بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لينين – بناء الحزب

« السابق التالي »

من حلقة الدراسة إلى إضراب المصانع

في 31 أغسطس 1893، وصل فلاديمير أوليانوف إلى سان بطرسبورج، وفي خريف نفس العام التحق بحلقة ماركسية لطلاب المعهد التكنولوجي (كرجيجانوفسكي، ورادشينكو، وستاركوف، وكراسين، وآخرين). وكما رأينا، ألقت الشرطة في ربيع 1892 القبض على أعضاء مجموعة بروسنيف في سان بطرسبورج. إلا أن عدداً من أعضاء المجموعة العمال بقوا أحراراً، وثمة منظمة عمالية مفككة استمرت في التواجد. كان أغلبها، إن لم يكن كلها، عمالاً كانت الدراسة هي شغلهم الشاغل؛ فالعمال الذين كانوا ينضموا للحلقات في ذلك الوقت كان لديهم نهم شديد للمعرفة. وصف بليخانوف نوعية العامل المنضم لهذه الحلقات الدراسية (الكراجكي – kruzhki)، قائلاً:

“بعد العمل لمدة تتراوح بين 10 و11 ساعة في اليوم، والعودة إلى المنزل فقط في المساء، كان يجلس جوار كتبه حتى الواحدة بعد منتصف الليل.. أدهشني بشدة تنوع وغزارة الأسئلة النظرية التي شغلت باله.. الاقتصاد السياسي، الكيمياء، القضايا الاجتماعية، نظرية داروين، كل ذلك احتل رأسه واحتكر انتباهه.. ولسوف يستغرق الأمر منه عقوداً حتى يشبع ظمأه الفكري” (1).

“وعندما سألت العمال ماذا يريدون تحديداً من الكتابات الثورية، تلقيت إجابات متنوعة للغاية. في أغلب الأحوال، أراد كلٌ منهم حلاً لتلك المشاكل التي لسبب ما أثارت أسماعي بشكل خاص في ذلك الوقت. كانت تلك المشاكل والقضايا تزداد بغزارة في أذهان العمال، وكلٌ منهم كان له أسئلته المفضلة وفقاً لميوله وسماته الشخصية. أحدهم كان يصب كل اهتمامه على قضية الإله، ورأى أن على الأدب الثوري أن يسخر كل طاقاته بالأساس لتحطيم المعتقدات الدينية لدى الناس. وآخرون اهتموا كثيراً بالقضايا التاريخية والسياسية، أو بالعلوم الطبيعية. ومن بين معارفي بالمصانع، كان هناك أحد العمال الذي كان منجذباً بشدة لقضية المرأة” (2).

حاول قادة إحدى المجموعات الدراسية الاشتراكية للعمال اليهود تنوير العمال في عدد كبير من الموضوعات، وهكذا شرع ليون برنشتاين يعلّم تلامذته “كيف خُلق العالم، الشمس والأرض، والبحار والبراكين”، علاوة على إلقاء المحاضرات عن “حياة البشر بدايةً من القبائل البرية وانتهاءاً بالبرلمان والنقابات الإنجليزية”. وفي حلقة أخرى “من بين المواضيع التي نوقشت كانت نشأة الطبقات الاجتماعية، والعبودية، والقنانة، والرأسمالية. درس أعضاء الحلقات داروين وميل، وقرأوا روائع الأدب الروسي” (3).

كتب أحد المؤرخين للحركة العمالية الروسية في ذلك الوقت، ذاكراً أن:

“هؤلاء العمال قد وجدوا في محو الأمية والتنوير طريقاً للفرار من وضعهم الاجتماعي البائس، لذا استغلوا الفرص التي أتاحتها لهم الحلقات الدراسية. بل أن هناك عدداً من العمال المتميزين لم يجتازوا فقط العناصر الأساسية في التعليم، لكنهم أيضاً أظهروا حرص واهتمام بالغ بالعلم وبالإدراك العلمي للعالم المحيط” (4).

وفي أحد اللقاءات السرية للاحتفال بعيد العمال في 1891، ألقى أحد العمال كلمة لخص فيها بوضوح النهج السائد بين أعضاء حلقته الدراسية:

“في هذا الوقت، الشيء الوحيد الذي يمكننا فعله هو تكريس أنفسنا للتثقيف ولمنظمة العمال، تلك المهمة التي آمل أن نكملها برغم تهديدات الحكومة والعقبات التي تضعها أمامنا. ومن أجل أن تؤتي جهودنا ثماراً، علينا أن نبذل ما في وسعنا من أجل تثقيف أنفسنا وتثقيف الآخرين فكرياً وأخلاقياً، لابد أن نعمل في ذلك بأكبر قدر ممكن من الحيوية، كي ينظر إلينا الناس من حولنا كرجال أذكياء وأمناء وشجعان، كي نحوز ثقتهم، وأن يتخذوننا مثالاً لهم وللآخرين” (5).

كانت الكراجكي تستند، من الناحية العملية، إلى نشر الأفكار الماركسية للمضي قدماً في مشروع الثورة.

“هذه الحلقات كان مراداً لها أن تصبح مدارس للاشتراكية، لكن العمال اعتبروها مجرد مدارس، واضعين كافة آمالهم في التعلّم، بينما أبدوا قليلاً من الاهتمام بالمبادئ الثورية. هذا الموقف كان قد عبر عنه أحد عمال فيلنا، الذي صرح في 1892 أن: سوف تعبر بنا المعرفة عبر بحار الخوف والألم إلى بر الحياة” (6).

كانت رؤاهم ملتبسة، تماماً كوجهة نظر سكفورتسوف، الذي كان واحداً من أوائل الماركسيين الروس ومؤسس أول حلقة ماركسية في نيجني نوفوجورود. وصفه أحد تلامذته، ميتسكيفيتش، كما يلي:

“خضنا نقاشات طويلة حول مستقبل الحركة العمالية. كم كنا نتصور الأشكال المستقبلية للحركة العمالية بشكل مجرد وفقاً لوجهات النظر التي رسمها سكفورتسوف: تدريجياً كلما زادت أعداد العمال الذين يدرسون ماركس، كلما دفعوا أعداداً أكبر للالتحاق بحلقات دراسة ماركس، ومع الوقت ستغطي الكراجكي روسيا كلها ومن ثم سنشكل حزب عمالي اشتراكي. لكن المهمات التي تواجه هذا الحزب وكيفية خوضه للمعارك، كلها ظلت أمور غير واضحة” (7).

قامت لائحة القواعد الرسمية لاتحاد العمال الاشتراكي الديمقراطي في إيفانوفو فوزينسينسيك بتعريف عضويته بأنها أولئك “الأفراد الذين يفكرون بشكل نقدي رغبةً منهم في إدراك التقدم في الجنس البشري”، كما حددت الهدف الرئيسي لهم بـ “الدعاية بين العمال الأكثر ثقافة من الجنسين” (8). والأسوأ من ذلك أن الكثيرين من أعضاء الحلقات أصبحوا مغتربين فعلاً عن زملائهم العمال. “نتيجة للتعرض لفترات ممتدة للوجبات الفكرية الدسمة عن العالم الاشتراكي، صار العديد من العمال تقريباً لا يمكن تفريقهم عن الإنتلجنسيا في وجهات النظر، وفي مدى وعمق علمهم” (9).

“العمال المتقدمون، القادمون من أكثر القطاعات العمالية مهارة، صاروا تقريباً على نفس درجة اغتراب الإنتلجنسيا عن العمال العاديين. أصبحوا يتحدثون بلغة أكثر ثقافة كثيراً عن زملائهم، فخورين بمعرفة الكتب، يرتدون ملابس متكلّفة أكثر حتى من المثقفين الديمقراطيين المتنورين. ومنذ أن امتنعوا عن التدخين والكحوليات والسباب، أصبحوا لا يتميزون عن الباشكوفيين (أعضاء طائفة مسلك الكتاب المقدس) وصاروا أكثر عرضة للسخرية من قبل زملائهم. والأكثر إثارة للقلق أنهم صاروا أكثر ميلاً للانعزال عن الإضرابات وغيرها من مظاهر الاحتجاج التي أصبحت متكررة على نحو متزايد” (10).

هؤلاء العمال في الحلقات، كما وصفهم مارتوف، كانوا:

“يرون أنفسهم صاعدين من بين العامة المتأخرين، مؤسسين لبيئة ثقافية جديدة. لكن ذلك كان نصف المشكلة فقط، بينما تكمن المشكلة الحقيقية في أنهم رأوا عملية صعود طبقتهم ككل بشكل مخل في بساطته؛ حيث ظنوا أن ذلك سوف يحدث من خلال انتشار من هذه المعرفة وتلك المفاهيم الأخلاقية التي قد اكتسبوها في الحلقات ومن القراءة. والجدال معهم يجعلك تكتشف أن أسلوب تفكيرهم الاجتماعي مثالي للغاية، وأن اشتراكيتهم مجردة تماماً وطوباوية” (11).

بعض هؤلاء العمال صاروا يتعاملون بنوع من التعالي والاستخفاف تجاه الجماهير، إلى درجة تجعل البعض يقول بأنهم لم يكونوا جديرين بتعلم الاشتراكية. كانت الحلقات تعني بالنسبة للكثيرين “وسيلة لاكتساب المعرفة وللفرار الفردي من المناخ الكئيب الذي عاشت فيه الجماهير العمالية” (12).

