بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

قانون العمل الموحد – بين تشريد العمال وهيمنة الرأسمالية

1. قانون العمل الموحد

لا يمكن فهم محتويات أي تشريع قانوني إلا بالغوص في أعماق الجذور الفكرية والسياسية والتحولات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع، فأي تشريع في المحصلة النهائية يعكس طبيعة العلاقات في المجتمع أو تكريس علاقات ما في ذلك المجتمع سواء كانت علاقات بين أفراد أو أفراد ومؤسسات أو علاقة بين مؤسسات المجتمع المختلفة ويثار هنا تساؤل هام وهو أي مصالح يعكسها هذا القانون أو ذاك؟

ومن هنا لا بد من الإقرار بحقيقة لم تعد تقبل الجدل وهو إن أي قانون أو تشريع يعكس المصالح الطبقية للسلطة الحاكمة أي بمعنى إذا كانت السلطة الحاكمة تنحاز طبقيًا للعمال فإنها سوف تنتج تشريعًا يكرس حقوق ومزايا بل وحماية للعمال وعلى العكس تمامًا فإذا كانت السلطة الحاكمة هي التعبير الطبقي عن علاقات الإنتاج الرأسمالية فإنها بالضرورة سوف تحقق مصالح الرأسمالية لأن العلاقة بين العمال ورأس المال ليست علاقة توافق في المصالح بل هي علاقة تناقص، فالعمال لا يملكون سوى بيع قوة عملهم من أجل الحصول على أكبر فائض ممكن من خلال أجور أقل لا تكفي لتلبية متطلبات الحياة وكذا ساعات عمل أطول وفي هذا السياق وفي الوقت الذي لم تكن فيه تشريعات للعمل لاحظ الزعيم الوطني محمد فريد 1908 وهو لم يكن بأي حال اشتراكيًا إنما رصد بشكل صادق أحوال العمال في تلك الفترة حيث يقول “للآن لا يوجد بمصر قوانين خاصة بحماية العمال ولا قوانين تحدد سن العمل ولا عدد الساعات التي يجب أن يقضيها العامل في العمل فتجد العمال مثقلي الكواهل بلا رحمة خصوصًا في معامل الدخان ومعامل حلج القطن حيث يشتغل الأطفال ذكورًا وإناثًا في وسط من أردأ الأوساط من الناحية الصحية والبدنية “جريدة اللواء 29/7/1908”.

ومع تصاعد نضالات العمال على المستوى العالمي والمحلي اضطرت الحكومات الرأسمالية المتعاقبة تحت ضغط هذه النضالات إلى إقرار إصلاحات اجتماعية ووضع تشريعات للعمل تتضمن نوعًا ما من الحماية.. فقوانين العمل في ظل حكم الدولة الرأسمالية سواء كانت رأسمالية دولة “القطاع العام” أو رأسمالية الأفراد.. هذه القوانين لا تقضي على الاستغلال ولا تجعل المجتمع يكف عن أن يكون رأسماليًا.. إنها يمكن أن توفر فقط بعض الحماية للعمال.

وفي مصر وفي نهاية الخمسينات وفترة الستينات شهد المجتمع إصلاحات اجتماعية بعد سلسلة من النضالات العمالية التي اجتاحت مصر كلها طوال الثلاثينات والأربعينات تمثلت في تطبيق نظام التأمين الاجتماعي وتخفيض ساعات العمل إلى 7 ساعات وإقرار حد أدنى للأجور في القطاعين العام والخاص كما تم تقييد فصل العامل والتزام الدولة بتعيين الخريجين وزيادة الإجازات المرضية مدفوعة الأجر وكذا الإجازات السنوية، غير إن هذه الإجراءات تواكيت مع نزع أسلحة الطبقة العاملة، سواء على المستوى النقابي حيث تم تأميم النقابات وسيطرة الحكومة عليها، أو على المستوى السياسي حيث تم اعتقال كافة الكوادر الاشتراكية وإيداعها السجون من أجل تقليم أظافر الحركة العمالية وضبط حركتها على إيقاع أهداف النظام.

وفي بداية السبعينات تم الترويج لسياسات الانفتاح الاقتصادي ولجأت الدولة إلى إجراء تعديلات تشريعية جوهرية بما سمح لحرية أوسع للرأسمالية الأجنبية والمحلية باستثمار أموالها اعتمادًا على سياسة التحرر الاقتصادي وإزالة كافة القيود أمام تلك الرأسمالية.

وكان قانون استثمار رأسمال العربي والأجنبي رقم 43 لسنة 78 وتعديلاته التي تتضمن تسهيلات وامتيازات أهمها:

1-                                إعفاء المشروعات الأجنبية من الضريبة على الأرباح وكذا إعفاء الآلات والمعدات الخاصة بها من الضرائب والرسوم الجمركية.

