بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الأرجنتين على حافة الأزمة العالمية

« السابق التالي »

9. البيرونية والنقابات

سيطر الحزب البيروني على حركة الطبقة العاملة بالأرجنتين لأكثر من نصف قرن بنهاية 1945 مثلما سيطر حزب العمال ببريطانيا. لم يكن ذلك الوضع قائما من قبل. ففي فترة ” سيمانا تراجيكا ” في 1919 كانت هناك تيارات قوية فوضوية ونقابية واشتراكية اصلاحية بالاضافة الى القوى الشيوعية المهمة في بداية العشرينات حتى بداية الأربعينات. لكن اصبحت البيرونية مسيطرة من بعد تلك المرحلة.

كان خوان بيرون متأثرا بالأفكار الاشتراكية للفاشية الايطالية ( فقد أمضى عامين بايطاليا في فترة حكم موسوليني ونفي الى أسبانيا في فترة حكم فرانكو بالستينات). لكن الحركة التي أنشأها لم تكن فاشية بالتأكيد. فقد تمكن ما بين 1943 – 1945 من تركيب صيغة تروق لقطاعات من الطبقة العاملة والبرجوازية وأجزاء من نظام الدولة. فقامت بتحويل الموارد من القطاع الزراعي الى بناء شركات صناعية تزود احتياجات السوق المحلي بينما كانت تلبي بعض مطالب الطبقة العاملة المناضلة والقوية. نجحت في تصوير ذلك كصراع قومي تخوضه الأرجنتين ضد ” الهيمنة ” الطفيلية المرتبطة ب ” الامبريالية “. لقد تمكن بذلك من انتزاع النقابات العمالية من القادة الشوعيين أو الاشتراكيين القدامى امّا بالرشوة أو بفرض أتباعه في ظل موافقة العمال.

كان تأييد الصيغة قد ضعف في الوقت الذي قام فيه الجيش بطرد بيرون في 1955 نتيجة لانخفاض مستوى معيشة الطبقة العاملة. لكن هجمات الحكومات الغير بيرونية المتكررة على منظمات العمال طوال 17 عاما أدت الى تعزيز مكانة الصيغة. فبدت فترة حكم بيرون كالعصر الذهبي مقارنة بالأوضاع التي تلتها. وكان واقع تمركز البيرونية المنظمة في بيروقراطيات النقابات العمالية طوال 17 عام من حظر الحزب البيروني يدعم التصور الذي يرى في البيرونية حركة الطبقة العاملة. كانت البيرونية بالنسبة للغالبية العظمى من العمال حركة الطبقة العاملة في ذلك الوقت. فقامت معظم النضالات ضد الهجمات المتعاقبة للجيش وللحكومات المدنية تحت شعارها.

لكنها بقيت تحالفا لطبقات مختلفة تسيطر عليه متطلبات جزء من الرأسمالية الأرجنتينية. أما على الصعيد السياسي فكانت تمثل البرجوازية المتوسطة – المستفيدة من السوق المحمي – والبيروقرطيين المسؤولين عن ادارة صناعات وبنوك الدولة الكبيرة والجديدة بالاضافة الى بيروقراطية النقابات. اتسمت بيروقراطية النقابات بالفساد منذ البداية نظرا لبناء الكثير من أعضائها الأفراد الروابط المربحة مع عناصر أخرى بداخل البيرونية. لكنها على الرغم من ذلك كانت تحتاج الى الدخول في صراعات للحفاظ على موقعها. وفي حالات معينة، رأت ضرورة القيام بأعمال محكومة بدقة لكن على درجة عالية من النضال – وأحيانا العنف – لفرض مصالحها مع الاحتفاظ بولاء العمال. كانت – من نواحي معينة – أشبه باتحاد امريكي فاسد مثل ” سائقي الثيران ” ( تيمسترس ) في عهد جيمي هوفا اذا ما استثنينا الدور المركزي لسياسات البرجوازية.