نحو التحريض

دفعت مجاعة 1891 بليخانوف لأن يحاول، بالرغم من الفشل الذي مُني به، البدء في فصل جديد في الحركة الماركسية؛ أن يحاول الانتقال من عمل الحلقات إلى التحريض الجماهيري. وفي كراسه “حول مهمات الاشتراكيين في ظل المجاعة في روسيا”، جادل بليخانوف بأن على الماركسيين أن يواصلوا نشاطهم التثقيفي للبروليتاريا على مستويين، الدعاية والتحريض، ثم أوضح أن “يمكن أن ترضى فرقة ما بالدعاية، بالمعنى الضيق للكلمة، لكن الأمر غير ممكن بالنسبة للحزب السياسي.. يقدم الدعاوي أفكاراً كثيرة لشخص أو مجموعة صغيرة من الأشخاص، بينما يقدم المحرض فكرة واحدة أو عدد محدود من الأفكار لجماهير من الناس.. إلا أن التاريخ تصنعه الجماهير” (13).

باختصار، بدلاً من تقييد أنفسهم بـ “منظمة حلقات العمال الاشتراكية”، على الثوريين أن يحاولوا التحرك للخارج وأن يثيروا الحنق الجماهيري على أساس شعارات سياسية أو “اقتصادية”، مثل مطلب ثمان ساعات عمل في اليوم. فمطالب مثل هذه من شأنها أن تجذب كافة العمال للحركة الاشتراكية. “وهكذا فإن جميع العمال، بما يشمل أكثرهم تأخراً، سوف يقتنعون بأن تحقيق بعض الإجراءات الاشتراكية، على الأقل، لهو أمر ذو قيمة للطبقة العاملة. وهذه الإصلاحات الاقتصادية مثل تقليص يوم العمل هي مطالب جيدة على الأقل لأنها تحقق مكاسب مباشرة للعمال”. ودور الحزب هو “صياغة مطالب اقتصادية مناسبة للحظة الراهنة” (14).

إلا أن نداء بليخانوف لم يتردد صداه بين العمال الروس، على الرغم من الاستجابة التي أبداها العمال اليهود الذين يعيشون في الجانب الغربي من الإمبراطورية الروسية؛ في بولندا. وبشكل عام، كانت الحركة الاشتراكية في بولندا متقدمة كثيراً عنها في روسيا. وكما طرح المؤرخ السوفييتي إس. إن. فالك، فإن “الحركة الاشتراكية في بولندا، منذ بدايتها، كانت حركة عمالية وجماهيرية أيضاً، على العكس تماماً من الحركة الاشتراكية الثورية الروسية التي كانت فيها الإنتلجنسيا وحلقاتها هي اللاعب الأساسي” (15). في مايو 1891، كانت هناك موجة من الإضرابات التي اجتاحت المدن البولندية، تلك الموجة التي وصلت إلى أقصاها في العام التالي بإضراب عام في مدينة لودز.

أما الاشتراكيون اليهود، فقد كانوا أكثر نجاحاً في تنظيم عملية التحريض؛ ففي المناطق ذات الكثافة اليهودية بين السكان، لم تكن الإضرابات تتوقف، بل ووصلت إلى إحدى نقاط ذروتها في 1895 حيث إضراب بمصنع للنسيج في بياليستوك كان يضم حوالي 15 ألف عاملاً. وفي الحقيقة كان العمال اليهود يتصدرون العمال الروس على صعيد التنظيم النقابي. وبينما كان، لاحقاً في 1907، فقط 7% من عمال بطرسبورج منظمين في النقابات (16)، كان 20% من العمال اليهود في بياليستوك، عام 1900، منظمين في النقابات، و24% في فيلنا، و40% في جوميل، وبين 25 إلى 40% في منسيك (17).

وبالتالي فليس من المدهش أن يلقى نداء بليخانوف الاستجابة العملية الأولى من قبل الاشتراكيين اليهود، الذين نظموا أنفسهم فيما بعد في “البوند” اليهودي. في 1894، كتب العضو القيادي بمنظمة اليهود الاشتراكية، أ. كريمر، بالتعاون مع مارتوف، كراس بعنوان “حول التحريض”. استنكر الكراس بشدة انهماك أعضاء الحلقات الماركسية في “تحصين أنفسهم”. و”على وجه التحديد، يؤيد العمال الاشتراكيون الديمقراطيون أن عذا الانهماك الشديد في الحلقات الدعوية الذي نستنكره إنما هو عديم النفع”. وجادل الكراس بأن “العمال يمزجون المعرفة النظرية بطريقة خاصة في الحياة الحقيقية وفي الظروف المحيطة.. لكن كفاح العمال من أجل المعرفة وتشدقهم بها للفرار من الظلام، كان يتم استغلاله بغرض دس تعميمات ومبادئ الاشتراكية العلمية في رؤوسهم” (18).

لم نكن المهمة تكمن في خلق صف من العمال المثقفين المغتربين عن الطبقة العاملة، بل في تدريب محرضين ثوريين، وجماهير العمال لا يمكن تثقيفهم بالاشتراكية من خلال النشاط الثقافي المجرد. “الجماهير العريضة تندفع في النضال ليس بالاعتبارات الثقافية، لكن من خلال المجرب الحي للأحداث” (19).

“النضال الاقتصادي.. يعلّم العامل النهوض من أجل مصالحه، يثري شجاعته، ويعطيه ثقة كبيرة في قوته ووعيه بأهمية الوحدة، ويضع أمامه مهمات أكبر وأكثر أهمية تحتاج حلولاً. وفي استعدادها لنضال أكثر جدية وحسماً، تمسك الطبقة العاملة في طريقها بزمام هذه القضايا الحيوية. والنضال الطبقي في هذا الشكل الأكثر وعياً يمهد الأرض للتحريض السياسي الذي يهدف بدوره لتغيير الظروف السياسية السائدة واستبدالها لمصلحة الطبقة العاملة” (20).

من أجل إدراك القضية القادرة على دفع العمال للنضال، من الضروري فهم مظاهر الاستغلال الأكثر إثارة لمصالحهم، من الضروري اختيار اللحظة المناسبة للبدء، ومعرفة أساليب النضال المؤثرة في الظرف الراهن من الزمان والمكان. وكل ذلك يقتضي من المحرض أن يكون على صلة لصيقة بالجماهير العمالية، بحيث يستطيع تتبع كافة التطورات في هذا الفرع الصناعي أو ذاك. في كل مصنع هناك أعداداً لا حصر لها من مظاهر الاستغلال، ويكون العامل مهتماً حتى بأكثر التفاصيل دقة، ومهمة المحرض الحقيقية هي تحديد الوقت المناسب لتقديم المطلب وطرحه أمام العمال.. الإلمام بظروف الحياة، والمعرفة الدقيقة بمشاعر الجماهير.. ذلك سيجعله قائدهم الطبيعي” (21).

ودور الاشتراكيين كقادة للجماهير يُعرّف كالتالي:

“تتجسد إحدى مهمات الاشتراكيين الديمقراطيين في التحريض الثابت بين عمال المصانع على أساس احتياجاتهم اليومية ومطالبهم.. ومن الواضح أن وجهة النظر الاشتراكية الديمقراطية للمحرض سوف تحدد المسار الذي الذي يقود الجموع فيه. عليه دائماً أن يسبق الجماهير بخطوة، عليه أن ينير النضال الذين هم بصدده، وأن يوضح لهم من وجهة نظر أعم استحالة التوفيق بين مصالحهم ومصالح أرباب عملهم، وهكذا عليه أن يوسع آفاق الجماهير” (22).

تضمن كراس “حول التحريض” نظرية ميكانيكية للعلاقة بين النضال المصنعي، النضال ضد أصحاب العمل، والنضال السياسي ضد القيصرية، نظرية مبنية على منطق “المراحل”. في السنوات اللاحقة، ستصبح تلك النظرية بمثابة حجر الزاوية الذي تنشأ عليه “الاقتصادوية” التي ندد بها لينين بعنف. وهكذا يذكر لكراس أن:

“إذا توقفت الاشتراكية الديمقراطية عن طرح المهمات العريضة أمام الجماهير، لن يكون عليها سوى أن تترك الأمر برمته لخبرة النضال نفسه لكي يجعل المواجهة مباشرة، ليس مع أرباب العمل الفرادى، لكن مع الطبقة البرجوازية بكليتها، وسلطة الحكومة التي تقف من ورائها، وبناءاً على هذه الخبرة سيتوسع التحريض ويتعمق” (23).

أما رد فعل أعضاء الحلقات على “حول التحريض”، فقد كان في كثير من الأحيان معادياً للغاية. وقد لاحظ مارتوف أن مندوبي الحلقات الاشتراكية الديمقراطية القادمين من كييف وخاركوف في زيارتهم لفيلنا، جادلوا ضد تبني منطق التحريض. جادل أحدهم بأن ذلك سوف يؤدي إلى “خرق النظام التآمري المحكم الذي استغرق بناؤه سنوات والذي يعتمد عليه كل نظام الدعاية الحلقية”. واعترض آخر على التحريض باعتباره “يتعامل فقط مع قشرة الوعي البروليتاري، بينما تكمن مهمة الاشتراكية الديمقراطية في تدريب طليعة العمال الواعين طبقياً ليصبحوا عمالاً ماركسيين متماسكين” (24).