2-                                تصدير الأرباح إلى الخارج. وكذا الرأسمال نفسه بعد مضي خمس سنوات من بدء استثماره.

3-                                عدم الخضوع لنظام مشاركة العاملين في الأرباح أو الإدارة.

4-                                الحصانة ضد التأميم والمصادرة.

ولقد أثمرت هذه السياسة نتائج خطيرة كان أهمها:

أولاً: إطلاق حرية استيراد السلع والمنتجات الأجنبية مما أدى إلى تدهور الإنتاج المحلي وتكدس المخزون السلعي.

ثانيًا: زيادة المديونية الخارجية وما تبع ذلك من فرض شروط سياسية واقتصادية من قبل المؤسسات الدولية “البند الدولي” صندوق النقد الدولي “في اندماج الرأسمالية المحلية مع الرأسمالية العالمية”.

ثالثًا: إنشاء شركات مشتركة مساهمة مع القطاع العام مما أدى إلى إلحاق خسائر فادحة بهذا القطاع فضلاً عن النهب والفساد البيروقراطي.

واستمرت وتطورت وتلاحقت حزمة السياسات وانتشرت حمى الخصخصة في كثير من دول العالم ومنها بالطبع مصر تنفيذًا لشروط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي المعروفة في وثائق هذه المؤسسات باسم “التثبيت والتكيف الهيكلي”.

ويؤكد لنا المرحوم الدكتور رمزي زكي في مقدمة كتاب فخ العولمة ما أتفق عليه رأسماليو العالم من أن “مراعاة البعد الاجتماعي واحتياجات الفقراء أصبحت عبئًا لا يطاق وأن شيئًا من اللامساواة بات أمرًا لا مناص منه”.

كما يؤكد في هذا السياق إنه مع نمو العولمة يزداد تركز الثروة ويشير إلى أن 358 ملياردير في العالم يمتلكون ثروة تضاهي ما يملكه اثنين ونصف مليار من سكان المعمورة أي ما يقرب من نصف سكان العالم.

وفي مصر انتشر مفكرو الرأسمالية في أجهزة الأعلام والصحافة ونقابات العمال للترويج والتبشير بأنه ليس أمامنا فرصة للخروج من الأزمة الاقتصادية إلا بإتباع سياسة الخصخصة وهو ما تحمله كتابات الدكتور سعيد النجار رئيس جمعية النداء الجديد هي جمعية تضم رجال أعمال مصريين كما أنه كان يعمل خبيرًا بصندوق النقد الدولي يقول: “ليس عندي شك في أن المؤسسات الدولية – صندوق النقد – والبند الدولي – تريد خيرًا لمصر – ولا شك عندي إن الأخذ بتوصياته من العوامل المهمة في تحسين الأوضاع الاقتصادية”.

إذن حسب كلام الدكتور ليس أمام الحكومة المصرية إلا أن تنفذ شروط الصندوق وعلى مرحلتين:

المرحلة الأولى: وهي ما تسمى بسياسة التثبيت وتقتصر على عدد من الإصلاحات النقدية مثل تعويم الجنيه – رفع سعر الفائدة – إلغاء الدعم.

المرحلة الثانية: إعادة الهيكلة والمقصود بها بيع القطاع العام.. ولذلك يقول الدكتور سعيد النجار “أن المشكلة لا تكمن في تحرير سعر الفائدة والصرف ولكن في بيع القطاع العام “الأهرام 26/11/89”.

ولذلك صدر قانون قطاع الأعمال 203 لسنة 91 واستهدف هذا القانون تصفية القطاع العام وطرح أسهم هذه الشركات في البورصة لتجري أكبر عملية نهب وفساد خمن خلال صفقات بيع هذا القطاع وهذا ما تؤكده الحقائق التالية:

–            تم بيع شركة الكوكاكولا لشركة ماك للاستثمارات وشركة الكوكاكولا العالمية “الأمريكية” بثمن 367 مليون و449 ألف جنيه علمًا بأن إنتاج الشركة عام 92/ 93 بلغ 222 مليون جنيه وكانت تحقق أرباحًا 43.4 (أي إنها ليست شركة خاسرة) وقامت الإدارة الجديدة بالاستغناء عن عدد كبير من العمال.

–            كذلك بيعت شركة البيبسي كولا بمبلغ 153 مليون جنيه استقطع المالك الجديد 11 مليون جنيه من مرتبات العمال منذ عام 94 بدعوى تمليكهم 10 % من أسهم الشركة إلا أنهم لم يحصلوا على أي عائد من أرباح الشركة بعد أن اتفق المالك الجديد مع الشركة العالمية على زيادة أسعار المواد الخام حتى تظهر الميزانية وكأنها لم تحقق أرباحًا كذلك تم الاستغناء عن عدد كبير من العمال.