أقتربت الفترة الثانية للحكم البيروني من 1973 من تمزيق الحركة السياسية. فقد تنازل الجيل الجديد من الطلبة والعمال عن حقهم في التفسير الثوري لصالح البيرونية أثناء القمع المرير لديكتاتورية أونجانيا في أواخر الستينات. رأى الجيل الجديد في قومية بيرون نظير للثورة الكوبية وجيفارا ونضال التحرر للفيتناميين وحولوا نضال العمال في الأرجنتين الى جزء من النضال الوطني ضد الامبريالية (على الرغم من تمتع البرجوازية الأرجنتينية بالاستقلال منذ أمد طويل وعدم وجود قواعد أجنبية وصغر حجم الاستثمار الأجنبي). لقد دفع ذلك الشباب البيروني اليساري والمسلح الى تكثيف الاضرابات واحتلال المصانع والاحتكاك بقوات الأمن. لكن بمجرد عودة البيرونية الى السلطة عملت قواتها البرجوازية وقادتها السياسية على قمع الحركة العمالية واليسار– بشكل متزايد. فقام لوبيز فيجا– الوزير الرئيسي في حكومة ايزابيل بيرون – ما بين 1974 – 1975 بتنظيم العصابات المسلحة ( الاتحاد المناهض للشيوعية ) لاغتيال المناضلين بالنقابات المهنية واليساريين وشملت الاغتيالات أولئك الذين لازالوا رسميا ضمن صفوف البيرونية. وقد علقت بيروقراطية الاتحاد العمالي بين الترحيب بالهجمات على اليسار وبين حاجتها للاحتفاظ بسيطرتها على العمال – من خلال القيام بايماءات نضالية معينة كالدعوة الى أول اضراب عام ضد الحكومة البيرونية في 1975.

أتاحت الأزمة بداخل البيرونية الفرصة لتأثير القوى السياسية الأخرى. أصبحت التيارات ” الطبقية ” التي لم ترى في الطبقة العاملة حليف ل ” أصحاب العمل القوميين ” مهمة في الصناعات ” الجديدة ” في كوردوبا. وتطور تأثير الماويين في بعض الاتحادات المحلية. كما انفصلت منظمة تروتسكية عن الحزب البيروني ومعهم آلاف الأعضاء قبل انشقاقها الى جناح جيفاري – يتركز حول حروب العصابات ويتمتع بتأثير كبير في مناطق مثل كوردوبا – وحزب منافس يركز على العمل في الاتحادات (51).

لكن، استمر تأثير البيرونية لكونها الشكل الرئيسي للاصلاحية بالأرجنتين، على الرغم من اختلافها عن الديمقراطية الاجتماعية الأوروبية. اكتفى العمال بما يقدمه لهم البيرونيون من أشياء محدودة من خلال النظام نظرا لفقدانهم للثقة في قدرتهم على هزيمة الرأسمالية. لن يحوّل العمال ولاءهم الا بظهور قوة سياسية ثورية تقودهم الى نجاحات محدودة على الأقل. وبذلك يتمثل الواقع المتناقض في أن الهزائم التي أحرزتها القيادة البيرونية أدت الى فقدان العمال للثقة وجعلتهم يعتمدون على القيادة ذاتها.

لقد ساعد الهجوم على اليسار بعد انقلاب سنة 1976 البيورقراطية البيرونية. أهلك الكثير من المناضلين – تقول الاحصائيات أنه قد تم قتل 10 آلاف من 100 ألف موظف بالمحلات أثناء ديكتاتورية الجيش. استمرت البيورقراطية في الصمود – بشكل أو آخر – واحتفظت بعلاقاتها مع الجنرالات وتمكنت من اعادة بناء تواجدها القومي ومن ثم القيام بايماءة حيال المرارة الاقتصادية التي يعاني منها الأعضاء العاديون للاتحادات العمالية من خلال الدعوة الى الاضرابات العامة ليوم واحد.

نجح المنتمون للمعارضة في انتخابات بعض الاتحادات بعد سقوط الجانتا، لكن كان تأثير الأفكار البيرونية على الطبقة العاملة ككل قوي في الثمانينات للدرجة التي جعلت الجماهير ترى في انتخابات مينيم في 1989 نصر كبير. فكما تقرر دراسة في نضال العمال ببيونس آريس:

في هذه اللحظة، يصدق الغالبية العظمى من العمال أن وجود البيرونية في السلطة يعني عودة الفترة التي كان يتقاضى بها العمال 47% من الدخل القومي وكان لهم وظائف وأجور تمكنهم من العيش….في المواني، يفقد أكثر العمال نضالا الأوهام الخاصة بالأحزاب البرجوازية وهرمية النقابات العمالية وقوانين وعدالة أصحاب العمل(52).

لقد سمحت تلك الأوهام لمينيم وكافالو بدفع عجلة الخصخصة واعادة البناء بدون مواجهة مقاومة منظمة. وقعت الاضرابات واحتلت المصانع نتيجة للوقع المرير لاغلاق المصانع وفصل العمال. لكن تمت تلك الانفجارات بشكل منعزل وتبعها الشعور بالهزيمة والاحباط المعنوي. ازداد الضغط على العمال لزيادة عملهم تحت ظل تهديد الادارة الصريح بالاغلاق ما لم يفعلوا. في تلك الظروف كان وقع المعاش المبكر على العمال أشبه بوقعه في بريطانيا في الثمانينات. وافق الكثير من العمال الذين لم يرو الا القليل من الأمل في الحفاظ على عملهم من خلال المقاومة الجماعية على أخذ الرشوة.

