بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لينين – بناء الحزب

« السابق التالي »

ما العمل؟

تبلورت أفكار لينين على مدار سنوات عديدة حول المهام التنظيمية التي تواجه الاشتراكية الديمقراطية الروسية في كتابه فائق الأهمية “ما العمل؟” في 1902، وقد ركز الكتاب بشكل أساسي على “مسائل ثلاث: طابع التحريض السياسي ومضمونه الرئيسي، والمهام التنظيمية، ومشروع إنشاء منظمة كفاحية لعامة روسيا، إنشاء يجري في وقت واحد ومن شتى الجوانب” (1).

الفرق بين الوعي النقابي والوعي الاشتراكي

تمحورت وجهة نظر لينين، فيما يخص “طابع التحريض السياسي ومضمونه الرئيسي”، حول كشف الفرق بين والاختلاف بين السياسات النقابية والسياسات الاشتراكية. وقد عبر عن هذه الفكرة بأن “تاريخ جميع البلدان شاهد على أن الطبقة العاملة لا تستطيع أن تكتسب بقواها الخاصة فقط غير الوعي النقابي، أي الاقتناع بضرورة التنظيم في نقابات والنضال ضد أصحاب الأعمال ومطالبة الحكومة بإصدار هذه أو تلك القوانين الضرورية للعمال” (2).

وفي موضع آخر، كتب:

“إن التطور العفوي لحركة العمال يسير على وجه الدقة في اتجاه إخضاعها للأيديولوجيا البرجوازية.. لأن الحركة العمالية العفوية هي النقابية، وما النقابية غير إخضاع العمال فكرياً للبرجوازية” (3).

“وقد يتساءل القارئ: لماذا إذن كانت الحركة العفوية، حركة الاتجاه نحو أهون السبل، تؤدي على وجه الدقة إلى سيطرة الأيديولوجيا البرجوازية؟ ذلك لمجرد كون الأيديولوجيا البرجوازية، من حيث منشؤها، أقدم من الأيديولوجيا الاشتراكية بكثير، ولأنها وُضعت بصورة أكمل من جميع الوجوه، ولأنها تتصرف بوسائل النشر أكثر بما لا يُقاس” (4).

“لذا فإن واجبنا، واجب الاشتراكية الديمقراطية، هو النضال ضد العفوية، النضال من أجل صرف العمال عن نزوع النقابية العفوي إلى كنف البرجوازية وجذبها إلى كنف الاشتراكية الديمقراطية الثورية” (5).

وهكذا استطرد:

“إن الوعي السياسي الطبقي لا يمكن حمله إلى العامل إلا من الخارج، أي من خارج النضال الاقتصادي، من خارج دائرة العلاقات بين العمال وأصحاب الأعمال. فالميدان الوحيد الذي يمكن أن نستمد منه هذه المعرفة هو ميدان علاقات جميع الطبقات والفئات تجاه الحكومة، ميدان علاقات جميع الطبقات بعضها تجاه بعض” (6).

ليس هناك من شك أن الصياغة السابقة تبالغ في التشديد على الاختلاف بين العفوية والوعي، في حين أنه في الحقيقة يُعد الفصل الكامل بين العفوية والوعي أمراً ميكانيكياً بعيد كل البعد عن الديالكتيك. وكما سنرى لاحقاً فقد قبل لينين بذلك. لكن العفوية الكاملة ليس لها وجود؛ “فكل حركة عفوية تتضمن في طياتها عناصر أولية للقيادة الواعية” (7)، حتى أن أصغر الإضرابات يكون لها على الأقل قيادة بدائية.

ولينين نفسه، في مقالة كتبها في العام 1899 تحت عنوان “حول الإضرابات”، قد ناقض ما كتبه في “ما العمل؟” بشكل حاد بشأن العلاقة بين النضال الطبقي العفوي والوعي الاشتراكي. فكتب:

“إن كل إضراب يدفع بأفكار الاشتراكية بقوة شديدة إلى رأس العامل، أفكار نضال الطبقة العاملة بأسرها من أجل تحررها من نير رأس المال” (8).

“إن إضرابا يعلم العمال مم تتألف قوة أصحاب العمل، ومم تتألف قوة العمال، يعلمهم ألا يفكروا فقط بصاحب العمل، الذي يعملون لديه فحسب؛ ولا بزملائهم في العمل فحسب، بل يعلمهم كيف يهتمون بأصحاب الأعمال كلهم وبالطبقة الرأسمالية كلها، وأيضا بالطبقة العاملة كلها” (9).

“والإضراب، زيادة على ذلك، يفتح عيون العمال، لا على حقيقة الرأسماليين وحدهم، بل على حقيقة الحكومة والقوانين التي تحكمهم بها” (10).

أما المنطق الميكانيكي الذي يضع العفوية جنباً إلى جنب مع الوعي، وليس في تفاعل وتشابك معه، فكان يعني الفصل الكامل بين الحزب والعناصر الأساسية لقيادة الطبقة العاملة التي كانت آخذة في الصعود بالفعل من قبل النضال. فذلك المنطق يفترض أن لدى الحزب إجابات شافية على كل القضايا والتساؤلات التي يطرحها ويفرضها النضال العفوي.

وبشكل عام، يُعد الانفصال بين النضال الاقتصادي والسياسي غريباً على الماركسية؛ فالمطلب الاقتصادي – مهما كان فئوياً – يُطلق عليه مطلب اقتصادي بمصطلحات ماركس، لكن إذا توجه هذا المطلب ضد الدولة يغدو مطلباً سياسياً.

“إن محاولات الضغط على رأسماليين فرادى في مصنع معين، أو حتى في صناعة معينة، من أجل يوم عمل أقصر، إلخ، هي حركة اقتصادية تماماً. وعلى الجانب الآخر، فإن الحركة من أجل فرض قانون يحدد يوم العمل بثماني ساعات أو ما شابه، هي حركة سياسية. وبهذه الطريقة تترعرع حركة سياسية في كل مكان من التحركات الاقتصادية المعزولة للعمال، أي حركة طبقة بهدف فرض مصالحها في شكل عام، في شكل قوة اجتماعية قسرية.. وبالتالي فإن أي حركة تظهر فيها الطبقة العاملة كطبقة ضد الطبقات الحاكمة وتحاول إجبارها بالضغط من خارجها، هي حركة سياسية” (11).

إلا أنه في كثير من الحالات، لا تتطور النضالات الاقتصادية (الفئوية أو القطاعية) إلى نضالات سياسية (لكل الطبقة)، لكن ذلك لا يعني أن هناك حاجزاً كسور الصين بينهما، والكثير من النضالات الاقتصادية تفضي إلى نضالات سياسية بالفعل.

إلا أن تشديد لينين الميكانيكي على ضرورة التنظيم كان له فائدة كبيرة من الناحية العملية؛ إذ كان الماركسيون في روسيا، طوال أربع أو خمس سنوات، قد دفعوا الطبقة العاملة للمواجهة على المستوى المصنعي، وأصبح بعد ذلك ضرورياً أن يتم الدفع إلى الفعل السياسي، على الأقل في القطاع الواعي سياسياً من الجماهير.

