1789 وفبراير 1848 في فرنسا، وفبراير 1917 في روسيا، ونوفمبر 1918 في ألمانيا، وأكتوبر 1956 في المجر، ومايو 1968 في فرنسا – وبشكل أقرب ديسمبر 1989 في رومانيا، و1997 في البانيا، و2000 في الصرب. ففي كل حالة اتحد غضب مجموعات مختلفة تحت ضغط هموم معينة آخذا طابع القوة القابلة للتفجر التي لا تستطيع السلطة مجابهته. فلاذ بعض القادة بالفرار بينما انحنى البعض الآخر لقوة الحركة الغاضبة في محاولة لاستعادة السلطة في فترة تالية.

توضح التقارير الخاصة بالحالة الثورية في الأرجنتين مصادر الحركة المتنوعة. تجمهر الجياع من الجماهير أمام محلات السوبرماركت في طلب الطعام ولجأ هؤلاء الى الهجوم ونهب البنوك عندما لم تلبى مطالبهم. وكان هناك تجمعات أخرى بالأحياء غضبا من التقييد ( كوراليتو ) واتجه هؤلاء الى مركز المدينة محدثين ضجة بطرق أوانيهم. كما انضم الشباب الى الحركة بعدما بدأت وكذلك السيدات المحتجات – كما في كل يوم خميس – على اختفاء أطفالهن وأزواجهن أثناء الحرب القذرة للجانتا. لكن بمجرد تحالف تلك القوى في مواجهة قمع الشرطة الذي أسفر عن مقتل 23 شخص في بيونس آريس ( و20 شخص على مستوى الدولة ) لاجبار كافالو على الاستقالة والرئيس على الفرار، أضاف عامل الحركة المطالب المحددة لحدث طرق الأواني ( ساسيرولازو ). فخرج الجماهير الى الشوارع مرة أخرى بعد تسعة أيام موجهون غضبهم في هذه المرة ضد خليف كافالو – رودريجو ساء – واقتحام مبنى الكونغرس لارغامه على الاستقالة. وقد وصفت جريدة باجينا 12 بعد ثلاث أسابيع موجة الاحتجاج الأخرى ب:

” الشبح الذي يبعث الرعب في البيت الزهري ( قصر الرئاسة ) ” (44).

ففي هذه المرحلة كان الاحتجاج في بيونس آريس قد أخذ طابعا ثابتا. وصفت جريدة باجينا 12 احتجاج نموذجي اشترك به الطبقة المتوسطة الدخل وسكان الأحياء الفقيرة:

“بدأت حركة طرق الأواني بمناطق متفرقة في المدينة واخذت بالنمو في العدد والكثافة. بدأت بالشرف والمداخل والضغط على ابواق السيارات بحماس في باريو نورت. لم تكن هناك أناشيد أو شعارات ولم يقم أحد بسد الطريق لكن بدأ الصوت بصم الجميع. وفي الساعة التاسعة مساء بدأ الجماهير بالخروج الى الشارع في بلجرانو. بدأت مجموعة بالغناء وطرق المعادن…وبدأت مجموعات بالنمو في كابيلدو وجورامنتو. وفي سان كريستوبال – الحي النشيط جدا في الساسيرولازوس السابقة – تجمهر الجماقير في سان جوان ولا ريوجا. بدأ التجمهر أمام الكونغرس في الساعة الواحدة مساء – بدأ ذلك بالعشرات ومن ثم المئات حتى وصلت مجموعات هائلة من الجماهير من أحياء سدت طرقها بالكامل. عندما وصل التجمهر الى كتلة هامة، تشكل صف متجها الى بلازا دو مايا” (45).

كان هدف المحتجين تغيير سياسة الحكومة – أو حتى تغيير الحكومة كما فعلوا في 20 و 29 ديسمبر. وعندما أحبطت أهدافهم، حاولت القطاعات الأصغر والأفقر من الجماهير اقتحام مبنى الكونغرس مما أدى الى مواجهات عنيفة مع الأمن.

ان نموذج الاحتجاج المتكرر في الشارع شديد الشبه بالنموذج الذي سلكته الثورة الفرنسية في 1789 – 1794 عندما ملأت القطاعات الفقيرة الشوارع متحركة نحو رموز القوة بمركز باريس. أخذت أول حالة ثورية في القرن الحادي والعشرين نفس طراز ثورة القرن الثامن عشر!

أدرك الجماهير ضرورة التنظيم بعد نجاح أول ثورة عفوية. حاولت بعض القطاعات من الاعلام ببث التصور أن كل شيء قد انتهى، مدعين أن الناس يملؤون الشواطئ ( نظرا لوجودها في نصف الكرة الجنوبي، كان فصل الصيف).

