بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لينين – بناء الحزب

« السابق التالي »

مؤتمر 1903: ميلاد البلشفية

إعداد المؤتمر

كان لينين على أتم الاستعداد والقدرة ليس فقط للتعاطي مع المشاكل العامة في النظرية والسياسة، لكن أيضاً مع تفاصيل العمل التنظيمي. كان تلك واحدة من نقاط قوته، هو وحزبه، وسمة مميزة لهما، تلك السمة التي أظهرت أصالتها خلال فترة الإيسكرا والإعداد للمؤتمر الثاني – السنوات بين 1900 وحتى 1903.

وكان لينين يحرص دائماً على لقاء عمال الحزب السريين النشطين، فقد دعا العديد من العائدين من منفاهم في سيبيريا، والسجناء الهاربين، لقضاء بعض الوقت بالخارج، وناقش معهم القضايا السياسية والتكتيكية والتنظيمية التي واجهتهم. لقد دفع بالكثير من الرفاق الموثوق بهم في القلب من عمل التنظيم، وكان أحياناً ينقلهم من مكان إلى آخر، ويستعين بهم كعملاء للإيسكرا، إلخ. وحافظ لينين على الاتصال المنتظم مع 20 أو 30 منهم، فيما لعبت كروبسكايا دوراً محورياً في الحفاظ على الاتصال بروسيا.

“لدى عودتي، أخبرني فلاديمير إيليتش أنه نجح في ترتيب الأمور لأتولى سكرتارية الإيسكرا، وهذا بالطبع كان يعني أن الاتصال بروسيا كان يجري تحت السيطرة اللصيقة لفلاديمير إيليتش. لم يعترض مارتوف وبوتريسوف على ذلك إطلاقاً، ولم تقدم مجموعة تحرير العمل مرشحاً آخر، فلقد كانوا بالفعل يعرون اهتماماً أقل بالإيسكرا في ذلك الوقت. أخبرني إيليتش أنه كان من الصعب عليه ترتيب الأمر على هذا النحو، إلا أنه اعتبر ذلك ضرورياً من أجل القضية. وعلى الفور، أصبحت مغمورة بالمهام” (1).

كان هناك الكثير من المصاعب المتعلقة بالتواصل والمراسلات مع النشطاء الروس، وعلى رأسها تدخل الشرطة. ولا شك أننا إذا شرعنا في قراءة تلك المراسلات مع روسيا اليوم، ستصيبنا الدهشة من الأساليب الساذجة للعمل التآمري؛ حيث الأسماء المستعارة المشفرة (المناديل تعني جوازات السفر، والفراء الدافئ يعني الأدبيات غير الشرعية)، علاوة على أسماء المدن (أوسيب تعني أوديسا، وتيرينتي تعني تفير، وبيتيا تعني بولتافا، وباشا تعني بسكوف، إلخ)، ناهيكم عن تبديل أسماء الرجال بأسماء نساء، والعكس. كل تلك الأساليب كانت واضحة إلى أقصى حد (2).

كتب تروتسكي:

“كروبسكايا.. كانت في القلب من كل الأعمال التنظيمية؛ كانت تستقبل الرفاق فور وصولهم، وترشدهم لدى مغادرتهم، كانت تؤمّن وسائل التواصل، وتوفر العناوين السرية، وتكتب الخطابات، وتقوم بتشفير المراسلات المبعوثة إلى روسيا وفك شفرات المراسلات القادمة من هناك. كانت حجرتها دائماً تفوح برائحة الورق المحترق من كثرة الأوراق السرية التي اعتادت تسخينها على النار أولاً لقرائتها. كانت غالباً تشكو، بلطفها المعتاد، من أن الرفاق لا يكتبون بما فيه الكفاية، أو أن الشفرات تختلط عليهم، أو أنهم يستخدمون الحبر السري بشكل يجعل السطور تغطي بعضها البعض، وهكذا” (3).

لقد نجحت كروبسكايا بحق في تنسيق العمل التنظيمي الخاص بالإيسكرا لدرجة لم تحقق في أي منظمة ثورية في روسيا، وكل ذلك دون مساعدة أي من رفاقها في هذا المكتب (الحجرة الواحدة) الذي يفوح برائحة الورق المحترق.

كانت للمراسلات مع روسيا تأثيراً سلبياً على الحالة العصبية للينين؛ حيث كان عليه أن ينتظر لأسابيع، وربما لشهور، حتى يتلقى ردود على خطاباته، في حالة من التجاهل تجعله يفتقر إلى المعلومات حول تقدم الأوضاع، واقعاً تحت تأثير شبح التوقعات بأن الأمور التنظيمية برمتها قيد الانهيار. كل ذلك كان يتنافى بالكلية مع سمات لينين الشخصية. كانت رسائله إلى روسيا تعج بالرجاء من الرفاق من أجل الكتابة بدقة: “مرة أخرى، نتوسل إليكم جدياً ونرجوكم بأن تكتبوا بشكل أكثر دورية وبتفاصيل أكثر. افعلوا ذلك للتو ودون الوقوع في الأخطاء، في نفس اليوم الذي تستلمون فيه هذا الخطاب. أبلغونا باستلامه ولو بسطرين فقط”. كان إيليتش يقضي ليال دون نوم بعد تلقي بعض الخطابات التي تنقل له أخباراً مثل: “سونيا صامتة كالقبر”، أو “لم يأت زارين للجنة في الوقت المحدد”، أو “ليس لدينا أي اتصال بالمرأة العجوز”.. “صارت ليالي الأرق تلك محفورة في ذاكرتي” (4).

لعبت الإيسكرا دوراً محورياً في الإعداد للمؤتمر، هذه الجريدة احتلت مكانة فريدة في تاريخ الصحافة؛ فقد كانت بمثابة المركز الناظم لحزب غير شرعي بأكمله في روسيا. كان عملاء هيئة التحرير – تسعة أعضاء فقط في 1901 عملوا كأذرع لها (5) – يسافرون سراً عبر روسيا، ويتصلون بالمجموعات المحلية، أو يشكلون مجموعات أخرى في مناطق جديدة وينسقون عملها. في حين كانت المحاولات السابقة تدفع لقدر لا بأس به من التشاؤم؛ فعندما ذهب لينين ومارتوف وبوتريسوف للخارج لتأسيس جريدة ومن خلالها بناء منظمة روسية، كانوا يجاذفون بمواجهة المعاناة التي لاقها الثوريون الروس من قبلهم. لقد انطلقوا إلى الخارج حاملين نفس الأمل في بناء حركة ثورية روسية من أوروبا الغربية، وفي أفضل الأحيان كان الثوريون من قبلهم يشكلون منظمات من المهاجرين الروس هناك. لكن هذه المرة “بينما فشل الآخرون، نجح هؤلاء وبدا مؤتمرهم بحق كمؤتمر للمنتصرين” (6).

كان من المخطط للمؤتمر، بعد إجهاض مؤتمر 1898، لأن يكون مؤتمراً تأسيسياً للحزب، ولأن يوحد المجموعات الثورية المختلفة.

لم يترك لينين شيئاً لاحتمالات الصدفة. وما يلي هو جزء من خطابه إلى أحد عملاء الإيسكرا، ف. ب. لينجنيك، في 23 مايو 1902:

“إن مهمتك الآن هي أن تحول نفسك إلى لجنة لتجهيز المؤتمر.. أن تدفع رجالك إلى أكبر عدد ممكن من اللجان. وإلى حين إتمام المؤتمر، كن حريصاً على نفسك وعلى رجالك أكثر من حرصك على مقلة عينك. وتذكر أن الأمر له أهمية قصوى. كن أكثر جرأة وإقداماً وابتكاراً في ذلك، وفي كل الأمور الأخرى كن حصيفاً وحريصاً بقدر الإمكان. كن متيقظاً مثل الأفاعي. ومع لجان البوند وسان بطرسبورج، كن أليفاً مثل اليمام” (7).

عميل آخر للإيسكرا، آي. رادتشينكو، أوصاه لينين بالحرص الشديد تجاه منظمة العمال اليهود، البوند:

“تصرف بشكل يثير الإعجاب، وتعامل بحذر. خذ على عاتقك أكبر عدد ممكن من المناطق التي تقوم فيها بالإعداد للمؤتمر.. تأكد أن كل شيء بين يديك واترك البوند محصوراً ضمن حدوده.. وفي الوقت الراهن، ركز جهودك على تشكيل لجنة روسية للإعداد للمؤتمر، وهو الأمر البالغ الأهمية لنا (وقد تجد أنه من الأنسب القول بأن هذه اللجنة قد تشكلت بالفعل، ونسعد باشتراك البوند فيها، أو ما شابه)، وتولى انت سكرتارية اللجنة. هذه هي الخطوات الأولى، ولنرى بعد ذلك. لا تُلزم نفسك بالبوند (ولتقل، مثلاً، أنه قد تم التواصل مع الفولجا والقوقاز والمركز، حيث لدينا رجلاً هناك، والجنوب، حيث أرسلنا رجلين)، وحاول أن تتسيد الموقف. لكن افعل ذلك بعناية فائقة، دون تحفيزهم للاعتراض” (8).

تكشف صفحات الإيسكرا في شتاء 03 – 1902 أن رجال لينين قد نجحوا بشكل كبير في مهامهم. فقد نجحت الإيسكرا في كسب لجنة بعد الأخرى خلال تلك الفترة؛ لجنة نيجني – نوفوجورد في ديسمبر 1902، ولجنة ساراتوف في يناير 1903، واتحاد عمال الشمال في فبراير، وفي مارس لجان دون وأوفا وكازان واتحاد عمال سيبيريا، وفي أبريل لجان تولا وأوديسا وإيركوتسك، وفي مايو لجنة إيكاترينوسلاف واتحاد عمال مناجم جنوب روسيا (9).

ولعل أكثر الأوصاف وضوحاً لنشاط عملاء الإيسكرا هو الذي قدمه أحد جنرالات الدرك الروسي، سبيريدوفيتش:

“كمجموعة تآمرية من الثوريين المحترفين، كانوا يسافرون من مكان إلى آخر حيث تتواجد اللجان الحزبية، يتواصلون مع أعضائها ويسلمونهم الأدبيات غير الشرعية.. ويجمعون كافة المعلومات التي تحتاجها الإيسكرا. لقد كانوا يخترقون اللجان المحلية ويباشرون الدعاية ضد “الاقتصادوية”، ويقصون نظراءهم الأيديولوجيين.. وبهذه الطريقة بسطوا نفوذهم على اللجان” (10).

وبعد شهور من العمل الدؤوب، انتظمت المراسلات بين عملاء الإيسكرا ورفاقهم في داخل روسيا، بل وازدادت في الحجم أيضاً. أعطى ذلك فرصة كبيرة لينين ليلقي نظرة متفحصة على تفكير ووجدان العمال المناضلين في روسيا. وصفت كروبسكايا الأمر كالتالي:

“استمرت الحركة الثورية في روسيا في النمو، وفي نفس الوقت ازدادت المراسلات مع روسيا أيضاً؛ فقد وصلت إلى 300 خطاب في الشهر، وكان ذلك رقماً كبيراً في تلك الأيام. وعلاوة على ذلك، فقد أمدت إيليتش بسيل من المادة.. كان يعرف كيف يقرأ خطابات العمال. أتذكر أحد الخطابات من عمال بمحاجر أوديسا، كانت في الحقيقة مقالة جماعية كتبتها أكثر من يد بشكل بدائي بعض الشيء، خلت المقالة من المسندات والنقاط والفاصلات. لكنها كانت تشع بطاقة غير محدودة واستعداد للنضال حتى الانتصار. كل كلمة في هذا الخطاب، برغم بعض السذاجة والبدائية في الكتابة، كانت تنم عن قناعة لا تهتز. لا أتذكر الآن عما كان هذا الخطاب يتحدث، لكني لازلت أتذكر شكل الخطاب.. الورق والحبر الأحمر. قرأ لينين الخطاب أكثر من مرة آخذاً بالدوران في الحجرة ذهاباً ومجيئاً يفكر فيه. لم يضل الخطاب مقصده عندما أرسله عمال محاجر أوديسا إلى لينين؛ بل لقد كتبوه إلى الشخص الصحيح، إلى الشخص الذي بمقدوره أن يفهمهم بشكل أفضل” (11).

كانت كروبسكايا أيضاً مسئولة مالية الحزب البلشفي والوحيدة المطلعة على كل حساباته. وبالإضافة إلى ذلك، كانت تنظم عملية انتقال الإيسكرا إلى روسيا، وكانت تلك مهمة ثقيلة إلى أقصى حد. وصف أحد الأعضاء المنخرطين في هذه العملية، بياتينسكي، الأساليب المتبعة في ذلك، كما يلي:

“من أجل الإسراع في نقل الأدبيات إلى روسيا بكميات صغيرة، كنا نستخدم حقائب مزدوجة القعر. وحتى قبل وصولي إلى برلين، كان أحد المصانع الصغيرة قد وفر لنا كميات كبيرة من هذه الحقائب. لكن موظفي الجمارك ورجال التفتيش على الحدود سرعان ما تشككوا في الأمر، وفشلت الكثير من المحاولات اللاحقة. من الواضح أنهم قد تعرفوا على الحقائب التي كانت كلها بنفس الشكل. بعد ذلك بدأنا بأنفسنا في صنع قعر إضافي باستخدام الورق المقوّى في الحقائب العادية، مما كان كافياً لحمل 100 أو 150 نسخة إضافية من الإيسكرا. كان يتم ذلك بمهارة بالغة بحيث لا يمكن لشخص أن يقول بأن الحقائب تحتوي أي أدبيات، ولم تكن الحقائب شديدة الثقل أيضاً. كنا نجري هذه العملية في حقائب كافة الطلاب والطالبات المتعاطفين والمؤيدين لمجموعة الإيسكرا لدى عودتهم إلى روسيا، وأيضاً كل رفاقنا الذاهبين إلى روسيا سواء بطريقة شرعية أو غير شرعية. إلا أن كل ذلك لم يكن كافياً؛ فالطلب على الأدبيات الجديدة كان هائلاً، لذا لجأنا لاستخدام “مرايل” يمكن من خلالها تهريب الأدبيات؛ للرجال كنا نستخدم نوعاً خاصاً من المعاطف التي يمكن أن تحمل 300 نسخة من الإيسكرا والكراسات صغيرة الحجم، وللنساء قد صممنا نوعاً من التنورات التي يمكن أن ندس بها ما يقرب من 400 نسخة من الإيسكرا.

كنا نطلق على هذه الطريقة إسم النقل “الاكسبريس”، وكل من كان تقع أيدينا عليه كان يرتدي تلك “المرايل”، الرفاق الموثوق بهم أو المتعاطفين العاديين على السواء” (12).