النضال من أجل الديمقراطية والاشتراكية

كانت الفكرة الجوهرية التي سادت في كافة كتابات لينين حول المهام التنظيمية للحركة هي الحاجة للمناضل الاشتراكي الثوري الذي يدعم كل نضال ضد الاضطهاد، ليس الاقتصادي فقط، بل أيضاً السياسي والثقافي، وليس فقط الاضطهاد الواقع على العمال، بل أيضاً على كافة الكادحين والمسحوقين.

“إن القصاص الجسدي بالفلاحين، وارتشاء الموظفين، ومعاملة الشرطة “للعامة” في المدن، ومكافحة الجياع، وقمع مساعي الشعب إلى النور والمعرفة، والتفنن في جباية الضرائب، وملاحقة الشيع الدينية، وترويض الجنود ومعاملة الطلاب والمثقفين معاملة الجنود.. إن جميع هذه المظاهر والألوف الأخرى من مظاهر الاضطهاد المشابهة غير المرتبطة ارتباطاً مباشراً بالنضال الاقتصادي ينبغي أن تعتبر بشكل عام وسائل للتحريض السياسي ولجذب الجماهير إلى النضال السياسي” (12).

“ولا يمكن أن يكون وعي الطبقة العاملة وعياً سياسياً حقاً إذا لم يتعود العمال الرد على كل حالة من حالات الطغيان والظلم والعنف والاستغلال على اختلافها، بصرف النظر عن الطبقة التي توجه إليها، على أن يكون الرد من وجهة نظر الاشتراكية الديمقراطية لا من أية وجهة نظر أخرى” (13).

وإذا جرى فضح أشكال الاضطهاد ومظاهر الاستبداد هذه:

“سيدرك حتى أكثر العمال تأخراً وسيحس بأن الطالب وأبناء الشيع الدينية، والفلاح والكاتب، يتلقون الإهانات والطغيان من تلك القوة السوداء التي تضغط عليه وتسحقه في كل خطوة من حياته، وما أن يحس حتى يرغب، حتى يرغب أشد الرغبة في أن يرد بنفسه، ويستطيع عندئذ أن ينظم: اليوم عرضاً صاخباً في وجه المراقبين، وغداً مظاهرة أمام دار حاكم قام بقمع انتفاضة للفلاحين، وبعد غد إلقاء درس على الدرك لابسي مسوح الكهان الذين يقيمون بأعمال محاكم التفتيش المقدسة” (14).

وبهذه الروح من التضامن مع كافة المضطهدين، اقترح لينين في 1903 إصدار دورية خاصة لأبناء الشيع الدينية (الذين تجاوزوا الـ 10 ملايين في روسيا). وهذا هو نص مسودة القرار التي قدمها للمؤتمر الثاني للحزب:

“مسودة قرار إصدار دورية لأبناء الشيع الدينية:

بالوضع في الاعتبار أنه في العديد من الجوانب تمثل حركة الشيع الدينية روافد الحركة الديمقراطية في روسيا، فإن المؤتمر الثاني يستدعي انتباه كافة أعضاء الحزب إلى ضرورة العمل في أوساط الشيع الدينية من أجل وضعهم تحت تأثير الاشتراكية الديمقراطية. وعلى سبيل التجربة، يسمح المؤتمر الثاني للرفيق بونتش بروييفيتش (1*) بإصدار صحيفة شعبية، تحت إشراف هيئة تحرير الجهاز المركزي، تستهدف أبناء الشيع الدينية، كما يوصي المؤتمر الثاني اللجنة المركزية وهيئة تحرير الجهاز المركزي باتخاذ الإجراءات الضرورية لضمان نجاح إصدار هذه الجريدة، وتوفير كل الظروف من أجل تفعيلها جيداً” (15).

وبناءاً عليه، صدرت جريدة “الفجر”، التي استهدفت أبناء الشيع الدينية، لأول مرة في يناير 1904، واستمرت في الصدور لتسعة أعداد حتى سبتمبر من نفس العام. ولقد كان للعمل وسط هؤلاء المضطهدين قيمة اشتراكية عظيمة. وإذا ألقينا النظر على السيرة الذاتية لتروتسكي نستطيع أن نتصور كيف كانت المناطق العمالية، المكتظة بأبناء الشيع الدينية المختلفة، تعارض الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية. وبشكل عام، كانت لهذه المعارضة انعكاسات سياسية مباشرة (16).

وفي إطار التشديد على الحاجة إلى التصدي لكافة أشكال الاضطهاد، وصف لينين الاشتراكي الديمقراطي الثوري مقارناً إياه بالموظف النقابي:

“إن سكرتير أي نقابة، سكرتير نقابة إنجليزية مثلاً، يساعد العمال دائماً على القيام بالنضال الاقتصادي، وينظم التشهير بالحياة في المعامل، ويشرح الظلم الكامن في القوانين والتدابير التي تقيد حرية الإضراب وحرية إقامة مراكز الحراسة (لتنبيه الجميع وكل فرد إلى أن عمال هذا المعمل أو ذاك مضربون) ويبين تحيز الحكم الذي ينتمي إلى طبقات الشعب البرجوازية، إلخ، إلخ.. وباقتضاب، إن كل سكرتير نقابة يقوم ويساعد على القيام بـ”النضال الاقتصادي ضد أصحاب العمل والحكومة”.. إن المثل الأعلى للاشتراكي الديمقراطي لا ينبغي أن يكون سكرتير النقابة، بل الخطيب الشعبي الذي يحسن الرد على كل مظهر من مظاهر الطغيان والظلم بصرف النظر عن مكان حدوثه وعن الفئة أو الطبقة التي يصيبها هذا الطغيان والظلم، إنه يحسن تلخيص جميع هذه المظاهر ويخلق منها لوحة كاملة للطغيان البوليسي وللاستثمار الرأسمالي، يحسن الاستفادة من كل أمر مهما كان صغيراً لكي يعرض أمام الجميع عقائده الاشتراكية ومطالبه الديمقراطية ولكي يشرح للجميع ولكل فرد الأهمية التاريخية العالمية لنضال البروليتاريا التحرري” (17).

الحاجة إلى منظمة شديدة المركزية من الثوريين المحترفين

كانت الأشكال التنظيمية التي احتاجتها الاشتراكية الديمقراطية مشتقة من المهام السياسية نفسها. وهذه المهام التي حملتها الحركة على عاتقها تطلبت في المقام الأول نضال حتى الموت ضد ما أسماه لينين “الأسلوب الحرفي للتنظيم”، واصفاً حلقات الدراسة الماركسية في الفترة بين 1894 و1901:

“حلقة طلاب لا تربطها أي صلة بمناضلي الحركة القدامى، لا تربطها أي صلة بالحلقات القائمة في المناطق الأخرى، وحتى في الأحياء الأخرى من المدينة (أو في المعاهد الأخرى)، دون أي تنظيم لمختلف أجزاء العمل الثوري، دون أي منهاج عمل منتظم لأي فترة، حلقة تقيم صلات مع العمال وتبدأ العمل، وتوسع الحلقة الدعاية والتحريض شيئاً فشيئاً وتكتسب بمجرد عملها تحبيذ وتعاطف فئات واسعة إلى حد ما من العمال، وتحبيذ وتعاطف قسم من المجتمع المثقف يقدم لها النقود ويضع تحت تصرف “اللجنة” جماعة من الشبيبة بعد أخرى. وتزداد جاذبية اللجنة ويتسع ميدان نشاطها، وهي توسع هذا النشاط بصورة عفوية تماماً.