يقتبس أكيموف الكلمات التالية من أحد العمال الأعضاء في الحلقات الذي قال ذات مرة: “المنشورات والأوراق مضيعة للوقت بكل المقاييس. ما الذ ستقوله في ورقة واحدة؟ يجب أن نعطي للعامل كتاباً وليس ورقة. يجب أن يتعلم، يجب أن ينخرط في الحلقات” (25).

ويواصل رفيق آخر من كييف الحديث، ذاكراً ما يلي:

“ذهبت لرؤية امرأة عاملة ووجدتها غارقة في دموعها. ولما سألتها عما يبكيها، ردت بأن بعض من أصدقائها، الأعضاء السابقين في إحدى الحلقات العمالية، قد قاموا بزيارتها ووبخوها بشدة على إلقائها الخطب على العمال دون تلقي التدريب الكافي في الحلقة، قالت: يبدو أنهم ينظرون لي باعتباري محرضة.. قالوا لي أن عليّ أن أدرس جيداً قبل أن أقول شيئاً للناس” (26).

وفي كراس لعامل يُدعى إبرام جوردون بعنوان “رسالة إلى المثقفين” كان يُذكّر المثقفين بواجبهم في خدمة العمال وليس لاستخدامهم كـ “وقود للمدافع”. وها هو أيضاً يستنكر التحريض باعتباره وسيلة لتجاهل العمال والإبقاء عليهم معتمدين كلياً على القادة المثقفين ذوي الأصول البرجوازية (27).

وفي انتقاده لهذه المواقف، اعتبر أكيموف أن هؤلاء العمال قد:

“فشلوا في فهم ضرورة هذا التغيير في التكتيكات. لقد بدا لهم أن التخلي عن النشاط الدعوي في الحلقات العمالية يعني توقف الانتلجنسيا عن الاضطلاع بدورها الثقافي، حيث أن الأخيرين كانوا يسعون لاستغلال الحركة اللا واعية للجماهير، واعتبروا العمال مجرد “وقود للمدافع”. بالتأكيد أثبت العمال المنتمون للحلقات أنهم أقل ديمقراطية من الثوريين المنحدرين من الانتلجنسيا. لقد أحسوا بمكانتهم فوق الجماهير وليس معهم” (28).

وجد الكثيرون من أعضاء الحلقات “صعوبة في تقبل فكرة أنه بدلاً من تكريس الوقت من أجل أن يجعلوا أنفسهم “يفكرون بشكل نقدي”، عليهم أن يلتقطوا الأشخاص ذوي المواهب التحريضية وأن يزودوهم على الأقل بالحد الأدنى من المعرفة الضرورية للتأثير على الجماهير” (29).

لكن على الرغم من المعارضة الضارية داخل الحلقات، إلا أن التحريض قد صنع لنفسه جذوراً ونحى ذلك التوجه الحلقي جانباً، وفي أبريل 1894 وصل كراس “حول التحريض” إلى موسكو حيث تم نسخه وإرساله إلى مجموعات اشتراكية ديمقراطية أخرى في أنحاء روسيا. وفي 1897، أعادت مجموعة تحرير العمل طبعه في جينيف، بمقدمة جديدة كتبها أكسيلورد، وتم توزيعه على نطاق واسع.

بليخانوف يفشل في الاختبار

فشلت نسبة كبيرة من العمال أعضاء الحلقات، ربما أغلبهم، في عملية الانتقال إلى التحريض. وعلى الرغم من أن بليخانوف كان أول من دعا في 1891 إلى اتخاذ خطوات نحو تبني التحريض، إلا أنه ومجموعة تحرير العمل، لم يحركوا ساكناً عندما أصبح الأمر على المحك العملي.

في 1892، قدم الشاب الماركسي المثقف من سان بطرسبورج، يُدعى أ. فودن، لزيارة بليخانوف لينقل إليه توصية مجموعة بروسنيف بتجهيز تثقيف شعبي للعمال. لكن رد بليخانوف جاء محبطاً بأنه من الواضح أن هؤلاء العمال الشبان “يفتقرون إلى الرغبة في تعلّم كيف يفكر الماركسيون”، وبدا الأمر بالنسبة لفودن وكأن بليخانوف يتحدث “بقدر كبير من الغيظ المتراكم لفترة طويلة” (30). كان هناك ما لا يقل عن ست محاولات في ذلك الأمر، وكلها تسببت في شجارات عنيدة. وصفت روساليا ماركوفنا، زوجة بليخانوف، انزعاجه الشديد بـ”الفظاظة والفجاجة والغرور.. من أشباه لاسال المحليين” الذين، بحسب كلمات بليخانوف نفسه “أتوا لمناطحتنا” (31).

وفي 1897، أُرسل توتشابسكي إلى سويسرا ليطلب من بليخانوف وأكسيلورد أن يكتبا سلسلة من كراسات الدعاية الشعبية للعمال الروس، لكنهما رفضا الطلب على الفور بزعم أنه ليس هناك أي وقت من أجل مثل تلك المهمات (32).

إلا أن مجموعة بليخانوف، قبل ذلك بعام واحد، كانت قد وافقت على إصدار مجلة “الملحق العمالي” لتكريسها في المقام الأول لأخبار الحركة العمالية في روسيا. لكن على الرغم من ذلك، رفض بليخانوف الانخراط في عمل المجلة، فيما أبدا كلٌ من فيرا زاسوليتش وأكسيلورد امتعاضهما تجاه تولي هذه المهمة. وفي خطاب في أواخر 1896، عبرت فيرا زاسوليتش عن استيائها الشديد واشتكت أنها “بدأت بالفعل في التمرد” عندما وقعت عيناها على تلك “العبارات التي لا يمكن تصديق درجة بؤسها” في المقالات المُقدَمة لـ”الملحق العمالي” (33). فيما كتب أكسيلورد أنه “بالطبع من الممكن نشر مثل هذه النصوص الكاريكاتورية، لكن بدوني” (34). وبعد عامين، كتب إلى بليخانوف أن هو وزاسوليتش كانا “حريصين على التهرب من تحرير هذه الإصدارات التي تعج بالجهل” (35).

ولعل أكثر ما يدل على انعدام الحماس لهذا المشروع هو مضيّ أكثر من نصف عام بين اتخاذ القرار والظهور الأول لمجلة “الملحق العمالي”، علاوة على إصدار عدد واحد فقط من المجلة في الفترة بين نوفمبر 1896 ونوفمبر 1897.

أما الفجوة بين التأييد النظري من جانب مجموعة تحرير العمل للتوجه نحو التحريض الجماهيري، وضعف إرادتها في تنفيذ ذلك عملياً، فيمكن تفسيره بضيق أفق الفرص الثورية في الفترة في ثمانينات وتسعينات القرن التاسع عشر، تلك الفترة التي نشأت فيها المجموعة. وبكل صراحة، أشارت فيرا زاسوليتش إلى تلك الفجوة بين المجموعة والنشاط التحريضي الجديد والمتصاعد في روسيا، فكتبت إلى بليخانوف: “لعله ليس من الواضح لك أننا لا يمكننا العمل مع شخص من هذا النوع في منظمة واحدة. وهذا ليس بسبب أنه سيء أو عديم النفع، لكن الأمر يتعلق ببساطة بالاختلاف في السنين وفي الفهم وفي المزاج والميول” (36). وبعد أسابيع قليلة، كتبت مجدداً:

“من الناحية العملية، يقف ضدنا كل الشباب المهاجرين بلا استثناء، متحدين مع العناصر الطلابية المنخرطين في العمل أو الذين يبدأون لتوهم جدياً فيه. إنهم يشعّون طاقة جبارة، ويشعرون أن روسيا برمتها خلف ظهورهم.. ليس بمقدورنا تفعيل الأمور، أن نبني أدباً عمالياً، وليس بإمكاننا إصدار أدبيات للعمال ترضي متطلبات الروس. ويبدو للجميع أننا نعيق من يستطيع فعل ذلك.. إنهم متعطشون لهذا النوع من النشاط، لكن ليس بتوجيه منا.

أنا أقر بأن تحريرنا للأدبيات العمالية لم يكن رائعاً وأن علينا أن نعطي لمن ينتقدوننا الفرصة لأن يجربوا بأنفسهم” (37).

لينين.. محرّض عمالي

لقد كيّف لينين نفسه على نحو كامل مع احتياجات التحريض المصنعي. وبعكس ما يروّجه المؤرخون وكُتاب السيرة الرسميون، لم يكن يستنكر في سنوات 96 – 1894 ما قدمه “حول التحريض” من أفكار باعتبارها أحادية الجانب أو ميكانيكية أو “اقتصادوية”، بل لقد توافقت كتاباته في تلك الفترة تماماً مع التوجهات التي طرحها الكراس.