هذه الطريقة في نقل الإيسكرا إلى روسيا كانت مرهقة وبطيئة للغاية، علاوة على كونها مكلفة أيضاً. تتذكر كروبسكايا تلك المصاعب وتقول أنه “برغم كمية الأموال والوقت والمجهود المكرسين لعملية النقل إلى داخل روسيا، علاوة على المخاطر الهائلة خلال كل ذلك، إلا أن الأدبيات التي كانت تصل بالفعل ربما لم تكن تتعدى عُشر المرسل منها” (13). انتشرت إشاعة قديمة تقول بأن توزيع الجريدة في كييف وحدها وصل إلى 100 ألف نسخة، إلا أن إجمالي نسخ العدد الأول من الإيسكرا كان 8 آلاف فقط (14).

كان لينين فريداً بين القادة الثوريين في ذلك الوقت في تركيزه الشديد في تفاصيل تنظيم الحزب. يمكننا أن نرى ذلك بشكل أوضح عندما نقارن لينين، على سبيل المثال، بروزا لكسمبورج ورفاقها في قيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي البولندي، الذي يمكن وصفه كالتالي:

“إلى حد بعيد، كان كل عضو ينتمي للنخبة يتصرف بمبادرته الشخصية ووفق عاداته وميوله. كانت الأوامر نادرة للغاية.. كان دزيرجينسكي مفزوعاً من هذا التهاون الذي رآه مؤشراً على التفكك. “لا سياسة، لا توجيه، لا عمل موحد أو منسق.. وكل شخص عليه أن يتصرف بمعرفته الخاصة”. إن الأمر ليس مجرد ثغرة عرضية في إدارة الحزب؛ فهذه العشوائية مُتعمَدة وهناك حرص بالغ عليها. بعض من القادة يمقتون بشدة التعامل مع مالية الحزب أو الروتين التنظيمي، فهذا يشغلهم عن الكتابة. “ليس لديّ أي رغبة في إقحام نفسي في الشئون المالية.. عليك بالتواصل مع أولزيفيسكي الصراف بخصوص هذه الأمور”. هذا ما كتبه مارتشيلفيسكي إلى سيزارينا ووجناروفسكا في 1902. الأمر نفسه ينطبق بشكل أكبر على روزا لكسمبورج. وفي وقت ما، كان قد تم التوصل إلى قرار حزبي يقضي بأنها لن تشغل نفسها بالأمور التنظيمية على الإطلاق، ولن تشارك في أيٍ من المؤتمرات الرسمية”.

ومثله مثل روزا لكسمبورج، لم يكن ليون تروتسكي منخرطاً في الإدارة التنظيمية للحزب. لكن ذلك كان يرجع بالأساس إلى أنه حقاً لم يكن ينتمي إلى أي حزب حقيقي. وبين 1904، عندما قطع صلته بالمناشفة، و1917 عندما انضم للبلاشفة، كان مرتبطاً بمجموعة صغيرة ومفككة من الكُتاب.

كان التجهيز الفعلي لمؤتمر 1903 قابعاً بالأساس بين يدي لينين. تتذكر كروبسكايا ذلك متسائلة “كيف استمر لينين حتى المؤتمر” (16). ولكن على الرغم من كل الإصرار والعمل الشاق، جاء المؤتمر على نحو لم يكن لينين يتوقعه على الإطلاق؛ فبدلاً من أن يكون مؤتمراً للوحدة، انقسم الماركسيون الروس فيه إلى تيارين ومنظمتين منفصلتين – البلاشفة والمناشفة.

مؤتمر 1903

مع بداية المؤتمر، سارت الأمور على ما يرام مع القيادة الموحدة، والمكونة من بليخانوف ولينين ومارتوف وأكسيلورد وزاسوليتش وبوتريسوف؛ فمن أصل 55 صوتاً، حظى الإيسكريون بـ 33، أي أغلبية واضحة، وقد ساعد الترتيب الدقيق للينين في أن يصبح ذلك حتمي الحدوث. فيما حظت رابوتشايا ديلو، الجريدة الاقتصادوية والمنافِسة الأساسية للإيسكرا، فقط على ثلاثة أصوات، والبوند اليهودي على خمسة، فيما لم ينحاز ستة مندوبين إلى أي جانب. أطلق لينين وبليخانوف على هؤلاء المندوبين الستة لقب “المستنقع”؛ فهم تارة يصوتون للإيسكريين، وتارة أخرى ضدهم. بينما لو كان الإيسكريون قد اتحدوا سوياً، لكان بمقدورهم بالتأكيد تسيير المؤتمر في كل قضية يجري النقاش حولها.

كانت الجلسات الثلاثة الأولى من المؤتمر (من إجمالي 37 جلسة) مخصصة في الحقيقة لمناقشة أمور إجرائية بديهية، وبعد ذلك أتت مناقشة برنامج الحزب، تلك المسألة الأكثر أهمية في أجندة المؤتمر. في البداية قدم بليخانوف عرضاً للمناقشة، وقد لقت المسألة الأساسية في البرنامج المتعلقة بديكتاتورية البروليتاريا تأييداً صلباً من جميع حضور المؤتمر، فيما عدا “الاقتصادوييَن” مارتينوف وأكيموف. وحينما انتهى النقاش، تبنى المؤتمر البرنامج الحزبي بتصويت الجميع لصالحه، فيما عدا أكيموف الذي امتنع عن التصويت.

هاجم أكيموف البرنامج باعتباره مفعماً بروح رعاية الحزب للبروليتاريا:

“إن مفهومي “الحزب” و”البروليتاريا” لهما في تعارض مع بعضهما؛ فالأول كيان نشط وإيجابي وجماعي، بينما الثاني هو وسط سلبي لا حيلة له يعمل فيه الحزب. وهكذا فإن إسم الحزب يُستخدم كموضوع، في الحالة الإسمية، أما إسم البروليتاريا فهو الهدف والمفعول به، في حالة النصب.. إن الظرف الضروري للثورة الاجتماعية هو ديكتاتورية البروليتاريا، أي أن تحوذ البروليتاري هذه السلطة التي تمكنها من كبت كافة محاولات المقاومة من جانب المستغِلين”.

كيف يمكن لهذه الديكتاتورية أن تتسق مع مطلب الجمهورية الديمقراطية؟، هكذا تعجب أحد المندوبين، بوسادوفسكي، متسائلاً عما إذا كان الحزب سيخضع سياساته المستقبلية لهذا المطلب الديمقراطي أو ذاك باعتباره – المطلب الديمقراطي – قيمة مطلقة، أم أن كافة المبادئ الديمقراطية ستخضع حصرياً لمصالح الحزب؟ فقدم بليخانوف إجابة وافية وحاسمة على النحو التالي:

“إن كل مبدأ ديمقراطي لا يمكن أن نعتبره مبدئاً في ذاته، بشكل مجرد، بل في صلته لما يمكن أن يُسمى بالمبدأ الأساسي للديمقراطية. وبلغة الثوريين، فنحن نقول أن نجاح الثورة هو القانون الأسمى، وإذا كان نجاح الثورة يعتمد على توقيف العمل، مؤقتاً، بهذا المبدأ الديمقراطي أو ذاك، فسيكون من الجريمة أن نمتنع عن ذلك. ومن وجهة نظري الشخصية، أقول أنه حتى مبدأ الاقتراع العام ينبغي أن ننظر إليه من وجهة نظر ما أسميته بالمبدأ الأساسي للديمقراطية. إنه من الممكن، افتراضياً، أننا نحن الاشتراكيين الديمقراطيين ربما نتحدث ضد الاقتراع العام. البرجوازية في الجمهوريات الإيطالية كانت ذات مرة قد جردت بعض النبلاء من حقوقهم السياسية. وربما تحد البروليتاريا الثورية من الحقوق السياسية للطبقات العليا، مثلما قامت الطبقات العليا بالحد من الحقوق السياسية للبروليتاريا من قبل.

ولابد لنا أن نتخذ نفس الموقف من قضية مدة البرلمانات؛ إذا اختار الشعب، في فترة من الانفجار الثوري، برلماناً جيداً، سيكون علينا أن نحاول أن نحافظ عليه برلماناً ممتداً. لكن إذا لم تنجح الانتخابات في ذلك، فسيكون علينا أن نفككه، ليس في عامين، لكن في أسبوعين إذا أمكن” (17).

عكست مداخلة بليخانوف السابقة شرحاً بليغاً لسياسات البلاشفة، بالأخص في 1917، بينما عاش هو ليندم ببالغ المرارة على كلماته.

أما مارتوف، الذي صار نداً للينين مع نهاية المؤتمر، لم يختلف مع رؤية بليخانوف لديكتاتورية البروليتاريا، حتى برغم أن تعريفه لها كان أقل تطرفاً. وبعد أسابيع قليلة، في مؤتمر مصغر للاشتراكيين الديمقراطيين الروس بالخارج، حاول مارتوف أن يدافع عن رؤية بليخانوف من خلال تخفيض السقف قليلاً: “هذه الكلمات (كلمات بليخانوف) أثارت امتعاض بعض المندوبين، وكان من الممكن في الحقيقة تجنب ذلك إذا أضاف بليخانوف أنه من المستحيل أن نتخيل هذا الموقف المأساوي الذي يكون فيه على البروليتاريا، من أجل توطيد انتصارها، أن تدوس على بعض الحقوق السياسية مثل حرية الصحافة (بليخانوف يرد: شكراً – Merci)” (18).

وتروتسكي، الذي سيلتزم في مرحلة لاحقة من المؤتمر جانب مارتوف ضد لينين في هذه النقطة، في الدفاع عن مضمون ديكتاتورية البروليتاريا، فقد أهمل الحقيقة القاسية بأنه لابد أن يتم توجيه الديكتاتورية ضد الأفكار المحافظة المنتشرة بين الجماهير بفعل النظام القديم للمجتمع، ذلك النظام الذي سيقاتل من أجل النجاة. لقد همّ بالدفاع عن البرنامج مقتبساً من البيان الشيوعي مع بعض التغيير:

“إن حكم الطبقة العاملة لا يمكن تصوره دون أن يتوحد السواد الأعظم منهم على ذلك. حينها ستكون هي الأغلبية الساحقة. وهنا لن تكون ديكتاتورية عصبة صغيرة من المتآمرين أو حزب أقلية، بل ديكتاتورية الأغلبية الساحقة لمصلحة الأغلبية الساحقة لمنع الثورة المضادة. وباختصار، هذا يمثل انتصاراً للديمقراطية الحقيقية” (19).

لم يقدم ذلك بالطبع إجابة على جدال أكيموف، بالأخص في ظل ظروف روسيا حيث تمثل البروليتاريا حركة ضئيلة.

تدخل لينين بشكل بسيط في النقاش حول البرنامج، باستثناء تدخله في أبعاد المسألة الزراعية في البرنامج (انظر الفصل الحادي عشر). وعلى الرغم من كل شيء، كما أثبتت سياساته في 1917، أنه كان على اتفاق تام مع بليخانوف.

أما البرنامج الذي أقره المؤتمر فقد كان متطابقاً تقريباً مع المسودة التي قُدمت إليه في البداية (20)، واقتصرت الاختلافات فقط على إضافة مطلب انتخاب القضاة، وبعض التغييرات في المطالب المتعلقة بتشريع تحسين ظروف العمل. ومن الملفت للانتباه أنه خلال النقاش حول البرنامج، شن مارتينوف، أحد المندوبين “الاقتصادويين”، هجوماً حاداً على “ما العمل؟” للينين، لكنه لم يحظَ بأي تأييد على الإطلاق.

جدير بالذكر أيضاً، في ضوء الأحداث اللاحقة، أن المؤتمر قد تبنى البرنامج بالإجماع، وامتنع مندوب واحد فقط عن التصويت. بدت وحدة الإيسكريين أقل اكتمالاً في الجلسات السادسة عشر والسابعة عشر من المؤتمر؛ فقد أظهرت العديد من عمليات التصويت أن عدداً منهم قد صوّت مع الاقتصادويين أو مع البوند ضد لينين وبليخانوف، لكنها كانت على أمور بسيطة.

إلا أن قنبلة المؤتمر قد انفجرت في الجلسة الثانية والعشرين المخصصة للنقاش حول القواعد الحزبية، وبالتحديد خلال النقاش في الفقرة الأولى من مسودة الضوابط والقواعد الحزبية حول “العضوية”. طرح لينين أن يقوم البند الأول بتعريف عضو الحزب بأنه “يعترف ببرنامج الحزب ويؤيد وسائله المادية، ويشارك بنفسه في واحدة من منظمات الحزب”. أما مارتوف، فقد قدم طرحاً بديلاً يبدأ بنفس البداية، لكنه ينتهي بالتالي: “ويرتبط بالحزب بشكل منتظم تحت توجيه واحدة من منظمات الحزب”.

لكن لينين قد أوضح مراراً وتكراراً الصيغة التي قدمها بأنه يريد حزباً منظماً بإحكام من الثوريين المحترفين.

“لابد أن يكون الحزب حزباً للطليعة، أن يكون القائد لباقي جماهير الطبقة العاملة، التي تعمل كلها (أو تقريباً كلها) تحت سيطرة وتوجيه منظمات الحزب، لكن كلها لا تنتمي، ولا ينبغي أن تنتمي إلى “حزب”.. حيث سينحصر أغلبية نشاطنا في الاجتماعات السرية المغلقة، وحتى الاجتماعات الخاصة، لكنه من الصعب للغاية، بل أقرب إلى المستحيل، أن نفرّق بين أولئك الذين يتكلمون فحسب، وأولئك الذين يقومون بالعمل. ليس هناك دولة واحدة في هذا العالم لديها هذا الخلط بين هذين القسمين كما هو منتشر وبهذه الدرجة من التشويش والضرر في روسيا. نحن نعاني بشكل مرير.. من الأفضل أن يكون لدينا عشرة أعضاء يعملون فعلياً ولا يسمون أنفسهم أعضاءاً حزبيين (العمال لا يكترثون بالألقاب)، من أن يكون لدينا واحداً لا يفعل سوى الكلام بينما لديه الحق والفرصة لأن يصبح عضواً بالحزب. هذا المبدأ لا يبدو بالنسبة لي قابلاً للرفض، وهو نفسه الذي يدفعني للنضال ضد مارتوف.. ينبغي علينا ألا نتناسى أن كل عضو بالحزب مسئول عن الحزب ككل، وأن الحزب مسئول عن كل عضو به” (21).

وفي المقابل، تحدث مارتوف أكثر من مرة في صالح بناء حزب واسع. أما تروتسكي فقد انتقل إلى جانب مارتوف في هذه المسألة، مما أثار الدهشة؛ إذ كان تروتسكي في جلسة سابقة مركزياً على نحو تفوق فيه على لينين نفسه. وهكذا قال:

“القواعد، كما يقول (أكيموف)، لا تقوم بتعريف السلطة القضائية للجنة المركزية بدقة كافية. أنا لا أوافق معه. على العكس، فهذا التعريف دقيق، ويعني أنه بما أن الحزب هو كلٌ واحد، ينبغي عليه أن يؤمّن السيطرة على اللجان المحلية. أما الرفيق ليبير، فيقول مستعيراً تعبيري في ذلك، أن القواعد كانت تبعث على “الارتياب المنظم”. هذا صحيح، لكني استخدمت هذا التعبير في الإشارة إلى القواعد المطروحة من قبل متحدث البوند، والتي تمثل ارتياباً منظماً من جانب قسم من الحزب تجاه الحزب ككل. في المقابل، فإن قواعدنا تمثل هذا الارتياب المنظم من الحزب تجاه كل أقسامه، وهذا يعني السيطرة على المنظمات المحلية والمناطقية والقومية، وكل المنظمات الأخرى للحزب” (22).