يقيمون الصلات بالعمال ويحافظون عليها ويحضرون المنشورات ويصدروها، يقيمون الصلات مع فرق من الثوريين ويحصلون على المطبوعات ويشرعون بإصدار جريدة محلية ويأخذون بالحديث عن تنظيم مظاهرة وينتقلون في النهاية إلى الأعمال الحربية المباشرة المكشوفة (علماً بأن هذه الأعمال الحربية المكشوفة قد تكوب حسب الظروف أول نشرة من نشرات التحريض أو أول عدد من أعداد الجريدة أو أول مظاهرة). وفي المعتاد تفضي بداية هذه الأعمال بالذات إلى الانهيار التام على الفور، تفضي على الفور إلى الانهيار التام لأن هذه الأعمال الحربية لم تأت على وجه الدقة نتيجة لمنهاج منتظم وُضع سلفاً بعد تبصر وإعمال فكر لنضال مديد وعنيد، بل مجرد تطور عفوي لعمل الحلقات حسب المعتاد” (18).

“ومثل هذه الحرب لا يمكن أن يقارن إلا بحملة زمر من الفلاحين مسلحين بالهراوات ضد جيش حديث. ولا يسع المرء إلا أن يدهش لحيوية هذه الحركة التي كانت تتسع وتنمو وتحرز الانتصارات بالرغم من انعدام التدريب انعداماً تاماً لدى المقاتلين. صحيح أن بدائية العتاد لم تكن في البدء أمراً محتوماً وحسب، بل كانت أيضاً أمراً مشروعاً من وجهة النظر التاريخية باعتبارها شرطاً من شروط جذب المقاتلين على نطاق واسع. ولكن منذ بدأت المعارك الحربية الخطيرة (وقد بدأت في الأساس بإضرابات صيف 1896) أخذت نواقص تنظيمنا الحربي تزداد وضوحاً أكثر فأكثر” (19).

أدى الطابع الهاوي للحركة إلى أن تكون عرضة للهجوم والاختراق الأمني:

“تكيفت الحكومة بسرعة مع ظروف النضال الجديدة واستطاعت أن تحشد في الأماكن المناسبة ما لديها من فصائل المخبرين والجواسيس والدرك المجهزين بجميع العتاد الحديث، وأخذت الضربات تنهال بتواتر وتشمل جمهوراً كبيراً جداً من الأشخاص وتكنس الحلقات المحلية إلى درجة أن كانت جماهير العمال تفقد، بالمعنى الحرفي للكلمة، جميع قادتها، وتغدو الحركة في بلبلة شديدة ولا يعود بإمكانها أن تبقي على أية استمرارية أو أي تناسق في العمل. وقد كانت النتيجة المحتومة لهذه الظروف التي وصفناها أن انقسم المناضلون المحليون انقساماً مذهلاً، وأصبح تركيب الحلقات عرضياً، وانعدم الاستعداد، وضاق أفق النظر في ميادين المسائل النظرية والسياسية والتنظيمية. وقد بلغ الأمر أن أصبح العمال في بعض المناطق، بسبب النقص في رباطة جأشنا وفي سرية عملنا، يفقدون ثقتهم بالمثقفين ويتهربون منهم، ويقولون أن المثقفين يسببون الإخفاقات من جراء طيشهم المفرط” (20).

ذلك كان نقداً لاذعاً بالتأكيد، ولم يستثن لينين أحداً منه، حتى نفسه.

“أرجو ألا يعتب على أحد من المشتغلين في الميدان العملي لهذه الكلمة الخشنة، إذ أني أنسبها لنفسي قبل كل شيء ما دمنا نتحدث عن قلة الاستعداد. لقد عملت في حلقة وضعت نصب عينيها أهدافاً واسعة شاملة، وقد شعرنا جميعاً نحن أعضاء هذه الحلقة بالأمل يحز في قلوبنا إذ أدركنا أننا حرفيون في ظرف تاريخي يمكننا أن نقول فيه مع بعض التغيير عبارة من العبارات الشائعة: “اعطونا منظمة من الثوريين، نقلب روسيا رأساً على عقب”، وبمقدار ما وجب عليّ منذ ذلك الحين أن أتذكر شعور الخجل الممض الذي كان يحز في نفسي آنذالك، كانت تمتلئ نفسي بالمرارة ضد أولئك الاشتراكيين الديمقراطيين المزيفين الذين “يهينون لقب الثوري” بدعايتهم، والذين لا يفهمون أن واجبنا ليس الدفاع عن الهبوط بالثوري إلى مستوى الحرفي، بل رفع الحرفيين إلى مستوى الثوريين” (21).

وهكذا، توصل إلى استنتاج إيجابي يفيد بإنشاء “منظمة من القادة، ثابتة وتحافظ على الاستمرارية”:

“ينبغي لهذه المنظمة أن تتألف بصورة رئيسية من أناس يجعلون من النشاط الثوري مهنة لهم. ففي بلاد يسودها الاستبداد، ينبغي أن يكون هذا هو قوام أعضاء هذه المنظمة بحيث لا يشترك فيها غير الأشخاص الذين جعلوا من النشاط الثوري مهنة لهم والذين تدربوا مهنياً على فن النضال ضد الشرطة السياسية، وهكذا تزداد صعوبة “اصطياد” هذه المنظمة” (22).

أما تجنيد الثوريين المحترفين للحركة لا ينبغي أن يقتصر على حلقات الطلاب والمثقفين.

“إن المحرض العامل لا ينبغي أن يعمل في المصنع إحدى عشرة ساعة، إذا كان موهوباً و”باعثاً للآمال” ولو إلى حد ضئيل. ينبغي لنا أن نبذل جهدنا لكي يعيش على نفقة الحزب، لكي ينتقل إلى السرية في الوقت الملائم، لكي يغير مكان نشاطه، إذ أنه إن لم يفعل ذلك لا يمكنه أن يكتسب خبرة كبيرة وأن يوسع أفقه وأن يصمد عدة سنوات على الأقل في النضال ضد الدرك” (23).

في السنوات اللاحقة، اتهم عدد من أنداد لينين في المعسكر المنشفي لينين بإعلاء دور الإنتلجنسيا على العمال في “ما العمل؟”. لكن الأمر لم يكن كذلك؛ ففي الحقيقة هاجم لينين الإنتلجنسيا بسبب “ما تعودوا عليه من الإهمال والركود”. وعلى العمال الذين اعتادوا على الالتزام من حياة المصانع، ينبغي إجبار الإنتلجنسيا على الالتزام بقبضة الحزب الحديدية. وقبل كل شيء، فإن دور الإنتلجنسيا في الحزب هو دور انتقالي. “دور الإنتلجنسيا هو أن تجعل بعض القادة المتميزين بين الإنتلجنسيا غير ضروري” (24).