وصورت قطاعات أخرى رعب الطبقة المتوسطة من عصابات الجماهير الفقيرة التي تقتحم منازلهم وتسرق ممتلكاتهم ( مما يذكر ” الفزع الرهيب ” في الثورة الفرنسية ). قامت قيادات هامة للنقابات العمالية بدعم الحكومة ومحاولة تهميش المحتجين. في غضون ذلك، كانت المشاكل الحقيقية تواجه العمل العفوي. ففي حالات معينة لم يقتحم العاطلون عن العمل والفقراء الجياع محلات السوبرماركت وشركات المنتجات الغذائية فقط وتعدوا ذلك بالهجوم على شركائهم في الفقر من أصحاب المحلات الصغيرة والبائعين بالشوارع – الأمرالذي عرضهم للوقوع في يد السلطة. كان الشباب الذي يتحمل الوطأة الأكبر من اعتداءات الأمن أكثر عرضة من غيرهم للانفصال عن الجماهير المحتجة مما يسهل قيام عناصر الأمن المندسة بعمليات استفزازية لتبريرالسياسات القمعية. وأخيرا، كان من الضروري منع القادة البيرونييون في الحكومة من اللجوء الى الخدمة القديمة – تحريك العصابات للهجوم على المحتجين نظير 30 أو 50 بيزو يوميا.

بدأ الجماهير بعقد ” الاجتماعات الشعبية “، كما تقرر احدى الجرائد التي تصدر من أحد الأجزاء الفقيرة في بيونس آريس:

” قال سكان سان كريستوبال ” لقد عشنا في الأسابيع الأخيرة بين الحماس والخوف. لقد قمنا بأشياء لم نفكر حتى فيها من فبل ولازلنا لا نعرف ما الذي يتوجب علينا فعله بعد “. لقد تجمهروا بركن في لاريوجا وسان جوان للقيام بالاحتجاج ضد دولاروا وقاموا بمسيرة الى الكونغرس. وتقابلو في اليوم التالي لشجب القمع. وقد قاموا بحركة طرق للأواني أخرى عندما نصب المجلس التشريعي دوهالدي. في يوم الأحد استجاب 150 شخص لنداء الاجتماع في بلازا مارتن فيرو وتشكل تنظيم ثابت ومنفصل عن الأحزاب.

كان من الحضور: قسيس والعديد من ربات النزل وعضوين بالحزب الشيوعي وعضو بحزب العمال وصاحب حانة وستة عاطلين عن العمل….والقادة المحليين للحزب البيروني والعديد من المتخصصين في علم النفس الاجتماعي وطلبة الجامعات ومجموعة من العمال بمستشفى قريبة. قال أحدهم، ” نحن نعد قائمة بأسماء جميع العاطلين عن العمل بالحي “. وقال آخر ” نحن نحافظ على الأمن فقد اشتبهنا في بعض الوجوه في حركة طرق الأواني الأخيرة ” و ” نحن ندعو لحركة طرق أواني جديدة ضد ارتفاع الأسعار ” (46).

ومن هنا بدأت الاجتماعات بالانتشار في المدن وعشرات المراكز الريفية. فقد وصفت الجريدة الفرنسية ليبيرايشن ( الحرية ) الجو العام لهذه الاجتماعات في الأحياء الأغنى قائلة:

الساعة 11 مساء في مفترق الطرق للشارعين كابيلدو وكونجرسو. حاملا هتفه التنقل الكبير يحاول رجل في حوالي الثلاثبن السيطرة على الوضع. ” سوف ننتقل الى التصويت على الآراء المقترحة هذا المساء ” – الامتناع عن سداد الديون الخارجية والتحقيق حول شرعيتها وتأميم البنوك ومراجعة عقود المؤسسات التجارية الأجنبية التي تدير الخدمات العامة والتي أغضبت الكثيرين نتيجة لسلوكها المغتصب. استمر الاجتماع لمدة ثلاث ساعات في يوم الاثنين الماضي وتحدث عشرون شخص. حاول المسؤول أن يحدد حديث الفرد الى دقيقتين لكن الغالبية العظمى من المتحدثين تجاوزوها. انهم ليسو نشطاء في أي حزب. وقد جاءوا بشعار موحد : الاجتماع الشعبي لمنطقة بيلجرانو.

لقد تكرر هذا المشهد في كل مساء طوال شهر من يوم اللاثنين الى السبت في حي أو آخر بالمدينة. ويجتمع حوالي 5000 شخص في الحديقة العامة سنتيناريو لعقد أم الاجتماعات الذي يجمع الجماهير من جميع أنحاء الدولة. اسفرت تلك الاجتماعات عن أول حركة طرق أواني ذات حجم قومي تضم عشرات الآلاف من الجماهير في جميع شوارع المدن الكبيرة (47).

يصف أحد الصحفيون بجريدة الجناح اليساري المكسيكي لا جورنادا صورة مشابهة:

” يعمل العشرات من اجتماعات الأحياء كنتيجة صادقة للتنظيم الشعبي بعد ثورة طرق الأواني. انهم يطالبون بمعرفة حقيقة الوضع ومعاقبة المسؤولون عنه – بسخط واضح على البنوك الأجنبية والخصخصة. الجماهير تتحدث في تلك الاجتماعات اليوم عن العشر بلايين التي أخذتها شركة الكهرباء ايدينور آند ايديسور وعن الربح الذي تحققه شركات الاتصالات – يصل 800 و1000 مليون دولار كل عام “(48).