والآن يقول تروتسكي فجأة: “لا أؤمن بأنه من الممكن أن تكشف الانتهازية وتطردها بشكل قانوني. إني لا أعطي الضوابط والقواعد أي تفسيرات من الباطن.. فالأسباب التي تنتج الانتهازية لهي أكثر تعقيداً بكثير من بند أو اثنين في القواعد الحزبية؛ فهي تتولد بالمستوى النسبي لتطور البرجوازية الديمقراطية والبروليتاريا”.

وقف أكسيلورد أيضاً ضد لينين، لكن بليخانوف برغم ذلك كان إلى جانبه: “لدي فكرة واحدة مقتنع بها مسبقاً، لكن كلما أسقطتها على ما يُقال، تزداد قناعتي بأن الحقيقة تبقى مع لينين.. ربما يتردد المثقفون لأسباب فردية في الانضمام إلى حزبنا، لأنهم بشكل عام انتهازيون.. لذا ينبغي على أعداء الانتهازية أن يصوتوا لصالح هذه المسودة”.

انقسم الإيسكريون، وانهزم طرح لينين في التصويت بـ 28 صوتاً مقابل 23. وهذه الأغلبية التي حازها مارتوف تضمنت خمسة من البوند والاثنين الاقتصادوييَن. وهؤلاء السبعة قد أعطوا لمارتوف أغلبية كافية ضد لينين للهيمنة على مجريات المؤتمر لاحقاً.

كيف كان لمارتوف وتروتسكي، الذين أيدوا لينين في “ما العمل؟” قلباً وقالباً في طرح مسألة السلطة التي يجب منحها للجنة المركزية للحزب، أن يرفضوا تعريف لينين لعضوية الحزب؟ إن جمعاً كهذا بين القيادة المركزية القوية وبين العضوية المفككة الواسعة لهو انتخابوية وصلت إلى أقصاها.

إن الضرورة الملحة للمركزية الديمقراطية داخل حزب الطبقة العاملة الثوري هي بالأساس مشتقة من أولويات ديكتاتورية البروليتاريا. وعلاوة على ذلك، على قيادة الحزب الثوري أن تقدم المثال الأسمى في التفاني والمعرفة الكاملة لحياة الحزب اليومية، وهذا بالتأكيد يمنحها السلطة الأدبية كي تطالب قواعد الحزب بالتضحية القصوى في النضال.

وحتى قبل ذلك بسنوات، كان إنجلز، في جداله ضد الفوضويين، يقول بأن الثورة البروليتارية تتطلب التزاماً حديدياً، وسلطة قوية.

“هل يا ترى شهد هؤلاء السادة أي ثورة؟ الثورة هي بالتأكيد أكثر الأمور سلطوية؛ إنها الفعل الذي يفرض من خلاله قسم من الشعب إرادته على القسم الآخر بواسطة البنادق والعصي والمدافع؛ أي بوسائل سلطوية. وإذا أراد الطرف المنتصر ألا يذهب قتاله سدى فعليه أن يحافظ على حكمه بأساليب ترهيبية، بأسلحته، لردع الرجعيين” (23).

وهكذا لا يمكن للحزب الثوري أن يتجنب مطالبة أعضائه بالانضباط والتضحية. ولا شك أن تعريف مارتوف لعضوية الحزب قد ناسب ضعف مفهومه لديكتاتورية البروليتاريا.

بعد ذلك القرار المتعلق بالبند الأول من لائحة القواعد الحزبية، وجد لينين نفسه مراراً وتكراراً في موضع الأقلية. ومنذ الجلسة الثالثة والعشرين حتى الجلسة السادسة والعشرين، كان مارتوف – الذي أصبح من الآن فصاعداً نداً للينين – يدير المؤتمر بنجاح من قضية إلى أخرى. ولكن كما أشرت من قبل، لم تكن لتلك القضايا أهمية كبيرة.

حاذ لينين الأغلبية مرة أخرى في الجلسة السابعة والعشرين، والتي هُزم فيها طرح البوند اليهودي بأن يمثل هو المنظمة الوحيدة للعمال اليهود، وليحافظ على استقلاله الذاتي داخل الحزب، وذلك بـ 41 صوتاً مقابل 5 أصوات، فيما امتنع 5 مندوبين عن التصويت. وبعد ذلك بفترة وجيزة، غادر مندوبو البوند الخمسة المؤتمر، ثم انسحب المندوبان الاقتصادويان أيضاً بعد أن أقر المؤتمر بأن تصبح حلقة الإيسكريين خارج روسيا هي الممثل الوحيد للحزب بالخارج. وهكذا فقد مارتوف سبعة أصوات دفعة واحدة، بينما احتفظ لينين بأصواته الأربعة والعشرين.

هنا وصل المؤتمر لانتخاب الأجهزة القيادية في الحزب. كان المؤتمر بالفعل قد أقر الهيكل المركزي، وقد أسست اللائحة للجنة مركزية مكونة من ثلاثة أعضاء لإدارة الحزب داخل روسيا، كما أقرت الإيسكرا كجهاز مركزي للقيادة الأيديولوجية للحزب. وبناءاً عليهما، ينشأ مجلس حزبي مكون من خمسة أعضاء؛ اثنين تعينهما اللجنة المركزية، واثنين يعينهما الجهاز المركزي، وعضواً واحداً ينتخبه المؤتمر.

ومن خلال الأغلبية التي حاذها، قدم لينين قائمة مرشحيه للجنة المركزية المكونة من ثلاثة أعضاء. أما هيئة تحرير الإيسكرا، التي أصبحت الآن الجهاز المركزي للحزب، فهي التي واجهت بعض الصعوبة في تشكيلها؛ فمن المفترض أن الستة الأصليين فيها سيتم انتخابهم، في حين كان أربعة منهم (مارتوف، وزاسوليتش، وأكسيلورد، وبوتريسوف) أنداداً للينين. ولينين قد أصر على أن تتكون هيئة التحرير من ثلاثة أعضاء فقط (بليخانوف، ولينين، ومارتوف). وهذه هي المسألة التي انقسم الحزب عليها إلى بلاشفة (أغلبية)، ومناشفة (أقلية).

تم انتخاب بليخانوف ولينين ومارتوف في هيئة تحرير الإيسكرا، بينما تم انتخاب نوسكوف وكرجيجانوفسكي ولينجنيك – الثلاثة لينينيون – في اللجنة المركزية للحزب، فيما تم انتخاب بليخانوف رئيساً للمجلس الحزبي. أما النقاش حول عضوية هيئة التحرير، ما إذا كان سيتم إعادة انتخاب الأعضاء الستة الموجودين بالفعل كما رغب مارتوف، أو الثلاثة الذين اقترحهم لينين، فقد استمر لفترة طويلة على مدار تسع جلسات في المؤتمر. كان النقاش في هذه المسألة حاداً ومريراً.

وبعد شجار طويل وشاق حول هذه المسألة، مر يوم كامل من المؤتمر وكأن المندوبين غير عابئين بالأمر أو أن النعاس كان يغلبهم. وهكذا تبقى 24 بنداً في المؤتمر تم ترحيلها جميعاً لليوم الأخير من المؤتمر الذي تعاطى مع أربعة منهم فقط. ومنذ الخامسة مساءاً في اليوم الأخير – بعد شهر من النقاش والجدال – شهد المؤتمر نقاشاً مفككاً للغاية حول قرارات تتعلق بقضايا تكتيكية. تضمنت تلك القضايا إصدار البيانات عن المظاهرات، وحول الحركة النقابية، والعمل في أوساط الطوائف المختلفة، والعمل أيضاً بين الشباب الطلاب، وحول التعامل مع الاستجوابات، وحول مؤتمر الأممية في أمستردام 1904، حول الموقف من الليبراليين (مسودة قرار ستاروفر، ومسودة قرار بليخانوف)، وحول الموقف من الاشتراكيين الثوريين، وحول الأدبيات الحزبية، ومناهضة مجازر الإبادة التي تُرتكب بحق اليهود.

القرار الأكثر سوءاً الذي كُتب له أن يمر في هذه الجلسة كان ذلك الذي أعده بوتريسوف (ستاروفر)، والذي لقى تأييداً من قبل مارتوف وأكسيلورد، حول التأييد الاشتراكي لليبراليين وفق الشروط الآتية: 1- أن يعلن “الليبراليون أو التيارات الليبرالية الديمقراطية” أنهم في نضالهم ضد الحكومة الأوتوقراطية ينحازون بشكل حاسم إلى جانب الاشتراكيين الديمقراطيين الروس. 2- ألا يشمل الليبراليون ضمن مطالبهم أية مطالب مناقضة لمصالح الطبقة العاملة، أو للديمقراطية بشكل عام، أو تضلل وعيهم السياسي. 3- أن يجعلوا من الاقتراع العام السري المباشر المتساوي شعاراً لنضالهم. (هذه الشروط خلقت جدلاً واسعاً حول ثورية الليبراليين). كان المندوبون في قمة الإرهاق إلى درجة أنهم مرروا هذا القرار بسرعة بالغة، وفي نفس الوقت مرروا قراراً آخر متعارضاً تماماً كان قد قدمه بليخانوف وأيده لينين. في قرار بوتريسوف، الذي لقى تأييد مارتوف وزاسوليتش (وياللعجب قد أيده تروتسكي أيضاً)، يمكن أن ترتسم أمامنا صورة مسبقة لما ستكون عليه المنشفية في 1905 وما بعدها (24). والمثير هنا أن لينين لم يبدِ اهتماماً كبيراً بهذا القرار سواء في وقت المؤتمر أو بعده، فيما صبّ جلل همه على الصراع حول مسألة حجم هيئة التحرير.

إلا أن قضية ما إذا كانت هيئة التحرير ستتشكل من ثلاثة أم ستة أعضاء، تلك القضية التي انقسم حولها الحزب، قد بدت وكأنها زوبعة في فنجان، بدت كشجار شخصي ليس بتلك الأهمية التي تتسبب في شق حركة جادة. في حين رأى لينين هذا الصراع بين هؤلاء الذين يقبلون مبدأ “تعيين الزملاء”، وأولئك الذين اعتادوا على أساليب الحلقات الصغيرة والشبكات الضيقة، صراعاً انطوى على عامل شخصي كبير، فيما لم يكن واثقاً على الإطلاق أن ذلك قد يبرر الانشقاق.

استخدم مؤيدو هيئة التحرير القديمة للإيسكرا بعض الجدالات مثل أن “ليس للمؤتمر لا السلطة الأدبية ولا السياسية لإعادة هيكلة هيئة التحرير” (تروتسكي)، و”إنها قضية معقدة” (تروتسكي مرة أخرى)، أو “كيف يشعر المحررون الذين لم يُعاد انتخابهم إزاء حقيقة أن المؤتمر لا يريد رؤيتهم في الهيئة بعد الآن؟” (تساريوف).

فيما علق لينين بأن:

“هذه الحجج تضع المسألة برمتها على صعيد المشاعر والشفقة، وهي قبول مباشر بالإفلاس فيما يتعلق بالحجج السياسية الحقيقية من حيث المبدأ.. وإذا اعتمدنا وجهة النظر هذه، وهي وجهة نظر بائسة ولا تمثل الحزب، فسيكون علينا في كل انتخابات أن نضع في اعتبارنا، مثلاً، ما إذا كان بيتروف سيُهاجم إذا انتُخب إيفانوف وليس هو؟ ألن يُهاجم أحد أعضاء اللجنة المنظِمة إذا انتُخب عضوٌ آخر إلى اللجنة المركزية وليس هو؟ إلام يقودنا هذا أيها الرفاق؟ إذا كنا نتجمّع سوياً بغرض إنشاء حزب، وليس من أجل الانغماس في المجاملات المتبادلة والعواطف البرجوازية الصغيرة، فلا يمكننا أن نوافق أبداً على هذا الرأي. إننا على وشك انتخاب “مسئولين”، ولا مجال هنا لأي حديث عن عدم الثقة في أي عضو لم يُنتخب. ينبغي أن يكون الاعتبار الوحيد لدينا هو مصلحة العمل والحزب وملاءمة العضو للمسئولية التي انتُخب من أجلها”.

جادل لينين ضد “أرباب الفرقة القديمة.. الذين يصرون على الاستمرار في حلقتهم” (25).

“هؤلاء الناس معتادين بشدة على عزلة الحلقات، ويكادوا يفقدون الوعي بمجرد أن يتحدث أحدهم بشكل مفتوح على ساحة حرة وعلى مسئوليته الشخصية.. إن الفردية وعقلية الحلقات تدخل في صراع مع متطلبات التحدث بشكل علني ومفتوح أمام الحزب” (26).

وحينما رفض مارتوف الالتزام بقرار المؤتمر بخصوص هيئة التحرير، أعلن “لسنا عبيداً”. رفض لينين ذلك، واعتبره درباً من دروب “الفوضوية الأرستقراطية”، وقال أنهم “عليهم أن يتعلموا الإصرار على أن واجبات الحزب يجب أن يتم الوفاء بها ليس فقط من قبل الأعضاء القاعديين، ولكن “من هم على القمة” أيضاً” (27). لكن لماذا حاول مارتوف وأصدقائه إنكار عدم كفاءة أعضاء هيئة التحرير القديمة التي أزاحها المؤتمر؟

“إن الهيئة القديمة، المكونة من ستة أعضاء، غير فعالة بالمرة، إلى درجة أنها لم تجتمع بكامل طاقتها ولو لمرة واحدة خلال سنواتها الثلاث. يبدو من الصعب تصديق الأمر، لكنه حقيقة. لم يصدر أي من أعداد الإيسكرا الـ 45 بفضل جهود أعضاء هيئة التحرير مكتملين (لا على المستوى التحرير ولا التقني)، باستثناء لينين ومارتوف. ولم تُطرح أي قضية نظرية هامة من أيٍ من أعضاء هيئة التحرير إلا بليخانوف. أكسيلورد لم يكن يفعل شيئاً على الإطلاق (لم تكن له حرفياً ولو مساهمة واحدة في زاريا، وفقط ثلاث أو أربع مقالات في الأعداد الـ 45 للإيسكرا). أما زاسوليتش وستاروفر، فقد كانا يساهمان بالكتابة وبالاقتراحات، لكن لم يشتركا على الإطلاق في العمل التحريري” (28).

ولتدعيم موقفه، أحصى لينين مقالات أعضاء هيئة التحرير في الأعداد الـ 45 من الإيسكرا كالتالي: كتب مارتوف 39 مقالة، فيما كتب لينين 32، وبليخانوف 24، بينما كتبت زاسوليتش 6 مقالات فقط، وبوتريسوف 8، ولم يكتب أكسيلورد سوى 4 مقالات (29).