الإيسكراكأداة ناظمة

منذ أن بدأت “الإيسكرا” في الصدور، أوضح لينين أن الجريدة هي السلاح الذي يمكن به بناء منظمة مركزية لعامة روسيا. وفي مقالة بعنوان “بم نبدأ؟” (نُشرت في العدد الرابع من الإيسكرا) وصف دور الجريدة بأنه لا ينبغي أن:

“يقتصر على مجرد نشر الأفكار، على مجرد التربية السياسية واجتذاب الحلفاء السياسيين. إن الجريدة ليست فقط داعية جماعيا ومحرضا جماعيا، بل هي في الوقت نفسه منظم جماعي. ومن هذه الناحية الأخيرة يمكن أن تقارن بالصقالات التي تنصب حول بناية يجري تشييدها فتشير إلى معالم البناية وتسهل الاتصال بين البناة وتساعدهم على توزيع العمل بينهم وعلى رؤية مجمل النتائج التي أحرزها العمل المنظم. وبواسطة الجريدة وبالاتصال معها، سيتكون من تلقاء ذاته تنظيم دائم لا يقوم بعمل محلي وحسب، بل يقوم أيضا بعمل عام منتظم، ويعوّد أعضاءه على تتبع الأحداث السياسية باهتمام وعناية، وتقدير أهميتها وتأثيرها في مختلف فئات السكان، وإيجاد أساليب صائبة لتأثير الحزب الثوري في هذه الأحداث. وإن المهمة التقنية وحدها، وهي تزويد الجريدة بالمواد بانتظام وتوزيعها بانتظام، تجبر على إنشاء شبكة من الوكلاء المحليين للحزب الموحد، وكلاء يكونون على صلة حية بعضهم مع بعض، ويعرفون وضع الأمور العام، ويعتادون أن ينفذوا بانتظام وظائف العمل الروسي العام الجزئية، ويمتحنون قواهم في تنظيم هذه أو تلك من الأعمال الثورية.

إن هذه الشبكة من الوكلاء ستكون صقالة هذه المنظمة التي نحتاجها على وجه التحقيق: منظمة تكون على ما يكفي من الكبر بحيث تشمل البلد كله؛ على ما يكفي من رباطة الجأش بحيث تستطيع في جميع الظروف وفي جميع الانعطافات والمفاجآت أن تقوم بعملها باستقامة؛ على ما يكفي من المرونة بحيث تستطيع من جهة أن تتجنب المعركة في ميدان مكشوف ضد عدو ذي قوة ساحقة، وحشد جميع قواه في نقطة واحدة، وبحيث تستطيع من جهة أخرى أن تستغل خراقة هذا العدو وتهاجمه حيث وعندما لا يتوقع الهجوم” (25).

الجريدة كناظم لقادة الانتفاضة المسلحة المستقبلية

لم يتوقف خيال لينين الخلاق عند رؤية الجريدة كناظم لحزب من المحرضين الثوريين، بل أوضح في “ما العمل؟” أن على الشبكة المنسوجة حول الجريدة أن تكون قاعدة منظمة الانتفاضة المسلحة المستقبلية ضد القيصرية.

“المنظمة التي تتألف من تلقاء نفسها حول هذه الجريدة.. ستكون على استعداد لكل شيء ابتداءاً من إنقاذ شرف الحزب وسمعته واستمرارية عمله في فترات أشد الضغوط على الثوريين وانتهاءاً بإعداد الانتفاض الشعبي المسلح وتحديد زمنه وتحقيقه.. تصوروا من ناحية أخرى الانتفاض الشعبي. يتراءى لنا أن الجميع يوافقون اليوم على ضرورة التفكير به والاستعداد له، ولكن كيف نستعد؟.. إن شبكة الوكلاء التي تتألف من تلقاء نفسها في العمل على تنظيم وتوزيع الجريدة العامة، لن تنتظر “مكتوفة الأيدي” شعار الانتفاض، بل ستقوم على وجه التحقيق بعمل منتظم يضمن لها أكبر إمكانيات النجاح في حالة الانتفاض. وهذا العمل يوثق الصلات بأوسع جماهير عمالية وبجميع الفئات الساخطة على الاستبداد، وهو أمر كبير الأهمية بالنسبة للانتفاض. وعلى أساس هذا العمل بالذات تنمو ملكة التقدير الصحيح للوضع السياسي العام، وبالتالي الاختيار الموفق للحظة المناسبة للانتفاض. وهو الذي يعلم جميع المنظمات المحلية على النهوض في وقت واحد للاستجابة إلى المسائل والطوارئ والأحداث السياسية الواحدة التي تثير روسيا من أقصاها إلى أقصاها، والاستجابة إلى هذه “الأحداث” بأكثر ما يمكن من النشاط والتجانس والعقلانية. وما الانتفاض في الجوهر غير “جواب” الشعب كله على الحكومة بأكثر ما يكون من النشاط والتجانس والعقلانية. وهذا العمل بالذات يعلم، أخيراً، جميع المنظمات الثورية في أنحاء روسيا أن تقيم بينها الروابط المنتظمة جداً والسرية جداً في آن واحد، هذه الروابط التي تنشئ وحدة الحزب الفعلية. والحال لا يمكن بدون هذه الروابط أن يُبحث بصورة مشتركة مشروع الانتفاض وأن تُتخذ التدابير التحضيرية الضرورية التي ينبغي أن تبقى في طي الكتمان التام” (26).

“نحن بحاجة إلى منظمة وكلاء عسكرية” (27)، حينها كان عام 1905 وشيكاً.

هيكل الحزب

لقد تطورت الخطة التنظيمية التي دافع عنها لينين في “ما العمل؟” بشكل كبير وأكثر وضوحاً في تلك الوثيقة التي كتبها بعد عدة أشهر، “رسالة إلى رفيق حول مهامنا التنظيمية”، والتي تم توزيعها على نطاق واسع، ومن ثم صدرت مطبوعة في شكل كراس في 1904.

يجب على الحزب أن يتضمن مركزين قياديين؛ جهازاً مركزياً، ولجنة مركزية. الأول من أجل قيادة الحزب أيديولوجياً، والثاني للقيادة المباشرة العملية. ومن أجل أن يبقى الجهاز المركزي بعيداً عن متناول أجهزة القمع الروسية، وللتأكيد على تماسكه واستقراره، كان عليه أن يبقى بالخارج.