–            باعت الحكومة شركة المراجل البخارية للرأسمالي الصهيوني روبرت حادي بحوالي 17 مليون دولار، حسب تقييم مكتب استشاري أمريكي “بكتل”، بينما قدرت قيمة الأرض “31 فدان” بمبلغ 400 مليون جنيه وقامت الشركة بإجبار 200 عامل على الاستقالة كمرحلة أولى ووضعت لائحة جزاءات تبيح فصل العمال لأتفه الأسباب “لاحظ إن قانون العمل يتم تطبيقه قبل صدوره”.

–            كما تم بيع سلسلة من الفنادق ومنها فندق الأنترناشيونال مقابل 105 مليون جنيه.

–            وبيع مصنع الكتان وشركة الزيوت التابعتين لشركة القاهرة للزيوت والصابون بمبلغ 8.8 مليون جنيه بينما تقدر أصولها بحوالي 48 مليون جنيه.

ويؤكد تقرير وزارة قطاع الأعمال صدر في مايو 1999:

إن ما تم بيعه يبلغ 8.641 مليارات جنيه حتى نهاية مارس 98 وما تم تحصيله 7.516 مليار جنيه فأين ذهب الفرق وقدره 1.25 مليار جنيه؟!!

كما أشارت جريدة العربي الناصري في عددها الصادر 3 يونيه 2001 إن ما تم نهبه في خصخصة القطاع العام يبلغ 472 مليون جنيه وتم إهدار 801 مليون جنيه في صفقة بني سويف.

ولم يكن بيع القطاع العام هو الإجراء الوحيد الذي يجسد سياسة الخصخصة رغم إنه يعد الحلقة الرئيسية في تلك السياسة إلا إن سلسلة أخرى من الإجراءات قد تم تدشينها فلقد أصدرت الحكومة القانون رقم 96 لسنة 92 إيجارات الأراضي الزراعية وقد تضمن هذا القانون:

1-                     زيادة القيمة الإيجارية من 10 أمثال إلى 22 مثل الضريبة السارية.

2-                     إنهاء عقود إيجار الأراضي الزراعية اعتبارًا من أكتوبر 97 والتي ترتبت عليه طرد الفلاحين من تلك الأراضي ويخدم هذا القانون حفنة من الملاك على حساب الفلاحين الفقراء.

كما أصدرت الحكومة قوانين إيجارات الأماكن السكنية وغير السكنية رقم 4 لسنة 96 فجعلت عقود إيجار المساكن والمحلات والورش والمصانع ومكاتب المهنيين والتي تبرم اعتبارًا من 31/1/96 عقودًا محددة المدة كما ألغت لجان تقدير الإيجارات وتركت الأجرة للاتفاق الحر بين المؤجر والمستأجر كذلك القانون رقم 6 لسنة 97 ليتضمن إلغاء امتداد عقود إيجار الأماكن غير السكنية مع ارتفاع أجرة هذه الأماكن.

ولقد كانت لسياسة الخصخصة آثارها الاجتماعية الخطيرة على مجمل الطبقات الاجتماعية المنتجة على الصعيد العالمي والمحلي.

ولقد تضمن كتاب “صندوق النقد وبلدان الجنوب” تأليف درام جاي مدير معهد الأمم المتحدة للتنمية الاجتماعية صفحات سوداء من تاريخ سياسة الخصخصة خاصة في بلدان أمريكا الجنوبية وبالذات تجربة المكسيك التي اتبعت هذه السياسة ففقدت 50 بالمئة من قيمة عملتها أمام الدولار، وارتفعت معدلات التضخم فيها إلى 60 بالمئة، وانخفض معدل النمو الحقيقي إلى 3 بالمئة.

وفي أفريقيا تدنى الإنتاج الزراعي بمعدل 11 بالمئة والإنتاج الصناعي بمعدل 22 بالمئة والخدمات بمعدل 18 بالمئة خلالها فترة الثمانينات وليس أدل على ذلك من انهيار اقتصاديات دول “النمور الآسيوية، وأخير وليس آخرًا الأرجنتين التي بلغت مديونياتها الخارجية 132 مليار دولار وانخفاض قيمة عملتها المحلية، وهي الدولة التي أشادت المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد بقوة اقتصادها قبل شهر واحد من انهيارها.

ولا يختلف الوضع كثيرًا في مصر فأوضاع الأزمة الاقتصادية تعكس نفسها بوضوح لا يقبل الجدل حتى بين مفكري الرأسمالية أنفسهم بانخفاض قيمة الجنيه المصري أمام الدولار لا تخطئه عين.. وتدنى مستوى المعيشة.. وانهيار الخدمات وتدني معدل الإنفاق عليها في ميزانية الدولة، وتراكم المخزون السلعي بشركات قطاع الأعمال العام.. وتزايد حالات الإفلاس للشركات خصوصًا في قطاع النسيج.