كانت الرغبة في إبداء الدعم “للمحاربين القدامى” الأوائل في الحزب بدلاً من إخضاع كل الأمور لاحتياجات الثورة، غريبة تماماً على لينين. لم يكن لينين بارداً تجاه رواد الماركسية الروسية، بل كان مثلاً على صلة قوية بالأخص بفيرا زاسوليتش، وهكذا كانت كروبسكايا أيضاً. “ليلة وصولنا لميونيخ، قال لي لينين: انتظري حتى ترين فيرا إيفانوفا.. شخصية نقية كالكريستال” (30). كان لها تاريخ بطولي طَرق وتراً في العمق من قلب لينين. ففي يناير 1878، حينما كانت في الـ 29 من عمرها، أطلقت النار على الجنرال تريبوف، قائد الدرك في بطرسبورج، وأردته قتيلاً، احتجاجاً على تعذيب أحد السجناء السياسيين. وخلال محاكمتها، تعرضت لانتهاكات رهيبة من الشرطة، وقد أدهشت هيئة المُحلفين بالدفاع الذي قدمته لنفسها وقُضيَ لها بالبراءة. وحينما حاولت الشرطة اعتقالها خارج قاعة المحكمة، تجمع حشدٌ من المتعاطفين وساعدوها على الهرب. وفي الخارج، كانت على صلة وثيقة بكارل ماركس. احتفظ لينين بحبه لزاسوليتش وإعجابه العميق بها، وكان على علم تام بأن إزاحتها من هيئة التحرير ستمثل ضربة قاسية لها. تصف كروبسكايا الأمر كما يلي:

“كانت فيرا إيفانوفا تتوق للعودة إلى روسيا. وعلى ما أتذكر، فقد عادت في 1899 بطريقة غير شرعية، ليس لكي تشارك في العمل، بل على حد قولها “يجب أن ألقي نظرة على الموجيك وأرى كم كبرت أنفه”. وحينما بدأت الإيسكرا في الصدور، شعرت بأنها عمل روسي حقيقي، وأمسكتها بين يديها بأسى شديد. وبالتالي، فمغادرة هيئة تحرير الإيسكرا بالنسبة لها كان يعني العودة مرة أخرى للعزلة عن روسيا، والغرق مرة أخرى في البحر الميت لحياة المهاجرين.

ولهذا السبب، حينما بدأ الجدال حول هيئة تحرير الإيسكرا في المؤتمر الثاني للحزب، ثارت بشدة؛ فبالنسبة لها لم يتعلق الأمر بحب الذات، بل بالحياة أو الموت” (31).

إلا أن لينين كان أميناً ومخلصاً للقضية إلى درجة تغليب متطلبات واحتياجات وضرورات التنظيم على عواطفه الشخصية. وهكذا كان الأمر أيضاً بالنسبة لفيرا زاسوليتش. أما أولئك الذين كانوا يُخضعون احتياجات الحركة لاعتباراتهم الثانوية، فقد ظهروا فيما بعد بمظهر التوافقيين وليس الثوريين. لكن هذه الحقيقة لم تكن بعد بادية أمام لينين.

موقف لينين تجاه الرفاق

يمكن للبعض أن يستنتجوا من الواقعة المذكورة سابقاً أن لينين كان بارداً معدوم الإحساس ولا يعير رفاقه أي اعتبار. لكن ليس هناك أمراً أبعد عن الحقيقة من ذلك؛ فقد كان لينين دافئاً وودوداً تجاه الرفاق، كما كان شديد الاهتمام باحتياجاتهم ومتطلباتهم. وحتى عندما كان يقطع صلته سياسياً ببعض الأشخاص، كان غالباً ما يحتفظ ببعض المودة لهم. ولعل علاقته بمارتوف تقدم لنا مثالاً وافياً على ذلك.

كان الأمر بالغ الصعوبة بالنسبة للينين لأن يقطع صلته مع مارتوف؛ فلقد عملوا سوياً في سان بطرسبورج، وقد جعلتهما فترة عملهما في الإيسكرا القديمة شديدي القرب من بعضهما. خلال تلك الأيام، أظهر مارتوف حرصاً بالغاً على الإمساك بأفكار إيليتش وتطويرها بشكل موهوب وشديد الذكاء. بعد ذلك، أخذ لينين في النضال بشدة ضد المناشفة، لكن في كل مرة يتخذ فيها مارتوف الخط الصحيح، حتى ولو بأبسط درجة، كان لينين يعيد إحياء موقفه القديم تجاهه. هكذا كان الأمر، على سبيل المثال في باريس في 1910، عندما عمل مارتوف وفلاديمير إيليتش سوياً في هيئة تحرير “سوسيال ديمقراط”، لدى عودتهما من المكتب إلى المنزل، كثيراً ما كان لينين يشير بنبرة فكاهة حين كان مارتوف يتخذ المواقف الصحيحة، أو حين كان يعارض دان. ولاحقاً في روسيا، كان لينين في قمة السرور حين كان مع موقف مارتوف خلال أيام يوليو 1917، ليس بسبب أي ميزة للبلاشفة، بل لأن مارتوف كان موقفه ثورياً قويماً (32).

وفي شتاء 1919 – 1920، علم لينين أن مارتوف كان مريضاً للغاية، حينها أرسل له أفضل الأطباء الموجودين في موسكو.

إلا أنه لم يكن هناك أي عنصر شخصي كان له تأثير على لينين في تقديره السياسي للأشخاص. كتبت كروبسكايا أن:

“واحدة من أهم السمات المميزة لإيليتش كانت قدرته على التفريق بين النزاعات على المبادئ والنزاعات الشخصية، علاوة على قدرته على إعلاء مصالح القضية فوق أي شيء آخر. إذا هاجمه أحد أنداده، ينهض إيليتش لرد الهجوم وللتأكيد على وجهة نظره، لكن عندما تصعد مهام جديدة ويكون التعاون مع أولئك الأنداد ممكناً، كان لدى إيليتش القدرة على التقارب مع ند الأمس كرفيق. ولم يكن يجبر نفسه على ذلك، بل كان الأمر طبيعياً، وهنا تكمن قوة لينين الهائلة. كان دائماً متفائلاً كلما كان المهتمين بالأمر كُثر. كان أحياناً يخطئ، لكن ذلك التفاؤل كان مفيداً للغاية للقضية” (33).

كان قادراً في نفس الوقت الذي يهاجم فيه أحد الأشخاص بشدة على موقف سياسي حالي، أن يثني على إسهاماته في مجالات أخرى.

في خطاب يعلق فيه على إفلاس بليخانوف السياسي في 1905، كتب لينين أنه “حزين على الرجل العجوز.. يا له من عقل جميل” (34). وبعد ذلك بعامين، في مقالة يهاجم فيها بضراوة سياسات بليخانوف في ثورة 1905، لم يكف لينين عن مديح إسهاماته النظرية الهامة السابقة.

مرة أخرى في خطاب إلى هيئة تحرير البرافدا، في وقت ما بعد 25 مايو 1913، كان بوسع لينين أن يعود إلى الماضي ويكتب أن “بليخانوف له قيمة كبيرة الآن لأنه يناضل ضد أعداء حركة الطبقة العاملة” (35). وحتى بعد 1917، حينما لم يؤيد بليخانوف الحرب فقط، بل ذهب ليكتب في جريدته “إيدينتسفو” متهماً لينين بالعمالة لألمانيا، استمر لينين في الاحتفاء بإسهامات بليخانوف للنظرية الماركسية.

أظهر لينين قدراً كبيراً من الاستجابة واللطف تجاه الرفاق ليطوّر معرفتهم وقدراتهم. تصف كروبسكايا الأمر على النحو التالي:

“أتذكر أسلوب لينين في التعامل مع الكُتاب قليلي الخبرة. خلال النقاش معهم في أعمالهم، كان يتوجه مباشرةً إلى قلب الموضوع، إلى الأمور الأساسية، ويطرح عليهم الاقتراحات من أجل التطوير. كان يفعل كل ذلك بشكل رصين للغاية بحيث لم يكن هؤلاء الكُتاب يلاحظون أنه يقوم بتصحيحهم. وكان إيليتش جيداً للغاية في مساعدة الناس في أعمالهم. على سبيل المثال، إذا أراد من أحد الأشخاص أن يكتب مقالة، في حين أنه لا يثق كثيراً في قدرته على فعل ذلك بشكل صحيح، فإنه يبدأ بالنقاش معه، ويشرح له أفكاره، ويبرز له الأبعاد التي تجذب اهتمامه. وبعد أن يجعله يلم بالموضوع بما فيه الكفاية، يسأله “هل تحب أن تكتب مقالة عن الموضوع؟”، والكاتب لا يكاد يشعر بأن مناقشته المسبقة مع إيليتش قد ساعدته بالفعل، وأنه في كتابة المقالة نفسها قد استخدم بعض من تعبيرات لينين وعباراته” (36).

وإذا كان لدى لينين نقطة ضعف واحدة، فهي أنه كان يُغرم بالناس بسهولة كبيرة. “دائماً ما كان فلاديمير إيليتش يتحمس للكثير من الناس، ويبدو أنه كان يتبين بعض ملامح القيمة الغالية لدى شخص ما ويتعلق بها” (37). لكن ذلك الحماس لم يكن يستمر طويلاً. وبينما كان مستعداً، لدى المعرفة الأولى، لأن “يُغرم” بمتعاون جديد، فإنه يتبين، بعد معرفة أطول وأعمق، مواضع الضعف فيه.

وموقفه تجاه الشخص كان من الممكن أن يتغير جذرياً، وفق ما إذا كان في هذا الوقت إلى جانبه أم ضده. لا يمكن أن نسمي ذلك بالتقلب؛ فالسبب في أننا ربما نجد في كتابات لينين تناقضات مفزعة في تعليقاته على الناس هو أن القاعدة الأساسية بالنسبة له كانت أولوية احتياجات النضال فوق كل الأمور الأخرى. كانت قدرة لينين الفائقة في التحكم في ذاته، التي جعلته موضوعياً في تقييم إسهامات الآخرين، بما يشمل أنداده أنفسهم، وروحه السمحة ووده الاستتثنائي، كل ذلك أكسبه ثقة وحب كافة معاونيه.

بعد الاستطراد فيما يخص موقف لينين تجاه الرفاق وأسلوب تعامله معهم، دعونا نعود لما خلّفه مؤتمر 1903 من عواقب وأحداث.

جنون الانقسام

حكى ليو تولستوي ذات مرة أنه رأى رجلاً من بعيد يجلس القرفصاء ويومئ برأسه على نحو غريب. ظنه رجلاً مجنوناً، لكن عندما اقترب منه، كان راضياً بأن وجد الرجل منهمكاً في عمل ضروري؛ كان يسن سكيناً مستخدماً حجراً في يده. كان لينين مولعاً بالاستشهاد بهذا المثال؛ فلقد بدا المشاركون في النقاشات المطوّلة والمشاحنات الحامية في مؤتمر 1903، بالنسبة لأي متابع من الخارج، مجانين لا عقل لهم.

ليس هناك من شيء أكثر عبثية وافتقاداً للمعنى من هذا الانقسام بين البلاشفة والمناشفة. وبالاطلاع على الفترة التي انعقد فيها المؤتمر، لن يكون بوسعنا سوى أن نندهش عندما نعلم أن هذه الفترة مثلت نقطة تحول في تاريخ الحركة العمالية الروسية. وحتى المشاركون في المؤتمر لم يقتنعوا على الإطلاق بأن الانشقاق أمر ذو أهمية، أو أنه سيدوم لفترة طويلة من الوقت. لذا فقد كتب لوناتشارسكي معبراً عن هذه الحالة:

“إن التحدي الأكبر في هذا النضال يكمن في هذا بالذات؛ أن المؤتمر الثاني، بالانشقاق الذي حدث بالحزب، لم يبرز بعد الاختلافات الحقيقية بين المارتوفيين من جانب، واللينينيين على الجانب الآخر. هذه الاختلافات لا تزال تبدو محصورة في اللائحة الحزبية وعضوية هيئة التحرير. الكثيرون مندهشون من تفاهة السبب الذي قاد إلى الانشقاق” (38).

أما بياتنيسكي، الذي صار فيما بعد عضواً بارزاً في الكومنترن، وكان عاملاً شاباً أثناء فترة المؤتمر، كتب مستدعياً ذكرياته عن تلك الفترة:

“لم أكن أفهم لماذا تؤدي هذه الاختلافات البسيطة إلى إبعادنا عن العمل سوياً.. وصلتنا معلومات بأن هناك بعض الاختلافات في الرأي داخل مجموعة الإيسكرا نفسها.

لم أكن أصدق تلك الإشاعات، وقد كنا نتوقع أن نسمع عن اختلافات هامة بين القائمين على رابوتشي ديلو ومؤيديها؛ لكنني لم أكن أتوقع أي شق في الوحدة داخل مجموعة الإيسكرا والتي اعتدت على اعتبارها مجموعة متجانسة. كان ناقوس الخطر يدق على مدار أيام عديدة، والحيرة تسيطر على رؤوسنا. في النهاية عاد المندوبون من المؤتمر إلى برلين، وسمعنا تقارير عن المؤتمر من الجانبين، بينما شرع كلٌ منهما في التحريض على اتباع مساره الخاص. كنت ممزقاً تماماً بين الجانبين؛ فمن ناحية، شعرت بالأسف الشديد من أنهم هاجموا بوتريسوف وزاسوليتش وأكسيلورد وطردوهم من هيئة تحرير الإيسكرا. ومن ناحية أخرى، كان جميع الرفاق الذين كنت قريباً منهم بشكل خاص مصطفين داخل المعسكر المنشفي، بينما كنت أؤيد تماماً الهيكل التنظيمي للحزب الذي دافع عنه الرفيق لينين. منطقياً كنت في صف الأغلبية، لكن تعاطفي الشخصي – إذا كان لي أن أعبر عن نفسي هكذا – كان مع الأقلية” (39).

والمهندس كرجيجانوفسكي هو الآخر، والذي كان شديد القرب من لينين في تلك السنوات، ذكر أنه “بالنسبة لي، شخصياً، فإن التفكير في انتهازية الرفيق مارتوف يبدو متعالياً للغاية بالتأكيد”. هناك في الحقيقة دلالة كبيرة الأهمية لهذه الشهادة؛ فرسائل الاحتجاج على الانشقاق الممزوجة بنبرة رثاء الحزب كانت تنهمر من بطرسبورج وموسكو ومن كافة المدن الأخرى، ولم يكن أحد يريد الاعتراف بالانشقاق الذي حدث بين الإيسكريين في المؤتمر (40).