وتحت مستوى اللجنة المركزية، هناك هيكل الحزب الذي يتشكل من نوعين من اللجان؛ محلية (تمثل المدن) ومصنعية (تمثل المصانع). اللجنة المحلية “ينبغي أن تضم اشتراكيين ديمقراطيين متماسكين تماماً يكرسون أنفسهم بالكامل للأنشطة الاشتراكية الديمقراطية”، كما يجب ألا تكون كبيرة:

“يجب أن لا تضم اللجان، قدر المستطاع، عدداً واسعاً من الأعضاء في صفوفها (لكي يكون بالإمكان تأليفها من أناس يملكون حظاً جيداً من التعليم، ويتقن كل منهم فنون الفرع الذي يعمل فيه من فنون النشاط الثوري) بيد أنها ينبغي أن تضم في الوقت نفسه عدداً يكفي لتولي أمر العناية بكافة جوانب العمل وضمان التمثيل الكامل والقرارات الملزمة. وإذا صادف أن كان عدد الأعضاء كبيراً للغاية وكان أمر اجتماعهم محفوفاً بالمخاطر في غالب الأحيان فقد يكون من الضروري عندها انتقاء مجموعة تنفيذية خاصة وصغيرة للغاية من بين أعضاء اللجنة (على أن لا يزيد العدد عن خمسة مثلاً، وحتى أقل من ذلك). ولابد أن تضم هذه المجموعة سكرتير اللجنة والأعضاء الذين يتمتعون بأفضل مقدرة على التوجيه العملي لسائر جوانب العمل” (28).

ومن الضروري أن تبقى الهيئات التالية تحت سلطة اللجان المحلية:

“1) اجتماعات المناقشة (مؤتمرات “أفضل” الثوريين)، 2) حلقات المنطقة، 3) حلقة للدعاة ملحقة بكل حلقة من تلك الحلقات. 4) حلقات المصنع، 5) “اجتماعات ممثلي” المندوبين من حلقات المصنع في منطقة معينة. أتفق معك تماماً بأن كافة المؤسسات اللاحقة والتي ينبغي أن يوفر منها عدد كبير للغاية وعلى درجة متناهية من التنوع، إضافة إلى تلك التي أتيت على ذكرها، يجب أن تكون خاضعة إلى اللجنة، وأن من الضروري أن تكون هناك مجموعات منطقة (للمدن الكبيرة جداً) ومجموعات مصنعية (دوماً وفي جميع الأماكن)” (29).

وفي المدن الكبيرة، كان هناك حاجة لمجموعات المناطق التي تقوم بدور الوسيط بين اللجنة المحلية واللجان المصنعية.

“ننتقل الآن إلى حلقات المصنع. تتسم هذه بأهمية خاصة بالنسبة لنا؛ فالمصانع الواسعة (والمعامل) لا تضم القسم الغالب من الطبقة العاملة، عدديا، وحسب بل وأكثر من ذلك، إنها تضم أكبر أقسامها نفوذاً وتطوراً وقدرة على الكفاح. ينبغي أن نجعل من كل مصنع حصنا لنا.

فور تكوين هذه اللجنة عليها الشروع بتنظيم عدد من مجموعات وحلقات المصنع تقوم بمختلف المهمات وتتفاوت من حيث درجة السرية والشكل التنظيمي. مثلا, حلقات لاستلام وتوزيع الأدبيات (وهذه من أهم الوظائف التي ينبغي تنظيمها بهدف أن توفر لنا خدمات بريدية حقة ومن أجل أن تكون بحوزتنا طرقاً مجربة وفعالة لا لتوزيع الأدبيات فقط وإنما لتسليمها إلى البيوت كذلك وتوفير معلومات محددة بعناوين العمال وطرق الوصول إليها) وحلقات لقراءة الأدبيات الممنوعة ومجموعات لتعقب الجواسيس وحلقات لإعطاء توجيه خاص إلى الحركة النقابية والكفاح الاقتصادي, وحلقات المحرضين الدعاة تعرف كيف تثير الأحاديث الطويلة وتواصلها بطريقة مشروعة تماما”.

وكان على لجنة المصنع أن تتضمن داخلها مجموعة صغيرة من الثوريين تحت إشراف اللجنة المحلية. و”عضو لجنة المصنع عليه أن يعتبر نفسه وكيلاً من وكلاء اللجنة، ملزماً بالخضوع إلى جميع أوامرها والتقيد بكافة “القوانين والأعراف” الخاصة بـ “جيش في الميدان” انضوى تحت لوائه، ولم يعد له الحق في التغيب عنه أيام الحرب دون إجازة رسمية” (30).

كان هيكل الحزب لدى لينين يهدف إلى تحقيق أقصى تقسيم للعمل، وخلق قيادة مركزية تدخلية حقيقية، علاوة على أكبر اتساع ممكن للمسئولية والمبادرة لكافة الأعضاء. أما المبدأ المركزي لنشاط الحزب، فهو موضح كالتالي:

“ينقلنا هذا إلى مبدأ هام للغاية لكافة منظمات الحزب ونشاطاته، ففي الوقت الذي تحتم فيه الضرورة توفر أقصى قدر من المركزية فيما يتعلق بالقيادة الإيديولوجية والعملية للحركة والكفاح الثوري للبروليتاريا، هناك بالمقابل ضرورة لتوفر أقصى قدر من اللامركزية فيما يتعلق بجعل مركز الحزب (وبالتالي الحزب كله) على علم بأحوال الحركة وما له علاقة بالمسؤولية إزاء الحزب. يجب أن تودع قيادة الحركة بيد أصغر عدد ممكن من الثوريين المحترفين الذين يأتلفون في جماعات على أقصى قدر من التجانس وأقصى قدر من الخبرة العملية. على المساهمين بالحركة أن يتغلغلوا إلى أكبر عدد ممكن من المجموعات المتنوعة والمتنافرة إلى أقصى الحدود من أقسام البروليتاريا المتنوعة غاية التنوع (وكذلك إلى الطبقات الأخرى من الشعب).. علينا أن نمركز قيادة الحركة. ولهذا فإن علينا كذلك.. وبقدر ما نستطيع أن نضفي طابعا لا مركزيا على المسؤولية من الحزب من جانب جميع أعضائه كأفراد ومن جانب كل من له دور في العمل ومن كل حلقة تعود إلى الحزب أو على اتصال به. هذه اللامركزية شرط مسبق للمركزية الثورية ودواء شاف لها” (31).

القواعد التنظيمية والخطوط الحمراء

كان على لينين أن يوضح رؤيته فيما يخص القواعد التنظيمية كالتالي:

“إننا لا نحتاج إلى نظام داخلي بل إلى تنظيم المعلومات الحزبية، إذا كان التعبير واردا. إن كل منظمة من منظماتنا المحلية تنفق الآن ما لا يقل عن بضع أماس لمناقشة النظام الداخلي. غير أنه بدلا من هذا، لو قام كل عضو بتكريس هذا الوقت لكتابة تقرير مفصل وجيد الإعداد إلى الحزب كله حول الوظيفة التي يقوم بها، لكانت فائدة ذلك إلى عملنا أعظم مائة مرة.

