بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

استهداف إيران – لماذا تريد أمريكا الحرب؟

« السابق التالي »

2. لا معاهدة، لا خرق

س: هل تقول يا سيدي أن إسرائيل لا تقوم بخرق التزاماتها بشأن معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية؟

ج: إسرائيل ليست عضوا في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ومن ثم فليس هناك خرق.

كان هذا هو جزء من حوار الصحفي المصري خالد داود مع روبرت جوزيف، مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية لشئون السيطرة على التسلح والأمن الدولي، وذلك في السادس من فبراير 2006، فور قرار مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بتحويل إيران إلى مجلس الأمن بسبب أنشطتها النووية.

وقد كان ذلك هو رد جوزيف على السؤال المنطقي تماما حول ما إذا كانت إسرائيل سوف تسمح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالتفتيش في مواقعها النووية ـ والتي يوجد بها وفقا لمعظم التقديرات ما بين 100-200 رأس نووي.

وقد قال مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية: “بالنسبة لإسرائيل، فإنا أعني أن المسألة حقا تتعلق بإيران. والأمر يتعلق بخرق إيران لالتزاماتها في ظل معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. إن ذلك يتعلق بخرق إيران لالتزاماتها بشأن السلامة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وبشكل واضح، يجب أن نعمل سويا من أجل تحقيق الأهداف الدولية بشأن عدم انتشار الأسلحة النووية ووقف انتشار اسلحة الدمار الشامل، بما في ذلك جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل ووسائل تداولها”. [1]

ومن ثم فإن المسالة على النحو التالي: تقوم إيران بالتوقيع على معاهدة عدم الانتشار النووي ومن ثم يجري اتهامها بخرق التزالماتها حول إجراءات السلامة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بينما إسرائيل ترفض التوقيع على المعاهدة ومن ثم لا يكون لديها أي التزامات لتخرقها.

ونتيجة لذلك، لا يشعر “المجتمع الدولي” بالغضب تجاه إسرائيل، بل أن هناك سياجا من الصمت حول الأنشطة النووية الإسرائيلية، والتي يمكن التأكيد على أن البعض منها موجه لإيران.

وعادة ما يقال لنا أنه لا يوجد إثبات على وجود القدرات النووية الإسرائيلية، ويزعمون بأن هذه القدرات هي من بنات خيال حركة ضد الحرب. كما يقال لنا ألا نعتمد على شهادة موردخاي فانونو، الرجل الشجاع الذي بادر بكشف هذه القدرات، وهو لا يزال الآن في أيدى الدولة الإسرائيلية. كما لا يجب علينا أن نعتمد على ماقالة زعيم إسرائيلي مثل شيمون بيريز في مؤتمر صحفي في الأردن عام 1998 حينما أقر بحيازة إسرائيل للأسلحة النووية.

وقبل ذلك بعام، قدرت Jane’s Intelligence Review عدد الأسلحة النووية الإسرائيلية بـ 400. وكشفت الوثائق الرسمية البريطانية التي تم الكشف عنها بعد انتهاء فترة حظر تداولها آنذاك  الدور البريطاني في مساعدة إسرائيل على بناء قدراتها النووية خلال فترة الحرب الباردة. ويقول مركز عدم الانتشار النووي في مونتريري في الولايات المتحدة أن الترسانة النووية الإسرائيلية قد تتضمن أسلحة حرارية نووية  يمكن حملها بواسطة صواريخ بالستية. كما تتضمن أيضا مفاعل الماء الثقيل في ديمونة وحيازة مفاعل البلوتونيوم ـ واللذان لا يخضع أي منهما للتفتيش من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

كما أن الهند ليست من الدول الموقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، لكنها كوفئت من جانب الولايات المتحدة في مارس 2006 عبر تلقيها عروضا بالتعاون في المجال النووي. تبدو كل الاشارات التي ترسلها هذه الحقائق إلى حكومة إيران واضحة: إذا كنا سنواجه كل تلك التهديدات بسبب أننا جزء من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، فلم لا ننسحب من المعاهدة ونصبح دولة نووية؟

يسمح البند التاسع من المعاهدة [2] للدول أن تنسحب، حيث ينص على أن “كل طرف له الحق في ممارسة سيادته الوطنية والانسحاب من المعاهدة إذا أرتأى أن أحداثا غير عادية، مرتبطة بموضوع هذه المعاهدة، أصبحت تهدد المصالح العليا له”. وعلى تلك الدولة أن تخطر باقي الأطراف في المعاهدة ومجلس الأمن الدولي بذلك قبل ثلاثة شهور من الانسحاب. ويجب أن يتضمن هذا الإخطار بيانا بالأحداث غير العادية التي تعتبرها الدولة تهدد مصالحها العليا”.

وقعت إيران على المعاهدة عام 1968. وليس بوسعنا أن نجد مثلا أفضل من استهداف إيران من جانب إسرائيل، باعتباره حدثا غير عادي يتعلق بالمعاهدة و”يهدد المصالح العليا” لإيران. هل يمكننا في ظل هذا الوضع أن نلوم إيران على أنسحابها من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وطرد مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية ـ وهو ما يجعلها تصبح مثلها مثل إسرائيل والهند وباكستان، متحررة من أي التزام دولي حول أنشطتها النووية؟ إن الإجابة على هذا السؤال لها شقين، قانوني، وأخلاقي/سياسي. ولا تجد الولايات المتحدة وبريطانيا وحلفائهما نفسهم في وضع يسمح بالرد على أي من الشقين.