كان عامل بأحد المصانع قد أرسل للينين خطاباً مستنكراً فيه الانشقاق و”الصراع الدخلي عديم المعنى”:

“أنظر يا رفيق، هل من الطبيعي أن تُستهلك كل هذه الطاقات في السفر حول اللجان من أجل هدف واحد وهو التحدث عن الأغلبية والأقلية؟ حقاً، أنا لا أعلم، هل هذا الأمر بهذا القدر من الأهمية بحيث يستوجب تسخير كل الطاقات لأجله، وبسببه على الزملاء أن ينظروا لبعضهم البعض كأعداء؟ على المستوى العملي يصبح الأمر كالتالي: فلنقل أن لجنة من اللجان تتشكل من أتباع معسكر واحد, فلن يصبح أي من أتباع المعسكر الآخر عضواً فيها، بغض النظر عن أنه يناسب عمل اللجنة، وفي الحقيقة لن يصبح عضواً بها حتى إذا كان ضرورياً لهذا العمل، وحتى إذا كان عمل اللجنة سيعاني من دونه. بالطبع لا أقصد أن أقول أنه يجب التخلي عن النضال على هذه القضية، كلا بالتأكيد، لكني فقط أعتقد أن هذا النضال يجب أن يكون من نوع مختلف، يجب ألا يجعلنا ننسى واجبنا الأساسي وهو الترويج للأفكار الاشتراكية الديمقراطية بين الجماهير.. لا أعلم إذا كان هذا صحيحاً أم لا، لكني عندما أرى الزملاء يدوسون مصالح العمل في الوحل وينسونها تماماً، فإني أعتبرهم جميعاً يمارسون الخداع السياسي. إن الأمر ليؤلمك حقاً ويملئك بالقلق حيال العمل عندما ترى المسئولين عنه يقضون وقتهم في شيء آخر. عندما أرى ذلك، أسأل نفسي: هل مصير حزبنا هو الانشقاقات الدائمة على هذه التفاهات؟ هل بمقدورنا أن نشن النضال الداخلي والخارجي في نفس الوقت؟” (41).

فاقمت المهاترات والتشهيرات الشخصية بشكل كبير من الانشقاق داخل الحزب، وبعد عدة سنوات كتب لينين:

“ليس هناك من نضال على المبادئ تشنه مجموعات داخل الحركة الاشتراكية الديمقراطية في أي من أنحاء العالم استطاع أن يتجنب الصراعات الشخصية والتنظيمية. والأساليب البذيئة تشق طريقها عن عمد لتلتصق بتعبيرات “الصراع”. لكن فقط الهواة ضعاف الأعصاب هم من يستهجنون هذه الصراعات، سواء في يأس أو بازدراء، وكأنهم يقولون: الأمر كله لا يعدو كونه مشاجرة” (42).

وحتى في 1903، أُضيف إلى الارتباك قدر كبير من العداء الشخصي بين الطرفين المتنافسيَن. ومن الواضح في كتابات لينين في هذا الوقت أنه هو نفسه لم يكن يستوضح بدقة عمق الانشقاق وتأثيره المستقبلي. ويظهر ذلك بشكل جزئي في القسم الذي يغطي هذه الفترة من أعماله الكاملة، الذي يتضمن عدد كبير من الخطابات غير المرسلة، والبيانات التي لم تُسَلم، والمقالات التي سُوّدَت لكن لم تُنشر. أما تلك المادة التي رأت النور في وقتها فهي تشير إلى أن لينين لم يتوقع أن الانشقاق مع المناشفة سيستمر طويلاً، ولم يظن حتى أنه من المبرر أن ينشطر الحزب على هذه القضايا “التافهة”. وهكذا كتب إلى ن. بوتريسوف في 13 سبتمبر 1903:

“حينما أستدعي في ذهني الأحداث والانطباعات المختلفة خلال المؤتمر، أدرك أنني تصرفت في كثير من الحالات بشيء من الانفعال، وأحياناً بشكل مسعور، وأنا على استعداد للاعتراف بهذا الخطأ الذي بدا مني لأي شخص. هذا الخطأ – إذا جاز التعبير – كان نتيجة طبيعية للمناخ السائد وردود الأفعال والمداخلات المتشاحنة، إلخ. لكن بالتدقيق في الأمر الآن، والنتائج التي تم التوصل إليها، لا أجد أي شيء يضر بالحزب، أو أي شيء يمثل إهانة أو إساءة للأقلية على الإطلاق” (43).

وبعد ستة أشهر من المؤتمر، كان على لينين أن يكتب أن “الاختلافات التي تفرق جناحي الحزب في الوقت الراهن تتعلف في المقام الأول ليس بقضايا البرنامج والتكتيكات، وليس فقط بالقضايا التنظيمية” (44)، و”قضايا التنظيم بالتأكيد أقل جوهرية من مسائل التكتيك، ناهيكم عن البرنامج نفسه” (45)، و”اعتدنا من قبل أن نختلف حول قضايا كبرى كالتي تقتضي في بعض الأحيان وتبرر حدوث انشقاق، أما الآن فنحن متفقون على كافة النقاط الكبرى والهامة، وفقط الأمور الطفيفة هي التي تقسم صفنا، تلك الأمور التي علينا بالطبع أن نجادل حولنا، لكنها أيضاً من السخف والطفولية أن تفرقنا” (46). “إذا كان أعضاء حزبنا جديرين بحق لتمثيل البروليتاريا المناضلة والواعية طبقياً، وجديرين بحق للمشاركة في حركة الطبقة العاملة العالمية، فلابد لهم أن يبذلوا جل طاقتهم كي لا تتدخل الخلافات الشخصية في تفسير وإدراك أساليب ومبادئ برنامج حزبنا، أو أن تُتاج لها فرصة للتدخل في عملنا المشترك والمنسجم تحت توجيه مؤسساتنا المركزية” (47).

انتابت لينين حالة من التردد استمرت لشهور. وعلى عكس الأساطير السائدة في التاريخ، لم يكن لينين يتوقع ولا يرى النتائج التي سيسفر عنها هذا “الشق الطفيف” في الحزب، وعدم اتخاذه لقرار محدد كان له تأثيرا شديد السلبية على أعصابه. هكذا كتبت كروبسكايا أثناء المؤتمر الثاني أن فلاديمير إيليتش “كان مجهداً بشدة إلى درجة أن تطور الأمر إلى إصابته بمرض عصبي يسمى “النار المقدسة”، وهو عبارة عن التهاب في الأطراف العصبية في الصدر والظهر. وفي الطريق إلى جينيف لم ينعم بأي قدر من الراحة، أما لدى الوصول هناك فقد انهار تماما وكان عليه أن يقبع بالفراش لأسبوعين متواصلين” (48). وأثناء فترة المؤتمر، جفا النوم عينيه تماماً ولم يهنأ بأي راحة (49).

في الحقيقة كان لينين بعد كل مؤتمر يذهب مع كروبسكايا في رحلات طويلة يقضونها في المشي أو ركوب الدراجات. كان ضبط لينين لنفسه كبيراً لدرجة أن مؤشرات الموجات العاطفية التي هزته قليلة للغاية، إلا أن كروبسكايا كانت تشير دائماً في مذكراتها إلى أسابيع وشهور من الإرهاق العصبي الذي عانى منه لينين.

والفضل في قدرة لينين على الحفاظ على رباطة جأشه والتزامه وأمانته وتقليصه لتأثيرات الضيق الشخصي والتوتر، يعود إلى شريكة حياته كروبسكايا، التي بشخصيتها الحاضرة والنقية وطاقتها وإخلاصها للقضية وحبها الصادق، ساعدته على الاستمرار بهذه الدرجة من الصلابة والصمود.

بالعودة إلى الأحداث التي تلت مؤتمر 1903، اتخذ الأمر من لينين ستة أشهر كاملة حتى يتوصل لاستنتاج أن الانشقاق كان مبرراً وضرورياً. لقد توقف عن التردد وأصبح على قناعة راسخة بأن الانشقاق كان انعكاساً للخلاف بين الجناح البروليتاري والجناح البرجوازي الصغير للحزب.

وفي كتيبه “خطوة للأمام وخطوتان للخلف” المكون من 230 صفحة، والذي كتبه بين فبراير ومايو 1904للتعليق على أحداث مؤتمر 1903 وما بعده، كتب لينين أن “بالنسبة لفردية المثقفين التي أظهرت نفسها بالفعل في النزاع حول الفقرة الأولى والتي كشفت النقاب عن ميلها للجدال الانتهازي وعبارات الترويج للفوضوية، فإن التنظيم البروليتاري والالتزام هو عبودية” (50).

وفي رده على أحد الخطابات المنشورة بالإيسكرا (أصبحت منذ ذلك الحين جريدة منشفية) يستنكر فيه الكاتب رؤية لينين للحزب كـ”مصنع هائل” تقع اللجنة المركزية على رأسه وتديره، ذكر لينين أن الكاتب (1*):

“لا يداخله أي ريب في أن الكلمة الرهيبة التي أطلقها تفضح فوراً عقلية المثقف البرجوازي الذي لا يعرف لا ممارسة ولا نظرية التنظيم البروليتاري. إن هذه الفبركة، التي تبدو لبعضهم فزاعة، هي الشكل الأعلى للتعاون الرأسمالي، الذي جمع ونظم البروليتاريا، وعلّمها التنظيم، ووضعها في طليعة جميع الفئات الأخرى من السكان الكادحين والمستثمَرين. والماركسية، أيديولوجية البروليتاريا التي علمتها الرأسمالية، هي التي علّمت ولا تزال تعلّم المثقفين المتذبذبين الفرق بين جانب الفبركة الاستثماري (النظام القائم على الخوف من الموت جوعاً) وبين جانبها التنظيمي (النظام القائم على العمل المشترك الذي توحده شروط الإنتاج المتطور تكنيكياً بصورة عالية). إن النظام والتنظيم، اللذين يصعب جداً على المثقف البرجوازي اكتسابهما، إنما يستوعبهما البروليتاري بسهولة كبيرة، بفضل “مدرسة” الفبركة هذه على وجه التحديد” (51). (مذكور في: لينين، “خطوة للأمام وخطوتان للخلف”، دار التقدم، موسكو، ص 211 – المترجم)

وفي هجومه على الإنتلجنسيا وتشديده على الحاجة لحزب ثوري من أجل ضبط حركتهم، اقتبس لينين فقرات طويلة للغاية من توصيف كاوتسكي الرائع لنزعة المثقفين الفردية:

“المثقف ليس رأسمالياً. صحيح أن مستوى حياته هو مستوى حياة البرجوازي، وأنه مضطر إلى الاحتفاظ بهذا المستوى طالما لم يتحول إلى صعلوك، ولكنه مكره في الوقت نفسه إلى بيع نتاج عمله، وحتى قوة عمله أحياناً كثيرة، وهو أحياناً كثيرة يستثمره الرأسمالي، ويعاني بعض الإذلال الاجتماعي. وهكذا فإن المثقف لا يجد نفسه في أي تناحر اقتصادي إزاء البروليتاري. ولكن وضعه في الحياة، وشروط عمله، ليست وضع وشروط عمل البروليتاريا؛ ومن هنا بعض التناحر في المزاج وطريقة التفكير.

إن البروليتاري لا يساوي شيئاً طالما بقى فرداً منعزلاً. فكل قوته، وكل قدرته على التقدم، وكل آماله وأمانيه، إنما يستمدها من التنظيم، من النشاط المشترك والمنهجي مع رفاقه. إنه يشعر بنفسه كبيراً وقوياً حين يكون جزءاً من هيئة كبيرة وقوية. وهذه الهيئة هي كل شيء بالنسبة له. وبالمقارنة معها، ليس الفرد المنعزل سوى شيء قليل جداً. إن البروليتاري يخوض نضاله بأكبر ما يكون من روح التضحية، بوصفه جزءاً من الجمهور الغفل، دون أي أمل بالربح أو المجد الشخصي، ويؤدي واجبه في أي مركز يعهد به إليه، خاضعاً بملء إرادته لنظام الطاعة الذي يفعم كل عواطفه، الذي يفعم كل تفكيره.

أما الحال فآخر تماماً بالنسبة للمثقف. فهو لا يناضل باستخدام القوة بهذا الشكل أو ذاك، بل بالحجج. فسلاحه إنما هو معرفته الشخصية، مؤهلاته الشخصية، معتقداته الشخصية. ولا يمكن له أن يضطلع له بدور إلا بخصاله الشخصية. وهكذا فإن الحرية التامة في إبداء شخصيته تبدو له العمل الأول في العمل الناجح. ولا يخضع لكل واحد، بوصفه عنصراً ثانوياً في هذا الكل إلا بصعوبة، إنما يخضع بفعل الضرورة، لا بفعل اندفاعه الخاص. إن ضرورة الطاعة، إنما لا يعترف بها إلا للجمهور، لا لعقول النخبة، وهو بالطبع يعتبر نفسه في عداد العقول النخبة.

إن فلسفة نيتشه، مع تقديسها للإنسان الخارق الذي ينحصر كل شيء بنظره في تأمين كامل تطور شخصيته، والذي يبدو له كل إخضاع لشخصه لأي هدف اجتماعي كبير كان، أمراً مبتذلاً جديراً بالاحتقال والازدراء. إن هذه الفلسفة بالنسبة للمثقف هي مفهومه الحقيقي عن العالم، وهي تجعله غير أهل إطلاقاً للاشتراك في نضال البروليتاريا الطبقي.

وإلى جانب نيتشه، يمكن اعتبار إيبسن ممثلاً بارزاً لمفهوم المثقفين عن العالم، لهذا المفهوم الذي يستجيب لحالتهم الفكرية. فإن الدكتور شتوكمان – بطل مسرحيته “عدو الشعب” – ليس اشتراكياً كما تصوره الكثيرون، بل نموذج المثقف الذي لابد له بالضرورة أن يدخل في نزاع مع الحركة البروليتارية، ومع كل حركة شعبية بوجه عام، ما أن يحاول العمل في داخلها. ذلك لأن أساس الحركة البروليتارية، شأنها شأن أساس كل حركة ديمقراطية، إنما هو احترام أغلبية الرفاق. إن المثقف على شاكلة شتوكمان يرى في “الأغلبية المتراصة” وحشاً فظيعاً يجب طرحه أرضاً” (52).

استنتج لينين أن الموقف الذي اتخذه مارتوف ومؤيدوه إنما يعكس استسلاماً أمام فردية المثقفين، في حين على لائحة القواعد الحزبية أن تهدف إلى ضبط هؤلاء المثقفين أنفسهم. ومن المثير في الحقيقة أن نقارن أطروحات لينين في “ما العمل؟” بـ”خطوة للأمام وخطوتان للخلف”؛ في الأول وجه لينين النقد إلى النشطاء المحليين الذين لا يتسع أفقهم أبعد من حلقتهم. وهنا أتى مفهوم أن البروليتاريا “مدفوعة عفوياً إلى الوعي النقابي” فقط، وأن الإنتلجنسيا الماركسية لها دور محوري في جلب الوعي السياسي والطبقي إلى العمال من الخارج. أما بعد عامين، في “خطوة للأمام وخطوتان للخلف”، فإن العنصر البروليتاري في الحزب لابد أن يفرض الالتزام على الإنتلجنسيا. فالزمن يتغير، واحتياجات الحركة تتغير هي الأخرى، ولينين “يلوي العصا” من أجل توجيه الأمور في المسار المطلوب.