والنظام الداخلي لا نفع فيه لا لأن العمل الثوري لا يتناسب دوما مع شكل تنظيمي محدد. كلا، فالشكل التنظيمي المحدد ضروري وعلينا أن نحاول إعطاء مثل هذا الشكل إلى سائر جوانب عملنا بقدر الإمكان. وهذا أمر مسموح به إلى حد أبعد مما نعتقده، عادة، ولا يمكن أن يتحقق إلا من خلال إرسال المعلومات الدقيقة إلى مركز الحزب فقط (وعلينا أن نعيد ونكرر) ففي تلك الحالة وحدها سيكون عندنا شكل تنظيمي حقيقي يتصل بمسؤولية حقيقية وبالدعاية الحزبية الداخلية” (32).

“آمل أنه نتيجة ذلك قد صار واضحا إلى القارئ لكي يكون من الممكن البدء من دون حاجة إلى نظام داخلي والاستعاضة عنه بتقارير منتظمة حول كل حلقة وكل جانب من جوانب العمل” (33).

وفي الحقيقة، عندما كتب لينين مسودة للقواعد الحزبية في أواخر يونيو وأوائل يوليو 1903، كانت تلك القواعد قليلة العدد وبسيطة للغاية ومشبعة تماماً بروح “ما العمل؟” و”رسالة إلى رفيق حول مهامنا التنظيمية”.

أشار لينين، بشيء من السخرية، إلى قواعد مارتوف الحزبية، تلك القواعد الغارقة في “فيضان الإسهاب والصيغ البيروقراطية (حيث تبقى هذه الصيغ عديمة النفع للعمل، والمفترض أن تفيد في الاستعراض)” (35). هذه القائمة الطويلة من القواعد – 48 فقرة في مقال 12 للينين – مثلت بالتأكيد “تضخم في الإسهاب، وشكلية بيروقراطية حقيقية غلفت النقاط والفقرات عديمة النفع” (36).

من الناحية العملية، كان الشق اللينيني غير رسمي بشكل كبير بالفعل، فقد كان لينين يسعى لبناء منظمته من خلال موزعي ومراسلي الإيسكرا. وكما سنرى فيما بعد، عندما فقد لينين تأييد اللجنة المركزية التي كان عضواً فيها بعد المؤتمر الثاني، وجد مؤيدين آخرين حول مؤتمر جديد انعقد وانتخب مكتباً روسياً. وفي 1909، عند الانشقاق مع بوجدانوف، قام لينين بطرد بوجدانوف من خلال اجتماع لهيئة التحرير الموسعة لمجلة بروليتاري، على الرغم من أن بوجدانوف كان منتخباً للمركز البلشفي في مؤتمر 1907.

إن الهيكل الحزبي المبالغ في الرسميات يتصادم حتمياً مع السمتين الأساسيتين للحركة الثورية: 1- عدم التكافؤ في الوعي والنضالية للأقسام المختلفة من المنظمة الثورية، 2- وحقيقة أن الأعضاء الذين يلعبون دوراً إيجابياً وطليعياً في مرحلة معينة من النضال يتراجعون للخلف في أخرى.

البطلوالجموع

كان أحد التفسيرات التي تبناها بعد ذلك كلٌ من أنداد لينين المناشفة ورجال الصف الثاني من الستالينيين لـ “ما العمل؟”، هو أن الكتاب يضع تشديداً على دور “الأبطال” على حساب دور “الجموع”.

إلا أن هذا التفسير يفتقر بشدة إلى أدنى درجة من الإنصاف، كما أن ليس له أي أساس من الصحة. فطوال حياته، لم يكن هناك ما هو أغرب إلى أفكار لينين من وضع خط فاصل بين “البطل” و”الجموع”، وحتى إذا أحب هذ البطل الجموع، فلا يسعه إلا أن ينظر إليهم من أعلى، وتلك هي جهة النظر التي ترى الجماهير خاملة ومعتمدة بالكلية على “البطل”. أما لينين، فلم يكن ينظر في مرآة التاريخ على اللإطلاق باحثاً فيها عن نفسه، وكما كتب لوناتشارسكي مقارناً بين لينين وتروتسكي، فإن: “تروتسكي دون شك ميال في كثير من الأحيان إلى الخطو قليلاً إلى الخلف وتأمل نفسه، إنه يعتز بدوره التاريخي، وقد يكون مستعداً للإقدام على أية تضحية شخصية، بما في ذلك التضحية الأعظم – حياته – من أجل أن يبقى محاطاً في الذاكرة الإنسانية بهالة القائد الثوري الأصيل” (37). وفي المقابل: “لينين أيضاً ليس طموحاً على الإطلاق. ولا أعتقد أبداً أنه يخطو إلى الوراء ويتأمل نفسه، أو حتى يفكر فيما سترويه الأجيال القادمة عنه، إنه بكل بساطة مستمر في عمله”.

ولاحظ أولئك الذين عرفوا لينين وقابلوه عدم إدراكه أهمية ذاته. أنجيليكا بلابانوفا، على سبيل المثال، لم تكن حتى تتذكر متى تحديداً قابلت لينين في المنفى؛ فقد “كان ظاهرياً أكثر القادة الثوريين افتقاراً لأي لون مميز”. أما بروس لوكارت، القنصل البريطاني في موسكو 1917، فقد قال لدى مقابلته لينين بعد انتصار ثورة أكتوبر: “للوهلة الأولى يبدو (لينين) أشبه ببائع خضراوات محلي أكثر من كونه قائداً شعبياً” (38). ونفس القصة تلتها الألمانية كلارا زيتكين عندما استقبلها لينين ضمن وفد من الشيوعيين الألمان في الرايخستاج (البرلمان الألماني) ذوي المعاطف الصوفية وعزة الذات.. توقع الألمان شخصاً مختلفاً، حيث جاء لينين في الموعد المحدد ودخل الغرفة دون أن يلفت انتباهاً وتحدث بتلقائية وبساطة إلى درجة أنهم لم يخطر ببالهم أن من يتحدثون إليه هو لينين (2*).

وسجل أحد البلاشفة القدامى في مذكراته، المنشورة عام 1924، أن “الانطباع الأول الذي تولد لديّ تجاهه، وربما لدى كثيرين غيري، كان غريباً. فلم تترك هيئته المألوفة أي أثر عندي” (39).

أما مكسيم جوركي فقد وصف انطباعه الأول عن لينين على النحو التالي: “لم أكن أتخيل أن لينين يبدو هكذا، وبالنسبة لي كان هناك شيئاً غريباً ناقصاً.. كان عاقداً ذراعيه يدس كفيه تحت إبطيه. كان بشكل ما رجل طبيعي للغاية.. ولم يعط أي انطباع بقائد” (40).

كان لينين شخصاً متواضعاً للغاية. فلننظر الآن إلى ما كتبه في استبيان لعضوية الحزب الشيوعي السوفييتي (البلشفي سابقاً) في 13 فبراير 1922: “اللغة: الروسية. اللغات الأخرى التي يمكنك تحدثها: ليس هناك لغات أخرى” (41). في الحقيقة، كان لينين يقرأ ويتحدث الألمانية والفرنسية والإنجليزية بطلاقة، وكان يقرأ الإيطالية أيضاً، ومشاركته في جلسات ولجان الكومنترن (الأممية الشيوعية الثالثة) بثبت ذلك بما لا يدع مجالاً للشك.