وفي محبسه، كتب لينين مسودة لبرنامج الاشتراكيين الديمقراطيين في 1895، تلك الوثيقة التي تم تهريبها من السجن ومن ثم فُقدت لتُكتشف فقط بعد الثورة. كان ذلك عملاً مثيراً للانتباه، ملخصاً وجهة نظر لينين بوضوح تجاه “حول التحريض”:

“إن انتقال العمال للنضال الراسخ من أجل احتياجاتهم الحيوية، والكفاح من أجل مصالحهم، لتحسين ظروف الحياة، والأجور، وساعات العمل، هذا النضال الذي بدأ لتوه في كافة ربوع روسيا، يعني أن العمال الروس يخطون خطىً هائلة إلى الأمام، ولذلك ينبغي أن ينصب كل اهتمام الحزب الاشتراكي الديمقراطي وكافة العمال الواعين طبقياً بشكل أساسي على هذا النضال، وعلى تطويره” (38).

أوضح لينين أن النضال الاقتصادي يكشف أمام العامل طبيعة عملية الاستغلال الاقتصادي، ومن زاوية أخرى يجعله مشبعاً بالروح النضالية، ويطوّر وعيه السياسي. والوعي الطبقي، بما يشمل الوعي السياسي، يتبلور تلقائياً خلال النضال الاقتصادي.

إن الوعي الطبقي لدى العمال يعني أنهم يدركون جيداً أن الطريق الوحيد لتحسين شروط حياتهم ولإنجاز تحررهم هو شن النضال ضد طبقة الرأسماليين وملاك المصانع ككل، بل يعني أيضاً أنهم يدركون أن مصالح العمال هي مصالح موحدة، وأنهم يمثلون سوياً طبقة واحدة مستقلة عن كافة الطبقات الأخرى في المجتمع. وفي النهاية يعني أن العمال يدركون أن تحقيق أهدافهم يقتضي النضال ضد الدولة، كما كان الأمر بين الإقطاعيين والرأسماليين.

لكن يصل العمال إلى إدراك كل ذلك؟ إنهم يدركون ذلك من خلال ما يجنون من خبرات من نضالهم الذين يشنونه ضد أصحاب العمل، ذلك النضال الذي يتطور ويصير أكثر حدة ويشمل أعداداً أكبر من العمال كلما نمت الصناعات الكبيرة وانتشرت.

“إن ظروف حياة جماهير الشعب العامل تضعهم في هذا المأزق بحيث لا يتوفر لهم الوقت ولا الفرصة للتفكير ملياً في مشاكل الدولة. لكن من زاوية أخرى، فإن نضال العمال ضد أرباب المصانع من أجل احتياجاتهم ومطالبهم اليومية يدفعهم تلقائياً وحتمياً نحو التفكير في الدولة، وفي القضايا السياسية، كيف تحكم الدولة، وكيف توضع القوانين والتشريعات، وما هي المصالح التي تخدمها؟ إن أي صدام في المصنع يضع العمال بالضرورة في صراع مع القوانين وممثلي سلطة الدولة” (39).

واصل لينين هذا المسار في التفكير بشكل متماسك في كافة الأوراق والكراسات التي كتبها بين عامي 1894 و1896. وخطوة بعد خطوة، يصل القارئ لاستنتاجات سياسية لم تكن أصلاً مذكورة بشكل مباشر. وهكذا مثلاً فإن كراس “شرح قانون الغرامات المفروض على عمال المصانع”، الذي كتبه في السجن عام 1895، يذكر أن العمال:

“الحكومة وموظفيها يقفون إلى جانب ملاك المصانع، وأن هذه القوانين مصممة بطريقة تجعل من السهل على رب العمل أن يضطهد العامل.. وبمجرد أن يدركوا ذلك، سيرى العمال أن الطريقة الوحيدة المتبقية للدفاع عن أنفسهم هي الانضمام لقوى النضال ضد أصحاب المصانع والممارسات غير العادلة التي يقر بها القانون” (40).

كان خطاب لينين في ذلك الوقت معتدلاً بدرجة كبيرة، وعلى سبيل المثال، ركزت ورقته “عمال وعاملات مصنع ثورنتون” فقط على القضايا الاقتصادية، فيما لم تقدم أي إشارة لأي شأن سياسي، واختتمت بنغمة معتدلة للغاية: “خلال المطالبة بهذه المطالب، نحن لا نتمرد على الإطلاق أيها الرفاق، بل إننا فقط نطالب بإعطائنا ما يتمتع به كافة عمال المصانع الأخرى بالقانون، نطالب بعودة ما أخذه منا أولئك الذين يضعون آمالهم على عجزنا عن انتزاع حقنا” (41).

في نوفمبر 1895، في مقالة بعنوان “بم يفكر وزراؤنا؟”، ألحّ لينين على استبعاد القيصر من المجادلة، وبدلاً من ذلك أخذ يتحدث عن القوانين التي تجعل الأفضلية لأرباب العمل وعن الوزراء المعادين للطبقة العاملة. كان القيصر في ذلك الوقت لا يزال يمثل بالنسبة للعمال والفلاحين “أباً” لهم، وقد ذكرت أخت عنه أنه قال ذات مرة أنه “بالطبع إذا تحدثنا ضد القيصر وضد النظام الاجتماعي القائم، فإننا بذلك سنستعدي العمال” (42).

في أواخر عام 1894، قابل لينين مع رفيقه كرجيجانوفسكي كلاً من جريشين كوبليزون ونيكيتين سبونتي ولياخوفسكي، الذين كانوا يعملون في الحلقات الماركسية في فيلنا وموسكو وكييف، على التوالي، والذين كان لهم الخبرة الأكبر من حركة الإضراب في فيلنا. اتفق الاجتماع على الأطروحات الأساسية المُقدَمة في كراس “حول التحريض”، وفي 1895 أنشأ لينين ومارتوف وكرجيجانوفسكي وآخرون في بطرسبورج جماعة النضال من أجل تحرير الطبقة العاملة. تشكلت الجماعة بالأساس من حوالي 20 عضو من المثقفين والعمال، وقد لعبت دوراً محورياً في بدء التحريض الاشتراكي الديمقراطي في أوساط الطبقة العاملة في بطرسبورج، منذ بداية تشكيلها لم تفك الماركسية يوماً ارتباطها بعمال بطرسبورج. كان مارتوف ولينين هما أكثر القادة خبرة وعلماً في الجماعة، وتركز نشاطهما بشكل أساسي في إصدار أوراق المصانع. وخلال إعداده تلك الأوراق، تلقى لينين مساعدةً هائلة من قبل ناديجدا كونستانتينوفنا كروبسكايا، تلك المناضلة الشابة التي قابلها لينين في 1894 وتزوجا بعد ذلك ببضع سنوات.

في 1890، انضمت كروبسكايا لحلقة بروسنيف، وعلى مدار خمس سنوات (96 – 1891) ألقت محاضرات التثقيف فيما أطلق عليه “مدرسة مساء الأحد” في ضواحي بطرسبورج العمالية. على مدار تلك السنوات كانت تعلّم العمال علم الحساب والتاريخ والأدب الروسي، وانتقلت بهم من مستوى الأمية إلى مرحلة متقدمة نسبياً. وفرت المدرسة صلة مباشرة بالكثير من العمال الجادين، مما جذب انتباه الشابة كروبسكايا والمحاضرين الماركسيين الآخرين في نفس المدرسة. كان هناك أيضاً أليكساندرا كالميكوفا، التي كانت تعمل ناشرة وتملك مكتبة شعبية عملت في سنوات لاحقة على تمويل جريدة لينين الأولى في الهجرة، الإيسكرا، وليديا كنيبوفيتش، التي أصبحت فيما بعد منظمة سرية لتوزيع نفس الجريدة، وأيضاً إيلينا ستاسوفا، التي خلفت كروبسكايا كسكرتيرة للحزب في 1917. أسس المحاضرون الماركسيون لهذه المدرسة حلقة سرية لتنسيق نشاطهم وحركتهم.

“أبدى العمال ثقة غير محدودة في “رفيقات المدرسة”. وهكذا يأتي ذلك الحارس من جروموف، الذي اعتادوا عليه مجتهماً دائماً، إلى أستاذته ليخبرها بوجه مشرق أنه رُزق بطفل.. وإحدى عاملات النسيج ذات الجرأة والبلاغة في الخطابة تطلب منها أن تعلمها القراءة والكتابة.. ويكتب لها أحد العمال المسيحيين، الذي قضى حياته في عبادة الرب، برضا تام، أنه تعلم أيام الأحد من روداكوف (تلميذ آخر) أن الرب ليس موجوداً على الإطلاق” (43).

كان المدرسة تمثل مجالاً لتجنيد العمال الثوريين:

“كان العمال المنتمون لمنظمتنا يذهبون إلى المدرسة لملاحظة الحضور وتحديد من يمكن أن ينضم إلى الحلقات أو أن ينخرط في الحركة ” (44).

كانت كروبسكايا تتحدث ببساطة مع تلامذتها من العمال، كما لعبت دوراً محورياً في تنظيم عملية توزيع الأوراق والمنشورات في المصانع، وفي جمع المعلومات عن أحوال المصانع، تلك المعلومات التي كان يتم الاستعانة بها في هذه الأوراق والمنشورات. ومن أجل جمع المعلومات المطلوبة، كان يتم توزيع عدد من الاستبيانات على كل عامل. كتب العامل إيفان بابوشكين: “كنا نتلقى قوائم من الأسئلة التي كنا نجيب عليها بوصف دقيق لظروف العمل داخل المصنع. كنت دوماً أحتفظ بدفتر من الأوراق، داخل صندوق الأدوات الخاص بي، أدوّن فيه ملاحظاتي، وكنت أسجل الأجور اليومية للعمال في ورش المصنع بشكل لا يلحظه أحد” (45).