الترقب

كان انشقاق 1903 بمثابة مقدمة للكثير من التطورات اللاحقة. ومن الناحية الميكانيكية، يمكن اعتبار الخلافات السياسية بين لينين ومارتوف صغيرة للغاية لتبرر انشقاق بين جناحي الحزب، لكن إذا نظرنا إليها من زاوية تطورها، أي من الناحية الجدلية، يتعاظم أمر هذه الخلافات الصغيرة. في الحزب الموحد لم تكن حلقات البرجوازية الصغيرة معزولة تماماً عن حلقات الطبقة العاملة، وأحد جناحي كان يميل للالتفاف حول نفسه ليصبح لسان حال مجموعة اشتراكية غير بروليتارية، في حين كان الجناح الآخر خصماً لهذه العناصر البرجوازية الصغيرة. لكن الخلافات في 1903 انحصرت فقط في الإطار التنظيمي، بينما لم تكن الخلافات السياسية والبرنامجية قد كشفت بعد عن نفسها. ومن هذه الزاوية، لم يكن لينين في البداية يعتبر الانشقاق مبرراً بما فيه الكفاية. إلا أن تواجد منظمتين منفصلتين قد يؤدي إلى خلافات سياسية، حيث تتطور التوجهات السياسية داخل كل منهما على حدا، كما أن العامل الشخصي قد يلعب دوراً في تشكيل هذه التوجهات السياسية داخل كل مجموعة.

وفي الحقيقة، لم يكن أي من جناحي الحزب في 1903 خالصاً تماماً في تشكيله؛ فعلى جانب البلاشفة انحاز بليخانوف الذي صار فيما بعد على أقصى يمين المناشفة، وعلى جانب المناشفة اصطف كلٌ من تروتسكي وروزا لكسمبورج. لكن سمات كل جناح تحددت بشكل أساسي من خلال الزعيمين اللذين اختلفا بشكل أكبر في سماتهما؛ لينين ومارتوف. أما حقيقة أن الجناح البلشفي كان يُطلق عليه منذ البداية الجناح “الصلب”، والمناشفة الجناح “الرخو”، فقد كانت تعكس تشخيصاً نفسياً ناسب في مجمله قيادة جناحي الحركة. وفي حين يتحدث الجميع عن “صلابة” لينين، يتحدثون أيضاً بنفس القدر عن “رخاوة” مارتوف. وبعد سنوات طويلة من مؤتمر 1903، وصف تروتسكي مارتوف بـ”هاملت الاشتراكية الديمقراطية” الذي كان “فكره يفتقر إلى الإرادة” (35).

ويمكننا أيضاً ملاحظة أحد تعبيرات الاختلافات في الخصال النفسية بين لينين ومارتوف في اختيار أسماء “البلاشفة” و”المناشفة”. تمسك لينين بحزم بعنوان “البلشفية”، في حين رفع مارتوف بكل وداعة لافتة “المنشفية” طوال حياته، وحتى عندما كان يحوذ الأغلبية، استمر في تسمية نفسه “منشفياً”.

أحد الكتيبات التي أعدها مارتوف بعد المؤتمر الثاني ضد لينين كانت تسمى “مرة أخرى في الأقلية”. إذا افترضنا أن لينين كان في صف الأقلية في كل قضايا المؤتمر، كما كان الحال في البند الأول، هل كان سيسمي مجموعته “المناشفة”؟ بالطبع لا. ربما كان قد أطلق عليها “الأشداء”، أو الماركسيين الأرثوذكسيين”، أو “الاشتراكيين الديمقراطيين الثوريين”، أو أي من هذا القبيل. إن الأسماء التي اختارها مارتوف ولينين كان لها دلالات أعمق: القدرية والاستسلام في مقابل قوة الإرادة والفعل، حيث تتشابك العوامل الشخصية والتاريخية معاً.

لا يمكن بالطبع أن نصف مارتوف في 1903 سياسياً بالإصلاحي، لكنه أظهر علامات على الوسطية، التي تمثل مصطلحاً عاماً لتيارات مختلفة ومجموعات متنوعة بين الإصلاحية والماركسية. وواحدة من السمات الأساسية للوسطيين هي تعتيمهم على الحاجة الملحة لرسم الحدود بين الطليعة الطبقية والجماهير، بين مبادرة الأقلية وروتين الأغلبية. والمشكلة الرئيسية في الوسطية هي في قدريتها التاريخية، ولأن المجموعات الوسطية غير محددة في طبيعتها، وتفتقر إلى التحديد الواضح والحاد لطابعها، فهي لا تتحرك في نفس الاتجاه دائماً؛ بعضها يتوجه يساراً نحو الماركسية والبعض الآخر يتوجه يميناً للإصلاحية. وعلاوة على ذلك، ونظراً للافتقار إلى التماسك، في بعض الأحيان يسير الوسطيون إلى اليسار ومن ثم يغيرون دفتهم إلى اليمين في وقت لاحق. وخلال هذه العملية، يحدث نوع من الفرز، وبالتالي تحدث الانشقاقات، داخل هذه المجموعات الوسطية؛ بعض القطاعات تحسم موقعها تماماً وتترسخ في صفوف الإصلاحية، بينما ينضم البعض الآخر إلى الجناح الثوري للحركة العمالية.

في روسيا القيصرية، أعيقت عملية الفرز بين الثوريين المتماسكين والوسطيين والإصلاحيين، بواسطة السلطة الشمولية نفسها. ففي الغرب الأوروبي، كانت العناصر الأكثر اعتدالاً في الحركة العمالية تطلق على نفسها بكل صراحة “إصلاحية”، لكن تحت الحكم القيصري، حتى هؤلاء الاشتراكيون الأكثر اعتدالاً لم يكن بمقدورهم أن يؤسسوا لأنفسهم حزباً إصلاحياً. فـ”الطريق البرلماني للاشتراكية” لم يكن مساراً جاذباً في ظل غياب حياة برلمانية حقيقية. لكن على الأقل كان هناك حاجة بالفعل إلى شبه برلمان – مجلس الدوما القيصري الذي تأسس في السنوات اللاحقة – من أجل أن تطل الوسطية البرلمانية برأسها. ولم يرفع أي ممن انخرطوا في الحركة الاشتراكية الروسية لافتة الإصلاحية بشكل معلن في 1903.

كان جناحا الاشتراكية الديمقراطية الروسية، البلشفي والمنشفي، مقبلين بالفعل على شقاق عميق كان له انعكاسات سياسية حقيقية في الميول الكامنة داخل كل جناح، والذي كان له أن يحدد إمكانية أي توافق لاحق. لكن تلك النتائج لم يكن يراها أي من المشاركين في نزاعات تلك الأيام.

وقد تطلب الأمر أن تمر المنشفية بعام الثورة في 1905، وبسنوات الردة الرجعية 10 – 1907، حتى تتشكل تماماً وتصنع طرازها الخاص. ولأن المنشفية في 1903 كانت بشكل كبير تمثل الوسطية، لم يكن موقف البلاشفة، بمن فيهم لينين، تجاه الانشقاق واضحاً أو مستقراً. والنتيجة المترتبة على ذلك كانت أن عملية الانفصال الكامل بين البلشفية والمنشفية استغرقت عدة سنوات. هكذا سار تاريخ علاقة البلاشفة والمناشفة:

الانشقاق الرسمي يوليو – أغسطس 1903
الانشقاق الحقيقي ربيع 1905
شبه وحدة 7 – 1906
انشقاق 9 – 1908
شبه وحدة 1910
الانشقاق النهائي يناير 1912

القادة البلاشفة يرفضون الانشقاق عن المناشفة

بعد انتهاء أعمال المؤتمر بفترة قصيرة، عمد بليخانوف، الذي كان مؤيداً للينين أثناء المؤتمر، إلى تغيير رأيه. فقد أعلن أنه لا يمكن أن يتحمل أن “يطلق النار على رفاقه”، وأنه “بدلاً من الانقسام، من الأهون أن نطلق النار على رأس واحد فقط”. لقد قرر دعوة مارتوف وأكسيلورد وزاسوليتش وبوتريسوف للانضمام إلى هيئة تحرير الإيسكرا، فيما قدم لينين استقالته منها باشمئزاز.

كان رد فعل لينين الفوري أن شرع في تنظيم مؤتمر جديد، وهكذا كتب في 18 ديسمبر 1903 خطاباً لواحد من أقرب أصدقائه، جي. إم. كرجيجانوفسكي:

“إن طوق النجاة الوحيد هو عقد مؤتمر جديد، وفقط من خلال المؤتمر يمكننا أن نمسك بالمارتوفيين، وأن نكسب الجماهير العريضة وننقذ الموقف. وفي رأيي، تكمن الخطة الوحيدة الممكنة في الوقت الراهن في التزام السرية التامة، ألا ننطق ببنت شفة عن المؤتمر. وكل القوى بلا استثناء تذهب إلى اللجان.. من أجل الخضوع للجنة المركزية. يجب أن نبذل كل الجهد من أجل تقوية اللجان برجالنا. يجب أن نبذل كل الجهد للإمساك بالمارتوفيين وأتباع يوجني رابوتشي، أن نسقطهم بالوثائق والقرارات، والقرارات ينبغي أن تصب في الجهاز المركزي. والأكثر من ذلك، ينبغي على رجالنا أن يجدوا طريقهم إلى داخل اللجان المهتزة والمترددة، أن يكسبوهم على شعارنا “ضد التشويش” – لكن هذه ليست المهمة الأكثر أهمية. لابد ألا يتأخر انعقاد المؤتمر عن يناير، لذا يجب العمل بكل حيوية. أكرر: إما الهزيمة الكاملة، أو الإعداد فوراً لمؤتمر. لابد أن ينعقد المؤتمر في سرية تامة خلال شهر واحد بحد أقصى، وخلال ثلاثة أسابيع أن تُجمع مطالب اللجان بعقد المؤتمر. أكرر مرة أخرى: هذا هو طوق النجاة الوحيد” (54).

إلا أن الأمر قد أخذ 18 شهراً، حتى مايو 1905، لعقد المؤتمر، وبالتالي وضع اللمسات الأخيرة على عملية الانشقاق مع المناشفة.

في البداية، واجهت فكرة المؤتمر الجديد مقاومة من جانب اللجنة المركزية، وبالرغم من أن كافة أعضائها كانوا بلاشفة، إلا أنهم كانوا منزعجين بشدة من الانشقاق، باحثين عن مسار لتسوية الأمور مع المناشفة:

“بعد فترة قصيرة من اجتماع يناير، أبدى خمسة من أصل ستة أعضاء في اللجنة المركزية للحزب عدم موافقتهم على مطلب لينين بعقد مؤتمر جديد. كما رفضوا أيضاً اقتراحه بضم عضوين آخرين.. أما الدوافع وراء الطرح الأخير فقد كانت واضحة تماماً. وقد انتهى خطابهم بـ “إننا نلتمس من الرجل العجوز (لينين) أن يكف عن الشجار ويبدأ بالعمل. ننتظر الأوراق والكراسات، وكافة ألوان النصائح التي توصي بها”. لكن ذلك ما لم يتقبله لينين، ورد عليهم قائلاً: “أنا لست آلة.. وليس بإمكاني إنجاز أي عمل في هذا الوضع المشين” (55).

وبعد شهور من المراسلات الحادة بين أعضاء اللجنة المركزية، تم طرد لينين منها بحلول صيف 1904، برغم أنه ظل عضواً بها من الناحية الشكلية. وفي يوليو 1904، سعت اللجنة المركزية للتصالح مع المناشفة؛ ففي تصريح لها نُشر على صفحات الإيسكرا، اعترفت اللجنة بالسلطة الكاملة لهيئة التحرير الجريدة (التي تشكلت آنذاك من خمسة مناشفة يشملون بليخانوف)، كما دعت لينين للالتحاق مجدداً بهيئة التحرير، واستنكرت تحريضه المستمر لعقد مؤتمر حزبي ثالث، وذلك من أجل تسوية الأمور مع المناشفة.

ومن وراء ظهر اللجنة المركزية، شرع لينين في بناء جهاز تابع للجنة المركزية سُمي بالمكتب الجنوبي للجنة المركزية تحت قيادة فوروفسكي الذي لم يكن عضواً باللجنة المركزية. لم يكن للمكتب الجنوبي أي صفة رسمية، لكنه كان وسيلة استخدمها لينين في الدعوة لمؤتمر جديد. قامت اللجنة المركزية في المقابل بحل المكتب الجنوبي، كما جردت لينين من حقه في تمثيلها بالخارج، ومنعت كتاباته من النشر (56)، وبدلاً من لينين قامت بتعيين نوسكوف، الذي كان توفيقياً يسعى للمصالحة مع المناشفة، ممثلاً رسمياً لها بالخارج.

لكن لينين لم يكن ساكناً أثناء حدوث كل ذلك؛ فبمعاونة كروبسكايا ومجموعة من بعض مؤيديه داخل روسيا، قام ببناء مجموعة جديدة تماماً من اللجان الممركزة، في تجاهل تام للبند السادس من اللائحة التنظيمية للحزب والذي يعطي اللجنة المركزية وحدها الحق في تنظيم اللجان والاعتراف بها. وخلال الفترة من سبتمبر إلى ديسمبر 1904، عُقدت 3 مؤتمرات للجان البلشفية المحلية؛ 1- اللجان الجنوبية (أوديسا، وإيكاترينوسلاف، ونيكولاييف)، 2- لجان القوقاز (باكو، وباكوم، وتيفليس، وإيميرتيان مينجريليان)، 3- اللجان الشمالية (سان بطرسبورج، وموسكو، وتفير، وريجا، ونورثر، ونيجني نوفجورود). وبناءاً على اقتراح لينين، انتخبت هذه المؤتمرات مكتباً لأغلبية اللجان لتجهيز وعقد المؤتمر الثالث للحزب. وقد تشكل هذا المكتب، الذي أصبح لينين عضواً به، بحلول ديسمبر 1904 (57).

كانت قد تمت الدعوة لمؤتمر الحزب الثالث في البداية، من خلال 22 بلشفياً، أثناء مؤتمر عُقد في سويسرا في سبتمبر 1904، ومن ضمن هؤلاء البلاشفة كان لينين وزوجته وأخته.