وتكشف التقارير الحكومية عن الفقر في مصر عن أرقام يشيب لها الولدان فتقرير التنمية البشرية الصادر عن معهد التخطيط القومي يشير إلى أن:

  • 21 مليون مصري يعانون من الفقر.
  • 13.7 مليون مصري لا تكفي دخولهم لسد احتياجاتهم من الغذاء.
  • 4.4 مليون مصري يعيشون في فقر مدقع.

بينما على الجانب الآخر والذي يظهر حجم التفاوت الاجتماعي بين الطبقات نجد تراكم الثروات بالمليارات في أيدي حفنة قليلة ويكفي أن نشير إلى التقرير السنوي لمؤسسة نيكوفيش الأمريكية 1999 من أن 7.5 مليار دولار قيمة ثروات رجال أعمال مصريين خرجت بطرق غير مشروعة إلى أوروبا وأمريكا خلال عامي 97/ 98.

ناهيك عن تزايد معدلات البطالة والتي وصلت طبقًا لدراسة أجراها الباحث أحمد سيد النجار ونشرتها جريدة الأهرام الحكومية بتاريخ 25 يونيه 2001 وصلت إلى 5.5 مليون عاطل. وما انتفاضة العاطلين عن العمل في تسع محافظات في وقت واحد إلا خير دليل على ذلك.

في ظل هذا المناخ من التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تهدف إلى دمج الاقتصاد الرأسمالي المصري في الاقتصاد الرأسمالي العالمي وتكريس علاقات الإنتاج الرأسمالية وأيضًا  تكريس مبدأ حرية التعاقد الذي يفترض بداية وجود إرادات متساوية.. وفي ظل هذا المناخ تكتمل حلقات التشريع المعادية للكادحين وفي مقدمتهم الطبقة العاملة حيث “مشروع قانون العمل الموحد”.

وقبل أن نبدأ في رصد الاتجاهات الرئيسية للمشروع ومخاطره يجب أن نبرز فكرتين تم تكريسهم في الواقع تمهيدًا لتقليل حجم المقاومة العمالية لسياسات الخصخصة أو الآثار المترتبة عليها:

–            الفكرة الأولى وهي تأسيس ما يسمى باتحاد ملاك المساهمين حيث أكدت دراسة أمريكية عن التجربة المصرية قدمت إلى مؤتمر للبنوك الأمريكية في منتصف عام 1989 ورد فيها بالنص ما يلي “إن الخصخصة بالنسبة لكثير من صانعي القرار والمثقفين وقادة العمال والعاملين في دول العالم الثالث تعني رأسمال احتكاري والعودة إلى عهد الاستعمار”. وتستطرد الدراسة لتقول بالحرف الواحد “لهذا فهناك ضرورة إلى أن يلقى إلى العاملين بجزء محدود من الملكية لتقليل مقاومتهم لسياسة الخصخصة”.

–            أما الفكرة الثانية والتي تنطلق من أن قوانين العمل الحالية تشكل عبئًا على تكلفة الإنتاج وبالتالي فإن إعطاء مزايا جديدة للعمال سوف يقلص من فرص الاستثمار وهذا الاتجاه هو الذي تم ترجمته فعليًا في قانون العمل الموحد، وهذا الاتجاه يتبناه أحد مؤسسي مشروع القانون وهو الدكتور أحمد حسن البرعي والذي يعمل في نفس الوقت المستشار القانوني لشركة نيسان للسيارات التي يرأسها عبد المنعم سعودي رئيس اتحاد الصناعات والذي قام بفصل العمال من العمل وطردهم من مساكنهم ليتضوروا جوعًا يقول أحمد حسن برعي في مجلة مصر المعاصرة في معرض تحليله للقانون 137 لسنة 81 وتحت عنوان الحفاظ على التوازن الاقتصادي والاجتماعي!!

“يجب ألا يلجأ المشروع لتقرير امتيازات جديدة للعمال إلا إذا كانت الزيادة في الإنتاج تسمح بتقرير تلك المزايا” ويمضي قائلاً “إن إقرار مزايا للعمال وإنما ستؤدي إلى إحجام المستثمرين ويتساءل البرعي قائلاً ما الذي يدعو المشروع لتقرير مزايا للعمال في وقت تمر فيه البلاد بأزمة اقتصادية طاحنة؟!!

ونحن بدورنا نتسائل هل العمال مسئولين عن تلك الأزمة الطاحنة؟! وهل أيضًا العمال مسئولين عن نهب ثروات هذا الوطن وأموال البنوك وتهريبها للخارج؟!!