وفي هذا الصدد، كتب لينين:

“أتذكر جيداً “تجربتي الأولى” التي لا أتمنى أن تتكرر مرة أخرى. لقد قضيت أسابيع عدة أتحدث مع أحد العمال الذي كان يأتي كثيراً لزيارتي، أحاول الحصول منه على معلومات تخص ظروف العمل في المصنع الهائل الذي يعمل به. صحيح أني نجحت في جمع مادة معقولة عن هذا المصنع “الوحيد”، لكن في نهاية الحوار مسح العامل العرق على جبينه، وقال مبتسماً: من الأسهل لي أن أعمل وقتاً إضافياً في المصنع من أن أجيب على أسئلتك” (46).

كانت تلك المعلومات يتم تحريرها وتُكتب في أوراق يتم توزيعها على العمال في المصانع. تناولت تلك الأوراق قضايا ملموسة يفهمها كل عامل.

قضى لينين شهوراً في دراسة تشريعات العمل من أجل أن يوضح التناقض بين القوانين والظروف السائدة في المصانع، ومن أجل أن يصيغ المطالب التي يجب أن يتوجه بها العمال إلى الإدارة. كتبت كروبسكايا:

“كان فلاديمير إيليتش مهتماً بأدق تفاصيل حياة العمال وظروف عملهم، وكان يسعى دائماً للإلمام بحياة العامل كلها. كان يريد أن يجد الطريقة الأفضل التي يمكن أن تصل بها الدعاية الثورية للعامل. في حين كان أغلب مثقفي تلك الأيام يسيئون فهم العمال؛ فكان يأتي بعضهم إلى الحلقة ويلقي محاضرة على العمال.

أتذكر على سبيل المثال كيف جُمعت المادة حول مصنع ثرونتون. تقرر أن أرسل لأحد تلامذتي، يُدعى كروليكوف يعمل بقسم الفرز في هذا المصنع، وقد تم ترحيله من بطرسبورج. كان ذلك من أجل جمع بعض المعلومات وفقاً لخطة عمل أعدها فلاديمير إيليتش. وصل كروليكوف مرتدياً معطف من الفرو استعاره من أحد أصدقائه، وأحضر معه كراس كامل مليئاً بالمعلومات التي استكملها بعد ذلك شفهياً. كانت المادة قيّمة للغاية، وكان إيليتش يعود إليها مراراً وتكراراً. بعد ذلك أمسكت أنا وأبوليناريا أليكساندروفنا يعقوبوفا بالمناديل في أيدينا كي نبدو كالعاملات، وذهبنا بأنفسنا إلى مساكن عمال ثرونتون، كانت ظروف الحياة مروّعة. وكتب فلاديمير إيليتش خطاباته وأوراقه مستخدماً المعلومات التي جُمعت. وبفحص تلك الأوراق المكتوبة خصيصاً لعمال وعاملات ثرونتون، يمكنك أن تلاحظ على الفور المعرفة الدقيقة والتفصيلية بحياتهم وظروف عملهم. لقد قد إيليتش بذلك درساً يحتذي به كل الرفاق، لقد تعلمنا ضرورة الاعتناء بالتفاصيل، تلك التفاصيل التي أصبحت محفورة في أذهاننا” (48).

وربما يمكننا الإلمام بقدر التحريض العملي الذي احتوته تلك الأوراق من خلال إعادة جمع ما ذكرته كروبسكايا عما كتبه لينين: “أتذكر الورقة الأولى التي كتبها فلاديمير إيليتش لعمال مصانع سيميانيكوف. لم يكن لدينا آنذاك أية أدوات تقنية تجعل مهمتنا أسهل. نُسخت الورقة بخط اليد وقام بابوشكين بتوزيعها. ومن إجمالي أربعة نسخ، وصلت اثنين إلى المراقبين، ودارت النسختين المتبقيتين على العمال يداً بيد” (49).

كان للتحريض المصنعي لحلقة بطرسبورج – لينين ومارتوف ورفاقهما – تأثيراً محدوداً. يصف أحد المؤرخين الوضع كالتالي:

“استخدمت الحلقة آلة النسخ الخاصة بها لإصدار ورقة لينين في 10 نوفمبر 1895، لكن في نفس اليوم عاد عمال النسيج للعمل دون أن أي تنازل من جانب الإدارة. وهكذا فشلت المحاولة الأولى للحلقة في تأجيج نار السخط العمالي.

وبينما كان إضراب عمال ثرونتون سارياً، اندلع إضراب عفوي آخر في مصنع ليفيرم للتبغ في 9 نوفمبر، وبعد أربعة أيام نظم عمال مصنع سكوروخود للأحذية. في هاتين الحالتين، وبناءاً على المعلومات التي قدمها عمال المصنعين المضربَين للمجموعة العمالية المركزية، أعدت حلقة لينين عدد من البيانات التي تلخص مطالب المضربين. لكن تلك المحاولات لم تحظ هي الأخرى بأي تأثير على مجرى الأحداث؛ فالإضرابان كانا قصيرين للغاية ولم تُقدم أية تنازلات تُذكر للعمال. لكن على أي حال، نجحت البيانات في نشر خطاب المنظمة غير الشرعية بين العمال.

الإضراب الوحيد الذي استطاعت الحلقة أن تلعب دوراً مهماً فيه كان في أحد أقسام مصنع بوتيلوف؛ حيث كان زينوفيف، أحد عمال المصنع وممثله في المجموعة العمالية المركزية، قد كتب بياناً لعمال قسم محركات البخار يدعوهم فيه للإضراب. هذا البيان كتبه مارتوف على آلة النسخ، وكانت النتيجة أن نظم العمال إضراباً ليوم واحد في 5 ديسمبر. في حين لم يكن هناك أي تأثير للنداء الذي كتبه مارتوف لعمال الغزل بمصنع كينيج.

وعلى المستوى الإنجازات الحقيقية، كانت محصلة البيانات والنداءات التي أصدرتها الحلقة طوال نوفمبر وبداية ديسمبر تساوي صفر” (50).

في ديسمبر 1895، تم القبض على لينين وخمسة من أعضاء الحلقة، علاوة على آخرين عدة، منهم مارتوف، في بداية العام الجديد. لكن كل ذلك النضال لم يذهب سُدى، وبعد أشهر قليلة اندلع إضراب جماهيري، هو الأول من نوعه في روسيا، تحت راية الاشتراكية الديمقراطية، كان ذلك إضراب عمال النسيج في بطرسبورج في مايو 1896، واضطلع أعضاء الحلقة الناجون من الاعتقال بدور مركزي في هذا الإضراب الضخم. بدأ الإضراب باحتجاج على عدم سداد الأجور المستحقة في للثلاثة أيام احتفال بتتويج القيصر نيقولا الثاني، لكنه تطور إلى نضال من أجل أجور أعلى وساعات عمل أقل، وانتشر كالعدوى لعشرين من أكبر مصانع روسيا التي يعمل بها حوالي 300 ألف عامل. خاض العمال نضالاً دؤوباً لثلاثة أسابيع متتالية من أجل يوم عمل من عشر ساعات ونصف الساعة، وحينما قرروا العودة إلى العمل، فعلوا ذلك دفعة واحدة. لم يكن ذلك الإضراب هو الأكبر في روسيا في ذلك الوقت فقط، بل أيضاً كان الأول الذي يمتد إلى مصانع أخرى. للمرة الأولى في التاريخ الطويل للحركة الثورية في روسيا، يدفع الثوريون الجماهير للحركة والنضال. ومنذ اللحظة، أصبحت الاشتراكية الديمقراطية حركة ذات تأثير.

ويمكن قياس مدى التغير الذي طرأ في روسيا حتى نهاية العام 1895 من خلال قراءة الخطاب السري الذي كان وزير المالية قد أرسله هيئة مفتشي الصناعة في ذلك الوقت: “لحسن الحظ، ليس لدى روسيا طبقة عاملة كما لدى الغرب، وبالتالي لن يكون هناك ثمة مشاكل عمالية، ولا حتى تربة خصبة لنمو مثل هذه المشاكل” (51).

هزيمة في النصر

وبالرغم من النجاح النسبي الذي حققته الحركة الاشتراكية الديمقراطية، إلا أنها أصيبت بأزمة داخلية كبيرة؛ حيث بدأت في الانقسام إلى تيارات “اقتصادوية” و”سياسية”. فمحاولات تصحيح مسار الحلقية – حيث التركيز المفرط على النظرية – أدى إلى النقيض التام من ذلك – الاقتصادوية. كان هذا الخطر كامناً في كراس “حول التحريض”، كما أشار لينين وآخرون بعد فوات الأوان في 1898. وهنا علينا أن نضع في الاعتبار الاستنتاج الذي توصل إليه “حول التحريض”:

“تتمثل مهمة الاشتراكيين الديمقراطيين في التحريض المستمر بين عمال المصانع على أساس المطالب والاحتياجات الصغيرة الموجودة بالفعل. إن النضال المنطلق من التحريض سيمرّس العمال على الدفاع عن مصالحهم، وسيعلي من شجاعتهم، وسيمدهم بالثقة في قدراتهم وبالوعي بضرورة الوحدة، وباختصار سيواجههم بالقضايا الأكثر أهمية التي تتطلب حلولاً. وانطلاقاً من هذا الأساس، الذي سيؤدي إلى نضال أكثر جدية، ستنتقل الطبقة العاملة لمواجهة القضايا الأكثر جوهرية”.