وفي ديسمبر 1904، نجح لينين في إنشاء جريدة فبريود (إلى الأمام)، أصبحت جهازاً أساسياً للبلشفية. إلا أن الأمور لم تسر على ما يُرام، فكتب لينين في 11 فبراير 1905 لاثنين من أقرب مؤيديه، أ. بوجدانوف وإس. جوزيف:

“فقط القيا نظرة على البونديين، فهم لا يثرثون كثيراً عن المركزية، لكن كل واحد فيهم يكتب أسبوعياً إلى المركز، وهكذا يحافظون بالفعل على التواصل. عليكما فقط أن تلتقطا جريدتهم بوليسدينيا إزفستيا لتريا هذا التواصل. أما نحن فنصدر العدد السادس من فبريود، في حين أن أحد محررينا لم يكتب إلى الآن سطراً واحداً لا عن فبريود ولا إليها. إن رجالنا “يتحدثون” عن الاتصالات الأدبية المبالغ فيها في سان بطرسبورج وموسكو، وعن قوى الأغلبية الشابة، في حين أننا نجتاز شهرنا الثاني بعد إصدار نداء التعاون.. ولم نسمع أو نرى أي شيء منهم.. فقط “سمعنا” من الغرباء عن نوع ما من التحالف بين لجنة سان بطرسبورج للأغلبية ومجموعة للمناشفة.. لكن من رجالنا، لم نسمع حتى كلمة واحدة. نحن نرفض الاعتقاد بأن البلاشفة كان بمقدورهم الإقدام على مثل هذه الخطوة الانتحارية المعتوهة. لقد “سمعنا” بالفعل من الغرباء عن مؤتمر للاشتراكيين الديمقراطيين وتشكيل “تكتل” ما.. لكن من رجالنا، لم نسمع حتى كلمة واحدة” (58).

كانت مقاومة الانشقاق واسعة الانتشار أيضاً بين قواعد الحزب، وقد استلزم الأمر شهوراً من الجهد الخرافي كي يتحقق الانقسام فعلياً في عدد من المدن الروسية. انقسم الحزب في سان بطرسبورج في خريف 1904 حين انقطعت الأقلية المنشفية عن اللجنة المحلية: “كثيرٌ من خلايا المناطق في 1904 و1905 كانت ذات تركيبة منشفية – بلشفية، والكثير من الأعضاء القاعديين أيضاً لم يدركوا أبعاد الانشقاق ولا تأثيره” (59). وفي موسكو، لم يحدث الانقسام بشكل فعلي إلا في مايو 1905. وفي سيبريا كما في أماكن أخرى، عمل شقيّ الحزب معاً ضمن إطار الهيكل التنظيمي طوال 1904 و1905، بل واستمرا في ذلك حتى مؤتمر الاندماج في أبريل ومايو 1906.

ورشة الطباعة غير الشرعية الشهيرة مثلاً، التي أدارها أعضاء بالحزب، استمرت في 1904 في طباعة الإيسكرا المنشفية بجانب العديد من الكتيبات البلشفية (2*). يينوكيدزه مثلاً قد كتب أن “اختلافاتنا في الرأي لا تنعكس على الإطلاق في عملنا”. ولم تقع ورشة الطباعة في يد اللجنة المركزية البلشفية إلا بعد المؤتمر الثالث، أي ليس قبل منتصف العام 1905 (60).

كان هناك عدد من العوامل التي حالت دون شق الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي. فأولاً، لم تكن الاختلافات بين البلاشفة والمناشفة بهذا القدر من الوضوح أمام أعين الأعضاء بحيث تستوجب الانشقاق. ثانياً، كان هناك وجداناً عاماً في صالح الوحدة. ثالثاً، كان كل الكُتاب والمنظّرين البارزين، فيما عدا لينين، يصطفون في المعسكر المنشفي – بليخانوف، وأكسيلورد، ومارتوف، وزاسوليتش، وتروتسكي، وبوتريسوف. وكما سنرى لاحقاً، خلال سنوات الردة الرجعية من 1906 وحتى 1910، فقدَ لينين أيضاً الصف الجديد من الكُتاب الأكفاء الذين انضموا للبلاشفة حينها – بوجدانوف، ولوناتشارسكي، وبوكروفسكي، وروجكوف، وجوركي. عانى البلاشفة دائماً من ندرة المثقفين والصحفيين المهرة بالمقارنة بنظرائهم المناشفة. الوجه الآخر من العملة هو أن المناشفة قد سقطوا في الوهم بأن تفوقهم في القدرة الأدبية يضمن لهم نفوذاً مستقبلياً في أوساط الحركة العمالية.

وما يزيد الطينة البلة، ويضع المزيد من المصاعب أمام لينين، هو أن كافة القادة البارزين في الحركة الاشتراكية الديمقراطية خارج روسيا كانوا في صف مارتوف والمناشفة، ومن بين هؤلاء كان كارل كاوتسكي، وروزا لكسمبورج، بالإضافة إلى أوجست بيبل الذي تطرق في حديثه عن أن هذه “الفضيحة الصارخة” لنزاعات الحزب الروسي تثبت أن أسلوب البلاشفة يستند إلى “عجز كامل” عن أن يصبحوا قادة حقيقيين للحركة (61).

الإخفاقات داخل روسيا

في 15 أغسطس 1904، كتب لينين إلى قيادة سان بطرسبورج البلشفية:

“إن الأوضاع الراهنة في اللجنة، التي تعاني من نقص الأعضاء، ونقص التثقيف، ونقص المعلومات، شبيهة بالأوضاع في روسيا كلها. في كل مكان هناك نقصاً مريعاً في الأعضاء.. وعزلة تامة، ومزاج عام من الإحباط والمرارة، وركود في العمل. وحتى قبيل المؤتمر الثاني، كان الحزب ممزقاً إرباً، والآن تتدهور الأوضاع كثيراً جداً في هذا الاتجاه” (62).

وفي 22 ديسمبر 1904، كتب أنه “قد أصبح معلوماً للجميع أن حزبنا عليلاً بشدة، وفقد نصف تأثيره خلال العام الماضي” (63). وفي 11 مارس 1905: “أضحى المناشفة أقوى منا في الوقت الراهن، لابد أنه سيكون نضالاً طويلاً وشاقاً” (64).

كان نشاط البلاشفة محدوداً للغاية في سان بطرسبورج خلال العام 1904. خلال ذلك العام قد أصدروا فقط 11 منشوراً، بعد أن كانوا قد أصدروا 55 خلال 1903. وخلال الفترة من مايو إلى نوفمبر 1904، أصدروا منشوراً واحداً فقط في يوليو (65).

في يناير 1905، كان لدى البلاشفة فقط 60 محرضاً أغلبهم شباباً يافعاً حديثي العهد بالنشاط الثوري. وبالرغم من ذلك، اعتبر جوزيف، أمين عام لجنة بطرسبورج، أن البلاشفة يمتلكون منظمة تآمرية كبرى في المدينة. وكان الغالبية الساحقة من القادة البلاشفة المحليين طلاباً بالأساس، وفي المقاطعة الأساسية بالمدينة، كان الـ 15 محرضاً والـ 10 دعاويين البلاشفة كلهم طلاباً (66).

كان ذلك هو الوضع العام للبلاشفة في 1904، ذلك العام الذي اندلعت فيه الحرب الروسية اليابانية التي مهدت الطريق بشكل مباشر للثورة.

وكان الحزب الاشتراكي الديمقراطي ككل، بشقيه البلشفي والمنشفي، قد شهد حالة مشابهة من التدهور الحاد في موسكو:

“كان لدى الاشتراكيين الديمقراطيين في موسكو عدداً محدوداً من الخلايا، وخلال صيف وخريف 1904 بدا واضحاً أن حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي كان قد اندحر تماماً؛ حيث زُج بقادته في السجن، وتوقفت أنشطته بشكل كامل. ولعل قائمة المنشورات التي أصدرتها اللجنة هناك يمكن أن تشير لنا على مدى التدهور الذي كان قائماً؛ فمن ضمن 252 منشوراً، كان 16 منهم فقط قد صدروا في 1904” (67).

وفي 5 يناير 1905، أي قبل أربعة أيام من اندلاع الثورة، كتبت كروبسكايا من جينيف إلى لجنة بطرسبورج البلشفية ما يلي:

“لكن أين إذن تلك الشعارات التي وعدت اللجنة أن تجتاح بها المدينة كالطوفان؟ لم نشهد أي منها، ولم نتحصل على تقرير واحد عن أي شيء. علمنا من الصحف الأجنبية أن عمال بوتليوف قد دخلوا في إضراب. هل لدينا صلات هناك؟ هل من المستحيل أن نحصل على أي معلومات عن الإضراب؟ ابذلوا كل جهدكم كي يكتب العمال التقارير بأنفسهم” (68).

أضاف نيفسكي أن “واحدة من أعظم التحركات البروليتارية كانت تبدأ لتوها، وبالفعل تناضل رأس حربتها – عمال مصنع بوتيلوف – ضد الرأسماليين، لكن المركز بالخارج يعلم عن كل ذلك من الصحف الأجنبية، إذ أن اللجنة البلشفية في سان بطرسبورج كان عليها أن تسخر جم طاقتها للنضال ضد المنظمات المنشفية التوافقية” (69). وفي فترة لاحقة، كف نيفسكي عن إلقاء اللوم على المناشفة، فيما كتب عن “البعد الشديد لمنظمتنا عن الجماهير العريضة، وتجاهلها لحياة ومصالح الجماهير”.

بالفعل كانت هناك حركة ضخمة من الإضرابات العمالية، وموجة هائلة آخذة في التصاعد، لكن في تلك الأثناء كانت اللجنة البلشفية تعيش حياتها المعزولة، وكانت قد نعتت حركة جابون بأنها زوباتوفية، فيما لم تكن قادرة حتى على إدارك أن إضراب بوتليوف لم يكن إضراباً عادياً، بل حركة ذات صلات وثيقة بتنظيمات جابون، وتربطها وشائج وطيدة بحركة إضرابات بروليتاريا بطرسبورج بأسرها (70).

وصف تقرير مُقدم من لجنة بطرسبورج إلى المؤتمر الثالث للحزب (أبريل – مايو 1905) الأوضاع داخل الحزب كالتالي:

“وضعت أحداث يناير لجنة بطرسبورج في وضع مؤسف للغاية؛ فروابط اللجنة وصلاتها بالطبقة العاملة تم بعثرتها حرفياً من قبل المناشفة. وعملنا على الحفاظ عليها بجهد كبير فقط في مقاطعة المدينة (ذلك القطاع الذي كان دوماً لصيقاً بوجهة نظر البلشفية)، وفاسيلييف أوستروف، وفي فيبورج. وفي أواخر ديسمبر تم الكشف عن ورشة الطباعة الخاصة بلجنة بطرسبورج. وفي ذلك الوقت كانت لجنة بطرسبورج تتشكل من: أمين عام (من خلاله يتم التواصل مع لجنة الشئون المالية وغيرها)، وكاتب رئيسي ومحرر، ومنظم رئيسي، ومحرض (هو نفسه منظماً للطلاب)، وخمسة منظمين. لم يكن هناك عاملاً واحداً بين أعضاء اللجنة. وقد أدى بنا إضراب بوتيلوف إلى وضع متبعثر” (71).

لم يكن المناشفة أفضل حالاً؛ فالصراع الداخلي في حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي قد أصاب جناحيه على حد سواء بتدمير واسع. وبعد سنوات لاحقة، كتب مارتوف:

“كان من الضروري إعادة إحياء جهود القوى الاشتراكية الديمقراطية من أجل الانخراط في حركة الطبقة العاملة المنتفضة ولإرشادها في المسار الصحيح. إلا أن الصراع الداخلي في الحزب قد منع ذلك، حيث ابتلع كل قوة الحزب، وخلال شتاء 04 – 1903 توقف نشاط التنظيم تماماً” (72).

في إحدى مقاطعات سان بطرسبورج، تقلص عدد الحلقات المنشفية من 15 أو 20 في بداية العام 1904 إلى 4 أو 5 فقط في ديسمبر من نفس العام (73).

الافتقار إلى قيادة مركزية

طوال العام 1904، وأيضاً خلال سنوات الثورة، طالما شكى لينين في خطاباته لمؤيديه القريبين داخل روسيا من الافتقار إلى قيادة مركزية داخل البلد نفسها، وكذلك من ضعف الاتصال بالقيادة بالخارج. وفي خطابه الذي كنت قد أشرت إليه سابقاً في 11 فبراير 1905 إلى أ. بوجدانوف وإس. جوزيف، كتب لينين:

“حسناً إذن.. نحن نتحدث عن التنظيم، عن المركزية، في حين نجد هذه الدرجة من غياب الوحدة، والهواية، حتى بين أقرب الرفاق إلى المركز، إلى درجة تجعل المرء يشعر بأنه على وشك التخلي عن كل ذلك باشمئزاز” (74).

“لدى المناشفة أموالاً أكثر، أدبيات أكثر، وسائل نقل أكثر، عملاء أكثر، و”أسماء” أكثر، وصف أكبر من المساهمين. وسيكون على سبيل الطفولية التي لا تُغتفر ألا نرى ذلك” (75).

وفي خطابه إلى أمانة مكتب لجنة الأغلبية، في 29 يناير 1905، كتب:

“لديّ كل الحق كي أطلب منكم ذلك. أرجوكم وبّخوا راخميتوف.. نعم وبّخوه جيداً. لقد أرسل خطابين فقط طوال 30 يوماً. ماذا تظنون حيال ذلك؟ لم نتلق أي إشارة منه، ولا سطر واحد لفبريود، ولا كلمة واحدة عن العمل أو الخطط أو الاتصال. إنه عار لا يمكن تقبله ولا تصديقه. سيصدر العدد الرابع من فبريود خلال يوم أو اثنين، وبعده مباشرةً بعدة أيام سيصدر العدد الخامس، دون أي مساعدة من راخميتوف” (76).

وفي خطاب آخر للجنة المركزية لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي في 11 يوليو 1905، كتب لينين: “الإحساس العام داخل الحزب أنه لا وجود للجنة المركزية، أنه لا تأثير لها، ولا أحد يلاحظ وجودها. والحقائق تؤكد ذلك. وليس هناك أي مؤشر على أي توجيه سياسي للحزب من قبل اللجنة المركزية. إلا أن أعضاء اللجنة المركزية يعملون بأنفسهم حتى الموت. ما الأمر إذن؟”. ومن ثم ذهب ليوضح أنه:

“من وجهة نظري، إن واحداً من الأسباب الأساسية لذلك أنه لا وجود للأوراق الدورية من جانب اللجنة المركزية. والقيادة بواسطة الأحاديث الجانبية والاتصالات الشخصية هي محض يوتوبيا مطلقة. القيادة يجب أن تكون عامة وعلنية. وكل أشكال العمل لابد أن تكون كلياً وتحت أي ظرف خاضعة لهذه الطريقة. إن مسئول الدعاية في اللجنة المركزية عليه أن يكون منشغلاً تماماً بالكتابة (أو أن يجمع الإسهامات من الكُتاب، لذا فإن المحرر نفسه يجب أن يكون دوماً جاهزاً للكتابة)، ورقة واحدة مرتين في الأسبوع حول مواضيع حزبية وسياسية (الليبراليون، الاشتراكيون الثوريون، الأقلية، الانشقاق، مندوبي الزيمستفو، النقابات، إلخ)، وأن يعيد نشرها ونسخها على الفور بكل الطرق 50 نسخة (إذا لم تكن هناك ورشة للطباعة)، وأن يتم توزيعها على اللجان من أجل إعادة النشر. ربما يمكن استخدام مقالات “بروليتاري” في بعض الأحيان كأوراق من هذا النوع – بعد قدر معين من المراجعة. لا أفهم لماذا لا تفعلون ذلك؟ هل نسي شميدت وويرنر حديثنا عن هذا الأمر؟ هل من الممكن كتابة وتوزيع على الأقل ورقة واحدة في الأسبوع؟ لم يُطبع تقرير المؤتمر الثالث للحزب بكامله حتى الآن.. ياللعار” (77).