وهذه الفكرة التي تم الإشارة إليها تم ترجمتها في مشروع المعاش المبكر ليتم التخلص من جزء لاستهان به من العمال وصلت طبقًا للتقديرات إلى ربع مليون عامل حصلوا على تعويضات هزيلة لا تكفي لتلبية متطلبات الحياة.

وعلى عكس هذه الفكرة تمامًا وهذا الاتجاه يرى الدكتور صلاح أيوب أحد مستشاري منظمة العمل الدولية في دراسة هامة له بعنوان “دور التشريعات العمالية في التنمية الاقتصادية والذي ينطلق من مقولة “إن الفقر لا يصنع رخاءًا”، وذلك لأن يحتوي أي قانون للعمل على إقرار مزايا جديدة للعمال وإضفاء نوع من الحماية الاجتماعية ويؤكد على ضرورة أن تلعب التشريعات العمالية من خلال صياغة علاقات عمل متقدمة دورًا أساسيًا في التنمية وليس العكس ولقد أصبح من المؤكد أن الاتجاه الذي يتبناه أحمد حسن البرعي هو الاتجاه السائد وراءه حلفًا رأسماليًا عالميًا ومحليًا بهدف في المقام الأول إلى “إنشاء سوق حرة للعمل”.

وليس سرًا إن مؤتمر المانحين الذي حضرته المؤسسات الدولية المانحة في شرم الشيخ منذ شهر قد اشترط، ضمن شروط كثيرة لإنقاذ الحكومة المصرية من مصير الأرجنتين، تعديل تشريعات العمل لتتواكب مع سياسة الخصخصة قبل أن يمنح الحكومة الصديقة منحة قدرها 10 مليارات دولار على ثلاث سنوات. وكذلك فإن الدولة المصرية ممثلة في وزارة القوى العاملة وسماسرة كل هؤلاء وهم قيادات الاتحاد العام لنقابات عمال مصر فبدلاً من أن يكون للتنظيم النقابي دورًا في مواجهة الاستغلال والقهر الواقع على الطبقة العاملة أصبح دوره التعاون مع الخصم الطبقي للعمال لتمرير سياسة الخصخصة لذلك فهم يروجون لأفكار مثل “الإدارة ثلاثية الأطراف” و”الشركاء الاجتماعيين” وهذه الأفكار تتبناها مؤسسة فريدريتش إيبرت التابعة للمخابرات الألمانية والتي تقوم بتمويل بعض الأنشطة الثقافية لاتحاد العام لنقابات عمال مصر.

ولذلك ليس غريبًا أن تظل هذه القيادات النقابية الصفراء تهيمن على شئون التنظيم النقابي حتى بعد أن بلغت من العمر أرذله بل وهي التي سعت إلى تعديل قانون النقابات العمالية ليصير أكثر استبدادًا وليضمن لهم مزيد من السيطرة وتجريد الطبقة العاملة من “حرية تكوين وتشكيل النقابات بإرادتهم الحرة”.

وكانت أهم هذه التعديلات:

1-                  السماح لمن أحيل إلى المعاش باستكمال الدورة النقابية.

2-                  جواز الترشيح للمناصب القيادية لمن تم ترقيته لمنصب المدير العام.

3-                  الحق في الترشيح مباشرة لمجلس النقابة العامة إذا كان الشخص عضوًا به في دورة سابقة دون حاجة إلى انتخابه من القاعدة العمالية في المنشأة التي يعمل بها.

4-                  حرمان أعضاء مجالس نقابات المصانع من الترشيح للنقابات العامة إلا إذا كانوا قد أمضوا دورة نقابية سابقة.

إضافة إلى ذلك كله فإن عمال مصانع المدن الجديدة بلا حقوق تأمينية أو نقابات تدافع عنهم.

ولقد تجسدت تلك الأفكار في مشروع قانون العمل الموحد والذي تضمن اتجاهات رئيسية هي:
أولاً: مصادرة حق العمل:
–            لم تعد الدولة تحترم دستورها الذي ينص في المادة 13 منه “العمل.. حق تكفله الدولة” ولم تعد تلتزم بتشغيل الخريجين – مما أدى إلى زيادة جيش البطالة ليصل إلى ثلاثة أضعاف الأرقام الرسمية المعلنة وترك ذلك لسوق العرض والطلب.