وقبل أي شيء، لم يسع لينين على الإطلاق للتعبير عن أي زهو بمجد استشهاد أخيه الأكبر الذي أعدمه الحكم القيصري في 1887. وفي الـ 55 مجلد للنسخة الخامسة والأخيرة والأكثر اكتمالاً لأعماله الكاملة، لم يذكر حتى إسم أخيه ألكساندر إلا بالصدفة البحتة ثلاث مرات فقط: المرة الأولى حين كان يملئ استبياناً حزبياً، والثانية في خطاب عام 1921، حينما كان يتحدث عن شخص اسمه شيبوتاريف: “منذ عقود كنت أعرف شخصاً يُدعى شيبوتاريف له علاقة بقضية أخي الأكبر، ألكساندر إيليتش أوليانوف، الذي أُعدم في 1887. شيبوتاريف رجل طيب ومخلص للغاية بلا شك”. والمرة الثالثة كان في مقالة ذكر فيها إسم أخيه ضمن آخرين صدر بحقهم حكم الإعدام في نفس القضية.

الحركة الثورية الصاعدة

كانت “الاقتصادوية”، التي انتقدها لينين بحدة في “ما العمل؟”، تتدهور بشدة، ومن الناحية العملية قد انتهت تماماً في الوقت الذي رأى فيه كتيب لينين النور. إلا أن بعد عدة سنوات، كان بوسع لينين أن يعلن أن أتباع رابوتشي ديلو كانوا أكثر قوة بكثير، بين 1898 و1900، من أتباع الإيسكرا سواء في الخارج أو في داخل روسيا (42)، لكن بعد ذلك اضمحلت الاقتصادوية بشكل سريع. انتهت فترة الرخاء الصناعي في روسيا في 1898 – 1900، وصارت حركة الإضرابات العمالية تضعف حيث أصبح عدد العمال المنخرطين في الإضرابات في 1901 يمثلون فقط ثُلث من شاركوا في إضرابات 1899. وقد تغير أيضاً الطابع السائد على حركة الإضرابات التي أصبحت أكثر تبعثراً وتفتتاً، فيما كان هناك الكثير من الاحتجاجات التي تعاملت معها الشرطة والجيش بقسوة وعنف. ازداد التحريض الثوري بشكل كبير، ونُظمت الكثير من مظاهرات الشوارع.

خلال السنوات من 1900 إلى 1903، كان لينين مشغولاً للغاية في بناء الإيسكرا وشبكة الوكلاء الملتفة حولها من الثوريين المحترفين عبر كل روسيا كعمود فقري للحزب المستقبلي، فيما شهدت تلك السنوات أيضاً صعود هائل في الشعور الثوري لدى الجماهير الروسية.

وكما حدث هذه المرة ومن قبل أيضاً، سبقت الحركة الطلابية حركة جماهير الطبقة العاملة. فعندما تكون الأزمة الاجتماعية حادة وعميقة، بينما لا تكن الطبقة العاملة على استعداد بعد لتولي مهمة تجاوزها، غالباً ما يتقدم الطلاب في هذه الحالات لسد الفراغ. وفي 1899، اندلعت تحركات طلابية عاصفة وتشكلت تنظيمات طلابية مختلفة، فيما تكررت الصدامات كثيراً، وأصبح لاحتجاجات الطلاب ضد اضطهاد وقمع الشرطة طابعاً جماهيرياً.

في فبراير 1899، أدت الأساليب القمعية الشرسة لشرطة بطرسبورج ضد الطلاب إلى إضراب عام لطلاب الجامعات عبر كافة أنحاء روسيا شارك فيه نحو 5 آلاف طالب. وبعد أشهر قليلة، نظم طلاب كييف مظاهرة صغيرة احتجاجاً على نفي بعض من زملائهم كانوا قد تحدثوا من قبل في أحد الاجتماعات الطلابية. وكنتيجة لهذه المظاهرة، أُلقي القبض على 183 طالب أرسلوا بعد ذلك إلى الجيش، وفي بطرسبورج جرى الأمر بشكل مشابه حيث عوقت 30 طالب بإرسالهم إلى الخدمة العسكرية.

كان الطلاب مُثارين تماماً مما كان يحدث؛ حيث انعقدت الاجتماعات في كل الجامعات ووزِعت المنشورات الداعية لاحتجاجات موحدة. وفي 4 مارس، عندما فضت الشرطة مسيرة للطلاب في شوارع خاركوف، انضمت أعداد غفيرة من العمال إلى الطلاب واستمرت الاشتباكات مع الشرطة في الشوارع طوال اليوم، ردد خلالها المتظاهرون الأغاني الثورية وعلت أصواتهم بالهتاف ضد الحكومة. وبعد أيام قليلة، عندما أُلقي القبض على مئات الطلاب في موسكو وأُرسلوا لسجن مارستال، تجمعت مجموعات كبيرة من العمال والبرجوازية الصغيرة أمام المبنى معبرين عن تعاطفهم وتضامنهم مع الطلاب (43).

ذلك النشاط الجماهيري الواسع كان يعني أن الأزمة الاجتماعية تزداد عمقاً، لكن الجماهير العمالية لم تكن تتحرك بالسرعة الكافية. لكن على الرغم من مرور العام 1900 بسلام على الطبقة العاملة، إلا أن إضراباً عاماً في خاركوف قد تخلله في 1 مايو تحت تأثير التحريض المكثف للجان الاشتراكية الديمقراطية المحلية. وفي ذلك الإضراب، رفع العمال مطالب سياسية جعلت منه، بدرجة ما، نقطة تحول في تطور حركة الطبقة العاملة الروسية (44).

بعد ذلك انتعشت الحركة واتسعت كثيراً، ومنذ 1901 بدأ العمال في خاركوف وموسكو وتومسك، كما في مدن أخرى، في المشاركة في المظاهرات الطلابية التي أضفوا عليها طابعاً أكثر قوة ونضالية. أصبحت الصدامات الدموية مع الشرطة والجيش أمراً معتاداً، وتحولت محاولة الجيش لسحق إضراب مصنع أوبوخوف للذخائر في مقاطعة فيبورج بمدينة بطرسبورج إلى حصار المصنع عسكرياً والقبض على حوالي 800 عامل، حوكم الكثيرون منهم أمام محكمة عسكرية حكمت عليهم بالأشغال الشاقة.

وفي شتاء 1901 – 1902، حدث إضراب عام شارك فيه أكثر من 300 ألف طالب. وفي الذكرى الأربعين لتحرير العبيد الفلاحين، في 19 فبراير 1901، نظم الطلاب مظاهرة حاشدة شاركت فيها أعداد كبيرة من العمال. والأكثر تأثيراً من ذلك كان المظاهرات التي اندلعت في موسكو في 23 إلى 26 فبراير، حيث اندفعت موجات من عشرات الآلاف من العمال الذين استطاعوا إجبار القوزاق على التراجع إلى الوراء في حين كانوا يهاجمونهم بالسياط، وشهدت موسكو في تلك الفترة متاريس الشوارع للمرة الأولى. وبعد ذلك، في مارس، ثم في مايو، انطلقت مظاهرات حاشدة في بطرسبورج تصاعدت في صورة معارك مباشرة بين عمال أوبوخوف والشرطة، سقط فيها من العمال 6 شهداء و80 جريحاً، كما وقعت اشتباكات مشابهة في تيفليس في أبريل، وفي إيكاترينوسلاف في ديسمبر من نفس العام.