“من الواضح أن القيادة فشلت في فهم مهمات “العمل أمام أعين الناس”، ومن دون ذلك لن يكون هناك مركزاً، ولن يكون هناك حزباً. إنهم يعملون بكل طاقتهم حتى النخاع، لكنهم يعملون تحت الأرض في لقاءات سرية واجتماعات مع العملاء، إلخ، إلخ. إنها مضيعة للجهد.. إن القضية هي العمل، العمل طيلة الوقت بانفتاح، أن نتوقف عن الخرس، وإلا سنصبح نحن أيضاً معزولين تماماً” (78).

“لجنتنا المركزية.. تعاني من نقص الإصرار، من نقص الحساسية، من عجزها عن التميز السياسي في كل قضية في الصراع الحزبي” (79).

وفي خطاب إلى لوناتشارسكي في 2 أغسطس 1905، اتهم لينين اللجنة المركزية البلشفية بأنها أضعف تأثيراً في الصراع الحزبي من المناشفة. والمناشفة كما يقول:

“مشغولون دائماً.. مُفعمون بخبرة طويلة في الديماجوجية، أما بين رجالنا فيسود نوع من “الغباء الضميري” أو “الضمير الغبي”، لا يستطيعون خوض معركة، خجولون، ومحرجون، وغير فعّالين. إنهم زملاء جيدون، لكنهم ليسوا كذلك كسياسيين، يفتقرون للإصرار والروح القتالية والفطنة والسرعة” (80).

واللجنة المركزية، كما اشتكى لينين أيضاً، كانت تتجاهل القيادة بالخارج تماماً؛ فقد كان لديها:

“احتقار بالغ تجاهنا كـ”أجانب”، وتعمل على إبعاد كافة الأعضاء الأكفاء عنا، أو تأخذهم من هنا. ونحن هنا بالخارج نجد أنفسنا معزولين عن كل شيء. الناس غير قادرين على الفعل والنضال بأنفسهم. هناك نقصاً في المتحدثين في اجتماعاتنا.. ليس هناك من يقدر على الإمساك بالقضايا الجوهرية، ليس هناك من يقدر على أن يرفعنا من جينيف إلى نطاق القضايا والمسائل الأكثر أهمية. هناك معاناة حقيقية في العمل. في النضال السياسي أي توقف يعتبر قاتلاً. هناك الآلاف من المطالب، وهم في زيادة مستمرة” (81).

أولوية مسألة التنظيم

هناك فرق ملحوظ بين مفهوم المركزية الذي عبر عنه لينين في “ما العمل؟” و”رسالة إلى رفيق حول مهامنا التنظيمية”، وبين ما كان سائداً في الوسط البلشفي خلال أعوام 1904 و1905. وبالتأكيد هناك انقساماً شديداً بين الهيكل المثالي للحزب الكفء والفعّال الذي تصوره لينين في كتاباته، وبين ومنظمة الحزب المتداعية التي كانت متواجدة بالفعل.

كان على لينين أن يناضل، بكل الطاقات البلشفية تحت قيادته، من أجل بناء منظمة مستقلة تماماً عن المناشفة، بل وفي مواجهتها أيضاً، ومن أجل خلق ماكينة حزبية حقيقية. لقد وهب نفسه بالكامل تقريباً للنضال ضد المناشفة، إلى درجة، لا يمكن تصديقها على ما يبدو، أن كافة كتاباته خلال العام 1904 قد خلت تماماً إلا من ثلاث إشارات فقط إلى الحرب الروسية اليابانية، فيما كانت السمة الرئيسية السائدة في تلك الكتابات هي مسألة الانشقاق عن المناشفة. مجلد كامل من الأعمال الكاملة له، أحد أكثر المجلدات سمكاً، كان ممتلئاً بكتابات حول المؤتمر والانشقاق بأكثر الأساليب عنفاً وحدة وسجالية.

هل كان إذن من الجنون أن يتم التركيز على بناء الماكينة الحزبية في حين كان زلزال الحركة الجماهيرية يهز أركان الدولة؟ منذ العام 1900، أكد لينين مراراً وتكراراً على أن المهمة الرئيسية التي تواجه الحركة هي بناء الحزب الثوري. وفي 21 أبريل 1901، كتب إلى بليخانوف عن “أولوية التنظيم على التحريض في الوقت الراهن” (82)، وفي 1902، أعاد لينين الاقتباس من أرشميدس: “أعطنا منظمة من الثوريين المحترفين، وسوف نقلب روسيا رأساً على عقب” (83).

وعلى عكس ماركس وإنجلز، اللذان عاشا في فترة تمدد الرأسمالية وتوسعها وبالتالي لم يشددا بهذا القدر على أهمية التنظيم الحزبي، كانت راهنية الثورة بالنسبة للينين تعني أن التنظيم الحزبي هي مسألة فائقة الأهمية. وهكذا لم يكن بمقدوره مثلاً أن يكتب ما سطره ماركس إلى إنجلز في 11 فبراير 1851:

“تسرني كثيراً هذه العزلة العامة التي نجد فيها أنفسنا، أنت وأنا. إنها تتوافق تماماً مع مبادئنا وموقفنا. إن نظام التنازلات المتبادلة، وأنصاف الحلول من أجل الحفاظ على المظاهر، والمشاركة العلنية مع كل هؤلاء الحمقى في العبثية العامة للحزب، كل ذلك قد انتهى الآن” (84).

ولم يكن بوسعه أيضاً أن يكتب بما رد به إنجلز على ماركس في 12 فبراير 1851:

“أخيراً، لدينا الآن الفرصة مجدداً.. لإظهار أننا لسنا بحاجة إلى شعبية أو دعم من أي حزب أياً ما كان.. من الآن فصاعداً، نحن مسئولون أمام أنفسنا، وحينما تأتي اللحظة التي يحتاجنا فيها هؤلاء السادة، سنكون في موضع نتمكن فيه من إملاء شروطنا. وحتى هذا الوقت، سنحظى على الأقل بالسلام.. كيف يمكن لأناس مثلنا، يتجنبون المواقف الرسمية كما يتجنب الناس الطاعون، أن يجدوا أنفسهم في “حزب”؟.. الشيء الرئيسي في الوقت الراهن هو إخراج أفكارنا في إصدارات مطبوعة.. ماذا ستعني الثرثرة والفضائح التي ستشنها ضدك حزمة المهاجرين بمجرد الإجابة عليهم باقتصادك السياسي؟” (85).

بالنسبة لشخص يقع على هامش الصراع الطبقي، وحتى بالنسبة للكثيرين المنخرطين فيه، كان عامي 1903 و1904 يمثلان فترة من الصراعات، والنقاشات المطوّلة، والانشقاق بين البلاشفة والمناشفة، والجدالات التي لا تنتهي، والانشقاقات في الشق البلشفي نفسه، في وقت كانت روسيا فيه على شفا الثورة.

كان تروتسكي في ذلك الوقت يعتبر انشقاقية لينين بمثابة جنون مطلق. وفي كراس له في أبريل 1904، ذكر أنه “في الوقت الذي يضع أمامنا فيه التاريخ المهمة الهائلة لمواجهة الرجعية العالمية، لا يبدو أن الاشتراكيين الديمقراطيين الروس يكترثون بشيء باستثناء الصراع الداخلي.. يا لها من مأساة تمزق القلب.. ويا له من مناخ كابوسي ذلك الذي خلقته.. يكاد الجميع يدرك بالفعل الطابع الإجرامي لهذا الانشقاق” (86).

لكن لينين من دون شك كان ينظر من زاوية واحدة، فمهما حدث كان لابد من بناء الحزب الثوري وبشكل عاجل. لذلك عمد لينين في سنوات 1900 إلى 1904، بكل تماسك وإصرار وبلا هوادة، إلى بناء ماكينة حزبية، تلك الماكينة التي كانت، بغض النظر عن حيادها عن النموذج المثالي الذي تصوره، تحت سيطرته حينما اندلعت ثورة 1905. وكان قد أظهر بكامل الوضوح الموهبة والمهارة السياسية والتنظيمية والإدارية اللازمة لبناء مثل هذا الجهاز التنظيمي.

وفي الثورة نفسها، أوضح لينين أنه إذا كان من الضروري، إذا تخطت الجماهير قدرة الماكينة الحزبية واستعدادها للحركة، فإن عليه بشكل إرادي أن يتجاوز هذا التأخر الذي يصيب الماكينة الحزبية من خلال تحفيز طاقات العمال القاعديين.. لكننا لن نستبق القصة.

هوامش:

(1*) استخدم الكاتب الذي رد عليه لينين إسماً حركياً (العامل العملي – practical worker) في رسالته المنشورة في ملحق الإيسكرا – العدد 57. لم أستطع التوصل إلى شخصيته الحقيقية – المترجم.

(2*) كانت تلك حقاً أكبر ورشة طباعة في روسيا، كانت حرفياً سرية (في قبو تحت الأرض). كان يعمل بها سبعة من أعضاء الحزب شديدي التفاني والتضحية، وكانوا يعملون 10 ساعات يومياً، وعدد لا محدود من الساعات في حالات الطوارئ، بينما لم يكن للقبو أية وسائل تدفئة أو تهوية. ولعدم إثارة الشكوك، لم يكن يُسمح لأي من العاملين بالخروج من القبو خلال ساعات النهار، بينما كانوا يغادرونه فقط أثناء الليل لساعتين من الزمن في الهواء الطلق.

(1) Krupskaya, Memories of Lenin, op. cit., p.56.

(2) ibid., p.69.

(3) Trotsky, My Life, op. cit., p.152.

(4) Krupskaya, op. cit., p.78.

(5) Pisma P.V. Akselroda i Iu. O. Martova, Berlin 1924, vol.1, p.46.

(6) I. Getzler, Martov, London 1967, p.75.

(7) Lenin, Collected Works, vol.36, p.112.

(8) ibid., vol.36, p.113.

(9) Wildman, Making of a Workers’ Revolution, op. cit., p.241.

(10) Trotsky, Stalin, London 1947, p.39.

(11) Krupskaya, op. cit., pp.100–01.

(12) O. Piatnitsky, Memoirs of a Bolshevik, London n.d., p.57.

(13) Krupskaya, op. cit., p.71.

(14) Geyer, Lenin, op. cit., pp.319–20.

(15) J.P. Nettl, Rosa Luxemburg, London 1966, vol.1, pp.263–66.

(16) Krupskaya, op. cit., p.83.

(17) Vtoroi sezd RSDRP, Moscow 1959, p.374.

(18) Protokoly 2-go ocherednogo sezda zagranichnoi ligi russkoi revoliutsionnoi sots.-demokratii, Geneva 1904, p.57.

(19) Vtoroi sezd RSDRP, op. cit., p.169.

(20) For the draft submitted, see Iskra, no.21, June 1, 1902; for the program adopted by the Congress, see KPSS v Rezoliutsiakh, op. cit., pp.37–47.

(21) Lenin, Collected Works, vol.6, pp.502–03.

(22) Vtoroi sezd RSDRP, op. cit., p.169.

(23) Marx, Engels, Lenin, Anarchism, op. cit., p.103.

(24) Martow, Geschichte, op. cit., p.81.

(25) Perepiska Lenin, Collected Works, vol.7, p.363.

(26) ibid., p.286.

(27) ibid., p.395.

(28) ibid., p.31.

(29) ibid., vol.34, p.195.

(30) Krupskaya, op. cit., p.52.

(31) ibid., p.53.

(32) ibid., pp.92–93.

(33) ibid., p.217.

(34) Letter to P.A. Krasikov, April 5, 1905, Lenin, Collected Works, vol.36, p.145.

(35) ibid., vol.35, p.99.

(36) Krupskaya, op. cit., pp.229–30.

(37) ibid., p.76.

(38) Quoted in Trotsky, Stalin, op. cit., p.42.

(39) Piatnitsky, op. cit., pp.59–60.

(40) Trotsky, Stalin, op. cit., p.42.

(41) Lenin, Collected Works, vol.7, p.39.

(42) ibid., vol.18, pp.181–82.

(43) ibid., vol.34, pp.164–65.

(44) ibid., vol.7, p.206.

(45) ibid., p.404.

(46) ibid., pp.346–47.

(47) ibid., pp.147–48.

(48) Krupskaya, op. cit., p.79.

(49) ibid., p.89.

(50) Lenin, Collected Works, vol.7, pp.356–57.

(51) ibid., pp.391–92.

(52) ibid., pp.324–25.

مذكور في: لينين، “خطوة للأمام وخطوتان للخلف”، دار التقدم، موسكو، ص 136 و137. وقد اقتبس لينين هذه الفقرات من مقالة لكارل كاوتسكي في 1903 بعنوان “فرانز مهرينج” – المترجم

(53) Trotsky, History of the Russian Revolution, London 1934, p.1156.

(54) Lenin, Collected Works, vol.34, pp.200–01.

(55) Leninskii sbornik, vol.15, pp.249–59, 351–53.

(56) Lenin, Collected Works, vol.7, p.571.

(57) ibid., p.574.

(58) ibid., vol.8, pp.143–44.

(59) D. Lane, The Roots of Russian Communism, Assen 1969, p.71.

(60) Trotsky, Stalin, op. cit., p.43.

(61) Geyer, op. cit., p.410.

(62) Lenin, Collected Works, vol.34, p.245.

(63) ibid., vol.8, p.37.

(64) ibid., vol.34, p.303.

(65) Listovki Petersburgskikh bolshevikov, 1902–1917 gg., vol.1, Leningrad 1939.

(66) Lane, op. cit., p.74.

(67) ibid., p.101.

(68) V.I. Nevsky, Rabochee dvizhenie v ianvarskie dni 1905 goda, Moscow 1930, p.85; S.M. Schwarz, The Russian Revolution of 1905, Chicago 1967, p.65.

(69) Nevsky, op. cit., p.65.

(70) ibid., p.157; Schwarz, op. cit., p.67.

(71) Tretii sezd RSDRP, Moscow 1959, pp.544–45.

(72) Martow, op. cit., p.88.

(73) Lane, op. cit., p.72.

(74) Lenin, Collected Works, vol.8, p.143

(75) ibid., p.145.

(76) ibid., vol.34, p.293.

(77) ibid., pp.314–15.

(78) ibid., p.315.

(79) ibid., p.324.

(80) ibid.

(81) ibid.

(82) ibid., vol.36, p.78.

(83) What Is to Be Done?, ibid., vol.5, p.467.

(84) Marx and Engels, Werke, Berlin 1966, vol.27, p.185.

(85) ibid., p.186.

(86) N. Trotsky, Nashi politicheskie zadachi, Geneva 1904, p.4.

« السابق التالي »