لقد فتحت هذه الصيغة الباب على مصراعيه أمام نظرية المراحل التي ميّزت مستقبل الاقتصادويين، حيث يتسنى على الاشتراكيين التحريض على القضايا الاقتصادية الخالصة، على مستوى المصنع الواحد أولاً، ثم على المطالب بين المصانع المختلفة، وهكذا. ومن ناحية أخرى، من وجهة نظر التحريض الاقتصادي ضيق الأفق، يتعلم العمال، من خلال خبرة النضال نفسه، الحاجة إلى السياسة، دون مساندة من جانب الاشتراكيين للتحريض حول القضايا السياسية والاجتماعية العامة التي تواجه الشعب الروسي ككل. أدى القبض على لينين ومارتوف وآخرين إلى سرعة انتقال مجموعة سان بطرسبورج إلى الاقتصادوية، في حين كان للرفاق الجدد المنضمين للمجموعة ثقل نظري أقل.

كتبت كروبسكايا: “كل شيء سار في اتجاه التحريض. ولم يكن هناك وقت حتى للتفكير في الدعاية.. وقع إضراب عمال النسيج في 1896 تحت تأثير الاشتراكيين الديمقراطيين، وقد حوّل ذلك رؤوس الكثير من الرفاق. وهكذا نشأت القاعدة التي نمت عليها الاقتصادوية” (52).

بعد حوالي 50 عاماً، كتب القيادي المنشفي البارز إف. آي. دان، موضحاً صعود التيار الاقتصادوي في الاشتراكية الديمقراطية الروسية كما يلي:

“في استجابة عاطفية على المذكرات السياسية التي وجدت صداها في التحريض الاقتصادي للمجموعة، اندفع عشرات الآلاف من العمال في الصراع التنظيمي الفعّال لأول مرة، إلا أنهم كانوا يعترفون بالتحرر السياسي فقط باعتباره هدفاً بعيداً و”نهائياً” لحركتهم. بالنسبة لهم، كانت هذه المطالب الاقتصادية تمثل هدفاً عملياً و”آنياً”، يستعدون من أجله للمخاطرة بخوض الإضرابات واحتمالية فقدان أجورهم. وفي هذا الصدد، كان مزاج الشريحة الجديدة من العمال المتقدمين، هذه الشريحة من العمال المثقفين الجدد التي كانت قد بدأت تتبلور في ظل النضال الجماهيري، مختلف جذرياً ليس فقط عن مزاج المثقفين الماركسيين، بل أيضاً عن الجيل الأول من العمال الاشتراكيين الديمقراطيين الذين أتوا للاشتراكية الديمقراطية ليس بحسب الطريق “العملي” للنضال الاقتصادي، لكن من خلال الطريق “الأيديولوجي” للدعاية في مجموعات صغيرة” (53).

أحد مؤرخي الاشتراكية الديمقراطية الروسية في تلك الفترة وضع الاقتصادويين في المكانة التاريخية التي تناسبهم، حيث كتب:

“تمتد جذور الاقتصادوية بشكل أكبر في الأسلوب التحريضي للعمل الاشتراكي الديمقراطي. والاشتراكيين الذين ابتكروا هذا الأسلوب كشفوا عن اللامبالاة بالعمل بالسياسة، ومن أجل التغلب على ذلك أخذوا يبرهنون على الرابط المزعوم الذي يذوب بين المصالح الاقتصادية والنظام السياسي في البلاد. وبينما يبقى التحريض سياسياً من الناحية النظرية، أصبح من الناحية العملية مقتصراً على الأمور الاقتصادية. وانطلاقاً من التحريض، الذي دفع السياسة إلى الخلف.. لم يحتج الأمر سوى خطوة واحدة نحو الاقتصادوية، التي أخضعت السياسة للاقتصاد كمبدأ لديها. هكذا صعدت الاقتصادوية إلى الوجود في روسيا بين عاميّ 1896 و1897، أثناء نهوض حركة جماهير العمال” (54).

وعلاوة على تأثير الاقتصادوية وما تمثله من تهديد للاشتراكية، كان هناك عاملان لهما أثر بالغ في الحركة العمالية في ذلك الوقت؛ أولهما كان السياسة العمالية للشرطة السرية القيصرية، والعامل الآخر هو صعود التيار التحريفي الذي تزعمه إدوارد برنشتاين في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، والذي كان الحزب الاشتراكي الأكثر أهمية في العالم آنذاك.

روّجت الشرطة السرية لفكرة الاقتصادوية كرد فعل على صعود النضال المصنعي في روسيا. كتب الجنرال تريبوف، قائد الشرطة السرية، في 1898:

“إن المطالب والاحتياجات الجزئية للعمال تُستغل من قبل الثوريين من أجل أهدافهم المناهضة للحكومة، اذا يتعين على الحكومة مصادرة هذا السلاح في أقرب وقت ممكن من أيديهم.. على الشرطة أن تلتزم بالاهتمام بنفس الشيء الذي يثير اهتمام الثوريين”.

وبناءاً على هذا المنطق، كما سنرى لاحقاً، نظم قائد الشرطة السرية في موسكو، الكولونيل زوباتوف، نقابات عمالية تحت سيطرة الشرطة، أولاً بين العمال اليهود حيث كان التحريض الاقتصادوي أكثر نجاحاً، ثم في أوساط العمال الروس. وتطور الأمر إلى المنظمة النقابية التي قادها الأب جابون في سان بطرسبورج، و”الأحد الدامي”، وبداية ثورة 1905.

العامل الآخر الذي آذر الاقتصادوية هو التحريفية الألمانية التي أُعلن عنها صراحةً في مؤلف برنشتاين “الشروط المسبقة للاشتراكية ومهام الاشتراكية الديمقراطية”، يناير 1899. الفكرة المركزية تمحورت حول التدريجية، أي مراحل إصلاح الرأسمالية التي تؤدي إلى التحول نحو الاشتراكية. أما تأثير الحزب فسيكون “أكبر كثيراً مما يبدو عليه اليوم إذا تحلت الاشتراكية الديمقراطية بالشجاعة لتحرير نفسها من النصوص العتيقة وناضلت من أجل أن تظهر بما هي عليه الآن في الحقيقة، أي حزب اشتراكي ديمقراطي للإصلاح”. “ما يُشار إليه باعتباره الهدف النهائي للاشتراكية، مهما يكن، لا يعني شيئاً بالنسبة لي. إنها الحركة نفسها هي التي تعني كل شيء”. كان ذلك متوافقاً بشكل كامل مع أفكار الاقتصادويين الروس؛ فالبنسبة لهم أيضاً كانت “الحركة”، حيث تأمين إصلاحات صغيرة متماسكة في الظروف الاقتصادية للعمال، تعني كل شيء. وهكذا سقطت كافة الأهداف السياسية للحركة من اعتبارهم، بما فيها الإطاحة بالقيصرية.

أما حلقة الوصل بين الاقتصادوية والتحريفية البرنشتاينية فقد انعسكت بشكل متماسك في 1899 في وثيقة بعنوان “كريدو – Credo” كتبها دي. كوسكوفا الذي كان حينها عضواً باتحاد الاشتراكيين الديمقراطيين الروس بالخارج. أعلنت الوثيقة بكل صراحة أن مراجعات برنشتاين تمثل القاعدة النظرية لها، كما أعلنت أن القانون العام لنشاط الطبقة العاملة ينبغي أن يتبع “خط المقاومة الأدنى”. “في روسيا، فإن خط المقاومة الأدنى لن يجنح على الإطلاق إلى النشاط السياسي. وسوف يدفع القمع الهائل نحو الكثير من النقاش حوله، وسوف يركّز الانتباه بشكل كبير على هذه القضية، لكنه لن يدفع إلى النشاط السياسي”. وهكذا فإن “خط المقاومة الأدنى” كان نشاطاً اقتصادياً ضد أرباب العمل ومحاولة لتنظيم النقابات.

“النضال الاقتصادي هو أيضاً شاق، شاق للغاية، لكن من الممكن شنه، وتشنه الجماهير بنفسها في الحقيقة. وبتعلم كيفية التنظيم، والدخول في صراع مستمر مع النظام السياسي في مسار هذا النضال، سيخلق العامل الروسي في النهاية ما يمكن تسميته شكلاً من الحركة العمالية، أي التنظيم أو التنظيمات الملائمة بشكل أفضل للظروف الروسية. في الوقت الراهن، يمكننا القول بكل تأكيد أن حركة الطبقة العاملة الروسية لا تزال في طور الأميبا ولم تكتسب بعد أي شكل محدد. وحركة الإضرابات، التي تسير دون أي شكل تنظيمي، لا يمكن اعتبارها شكلاً متبلوراً للحركة الروسية. أما التنظيمات غير الشرعية فلا تستحق أن نضعها في الاعتبار حتى من الناحية الكمية المجردة (ناهيكم عن مسألة الفائدة منها في ظل الظروف الراهنة).