ثانيًا: التوسع في أسباب فصل العمال:
أخطر ما ورد في هذا المشروع إطلاق حرية صاحب العمل في فصل العمال، وذلك من خلال عبارات مطاطية يعتبر مخالفتها تعريض العامل للفصل وتوسع المشروع في أسباب الفصل التأديبي أبرزها وأكثرها فجاجة “جمع نقود أو تبرعات أو توزيع منشورات أو جمع توقيعات أو تنظيم اجتماعات داخل مكان العمل بدون موافقة صاحب العمل “فجمع توقيعات على عريضة أو بيان يندد بالمجازر التي يرتكبها العدو الصهيوني في الأراضي المحتلة يصبح وطبقًا لهذا القانون جريمة وسببًا لفصل العامل. أما جمع نقود باعتبارها ظاهرة تضامنية منتشرة بين عمال المصانع لزميل مريض أو تعرض لكارثة يعد مبررًا أيضًا للفصل.

كما إن أمر عرض العامل قبل فصله على اللجنة الثلاثية التي تضمنتها التشريعات السابقة قد تم إلغاؤها واستبدال اللجنة الثلاثية بلجنة خماسية يرأسها قاضيين بعينهما وزير العدل أي قابلية للنقل والعزل واختزال درجات التقاضي إلى درجتين بدلاً من ثلاثة.

ثالثًا: مصادرة حق الإضراب:
حق العمال في تقرير الإضراب، وهو حق تم انتزاعه بنضال العمال وليس منحة من أحد. هذا وتنص المادة رقم 192 “للعمال حق الإضراب السلمي وتكون ممارسته لمنظماتهم النقابية دفاعًا عن مصالحهم المهنية والاقتصادية والاجتماعية… إلخ.

ولكن المواد التالية في القانون قد أجهزت على هذا الحق بتفريغه من مضمونه وذلك بحظره في المنشآت الحيوية مثل السكك الحديدية ومرافق المياه والكهرباء والشرطة والجيش.. إلخ.

فلو إن مصنعًا يضم 20 ألف عامل قرروا الإضراب فإن موافقة ثلثي أعضاء النقابة العامة شرط لتنفيذه أي إن إرادة 20 ألف عامل مرهونة بموافقة 14 عضوًا نقابيًا وهم جميعًا معروفون بولائهم للسلطة في ظل تأميم النقابات العمالية وسيطرة العناصر الصفراء والمعادية للعمال. كما إن الإضراب محظور أثناء سريان اتفاقية العمل الجماعية، أما الإضرابات السياسية مثل المطالبة بالإفراج عن معتقلين سياسيين أو إلغاء حالة الطوارئ فهي من المحرمات أيضًا.

وإذا كانت بعض الدول مثل فرنسا وإيطاليا تعتبر الإضراب في منزلة الحقوق الدستورية فإن دولاً كذلك تنتمي إلى عالمنا الأقل تطورًا تعتبره كذلك مثل المغرب والصومال والسنغال!

رابعًا: إنهاء عقد العمل:
لم يعد العقد الدائم هو الأصل بل العقد محدد المدة، ويجوز لصاحب العمل بإرادته المنفردة إنهائه (المادة 105، و106).. إلخ. كما إنه يجوز تكليف العامل بعمل يختف جوهريًا عن عمله الأصلي فالسباك يستطيع صاحب العمل تكليفه للعمل بوظيفة لحام. (ملحوظة: كانت قوانين العمل السابقة وآخرها القانون 137 لسنة 1981 – المادة 54 – تجيز على سبيل الاستثناء تكليف العامل مؤقتًا بعمل آخر غير المتفق عليه بشرطين: الأول: الأول ألا يختلف العمل الجديد عن العمل السابق جوهريًا، الثاني: عدم المساس بحقوق العمال المالية).

خامسًا: الأجور:
أما عن الأجور فإن النصوص الواردة، في مشروع القانون ستؤدي حتمًا إلى تجميدها من خلال تشكيل المجلس القومي للأجور والأسعار (المادة 34) والتي تكون وظيفته إصدار توصيات بشأن الحد الأدنى للأجور ووسائل ربط الأجور بالأسعار على أن يعاد النظر فيها كل ثلاث سنوات بينما معدلات التضخم ترتفع بشكل جنوني يومًا بعد الآخر. وهو ما يتعارض كذلك مع اتفاقية العمل العربية رقم 15 لسنة 1983 التي صادقت عليها الحكومة المصرية وتنص في المادة (20) منها على تعديل الحد الأدنى للأجور مرة واحدة على الأقل سنويًا. كما أغفل القانون علاوة غلاء المعيشة التي تربط مستويا الأجور المختلفة بمعدلات ارتفاع الأسعار سنويًا، وكان يتعين النص عليها صراحة كما كان الحال في قوانين العمل السابقة، وحتى يكون هناك التزام بها حفاظًا على الأجور الحقيقية من أن تتآكل وتنقص قدرتها على الشراء.