وفي نوفمبر 1902، تحول إضراب عمال السكك الحديدية في روستوفون – دون إلى إضراب عام خاضه عمال كافة المصانع بالمدينة تضامناً مع عمال السكك الحديدية. وخلال تلك الإضرابات، تم تنظيم اجتماعات جماهيرية حضرها عشرات الآلاف من العمال وتصدرها في الحديث النشطاء الاشتراكيين الديمقراطيين. وفي يوليو 1903، اندلعت موجة جديدة من الإضرابات، إلا أن هذه المرة لم تقتصر الإضرابات على مدينة واحدة؛ فقد شملت كافة أرجاء أوكرانيا وأقاليم القوقاز أيضاً، كما امتدت رقعة الإضرابات السياسية إلى باكو وتيفليس وأوديسا ونيكولاييف وكييف وإيليزافيتجراد وإيكاترينوسلاف وكريتش، وكان إجمالي عدد العمال الذين شاركوا في تلك الإضرابات حوالي ربع مليون عامل. وعلاوة على ذلك، توازت تلك الإضرابات مع مظاهرات ثورية ضخمة عمدت قوات الشرطة والجيش إلى قمعها بشراسة.

خلال الأعوام 1901 إلى 1903، صار العمال يمثلون الند السياسي الأكثر حيوية ضد القيصرية، ويتضح ذلك بجلاء من خلال الإحصاءات المتوفرة حول وظائف المشاركين في الحركة والذين سُددت إليهم اتهامات بارتكاب جرائم ضد الدولة. فمن بين كل 100 شخص، كان هناك:

  النبلاء الفلاحون العمال المثقفون
46 – 1827 76 ؟ ؟ ؟
90 – 1884 30,6 7,1 15,1 73,2
03 – 1901 10,7 9 46,1 36,7
08 – 1905 9,1 24,2 47,4 28,4

 

وبرغم أن عمال المدن كانوا يمثلون أقلية من السكان، إلا أنهم شكلوا حوالي نصف المشاركين، فيما كان الطلاب والإنتلجنسيا في المرتبة الثانية مباشرةً (46). وهكذا فإن سياق الأحداث – بالإضافة إلى نشاط الإيسكريين – قد سحب البساط من تحت أقدام الاقتصادوية. وكما قال لينين لاحقاً، فإن “النضال ضد الاقتصادوية قد انحسر وانتهى بالعودة للخلف إلى 1902” (47).

هوامش:

(1*) بونتش بروييفيتش: عضو بارز وقيادي في حركة الشيع الدينية في روسيا، ونشر عدداً من المجلدات التي تضمنت دراساته. كان متعاوناً لصيقاً للينين، وأيده في المؤتمر الثاني للحزب، وبقى في المعسكر البلشفي خلال وبعد المؤتمر. وخلال ثورة 1905 وبعدها، اضطلع بدور نشيط في تنظيم الصحافة السرية البلشفية.

(2*) في محاضرة ألقاها توني كليف في منتصف السبعينات ببريطانيا حول “لينين”، ذكر كليف أن كلارا زيتكين أثناء لقائها مع وفد الشيوعيين الألمان بلينين، سألته: “أين لينين؟”، فرد عليها: “أنا لينين”، فقالت متعجبة: “انت لينين؟! لم أكن أتخيل ذلك!” – المترجم.

(1) Lenin, Collected Works, vol.5, p.349.

لينين، ما العمل؟، دار التقدم، موسكو، صـ 4

(2) ibid., p.375.

المصدر السابق، صـ 19

(3) ibid., p.384.

(4) ibid., p.386.

(5) ibid., pp.384-85.

لينين، ما العمل؟، دار التقدم، موسكو، صـ 23

(6) ibid., p.422.

المصدر السابق، صـ 43

(7) Gramsci, Prison Notebooks, op. cit., p.197.

(8) ibid., vol.4, pp.315.

لينين – حول الإضرابات، ديسمبر 1899، منشور لأول مرة عام 1924 بمجلة بروليتاريسكايا ريفوليوتسيا

(9) ibid., p.316.

المصدر السابق

(10) ibid.

المصدر السابق

(11) Marx, Engels, Lenin, Anarchism and Anarcho-Syndicalism, Moscow 1972, p.57.

(12) Lenin, Collected Works, vol.5, p.402.

لينين، ما العمل؟، دار التقدم، موسكو، صـ 34

(13) ibid., p.412.

المصدر السابق، صـ 39

(14) ibid., p.425.

المصدر السابق، صـ 40

(15) ibid., vol.6, p.475.

(16) See Trotsky, My Life, op. cit., pp.106-07.

(17) Lenin, Collected Works, vol.5, p.423.

المصدر السابق، صـ 44

(18) ibid., pp.441-42.

المصدر السابق، صـ 55 و56

(19) ibid., p.442

المصدر السابق، صـ 56

(20) ibid., p.443.

المصدر السابق

(21) ibid., p.467.

المصدر السابق، صـ 68

(22) ibid., p.464.

المصدر السابق، صـ 67

(23) ibid., pp.472-73.

المصدر السابق، صـ 70

(24) ibid., vol.1, p.298.

(25) ibid., vol.5, pp.22-23.

(26) ibid., 514-16.

المصدر السابق، صـ 92

(27) ibid., p.515.

(28) ibid., vol.6, p.238.

لينين، رسالة إلى رفيق حول مهامنا التنظيمية، سبتمبر 1902

(29) ibid., p.238.

المصدر السابق

(30) ibid., pp.243-45.

(31) ibid., pp.248-49.

المصدر السابق

(32) ibid., p.252.

المصدر السابق

(33) ibid., p.251

المصدر السابق

(34) ibid., pp.476-78.

(35) One step forward, two steps back, ibid., vol.7, p.244.

(36) ibid., p.246.

(37) Lunacharsky, op. cit., p.69.

(38) B. Lockhart, Memoirs of a British Agent, London 1932, pp.233-34.

(39) M.A. Silvin, To the Biography of V.I. Lenin, Proletarskaia revoliutsiia, no.7, 1924, p.68.

(40) Gorky, Lenin, op. cit., p.13.

(41) Lenin, Collected Works, vol.42, p.457.

(42) ibid., vol.16, p.253.

(43) J. Martow, Geschichte der russischen Sozialdemokratie, Berlin 1926, pp.49-50.

(44) ibid., p.60.

(45) Lenin, Collected Works, vol.19, p.329.

(46) ibid., p.330.

(47) ibid., vol.7, p.384.

« السابق التالي »