يقرر أحد المشتركون في أحد اجتماعات المدينة في الحديقة العامة سنتيناريو:

” حضر 6000 شخص من حوالي 80 لجنة حي بالمدينة والقرى وضمت حركة العمال العاطلين عن العمل. عكست الشعارات نضج مطالب الجماعات المختلفة وضرورة خلق قنوات شعبية منفصلة عن الأجهزة السياسية ” (49).

تضمنت المطالب الامتناع عن سداد الديون الخارجية وتأميم المؤسسات الخاصة تحت ادارة العمال ولجان الحي وعقاب المسؤولين عن القمع في 19 و 20 ديسمبر و 25 يناير. بالاضافة الى تأسيس لجان أمنية على مستوى الأحياء والمدينة للتعامل مع محاولات قوات الأمن الاستفزازية أثناء الاجتماعات والمظاهرات ودعم حركات العمال العاطلين عن العمل ( بيكويتيرو ) واعلان الكونغرس الوطني المكون من المنظمات واللجان الشعبية ودعم نضال عمال السكك الحديدية والاتصالات والنسيج ونقد لسلوك قادة النقابات العمالية لامتناعهم عن دعم المطالب.

عقدت اجتماعات مماثلة بمدن ريفية متعددة ومتفاوتة في الحجم – في كوردوبا وفي نيكين وفي مرسيدس وفي لابلاتا وفي أولافاريا…وغيرهم(50). وفي كل حالة، لم تكن الاجتماعات لمجرد الحديث. كانت الأحاديث تدور حول المواضيع المحلية – المطالبة بالأدوية للصيدليات المحلية ودعم العمال في نضالهم للحفاظ على مصانعهم مفتوحة والذهاب الى محلات السوبرماركت لطلب الطعام والى البنوك للاصرار على دفع أجور العاملين بالقطاع العام والاعتراض على السياسات القمعية بالاضافة الى رفع المطالب الخاصة باعادة تأميم القطاع الخاص والنضال ضد البنوك والتقييد ( كوراليتو ).

تعبر لجان الحي والاجتماعات الشعبية عن حاجة أولئك الذين قاموا بالاطاحة بالرؤساء الى التنظيم. انها الشكل الذي اتخذه الرفض الشعبي الجماهيري للنظام القديم. في ذلك السياق، يكون هناك شبه بينها وبين نضالات الطبقة العاملة التي ظهرت في القرن العشرين من حيث السمات الأساسية للنضال الجماهيري المنظم. لكن توجد – أيضا – فروق هامة بينهم.

أولا، تفتقر الاجتماعات الشعبية الى الكتل الممثلة. ان الجماهير الحاضرة تمثل أنفسها ولا تربطهم علاقات وثيقة بمجموعة ما لتمثيل مطالبها – ويمكنها محاسبتهم في حالة عدم تنفيذ تلك المطالب. ثانيا، انها تجمع شرائح من أصول طبقية مختلفة كما يتضح من انعقاد بعض لجان الحي بالأجزاء الغنية من بيونس آريس – مثل بيلجرانو وليبرتادور – علاوة على مناطق الطبقة العاملة والقطاعات الدنيا من المتوسطة.

أخيرا، لا تنعقد الاجتماعات الشعبية في أماكن العمل حيث يجتمع ويكدح ملايين الأجنتينيون بشكل يومي. يتشكل الحضور على الأغلب من مجموعات فردية من أماكن مختلفة ومنظمات العمال العاطلين عن العمل. تشيد التقارير بالدور القيادي الذي يلعبه المناضلون العاطلون عن العمل ببعض الاجتماعات نظرا لخبرتهم السابقة في النضال بالمصانع – يرفع شعار ” تيار الطبقة المقاتلة ” في الكثير من الاحتجاجات. لكن ذلك لا يجعلهم جسدا ممثلا للطبقة العاملة بالأرجنتين ذات التاريخ الطويل والحافل بالنضالات. ان وضع تلك الاجتماعات الشعبية يشبه شعب – الاجتماعات الجماهيرية الليلية بالمناطق – الثورة الفرنسية أكثر من مجالس العمال في 1905 و1907 بروسيا أو نوفمبر 1918 بألمانيا أو أكتوبر ونوفمبر 1956 بالمجر.

توجد سمة أخرى تربط بين الاجتماعات الشعبية وحركة طرق الأواني (ساسيرولازو). على الرغم من التهديد الواقع على البناء الكلي للرأسمالية الأرجنتينية من جراء المطالب الجماهيرية، فان اللغة المستخدمة ليست معادية للرأسمالية وبعيدة عن الاشتراكية. وينصب التركيز على فساد النخبة السياسية من جهة – الحزبين السياسيين الرئيسيين والمحكمة العليا والجنرالات – والاستثمار الأجنبي في عملية الخصخصة من جهة أخرى. الغة القومية هي السائدة فيعد العلم الوطني أكثر الشعارات شيوعا والنشيد القومي هو الأكثر شعبية في الهتاف.

لفهم هذه المعالم، يتوجب النظر الى التطور التاريخي لحركة الطبقة العاملة في الأرجنتين.

« السابق التالي »