سادسًا: الاعتداء على إجازات الأمومة للنساء العاملات:
يعتدي المشروع على حق النساء في العمل ويدفع بهم إلى الاستقالة أو التعرض للفصل من أعمالهم عن طريق تخفيض إجازات الأمومة (إجازة الوضع وإجازة رعاية الطفل) من ثلاث مرات لكل منهما إلى مرتين طيلة مدة الخدمة (المادتان 91، 94)، فإذا أنجبت المرأة طفلاً ثالثًا كان لها أن تعود فورًا إلى العمل عقب الولادة، وأن تترك طفلها الوليد بلا رعاية، مما يعرض حياتهما وصحتهما معًا للخطر، أو أن تضطر إلى عدم الذهاب إلى عملها فيتم فصلها دون تعويض.

وجدير بالذكر أن المادتين المذكورتين سلفًا موضوعتان بالمشروع منذ نسخته الأولى عام 94 بينما جري تجاوزهما عام 96 حين أصدر مجلس الشعب قانون الطفل رقم 12 لسنة 96 الذي تضمن ثلاث إجازات للوضع (كل منها ثلاثة أشهر)، وثلاث إجازات أخرى لرعاية الطفل (كل منها سنتان). وجري إرساء مبدأ المساواة في هذه الإجازات بنوعيها لأول مرة بين العاملات في الحكومة والقطاع العام والقطاع الخاص. بل ولم يشترط في إجازة الوضع أن تكون للمرأة مدة خدمة سابقة عشرة شهور كما هو الحال في المشروع، إذ تستحق هذه الإجازة فور التحاقها بالعمل.

حال الطبقة العاملة الراهن:
إن الطبقة العاملة تتعرض لهزات وتحولات ضخمة بسبب سياسة التكيف الهيكلي التي تطبقها الرأسمالية المصرية، فصناعة النسيج التي تضم كتلة من أهم وأنشط كتل الطبقة العاملة تتعرض للتآكل والزوال بسبب الاستيراد والمنافسة غير المتكافئة للرأسمالية المصرية مع الصين وغرب أوربا. وأيضًا لأن الدولة سعت لتصفية قطاع الدولة للنسيج بواسطة سياسة المعاشر المبكر، أيضًا تتعرض مصانع الحديد والصلب المملوكة للدولة لمنافسة قوية من الحديد المستورد والقطاع الخاص بجانب سياسة المعاش المبكر والصناعات الاستهلاكية الصغيرة أيضًا تتعرض لمنافسة الرأسمالية الكبيرة والإنتاج العالمي. نحن بصدد لحظة اهتزاز ضخمة وتحولات في بنية الطبقة العاملة وتكوينها التقليدي، تشريد أجيال من العمال ذات المهارة والخبرة النضالية وولادة أجيال جديدة من العمال وانتظار عشرات الآلاف لدورهم في المعاش المبكر.

إن العمال الجدد في المدن الصناعية الجديدة بلا خبرة وبلا نقابات تقريبًا ويحيون أوضاعًا غير مستقرة بعقود عمل مؤقتة أو بدون أي عقود أو ضمانات من أي نوع ومع ذلك يقدمون في أحيان كثيرة على القيام بإضرابات غير منظمة جيدًا في أغلب الأحوال ولا يملكون بعد تكوين ثقافي طبقي أو إلمام بواقع الاستغلال. في هذا المناخ العالمي حيث لا نقابات مستقلة أو مناضلة وحيث أفلست معظم القيادات العمالية التقليدية وأصبحت أكثر استعدادًا للتفاهم مع الإدارة، وحيث ينتظر مئات الآلاف من العمال الخروج من مصانعهم بالمعاش المبكر، ولا تزال، بسبب تاريخ طويل من المصادرة والتدخل والقمع، أغلب النضالات جزئية ومتفرقة ولا تتجاوز عمال المصنع الواحد، في هذا المناخ لا يمكن القول بأن الطبقة العاملة مستعدة جيدًا لمواجهة هذا القانون أو منع إصداره، لكن المعركة ضد هذا القانون وإن كانت تبدأ من الآن إلا أنها لن تتوقف بصدوره، ذلك لأن هذا القانون سيصطدم عند تطبيقه بمقاومة شديدة الاتساع لأن أغلب العمال يعيشون على حافة الانفجار فقد تم استنزافهم وخفضت بالفعل دخولهم بالهجوم الذي تشنه إدارات وملاك المصانع على أجورهم (سواء كانت الأجر الثابت أو ملحقاته “الأجر”) إذ أن نصيب العمال من الدخل القومي في سنة 1990 كان حوالي 48 بالمئة وانخفض في عام 1998 إلى 28 بالمئة من إجمالي الدخل القومي. أي ما يقرب من النصف. ومن ثم سيكون من الصعب اعتصار ما تبقى لديهم من دخل محدود، لذلك ستكون المعركة الحقيقية ضد هذا القانون هي لحظة تطبيقه وإن كانت الطبقة العاملة في حالة ضعف نسبي – من حيث مستوى الوعي والتنظيم – إلا أنها أكدت – سواء في القطاع العام أو الخاص أو حتى في بعض المرافق الهامة – إنها لا تقبل هزيمتها بسهولة وإن لديها الاستعداد والعزيمة للمقاومة وذلك من خلال عدد الإضرابات والاعتصامات في العامين الماضيين الذي بلغ وفقًا لأقل التقديرات أكثر من 200 إضراب واعتصام، ناهيك عن أن سياسة الدولة الرأسمالية تجبر فئات ومهم أخرى على الدخول في حلبة النضال (مثل العاملين بالمستشفيات والمدرسين والصحفيين.. وغيرهم). إن الطابع العمومي لهجوم القانون على الحقوق العمالية يمكن أن يساعد في خلق طابع عمومي أو على الأقل اتساع للمقاومة للعمالية. نحن لا نتوقع أن تنتقل الطبقة العاملة فورًا للهجوم، لكن مؤشر الحركة العمالية يقول إن الرأسمالية لن تأخذ شيئًا من حقوق العمال دون مقاومة، ويمكن أن يمهد اتساع مواجهة القانون إلى صور من العمل الجماعي – على الأقل على مستوى القطاع – وبعد ذلك الانتقال إلى الهجوم، هذا هو ما نتوقعه ولكن قد تفاجئنا جماهير العمال بما يجعلنا نتخلى عن هذا الاعتقاد أمام قوة مقاومتها، فلا يجب أن نقلل من قيمة الاندفاعات العفوية التي تفاجئ الجميع في أغلب الأحوال.