حسناً، ما الذي يتوجب على الماركسيين الروس أن يفعلوه إذن؟ إن الحديث عن حزب سياسي عمالي مستقل إنما ينتج عن زرع أهداف ومهام غريبة في تربتنا الروسية.

ليس أمام الماركسيين الروس سوى مسار واحد؛ وهو المساندة والمشاركة في النضال الاقتصادي للبروليتاريا، والمشاركة في نشاط المعارضة الليبرالية” (55).

وهكذا، فإن واجب الاشتراكيين يتمثل في دعم العمال في جهودهم لبناء النقابات، والليبرالية البرجوازية في النضال السياسي.

حينما تلقى لينين نسخة من كريدو في منفاه في سيبيريا، سارع بكتابة رد عليه بعنوان “اعتراض من الاشتراكيين الديمقراطيين الروس” (أغسطس 1899). نوقشت المسودة في اجتماع ضم 17 ماركسياً بالمنفى في منطقة مينوسينسك، وقد وافقوا جميعاً عليها. حققت المسودة هدفها بشكل جيد، وجعلت لينين معروفاً في كل الحلقات الاشتراكية الديمقراطية، وكما قال مارتوف بعد ذلك بعدة سنوات، فقد حشدت المسودة المنفيين المبعثرين عبر سيبيريا نحو الماركسية الثورية (56).

شهدت السنوات بين 1883 و1899 التطور المتعرج للماركسيين الروس من الحلقات الدعائية المعزولة عن الطبقة العاملة إلى المنظمة التحريضية التي تحصر نفسها في إطار النضال اليومي للعمال، أي من النظرية الخالصة إلى الممارسة الضيقة. وأوضح الهجوم الحاد للينين على كريدو أن الدمج بين النظرية والممارسة كان ضرورياً للغاية.

“إن البرنشتاينية سيئة السمعة – بالمعنى الذي يفهمه الجمهور العام، ومؤلفي كريدو بوجه خاص – هي محاولة لتضييق أفق النظرية الماركسية، لتحويل حزب العمال الثوري إلى حزب إصلاحي.

وعلى الجانب الآخر، أصبحت الاشتراكية منفصلة عن حركة الطبقة العاملة، ويتلقى العمال الدعم والمساندة لشن النضال الاقتصادي، في حين لا يُفعل أي شيء تقريباً لشرح الأهداف الاشتراكية والمهام السياسية للحركة ككل. على الجانب الآخر، أصبحت الاشتراكية منفصلة عن حركة الطبقة العاملة، في حين يبدأ الاشتراكيون في الحديث أكثر وأكثر عن أن النضال ضد الحكومة يجب أن يُشن بواسطة الإنتلجنسيا إذ أن العمال يحصرون أنفسهم في النضال الاقتصادي” (57).

في مواجهة ذلك، طرح لينين الدمج بين النضالات الاقتصادية والسياسية للطبقة العاملة كما يراه الماركسيون:

“بالنسبة للاشتراكي، يمثل النضال الاقتصادي قاعدة لتنظيم العمال في حزب ثوري، من أجل توطيد وتطوير نضالهم الطبقي ضد النظام الرأسمالي بأكمله. إذا اعتبرنا أن النضال الاقتصادي كاملاً في حد ذاته، لن يكون هناك ثمة شيء اشتراكي فيه.. إنها مهمة السياسي البرجوازي أن “يساند النضال الاقتصادي للبروليتاريا”، بينما مهمة الاشتراكي هي الانخراط في النضال الاقتصادي بغية تعميق الحركة الاشتراكية وانتصار حزب الطبقة العاملة الثوري. مهمة الاشتراكي هي تعميق الدمج الصلب للنضال الاقتصادي والسياسي في النضال الطبقي الواحد لجماهير الطبقة العاملة الاشتراكية.

ينبغي أن يكون النشاط التحريضي بين الجماهير على أوسع نطاق، التحريض الاقتصادي والسياسي، على كافة القضايا الممكنة بناءاً على كافة مظاهر الاضطهاد أياً كان الشكل الذي يتخذه. علينا أن نستخدم هذا التحريض لجذب الأعداد المتزايدة من العمال إلى قواعد الحزب الاشتراكي الديمقراطي الثوري، لتحفيز النضال السياسي.. لتنظيم هذا النضال وتحويله من مظاهره العفوية إلى نضال حزب سياسي واحد. لذا فإن التحريض لابد أن يمثل وسيلة لتوسيع الاحتجاج السياسي والأشكال الأكثر تنظيماً من النضال السياسي. تحريضنا اليوم ضيق للغاية؛ فالقضايا التي يتعرض إليها محدودة للغاية. وبالتالي فإن واجبنا ألا نشرعن هذه الحدود الضيقة، بل أن نسعى لتحرير أنفسنا منها، وأن نوسّع ونعمّق عملنا التحريضي” (58).

أشار لينين إلى أن الجذور التاريخية للإصلاحية إنما تكمن في ضيق أفق كلٍ من الحلقات وردة الفعل عليها. “في بداية نشاطهم، حصر الاشتراكيون الديمقراطيون أنفسهم في العمل داخل حلقات الدعاية، وحينما توجهنا للتحريض لم نكن قادرين على الدوام على كبح أنفسنا من التطرف على النقيض الآخر” (59). كما أشار إلى أن ضيق الأفق التنظيمي، الذي ميز كلاً من مرحلة الحلقات ومرحلة التحريض المصنعي، كان يشجع الاقتصادوية أيضاً:

“بالعمل في ظل عزلة مجموعات العمال المحلية الصغيرة، لم يلتفت الاشتراكيون الديمقراطيون بما فيه الكفاية لضرورة تنظيم حزب ثوري من شأنه أن يدمج بين كافة أنشطة المجموعات المحلية وأن يجعل في الإمكان تنظيم العمل الثوري في مساراته الصحيحة. إن هيمنة العمل المنعزل مرتبط بطبيعة الحال بهيمنة النضال الاقتصادي” (60).

لقد اتخذ الصراع بين الماركسيين الأرثوذكسيين، مثل لينين ومارتوف، والاقتصادويين، شكلاً تنظيمياً كان في انتظار الجدال بين البلاشفة والمناشفة حول التنظيم. لكن على الرغم من ذلك، كان زعيما التيارين المستقبلييَين في الحزب الاشتراكي الديمقراطي، لينين ومارتوف، على وفاق في هذه النقطة ضد الاقتصادويين.

بعد انتصار الإضراب في سان بطرسبورج في 1896، طالب العديد من الأعضاء المنضمين للحركة، عمال ومثقفين على السواء، بتحويل التنظيم الذي يشكل الثوريون المحترفون القلب الأساسي له. أوضح الاقتصادويون أن الطابع السياسي والتآمري الطاغي على المجموعة قد نتج عن إعطاء المثقفين الأولوية للنشاط السياسي وافتقارهم إلى فهم الاحتياجات الحقيقية لجماهير العمال. بالتأكيد تقل الحاجة إلى المركزية والتآمر في النشاط الاقتصادي التحريضي. وبالتأكيد أيضاً فإن المنظمة الاقتصادوية لها طابع محلي، فهي تهتم بالمشاكل والقضايا التي تواجه العمال في مصنع واحد، أو على الأكثر في مجموعة من المصانع في منطقة واحدة، ويكفي لها أن تكون منظمة مصنعية أو محلية فضفاضة. كانت المواجهة بين المركزية وضيق الأفق والمحدودية تلك تمثل انعكاساً للانقسام التنظيمي بين السياسيين الثوريين والاقتصادويين. كان من شأن التصور الاقتصادوي أن يُبعد الثوريين المحترفين ويحل محلهم العمال، غير المضطرين لترك مواقع عملهم أو سكنهم التي اعتادوا عليها.

الكثيرون من أعضاء الحلقات، كما رأينا، لم يوجهوا دفتهم نحو التحريض المصنعي، في حين أن القليلين من بين أولئك الذين انجرفوا إليه وقعوا في فخ الاقتصادوية. وأغلب الذين خضعوا لتأثيرات الاقتصادوية كانوا من بين النشطاء الجدد الذين صعدوا من خضم النضال المصنعي نفسه وصولاً لإضراب عمال النسيج في 1896. يعزي القيادي المنشفي دان، في شهادته التي كتبها بعد ذلك الحين بحوالي 50 عاماً، الأمر إلى التطور اللاحق للبلشفية والمنشفية:

“ومن الجدير بالذكر أن أغلبية العناصر الاشتراكية الديمقراطية البارزة في صفوف الطبقة العاملة من “الجيل الأول” الذين عاشوا ليشهدوا ثورتي 1905 و1917 (بابوشكين، وشيلجونوف، وشابوفال، وبوليتاييف، وآخرين) ظهروا من القلب من القواعد البلشفية” (61).