وافق الآلاف من العمال المناضلين بميناء أستليروس دو ريو سانتاجو على أخذ المعاش المبكر بشكل اختياري في عام 1981. قال أحد المناضلين: ” شكل المعاش المبكر اغراء للجميع، بما فيهم أنا ” (53). كتب المؤرخ الماركسي للحركة العمالية الأرجنتينية بابلو بوزي: ” عندما لم يعثر العمال على عمل أقاموا التجارات الصغيرة كأكشاك الصحف ومحلات الخضروات والبقالة. على سبيل المثال، ازداد عدد سيارات الأجرة ما بين 1988 و 1994 في بيونس آريس من 36 ألف الى 55 ألف ” (54).

أصبح العمال الذين حافظوا على وظائفهم أكثر اعتمادا من ذي قبل على الحماية الضئيلة التي توفرها لهم عضويتهم النقابية. لكن افتقارهم للثقة لخوض النضال بأنفسهم ترجم الى المزيد من الاعتمادية على بيروقراطيات النقابات. حتى عندما تعلق الأمر بالفصل، كان من الأفضل مناقشة الشروط السيئة مع بيروقراطي النقابات بدلا من الشروط البائسة والمفروضة من قبل أصحاب العمل بشكل غير قابل للنقاش. شعرت قطاعات من بيروقراطية الاتحادات بضرورة الابتعاد عن الحكومة، لكن هذا يختلف عن المبادرة بقيادة نضال جماعي.

وأخيرا، احتفظ العمال على الرغم من فقدهم للأمل في مينيم بمنتصف التسعينات بأوهام خاصة بنائب الرئيس السابق وحاكم بيونس آريس، دوهالدي. فقد حاول استخدام منصبه ليبعد نفسه عن الحكومة المركزية فعلى سبيل المثال ” خلق الأوهام بين صفوف الغالبية العظمى من العمال بالمواني ” (55).

في ذلك الوقت، كان دوهالدي يحاول انشاء أجهزة سياسية بيرونية بشكل منفصل عن الاتحادات من خلال ” شبكة محلية بالأحياء منشأة حول قادة الكتلة النسائية

( مانزانيراس ). عمل هؤلاء النساء كقناة لمعونة الحكومة وكهمزة وصل للخدمات السياسية…فقد عملوا كعنصر للتحكم بالأحياء والتحرك السياسي ” (56). تقترح التقارير أن دوهالدي يتمتع بقدر كبير من التأثير بالأحياء الفقيرة للمدينة بحيث تمكن من دفع المال لمجموعات لتتحرك ضد حكومة دولاروا ومن ثم ضد اليسار.

أثرت التجربة المريرة في التسعينات بالسلب فيما يخص سيطرة البيرونية على العمال المنظمين. بنهاية العقد كان هناك ثلاث فدراليات نقابية عمالية منافسة، لكن لم تختلف وسائل الفدراليات الجديدة بشكل جوهري عن تلك الرسمية. كانوا يقومون بالدعوة الى الاضراب في بعض الأحيان كوسيلة للضغط على أصحاب العمل والحكومة، لكنهم لم يحاولوا الحفاظ على نضالات ثابتة للدفاع عن أعضائهم. تمكن أحدهم من اشراك 40% من العمال بالدولة في اضراب عام بسنة 1997 الأمر الذي أدى الى أخذ الموقف ضد حكومة مينيم. لكن استمرت قيادة الفدرالية في تأدية دورها من خلال الضغط على عناصر السلطة والترويج لائتلاف فريبازو الراديكالي والبرجوازي (57).

لقد اتضحت حدود جميع فدراليات الاتحادات في أحداث ديسمبر الأخيرة. كان هنالك اضراب عام في 13 ديسمبر، لكن الاتحادات لم تقم بأي عمل في الأيام التالية مما أدى الى تغيب العمال كقوة منظمة في 19 – 20 ديسمبر. قامت احدى الفدراليات – المائلة لفظيا نحو اليسار – بالدعوة الى اضراب عام عندما كانت السلطة في مهب الريح في 20 ديسمبر وقد ألغي الاضراب بعد سقوط الحكومة. وبعد ذلك بأيام، تقابل قادة الفدرالية الرسمية مع رودريجو ساء قائلين أنه ” شخص بيروني من النوع القديم ” بدون أخذ الشعور الجماهيري المناهض للحكومة في الاعتبار.

منذ ذلك الحين، بدأت بعض الكتل النقابية المحلية والفدرالية اليسارية – لفظيا- بدعم العديد من الاحتجاجات. لكن استمرت الفدراليتين الرئيسيتين في الوقوف بعيدا عن الاحتجاجات في محاولة لفصل الملايين من العمال الذين لايزالوا يعملون – بشكل متقلقل – عن الحركة التي تمتلئ بها الشوارع والأحياء.

« السابق التالي »