حق الطبقة العاملة في التمثيل:
الرأسمالية المصرية تطبق دستورًا من أشد الدساتير رجعية في مواجهة العمال، إذ إنه يمنع العمال من إنشاء حزب خاص بهم يعبر عن مصالحهم ويمثلهم على المستوى السياسي، وذلك بما يضعه من حظر على قيام أحزاب على أساس طبقي. على أي أساس إذن قام الحزب الوطني، أو حزب الوفد؟! وحتى باقي الأحزاب القائمة التي تضع الدفاع عن النظام الرأسمالي على رأس جدول أعمالها ودعايتها. أليس على أساس طبقي، وهل توجد أحزاب لا تعبر عن طبقات؟ أليس هذا الخطر مقصورًا على الطبقة العاملة وحدها. إن خوف الرأسمالية من أن ينتظم ملايين العمال في حزب سياسي واحد هو ما يجعلها تضع هذا الخطر، مثلما كانت تخشى في الأربعينات من وجود نقابة للعمال الزراعيين حيث قال عضو برلمان محتجًا على قيامها “هذه النقابة ستضم حوالي 10 مليون عامل الأمر الذي يثير مخاوف شديدة إذا قررت الإضراب في ظروف مثل موسم دورة القطن. هذا إذن السبب ولا يزال الخوف من أن يتحول العمال إلى قوة “سياسية” منظمة، الخوف تحديدًا على مصالح الرأسماليين من تلك القوة العمالية. لذلك تحاصر الدولة التي تمثل الرأسماليين العمال بجميع أنواع القيود، وتتدخل في النقابات وتربط الاتحاد بالجهاز التنفيذي للدولة وتصدر القانون تلو القانون لهذا الغرض.

ولمواجهة هذا القانون على العمال أن يفكروا في خلق روابط واتحادات تمثلهم فعلاً في النضال اليومي، عليهم أن يتكاتفوا للتشهير بالنقابات الموجودة بالنقابيين الصفر وعملاء الإدارة والدولة ولا يتركوا لهؤلاء الخونة النقابات التي دفع العمال غاليًا حتى بوجودها. إن نقابات تمثل العمال حقًا وروابط مصنعية هي أشكال تنظيم أولى وهام للنضال العمالي وستتحول الطبقة معه إلى قوة يحسب حسابها ألف مرة قبل الإقدام على إصدار مثل هذا القانون أو غيره من القوانين المعادية للعمال.

ويبقى أن نقول إذا تم تمرير القانون لن يكون ذلك نهاية المعركة فقد نجح من قبل المحامون والصحفيون في إسقاط قوانين تم صدورها من برلمان رأسمال..

أخيــرًا.. ستعمل الدولة الرأسمالية الآن وأبدًا ضد مصالح العمال ومن أجل الرأسماليين.. الرأسماليين فقط. ولن تتوقف هي أو الرأسماليين عن الاستغلال والقهر. إن مقاومتنا هامة في كل المعارك، ولكن تحررنا وانتصارنا الحقيقي والأخير سيكون بإقامة المجمع اللاطبقي.. مجتمع العمال والشغيلة كل الشغيلة ومعهم فقراء الريف والمدن.