ليّ العصا

كانت سنوات 1896 – 1894 شديدة الأهمية في تطور لينين إلى قيادي عمالي، وعلى حد تعبير كروبسكايا فإن:

“كان عمل لينين خلال فترة بطرسبورج شديد الأهمية، بالرغم من أنه لم يكن ملحوظاً أو ظاهر مادياً، وهو بنفسه يعترف بذلك؛ حيث لم تكن هناك أية نتائج خارجية. لكننا لم نكن مهتمين بالتحركات البطولية، بل بتأسيس صلات لصيقة بالجماهير، بحيث نكون ملتحمين بهم، وأن نتعلم كيف نمثل أفضل التطلعات لديهم، وأن نجعلهم يفهموننا وأن يتبعون قيادتنا. لكن هذه الفترة على وجه التحديد من عمل فلاديمير إيليتش في بطرسبورج هي التي قولبته كقيادي للجماهير العمالية” (62).

على الرغم من التركيز على التحريض المصنعي دون غيره في ذلك الوقت، إلا أن لينين قد أدرك قيمة وأهمية وضرورة هذه المرحلة في تطور الاشتراكية الديمقراطية الروسية، كما أدرك كلاً من الدور التقدمي له والأخطار الكامنة فيه. وهكذا كتب في 9 نوفمبر 1900 خطاباً لبليخانوف ذكر فيه أن:

“التيار الاقتصادوي بطبيعة الحال كان دائماً خطأ، لكنه حديث العهد بينما يبقى هناك تشديداً مفرطاً على التحريض “الاقتصادي” حتى من دون هذا التيار. هذا التيار هو الملازم الشرعي والحتمي لأي خطوة للأمام في ظل ظروف حركتنا التي كانت موجودة في روسيا في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات. هذا الوضع شديد الخطورة بحيث ربما لا يمكنك تصوره، وليس في وسعنا توبيخ أولئك الذين تعثروا خلال محاولتهم الخروج من هذا الوضع. وبغرض الخروج من هذا الوضع، كان لابد من بعض الحدود الأساسية والضرورية كي لا يفجر هذا التيار نظرية يربطها بالبرنشتينية، وحينها بالتأكيد يتغير الأمر برمته جذرياً” (63).

هذا الاستعداد لليّ العصا إلى حد بعيد في اتجاه معين، ومن ثم إلى الاتجاه المعاكس، كانت بالتأكيد سمة تَميز بها لينين واحتفظ بها طوال حياته. وكان ذلك واضحاً بالفعل في هذه المرحلة المبكرة من تطوره كقائد ثوري.

في كل مرحلة من مراحل النضال، كان لينين دائم البحث عما اعتبره الحلقة الأساسية في سلسلة التطور، ومن ثم يشدد مراراً وتكراراً على أهمية هذه الحلقة والتي يجب أن تخضع لها كافة الحلقات الأخرى. ثم بعد انتهاء الأمر، يقول: “لقد بالغنا في ذلك، ولوينا العصا أكثر من اللازم”، بينما لم يكن يعني بذلك أنه كان مخطئاً حيال ذلك. ومن أجل الانتصار في المعركة الرئيسية، من الضروري تركيز كافة الطاقات على المهام المتعلقة بها.

إن التطور غير المتكافئ لجوانب مختلفة يجعل من الضروري البحث عن الحلقة الأساسية في كل موقف ملموس. فحينما كان الأمر يتعلق بالحاجة إلى الدراسة، من أجل وضع أسس الحلقات الماركسية الأولى، شدد لينين على الدور المركزي للدراسة. وفي المرحلة التالية، حينما ظهرت الحاجة إلى تجاوز عقلية الحلقات، كان يؤكد كثيراً على أهمية النضال المصنعي. وفي التحول اللاحق للنضال، حينما كان من الضروري تحطيم الاقتصادوية، فعل ذلك بانتقام. كان دائماً يوضح مهام المرحلة بشكل جليّ، ويكرر ذلك مرة بعد أخرى بأبسط وأثقل وأقوى وأذكى العبارات. بعد ذلك يستعيد توازنه، ويقوي العصا ويزيدها صلابة، ثم يلويها مرة أخرى في اتجاه آخر. وإذا كان لهذا الأسلوب مميزات خاصة لتجاوز العقبات التي تواجهها الحركة الجماهيرية، فهو يتضمن أيضاً أخطاراً تنتظر من يستخدم كتابات لينين كمصدر للاقتباس والنسخ في القضايا والمسائل التكتيكية والتنظيمية.. وإذا استُشهد بلينين فيما يتعلق بمسائل تكتيكية أو تنظيمية، فلابد من توضيح القضايا التي تواجه الحركة الجارية بشكل تام.

سمة أخرى للينين، كانت جليّة في مرحلة مبكرة من تطوره، هي موقفه من الأشكال التنظيمية باعتبارها دوماً محددة تاريخياً. لم يتبنَ لينين يوماً مخططات مجردة أو دوجمائية، وكان على الدوام مستعداً لتغيير الهيكل التنظيمي للحزب في كل تطور جديد للصراع الطبقي. فقد كان على قناعة تامة بأنه يتعيّن إخضاع التنظيم للسياسة، ولم يكن هذا يعني بأي حال أن ليس للتنظيم تأثير مستقل على السياسة؛ فثمة علاقة متبادلة بينهما. في أوضاع معينة، لابد أن يُمنح التنظيم الأولوية القصوى.

هوامش:

(1) G.V. Plekhanov, The Russian worker in the revolutionary movement, Sochineniia, vol.3, p.131.

(2) Plekhanov, ibid., p.143.

(3) E. Mendelsohn, Worker opposition in the Russian Jewish socialist movement: From the 1890s to 1903, International Review of Social History, 1965.

(4) A.K. Wildman, The Making of a Workers’ Revolution: Russian Social Democracy, 1891–1903, Chicago 1967, p.31.

(5) Vladimir Akimov on the Dilemmas of Russian Marxism, 1895–1903, edited by J. Frankel, London 1969, pp.235–36.

(6) Quoted in Mendelsohn, op. cit.

(7) S.I. Mitskevich, Revoliutsionnaia Moskva, Moscow 1940, p.144.

(8) Wildman, op. cit., p.34.

(9) ibid., p.32.

(10) ibid., p.37.

(11) L. Martov, Zapiski sotsial-demokrata, Berlin-Petersburg-Moscow 1922, pp.224–25.

(12) ibid., p.227.

(13) Plekhanov, O zadachi sotsialistov v borbe s golodom v Rossii, Geneva 1892, p.58.

(14) ibid., p.79.

(15) S.N. Valk, Materials on the history of May Day in Russia, Krasnaia letopis, no.4, 1922, p.253.

(16) V.V. Sviatlovsky, Istoriia professionalnogo dvizheniia v Rossii, Leningrad 1925, p.301.

(17) D. Pospielovsky, Russian Police Trade Unions, London 1971, p.7.

(18) Ob agitatsii, Geneva 1896, p.1.

(19) ibid., p.9.

(20) ibid., p.16

(21) ibid., p.17.

(22) ibid., pp.17–18.

(23) Martov, Istoriia RSDRP, Moscow 1922, p.28.

(24) Martov, Zapiski sotsial-demokrata, op. cit., pp.250–52.

(25) Akimov, op. cit., p.238.

(26) ibid., p.288.

(27) Martov, Zapiski sotsial-demokrata, op. cit., pp.227–32.

(28) Akimov, op. cit., p.214.

(29) Martov, Zapiski sotsial-demokrata, op. cit., pp.227–28.

(30) A. Voden, At the dawn of legal Marxism, Letopis marksizma, no.3, 1927, p.80.

(31) Wildman, op. cit., p.166.

(32) ibid., p.164.

(33) L. Deich, ed., Gruppa Osvobozhdenie Truda, vol.6, Moscow 1928, p.174.

(34) Perepiska G.V. Plekhanova i P.B. Akselroda, op. cit., vol.1, p.166.

(35) ibid., p.32.

(36) Deich, op. cit., pp.204–05.

(37) ibid., pp.207–08.

(38) ibid., p.114.

(39) ibid., p.115.

(40) ibid., p.72.

(41) ibid., p.85.

(42) Novy mir, June 1963.

(43) Krupskaya, op. cit., p.19.

(44) ibid., p.20.

(45) Geyer, op. cit., p.49.

(46) Lenin, Collected Works, vol.5, p.491.

(47) Krupskaya, op. cit., p.21,

(48) ibid., p.26.

(49) ibid., p.25.

(50) R. Pipes, Social Democracy and the St. Petersburg Labor Movement, 1885–97, Cambridge, Mass., 1963, pp.93–94.

(51) Pokrovsky, op. cit., vol.2, p.37.

(52) Krupskaya, op. cit., p.29.

(53) T. Dan, The Origins of Bolshevism, New York 1964, pp.211–12.

(54) Pipes, p.124.

(55) Lenin, Collected Works, vol.4, pp.173–74.

(56) Martov, Zapiski sotsial-demokrata, op. cit., p.410.

(57) Lenin, Collected Works, vol.4, p.367.

(58) ibid., pp.293–94.

(59) ibid., p.367.

(60) ibid., p.367.

(61) Dan, op. cit., p.212.

(62) Krupskaya, op. cit., p.27.

(63) Lenin, Collected Works, vol.36, pp.51–52.

« السابق التالي »