فمن الناحية القانونية، تسمح معاهدة عدم الانتشار النووي لإيران بتطوير برنامج نووي سلمي. فقد وقعت اتفاقا شاملا للسلامة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية يعطيها حق حيازة تسهيلات نووية. في عام 2003، وقعت إيران على البروتوكول الإضافي الذي يسمح بمزيد من التفتيش الموسع. وقد التزمت إيران بذلك وسمحت بالتفتيش على أجهزة الطرد المركزي المتعلقة بالتخصيب. وفي ظل المعاهدة، فإن المواقع النووية المعلن عنها هي فقط التي يسمح بتفتيشها. لكن إيران مضت خطوة أبعد من ذلك وسمحت بالتفتيش على قاعدة بارشين العسكرية بعد أن قالت الولايات المتحدة أن تلك القاعدة هي جزء من برنامج نووي سري. والمسألة ببساطة ليست أن إيران وجدت نفسها مجبرة على الامثتال لالتزامات المعاهدة، ولكنها أيضا وقعت طوعا على ضمانات السلامة الإضافية بما يتجاوز الحد الأدنى المطلوب من تلك الضمانات.

وبالرغم من أن إيران قد ألتزمت بالمعاهدة وبأكثر منها، فإن الولايات المتحدة وبريطانيا تقومان بخرقها. فبينما تلزم معاهدة عدم الانتشار النووي الموقعين عليها بالعمل نحو نزع التسلح النووي، فإن الولايات المتحدة وبريطانيا تسيران بالضبط في عكس هذا الاتجاه، في تحدٍ للاتفاقيات التي أدخلت عند مراجعة المعاهدة في عام 2000. ففي الظاهر، وقعت بريطانيا في ذلك العام لكي “تضمن دورا أقل للأسلحة النووية في سياستها الأمنية كوسيلة في طريق التخلص من هذه الأسلحة كلية”. لكن وزير الدفاع البريطاني آنذاك، جيف هون، مضى قدما ليقول للبرلمان أن بريطانيا يمكنها أن تشن الضربة النووية الأولى تحت ظروف معينة.

تلتزم الحكومة البريطانية الآن بإنفاق 25 مليار استرليني على استبدال Trident تريدن)النظام النووي البريطاني (. والولايات المتحدة من جانبها تستثمر في الأجيال الجديدة من الأسلحة النووية ـ التي تتراوح بين البنكر بستر  bunker-buster(أسلحة نووية صغيرة تستخدم في اختراق الأهداف المحصنة تحت الأرض) إلى الأسلحة الموجودة في الفضاء. وقد مضت كل من الدولتين بعيدا حتى عن مفهوم الالتزام بنزع التسلح النووي واتجتها نحو “الانتشار المضاد”، أي نحو الاحتفاظ بأسلحتهما وزيادتها، في الوقت الذي تمنعان فيه دولا بعينها من الحصول على هذا النوع من السلاح. وعلى ذلك، فإنه وفقا لمبادئ القانون الدولي، فإن إيران لها كل الحق في الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار النووي. وطالما قامت بالإعلان عن نيتها في القيام بذلك ثلاثة أشهر مسبقا، فأنه لن تكون عليها الخضوع لعقوبات.

وبالطبع من الناحية الأخلاقية، فإن الأسلحة النووية هي شئ ملعون. لكن الولايات المتحدة كانت الدولة الوحيدة في التاريخ التي استخدمت الأسلحة الذرية في حالة الغضب ـ وهو ما أدى إلى محو سكان هيروشيما وناجازاكي. وتحافظ الولايات المتحدة بوضع صاحب الضربة الأولى. وتقول الولايات المتحدة وبريطانيا أن الأسلحة النووية هي أمر لا بأس به، بل هي مهمة، عندما تكون في أيدي الدول “المتحضرة” الإمبريالية. وتصبح هذه الأسلحة عملا من أعمال الشيطان فقط عندما تصبح في حوزة من تستهدفهما هاتين الدولتين.

ولا يعطي ذلك إيران أو أية دولة أخرى الحق في حيازة الأسلحة النووية، ولكنه يعني أن الولايات المتحدة وبريطانيا ليست لديهما الحق في احتكار السلاح النووي. وتمثل الترسانات النووية لهاتين البلدين التهديد الوشيك. فهذه الأسلحة والسياسة العدوانية لبوش وبلير هي أهم العوامل التي تؤدي إلى انتشار السلاح النووي. ألا تعد الأخذ في الاعتبار ما حدث في عواصم كثيرة من العالم ذو دلالة هنا: فقد تم غزو العراق ليس لإنه كانت لديها أسلحة نووية ولكن لإنها لم تمتلك هذه الأسلحة.

رغم صدقية كل ما قلناة، فإنه يأخذنا بعيدا عن الحقيقة التي تعنينا، وهي أن إيران لم تخرق التزاماتها إزاء معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. وفي الواقع، فقد التزمت إيران بإجراءات السلامة بدرجة أكبر من المطلوبة وفقا للمعاهدة.

« السابق التالي »